في إحدى الغرف بالمشفى، كانت امرأة مسنة جالسة على سرير. لوحت بابتسامة خفيفة على وجهها وهي تنظر إلى التي أمامها. كانت ترتدي جاكت أبيض خاص بالأطباء وبطاقة تعريفها عند رقبتها، وترفع شعرها بطوق. "أصبحت بخير بفضل الله، أتمنى أن تهتمي بصحتك حتى لا نعود للوراء بعد كل ذلك." "أشكرك طبيبة أفيلا." قالت السيدة بابتسامة خفيفة مليئة بالامتنان والشكر.
أومأت أفيلا إليها ثم خرجت من الغرفة دون أن تنطق بكلمة أخرى. فتبعتها الممرضة التي كانت برفقتها. "أحضري أوراق المريض الآخر." قالت وهي تسير. أومأت الممرضة رأسها إيجابًا وهي تقول: "حاضرة." ذهبت لتلبية طلبها، بينما كانت أفيلا متوجهة لمكتبها الخاص. لقد مرت ثلاث سنوات، وكانت تلك المدة كافية لتحقيق اسم ومكانة خاصة وشهرة، وليس في المشفى فقط. فاكثر المرضى يدخلون مشفاها لها، لتفوقها وتعاملها معهم. لقد أثبتت مكانة لدى الجميع.
جلست على الكرسي بتنهد، إلى أن جاءها صوت عند الباب: "كثرت أعمالك." نظرت لصاحب الصوت لتجده عمر. كان يرسم ابتسامة مرحة على وجهه ويضع يداه في جيبه. قالت: "لا بأس بذلك." "لا تليق بك المشقة." قال ذلك بمزاح. قالت بلامبالاة: "هل انتهيت؟ "ليس بعد، جئت لرؤيتك ليس إلا." قال ذلك ببساطة ليغيظها. نظرت له، ليقاطعهم دخول الممرضة. استأذنت من عمر ودخلت لتعطي أفيلا الملف الذي طلبته. "سأذهب حتى لا أعطلك، أراك لاحقًا." قال ذلك وهو يخرج.
أومأت أفيلا وهي تتناول الملف بين يديها. "تحتاجين شيئًا آخر طبيبة أفيلا؟ " قالت الممرضة ذلك تعلن رحيلها. لترد عليها: "لا، شكرًا لك." أومأت برأسها وتتركها وتذهب. أمسكت الملف، وقفت، وخرجت من مكتبها متوجهة لغرفة إحدى مرضاها.
كانت تسير تتطلع إلى الأوراق وتقرأها بتوجس. ليقاطع قراءتها نبض قلبها الذي يزداد ويتسارع شيئًا فشيئًا بدون أي سبب. لتسمع دقاته من هنا وكأنه على وشك اختراق قفصها الصدري. شعرت بوخزة به ليؤلمها، فتضع يدها على قلبها ليهدأ، ولكنها تسارعت أكثر. وفي ذات اللحظة، تجد أحدهم يمر بجانبها لتشم ذلك العطر المميز الذي تعرفه جيدا ولا تخطئ في تعريفه. رفعت أنظارها، وما رأت حتى صدمت واتسعت قدحتا عيناها لتجده هو.. أنه كاسبر.
كان مار بتلك الخطوات الواثقة التي اعتادت عليها. كانت مازالت لم تستوعب ولا تصدق بعد ما تراه. تحدق في الفراغ من هول صدمتها. إلى أن عادت أنظارها إليه على الفور، لكن صدمت حين لم تجده. نظرت حولها تبحث عنهم وأين ذهب. لتركض على الفور تلحقه وكأنها لن تسمح له بالهروب.
لكن حين وصلت لنهاية الممر لم تجده. لتفتح غرفة التي على يسارها دون تردد، لكن لم تجده. لينظر لها المريض والممرضة باستغراب لفتحها الغرفة بهذه الطريقة. لكنها لم تبالي وذهبت لتبدأ بفتح الأخرى ويلقون أنظار متعجبة عليها. بينما عقلها مغيب، تقتحم الغرف تبحث عنه بلهفة.
لتركض، ظلت تدخل إلى الغرف وتركض، لكن دون جدوى. توقفت أمام المصعد للنزول، لكنه تأخر. فركضت على الدرج بأقصى سرعتها، كادت أن تتعثر لكنها اتكأت على الجدار. لم تهتم وأكملت، كأنها رأت روحها التي سلبت منه. نزلت لطابق السفلي وركضت وهي تنظر يمينها ويسارها، لعلى عيناها تلتقطه وكأنه يلعب معها الغميضة. إلى أن اصطدمت بجسد أحدهم. نظرت، وجدته عمر. ليقول باستغراب بعدما رآها: "ماذا بك؟
"إنه هنا، لقد رأيته، لم يمضِ." قالت ذلك تخاطب نفسها. فقال عمر بتساؤل: "عن من تتحدثين؟ "علي.. لقد رأيته." قالت ذلك وهي تذهب. لكن عمر أمسكها، تنهد وقال: "أهدئي يا أفيلا، كيف سيأتي علي؟ ثم إنه ماذا سيفعل في المشفى؟ "أخبرتك أني رأيته، لقد شعر قلبي بوجوده." أبعدته عنها وهي تذهب وتقول: "لن تسمع له بالهروب مجددًا، لن أدفع ليكمل تلك اللعبة التي يلعبها معي ويختبئ مني."
لتضيق ملامح عمر وهو يطالعها بقله حيلة. فكما قالت، لن تسمح له بالهروب مجددًا. لطالما كانت تراه بكل مكان تذهب إليه، وإن كان شبحًا أم طيفًا أم ذاكرتها أم عيناها من تهيأ لها لتروي شوقها منه ولو قليلًا. ذهب إليها، أوقفها وهو يقول: "حسنًا، لا بأس. لتستريحي قليلاً.. تعالي معي." لتنظر له بحنق وتصرخ به غاضبة: "أنا لست مريضة، ابتعد عني." نظر لها من غضبها الشديد وصوتها المرتفع وهو لم يقل شيئًا. فلما تنفعل هكذا؟ "دعني وشأني."
"أفيلا! دفعته بغضب لتكمل ركضها، ليتبعها لفرط قلقه عليها، فلا يستطيع أن يتركها بتلك الحالة. بدأت الدموع تسيل من عين أفيلا وهي تركض، وكان رأسها على وشك الانفجار وهي تبحث عنه كالمجنونة، لكن لا تجده. فأين قد ذهب؟ هل اختفى ثانيًا؟ هل أضاعته بغبائها؟ غبائها، لطالما كانت غبية.
أمسكت رأسها بضيق وحزن لتبكي بحرقة، أنها لم تجده، بل هلوسة من ضمن الهلوسات التي تراها. اقترب عمر منها، نظرت له بعين ممتلئة بالدموع والهيبة، ليحزن من رؤيتها هكذا. تنهد ثم قال: "لنذهب." لم ترد عليه خجلًا أو إحراجًا، أم لا يزال عقلها يتذكر طيفه. أخذها عمر، خرجوا من المشفى، فتح باب سيارته وأدخلها برفق ثم أقفله. وعاد للمشفى متوجهًا لمكتب الطبيب ياسر. دخل إليه بعدما استأذن. قال: "سأوصل أفيلا لمنزلها وأعود." "هل هي بخير؟
"لا بأس بقسط من الراحة، فهي تعمل كثيرًا." أومأ له بتفهم وسمح له بالذهاب وأن ترتاح جيدًا، فاومأ له برأسه ثم ذهب. خرج من المشفى وعاد لسيارته ليدلف لداخل. نظر لها، كانت صامتة، لا تتحدث ولا تنظر له. تنهد ثم ذهب.
توقف أمام عمارة كبيرة، ليترجل ويذهب بناحية أخرى، فتح لها الباب لتنزل ويذهبا. دخلا المصعد حتى وصل إلى طابق شقتها به. أخرجت المفتاح وقربته من الثقب، إلى أنه وقع من يدها أثر تشنج أعصابها. نظر عمر إليها، انحنى والتقطه وفتح هو الباب. دخلت، وجلست أفيلا على الأريكة، وعمر على الأريكة الأخرى مبتعدًا عنها. "إلى متى ستبقين هكذا؟ نظرت إليه باستغراب وعدم فهم.
ليقول بتفسير: "تهتفين باسمه ولا تخرجينه من قلبك، كيف سوف تكملين حياتك وأنتِ بهذه الحالة؟ تبدلت ملامحها لترد ببرود طغى تعبيرات وجهها: "ليس لك دخل بذلك." "لكنك مسؤوليتي، لقد أوصاني عمك بك." نظرت له لتقول بغير اكتراث: "أحررك من هذه المسؤولية إذا." لتقف وتذهب. نظر لها عمر بحزن، فعلم أنها هكذا تعلنه برحيله. فخرج وتركها دون أن يأخذ على كلامها. لطالما كان يفعل ذلك خلال تلك الفترة.
دخلت الحمام، فتحت الصنبور لتغسل وجهها، ثم خرجت. جلست على حافة السرير، نظرت إلى الكمود، فتحت درج لتأخذ علبة دواء بداخله. وكان به كبسولات ليست كثيرة. كانت على وشك البكاء. لتفتحها وتأخذ ثلاث منهم، ثم تدفعهم دفعة واحدة لفمها وتتناول كوبًا من الماء وشربته. ثم أقفلت العلبه وأعادتها لكونها. عادت لسريرها لتتمدد عليها وترفع الغطاء من عليها وتترك النافذة مفتوحة، يدخل ضوء القمر الخافت ينير تلك الغرفة التي فيها.
فهي تحب النوم وعيناها تثقب القمر، فتراه شبيهًا لها، يبدو منيرًا بضوئه الذي يظهره، إلى أنه في الحقيقة جسم معتم. تلك هي حقيقتها. لا تعلم لماذا حين تنظر له تجد ذكريات تحوم حولها. ليست ذكريات.. بل حاضرها. "هل أحببت من قبل؟ " قالت ذلك بتساؤل وهي ترتشف رشفة من فنجان القهوة الذي تمسك بكلتا يديها وتميل عليها. ليرد عليها بتلقائية: "لم أعرف الحب يومًا إلا بك." تسمت ابتسامة على وجهها من رده. نظرت له لتقول بمزاح وهي
تفعل بإصبعها حركة دائرية: "لأن وجهك به غموض يرعب من حولك." "لماذا لم ترتعبِ إذا؟ "لأني أحبك." قالت ذلك بابتسامة ممزوجة بالحياء. لينظر لها ويبتسم بهدوء ويقول: "لم أمنح أحد حق التجول في تفاصيلي، إلا أنتِ." "إنه لشرف كبير لي." ردت عليه ذلك ببعض المرح. لينظر لها، فتلتقط أعينهما ببسمة متبادلة تلوح وجوههم.
لتتغلغل الدموع من بين عينيها التي قد جفت من كثرة البكاء، والسواد من تحتهما يعلنان هلاكهم. تنهدت، ثم نامت وهي تضم نفسها بذراعيها، وكأن بتلك الحركة تجمع أشلائها لتشعر بنبذة من الأمان. فهي باتت وحيدة تمامًا، وحيدة من قبل الجميع، وهي من بنت تلك الوحدة. فهي تشعر بالراحة كلما ابتعدت عن الآخرين، وكأنها ترى من العدم اختلاطها بالبشر.
في اليوم التالي، وصلت المشفى، دخلت لمكتبها، ارتدت جاكتها وبطاقتها وخرجت لعملها. وجدت عمر واقفًا مع الطبيب ياسر، الذي نظر لها قال: "ظننت أنكِ ستبقين في المنزل." "لماذا؟ " قالت ذلك باستغراب. فرد عمر عليها مغيرًا الحديث: "لدينا عمل." "آه." "معلومات بتفهم." ثم ذهبت.
بينما هو خشي أن تضايق حين تعلم أنه أخبر ياسر أنها مريضة، فتفهمه خطأ وتظنه يدعي الجنون عليها كما تفعل عادة. لم يكن يعلم أنها تتعمد ذلك لتنفره عنها. لطالما كان بجانبها ولم يتركها ولا يكترث بما تقوله، بل تجده مرافقًا لها دائمًا. إنه من بقى معها لحد الآن. دخلت لغرفة، وقفت عند مكتب الكشوفات لتقلب فيهم تبحث عن ملف معين. "دعيني أساعدك." قال عمر ذلك. نظرت له، ثم عادت بأنظارها وتكمل لتقول: "أشكرك."
ذهبت بعدما حصلت على الكشف التي تريده. نظر لها وهي تذهب ليرن هاتفه، يقاطع شروده، وجده وجيد. رد عليها: "مرحباً يا عمي." "أهلاً يا عمر، كيف حالك؟ "بخير الحمد لله." "هل أفيلا معك في المشفى؟ "أجل." "هل هي بخير؟ "بخير، لا تقلق." "الحمد لله، أردت الاطمئنان عليها لأنها لا ترد على الهاتف." "من الممكن أنها منشغلة أو لا تسمعه بسبب المشفى." قال هذا تبريرًا لها.
بينما وجيد يدرك أنها لا ترد على أحد. كان لديه أمل أن تخيب ظنه تلك المرة. تنهد قال: "أتصل بك لاحقًا." "حسنًا." أنهى المكالمة ثم ذهب لعمله. في أحد الأيام...
في تمام الساعة الثانية والنصف منتصف الليل، كانت على ملامحها الضيق وتعقد حاجبيها، وكأنها وحشًا ما يطاردها، وتتسرب حبيبات العرق على جبهتها، لتفتح عينيها بفزع وتجلس على الفور تنظر لأركان الغرفة وكأنما تبحث عن أحد. لتدرك أنه لم يكن سوى حلمًا. بل كابوسًا، فزع مثل الذي يراودها بكل ليلة تنام بها. وكأن ليس من حقها أن تغيب عن العالم، بل عليها أن تبقى عيناها يقظة لتتوجع ولا تعطي لقلبها قسطًا من الراحة كي لا يزعجها. إن الموت هيّن من ما هي عليه.
مسحت بكفها وجهها ورفعت شعراتها المنسدلة على وجهها مبتلة. نظرت للنافذة، لتبعد الغطاء وتتوجه إليها تقف عندها. لتجد القمر محجوبًا بتلك الغيمات المزعجة وتمنع ضوئه من الوصول إليه. لتسمع صوت تصادمهم وأصوات الرياح التي تداعب وجهها. برغم برودتها، إلا أنها تليق بوجهها الذي يحمل همًا لا مثيل له. لتقرب يدها عند صدرها وتمسك بقلادة تلتف حول رقبتها.
تبث لقلبها الأمان: "تذكريني بها، لعل يأتي يوم وأصبح ذكرى سيئة في ذاكرتك، ذكرى نادمة على اختيارها." أغمضت عينيها بحزن خفي. لتسقط دمعة سالت من شدة قهرها لتقول بصوتها المبحوح: "الذكرى السيئة التي نادمة على اختيارها هي أنا.. أنا فقط، ليس أحد سواي." "لا أريد رؤيتك تبكين." لتنظر للصوت الذي أتى من ذاكرتها، لتجد طيفه يقف بجانبها ويرسم ابتسامته الهادئة. لتجده يقرب يده من وجهها ويمسح تلك الدمعة. لتبتسم والدموع تتجمع
في عينيها وهي تنظر له: "هذه مشاعر لا أستطيع التحكم بها." "تحكمي بها من أجلي."
أومأت رأسها بالطاعة دون تردد. لتقرب يدها لتلامس كفه الموضوع على وجهها. إلى أنها لم تلتقطها. ليقاطعها صوت الرياح القوي الذي تطايرت ستائره النافذة عليها، لتجده قد تلاشى من أمامها. لتبتسم ابتسامة مريرة. فتشفق دموعها عليها فتتحرر وتبدأ بالسيل. لقد هلكت روحها من كثرة البكاء والكتمان والصمت والتألم الوجع. ظنت أن حين تأخذ شقة لتمنع ذكرياتها من أن تحوم حولها. ذكرياتها معه. تريد أن تبتعد عن أي مكان جمعهم. سيحرسها من الحنون. إلى أنها قد حنت بالفعل، أنها لم تنساه قط ولن تنسى.
لم تعلم أنها كانت تهرب من لا شيء. كان هروبها من حياة أفيلا القديمة لسجن الذي أعدته لروحها. باتت حياتها ملخصة من العمل إلى المنزل فقط. حتى أنها لا ترى عائلتها أو تتواصل معهم قط. تكتفي بالجلوس بمفردها. ترى أن كل من يقترب منها ستسبب له الأذى كونها نذير شؤم.
في المشفى، بغرفة العمليات، كانت أفيلا وطبيب وثلاث ممرضات يقيمون بجراحة. ترتدي قفزات طبية وقناع وجه. تطلب منهم أدوات تحتاجها ليعطوها ما تريده، وممرضة جنبها تمسح عرقها، وأخرى الدماء من المريض. حتى توقفت لتعلن انتهاء الجراحة. نظروا لها، خلعت القفازات لترميهم في سلة القمامة، وأنزلت الكمامة من على وجهها لتأخذ أنفاسها. ثم التفتت وذهبت، تاركة إياهم ليكملوا ما يلزم.
وجدت امرأة وفتاة صغيرة في الثامنة. التي فور رؤيتها ركضت إليها لتقول من بين بكائها الطفولي: "أبي بخير؟ نظرت أفيلا إليها وهي عند ساقيها لقامتها القصيرة. رفعت انتظارها للمرأة التي كان الخوف والقلق يمتلك تعبيرات وجهها. لتجد الطفلة تمسك جاكتها بقبضتها الصغيرة. نظرت لها لتقول: "انه الآن بأحسن حال." قالت ذلك لتطمئنها. لتقول زوجته بلهفة: "هل نجحت العملية؟ أومأت أفيلا رأسها إيجابًا. "أين هو؟ " قالت الطفلة ذلك.
فردت عليها: "إنه نائم الآن، سيفيق عما قريب." لتبتسم وتمحي الحزن الذي كان عالقًا في ملامح صغيرة مثلها. لتندفع إليها وتعانقها. تفاجأت أفيلا كثيرًا، نظرت إليها وإلى هذا العناق الحاني. لترفع ذراعها بتردد تعانقها، إلى أنها اكتفت بأن تربت عليها بخفة. فتبتعد عنها. "أشكرك كثيرًا." قالت زوجته ذلك بابتسامة ممتنة. أومأت أفيلا لها، وقفت وذهبت. "طبيبة أفيلا." جاءها هذا الصوت وكانت الطفلة ذاتها تناديها. توقفت ونظرت إليها
لتقول بابتسامة بريئة: "أتمنى أن أصبح مثلك حين أكبر." "تتمنين الجحيم إذا." قالت أفيلا ذلك بوجهها الخالي من التعبيرات. التفت وذهبت تتركهم خلفها. دخلت المصعد ونزلت إلى الطابق الأسفل. خرجت، رأت ياسر من بعيد. سارت تجاهه. نظر لها قال: "نجحت العملية صحيح؟ أومأت أفيلا برأسها إيجابًا. ثم قالت: "هل تحتاجونني بشيء أم أغادر؟ "لا تستطيعين المغادرة، فلقد انتهى دوامك."
خرجت من المشفى متوجهة لإحدى السيارات المصطفة لتفتح بابها لتدلف. لكن توقفت للحظة. ألقت نظرة إلى الصيدلية القريبة منها. عادت بقفل الباب وذهبت. "أتريدين هذا الدواء حقًا؟ " قال ذلك الصيدلي بتساؤل. لتأومأ برأسها. قال: "منذ متى وأنتِ تأخذينه؟! لم ترد عليه، تنهدت. فعلم أنها لا تريد القول. "اسمعي، بحكمي طبيب وعلي أن أخبرك أنه يريح في البداية، لكن بعدها تظهر أعراض تضر بك وممكن أن... "أنا طبيبة." نظر لها بتفاجؤ.
لتردف قائلة: "أعلم ما هي أعراضه." "وتأخذينه؟ "أريد الذهاب." قالت ذلك تخبره أن يغلق الحديث وأنها غير مبالية. نظر لها، ذهب ثم عاد وأعطاها ما طلبته. أخذتها وذهبت بعدما دفعت. خرجت ثم توقفت عند الباب. نظرت إلى الدواء الذي بحوزتها. تنهدت ثم ذهبت. في منزل وجيد كانوا متجمعين على المائدة يأكلون. لتقول بهيرة: "لنذهب لأفيلا، لم نرها منذ مدة." قال وليد بغير اكتراث: "إنها لا تريدنا يا أمي." نظرت
إليه لترد بيري وهي تؤيده: "وليد محق يا أمي. أخذتها حياتها وتناست، لا أعلم إن كانت قاصدة أم لا. فأنا أعلم ما تعانيه، لكنني لم أنسَ أنها لم تحضر خطبتي." "الزموا الصمت إن لم ستتفهوا بالهراء." قال وجيد ذلك. نظروا إليه وصمتوا. ليقول معاتبًا إياهم: "سوف تعود كما كانت قريبًا، مسألة وقت ليس إلا."
لم يعلم هل يبرر لأولاده أم لنفسه. فعن أي وقت يتحدث. لقد تغيرت كثيرًا ولم تكن حتى عن ذي قبل. فكانت تراهم، أما الآن فهي انقطعت البتة. هل ستعاني من وحدتها هكذا كثيرًا؟ "لنذهب إليها يا بهيرة، فأنا أفتقدها." قال ذلك يعلنها بقراره. لتاومأ برأسها موافقة.
دخلت أفيلا شقتها، في يدها دواء وضعته على المنضدة والمفتاح. ودخلت غرفتها. بدلت ملابسها. سمعت صوت الباب، ذهبت وفتحت. وجدت عمها وخالتها. ابتسموا لها، بينما تفاجأت من زيارتهم. أفيلا أفسحت لهم مجالًا للدخول ثم أقفلت الباب وأضاءت الأنوار لتنير هذا الظلام الحالك الذي تعيش فيه. فهي تحب المنزل يكون عتمة يملأه السواد ويعم في كل ركن مثل حياتها المظلمة. أحضرت عصير إليهم ووضعته لهم وجلست معهم.
قالت بهيرة: "كيف حالك يا ابنتي، افتقدناك كثيرًا." "بخير، كيف حالكم؟ ليرد عليها وجيد: "نحن بخير." كان ينظر إلى الشقة قال بتساؤل: "هل تبقين هنا بفردك هكذا بين الظلام؟ لم ترد عليه، فتعلم كيف سينتهي ذلك النقاش الذي ملت منه. قال: "ألا تنوين العودة؟ تعالي امكثي معنا، إنه منزلك أيضًا." "لا بأس، أنا سعيدة هنا." قالت بهيرة: "نحن قلقون بشأنك يا أفيلا." "أنا بخير، أذهب للعمل وأعود، ممن القلق." "أنتِ لستِ بخير."
قال وجيد ذلك بإنفعال. ليكمل: "ما فائدة جلوسك هنا عن هناك؟ "لأني أريد ذلك." "لن ينتهي الأمر حتى تتزوجين وتعودي كما كنتِ." "أنا متزوجة بالفعل." نظر إليها باستغراب. ليجدها ترفع يدها التي بها خاتم زواجها الذي البسه لها. بينما وجيد نظر لها قال: "لكنه ليس معنا.. انتهى هذا الزواج منذ زمن." "لم ينتهِ، مدام هذا الخاتم لا يزال معي فلم ينتهِ ولن ينتهي." "أفيلا." قال هذا لتسمعه.
ليكمل بهدوء: "أقدر أنك كنتِ تحبينه، لكن مر الكثير للحد الذي يجعلك تنسيه." "أنك مخطئ يا عمي، أنني لا أزال أحبه ولن أنساه البتة." "لكن عليك أن ترى حياتك، تزوجي عمر، إنه يحبك، أنا متأكد أنه من سوف يسعدك ويستطيع أن يخرجك من هذا الجحر الذي تعيشين فيه." "عمر صديقي فقط، إلى متى سأخبركم بهذا.. لن أتزوج من أحد، عمر أو غيره." قالت ذلك بأنفعال. ليرد عليها بغضب
بعدما طفح الكيل بهدوئه: "هل تريدين أن تكملي حياتك على هذا النمط في هذا الظلام بين أربعة جدران لا تخرجين من بينهم؟ "وجيد اهدأ." قالت بهيرة ذلك لانفعاله. ليقول بغضب: "سوف تتزوجين يا أفيلا الآن أم بعد، ستتزوجين، لن أدعك تلقي نفسك على الهاوية وأقف أتفرج عليك. إنها حياتك، لكنني الواصي عليك من بعد أخي، أي يجب أن تسمعي كلامي لأني أريد ما في صالحك."
"بلغت السن القانوني منذ زمن، يحق لي التصرف كما يحلو لي دون وصاية." قالت أفيلا ذلك. لينظر لها من ما قالته وكأنها تخبره أنها ليست بحاجة إليه. وقف وهو غاضب وذهب. نظرت بهيرة إليها ثم وقفت وذهبت لتتبع زوجها. كانت أفيلا حزينة وتشعر بالضيق من حديث عمها وكلماته التي اندفعت منه. تضم يدها لبعضها وتجرح أصابعها بأظافرها وتنظر للاسفل بعين ممتلئة بالدموع: "اشتقت لك."
لقد عجزت من البوح ما بداخلها.. تألم بين دوامة صمتها. في لحظات ضعفنا ووحدتنا لا نستطيع القول "أنا متعب". أينما رميت بروحك فهي متعبة. نتألم ولا أحد يدري سوانا. يعجز الإنسان أحيانًا حتى في صمته. دخلت لغرفتها، ارتدت معطفًا وهو رداء يلبس فوق الثوب الخارجي لتدفئته. أخذت مفاتيحها وذهبت وأقفلت الباب بقوة. كانت أفيلا تقود سيارتها
وتفكر في كلام وجيد لها: «لا يعلمون شيئًا، لا يعلمون أنني أنا من قتلته بيدي ويطلبون مني الزواج. كيف لي أن أتزوج من أحد ويقترب مني غيره؟
لقد تحمل ما لا يحتمله أحد. أعطاني حبًا واهتمامًا لم أعطه إياه. ثم تطلبون مني نسيانه.. لم أقتل نفسي وأنهي حياتي حتى اليوم لأعاقبني له. لجعل الندم يهلكني يومًا بعد يوم، حتى يتوقف نبض قلبي من تلقاء نفسه من شدة ألمه. يعلم استلامه وأنه لم يعد يتحمل. لا أريد الراحة لي.. أريد العذاب.. كما فعلت به، أريد أن أقتل نفسي بالبطيء لأخذ بثأره مني.. لكنني أود الموت كثيرًا، أريده أن يأخذني إليه.. لقد اشتقت إليه حقًا. ليست المرة الأولى، بل هي عادتي بكل يوم ولكل ساعة بل شهيق وزفير التقطته أشتاق لك.. ولكن بصمت.»
كانت تقود السيارة بسرعة، ثم ضغطت مكابح فجأة. نظرت أمامها وجدت جرو على جانب الطريق. "على ماذا تنظر؟ " قالتها بتساؤل. لتلقي نظرة فتجد جرو صغير يلعب مع طفل. "لا أعتقد أن شخصًا مثلك يميل إلى الحيوانات الأليفة." "أصبتِ." "لماذا تنظر له إذا؟ "يشبه صديق قديم." نظرت له باستغراب قالت: "صديق! وماذا حل به؟ "قتلته." فتحت فمها من الدهشة واتسعت قدحتا عيناها. تسرب لقلبها الخوف. نظر لها وفلتت ضحكة عفوية منه. شكلها. لتضيق ملامحها.
"أترى المزاح بأخافتي؟ " قالت ذلك بغضب وهي تضربه بكتفه بقوة. ليضع يده مكان ضربتها بتألم قال: "إنك عنيفة." نظرت له ومن نبرته لتبتسم عليه. شعرت بحرقة في عينيها أثر دموعا بدأت في التعانق. تنهدت ثم فتحت الباب لتترجل منه. نزلت وسارت تجاهه بحذر كي لا ينقض عليها. فاكثرية الحيوانات لا تأمن لنفسها مع إنسان ولها الحق في ذلك. أوقات ندرك أن الله ميزنا عن الحيوانات بالعقل، إلى أننا ندرك أنهم بهم عقلانية أكثر منا.
لكنه كان ثابتًا لم يتحرك. جلست مقابله تاركة مسافة. نظرت إليه ثم لفت انتباهها جرح في قدمه. نظرت له بشدة ثم اقتربت منه ليعود للخلف. فرفعت يديها تهدأ. لتنظر لجرحه عن قرب وكان عميقًا. تلفتت حولها وكأنها تبحث عن شيء. ثم لمحت صيدلية من بعيد. "انتظر هنا، سأعود." ركضت أفيلا. ثم توقفت حين سمعت صوت تصادم السحاب ببعضهم تسقط قطرات ماء. لتنظر أسماء وتقول: "هل تدمع السماء؟ لقد سبقتني هذه المرة... يا الله، ألم يحن وقتي بعدل؟
لتردف بصوت ضعيف كأنما تود البكاء: "ألم يحن وقت اللقاء أم لا يزال العقاب مستمر؟ تنهدت ثم ذهبت أحضرت المظلة من السيارة وتوجهت نحو الصيدلية لتحضر ضمادة لتطيب الجرح الذي كان متلوثًا. خرجت من الصيدلية بعدما اشترت ما تريده ثم ركضت إليه سريعا حتى لا يكون قد ذهب. وأثناء وهى تركض وجدت ضوء شديد قريب منها. نظرت. سرعان ما اصطدمت سيارة بها. فأستلقت على الأرض.
فتح الباب ليترجل أحدهم وتسمع خطوات أقدامه تقترب منها. لتجده يحملها. نظرت أفيلا إليه. لكن الرؤية لم تكن واضحة ولم تستطع رؤيته. لتقفل عينيها باستسلام وغابت عن ذاك العالم... عجبا، هل استجاب الله ندائها بهذه السرعة وحقق لها رغبتها؟ هل ماتت أم وقعت بجحر أعمق من الذي فيه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!