كانت تجري بأقصى ما عندها بعد منتصف الليل، لا تعرف إلى أين تذهب، مرعوبة، والموت وراءها. "أنا كده خلاص هتسجن عمري كله، أنا قتلته! شافت باب عمارة كان موارب، دخلت العماره تتحامى فيها من ظلمة الليل وقسوته. استخبت تحت بير السلم لغاية النهار لما يطلع، وتشوف هتعمل إيه وهتصرف إزاي. ما قدرتش تغمض عينيها، خايفة، مرعوبة، كلمة قليلة عليها. أول ما حسّت إن نور الشمس بدأ يظهر، بدأت تتحرك وتخرج من العمارة.
اسمها لمار. ولدها هو اللي سماها الاسم ده. وفي مرة سألته وهي صغيرة، وكانت مستغربة اسمها لأنه مختلف: "ليه سمتني لمار يا بابا؟ قالها: "لأن معناه بريق الذهب والماس." هي فعلاً بريق، جمالها ساحر وروحها طاغية، عشان كده أبوها خلاها تلبس النقاب لأنه كان خايف عليها. وصلت أخيراً لمحطة مصر بعد معاناة من المجهود والتعب. قطعت تذكرة الصعيد، تحديداً أسيوط. جلست على كرسيها وهي تحمد ربها على هروبها. أخيراً أغلقت عينيها ونامت نوم عميق.
بعد ساعات، صحيت ولقت نفسها وصلت أسيوط. نزلت من القطر وهي خايفة، مش عارفة تعمل إيه، هتروح فين؟ فجأة، لقت واحد بينادي عليها: "انتي يا ست، انتي يا ست! بصت لمار وراها وهي قلقانة، لقت راجل كبير في السن. قالته: "أيوه يا ولدي، تحب أساعدك إزاي؟ الراجل الكبير: "تشكري يا بنتي. أنا الحاج إبراهيم، أبقى الغفير بتاع سرايا البكري بيه." قالته: "تؤمر بيه يا حاج، أسعدك إزاي؟
قال ليها: "هو انتي مش انتي المصراوية اللي جاية لشغلانة مساعدة الحاجة الكبيرة؟ فكرت لمار شوية وقالت بلهفة، وكأن ربنا بعتلها الراجل ده على شان ينجيها من الشارع: "أيوه يا حاج، أنا لمار، مساعدة الحاجة الكبيرة." استغرب الراجل أوي وقال: "هو مش انت المفروض يكون اسمك سمية يا بتي؟ بتوتر قالت لمار: "سمية حصل ليها ظروف، فبعتوني بدالها." قال ليها: "طيب اتفضلي معايا على شان نروح على السرايا. فين الشنطة بتاعتك أشيلها لك؟
رجع ليها نفس التوتر وقالت: "اتسرقت يا حاج." قالها: "إزاي ده؟ قالته: "كنت نايمة في القطر، صحيت ملقتهاش." قالها: "معلش يا بنتي، خير. بكرة تجيبي غيرهم وتعوضيهم." قالت: "الحمد لله يا حاج." أخدها على السرايا، وكانت جميلة، فيها جنينة كبيرة كلها شجر وزرع وورود. انبهرت بيها. دخلت جوه السرايا. فتحت ليهم فتيحة الخدامة. الغفير إبراهيم قال: "روحي يا بت يا فتيحة، نادمي على سِتّك
الحاجة الكبيرة وقولي له: أنا المساعدة المصراوية بعتك، وصلت ومستنياها." كل ده ولمار مبهورة من شكل السرايا، وعينيها بتلف في كل مكان فيها. طلعت فتيحة وبلغت الحاجة غالية باللي قاله ليها الغفير إبراهيم. نزلت على السلم بهيبتها ووقارها، بتسند على عكازها. لحتظة، كانت لمار خايفة. كانت ست في السبعين من عمرها. بدأت تتكلم معاها الحاجة غالية: "انت بقى سمية المساعدة بتاعتي اللي بعتك مكتب التوظيف؟
قالت لمار وهي متوترة: "أنا أبقى اسمي لمار. سمية اعتذرت لأن حصل ليها ظرف ومقدرتش تيجي." بصت لها الحاجة غالية أوي وقالت لها: "تعالي معايا على المكتب." وقالت للغفير أن يخرج، وأمرت فتيحة بكوبيتين عصير مانجا. كانت خايفة وجسمها بدأ يرتعش، وكانت تتمنى أنها تهرب من المكان ده، لكن الفرصة معدومة. دخلت معاها. قالت الحاجة غالية: "ادخلي واقفلي الباب وراكي." فعلاً عملت كده وقفلت الباب. قالت لها: "تعالي اقعدي قدامي هنا."
وفعلاً عملت لمار زي ما قالت. هي الخوف بيزيد عندها. الحاجة غالية: "ارفعي النقاب، خليني أشوفك." بدأت ترفع النقاب وهي إيديها بتتهز. ولما رفعته، الحاجة غالية اتفاجأت بجمالها: "بسم الله ما شاء الله، بدر في تمامه. سبحان من أبدع وصوّر. يا بتي، قوللي بقى انتي مين، ومتخبيش عليا حاجة. على شان أنا عارفة إنك مش من المكتب اللي طالبين منه مساعدة. ليه أنا اعتذرت ليهم بنفسي على شان مايبعتوش حد؟ ها، انتي إيه حكايتك؟
بدأت لمار الدموع تظهر في عينيها، والخوف بيتمالك منها، وحاسة إنها هيغمى عليها. حست بيها الحاجة غالية وحبت تطمنها، لأنها حست إنها بنت بريئة وبنت ناس. "متخافيش يا بتي، اعتبريني زي أمك. مش ممكن أقدر أساعدك." حست لمار منها بالدفء من كلامها، وطمنت نوعاً ما، وبدأت تحكيلها كل حاجة. **فلاش باك**
هي بنت وحيدة لأبوها محمد، مامتها ميتة وهي عندها 10 سنين. وعلى شأن أبوها كان بيخاف عليها جداً، خلاها تلبس النقاب. كانت حياتها مع والدها جميلة ومريحة. لغاية لما والدها تعب واكتشف إنه عنده سرطان القولون وفي مرحلة متأخرة. رجع البيت أبوها في يوم، بعد ما فقد الأمل في محاولاته أنه يلقى حل لعلاجه. دخل البيت وهو مهموم، خايف على بنته الوحيدة، لو سابها في الدنيا لوحدها، هتعمل إيه؟
الناس هتنهش فيها زي الكلاب، وأولهم مرات عمها وابنها الصايع. دخل البيت وقعد على الكرسي. لمار: "بابا حبيبي، اتاخرت ليه كده؟ قلقتني عليك، كنت فين؟ محمد والد لمار: "تعالي يا حبيبتي، اقعدي جنبي." وبدأ يتكلم: "بصي يا قلب أبوكي، انتي مؤمنة بالله وقوية، وهتخدي بالك من نفسك من بعدي." غصة بألم في قلبها: "ليه بتقول كده يا بابا؟ انت رايح فين؟ محمد: "أنا هموت يا لمار." لمار بخضة ورعب: "انت بتقول إيه يا بابا؟
متقولش الكلام ده، أرجوكم! محمد: "أنا عندي سرطان في حالة متأخرة، وكلها أيام وهقابل وجه كريم." لمار بانهيار: "لا، متقولش كده، حرم عليك! أنا مليش غيرك، ده أنا أموت معاك! لمار بهستيريا: "انت أكيد بتضحك معايا، عايز تعرف غلوتك عندي يا بابا. أنا مقدرش أعيش من غيرك، أرجوك متقولش كده." وهي بتمسك إيده وبتبوسها.
محمد وهو واخدها في حضنه: "أمر ربنا مش بإيد حد يا بنتي. أنا عايزك قوية على شان تقدر تعيش في الدنيا دي، واعرفي إنّي راضي عنك، وربنا أحن عليكِ مني." فضلت منهارة وبتبكي بحرقة، إنها ممكن في أي وقت تخسر أبوها اللي مالهاش غيره. هي أساساً عندها رهبة من الناس، إزاي هيسيبها لوحدها؟ هو حماها، ظهرها اللي بتسند عليه. لمار: "بتمسك إيده وبتعيط بقهر. أرجوك يا بابا متسبنيش زي ما ماما سبتني. هعيش من غيرك إزاي؟ أرجوك، أرجوك!
خدها في حضنه وطبطب عليها، وحاول يهديها، هو كمان حالته أصعب منها. يا ترى هتعيش إزاي من غيره، وابن عمها مش هيسبها في حالها؟ كان يوم من أصعب الأيام عليهم. ما عرفتش تنام طول الليل بتفكر إزاي ممكن تعيش من غير أبوها. تاني يوم، صحيت من نومها لقت محمد أبوها بيحضر الفطار. لمار: "صباح الخير يا بابا." محمد: "صباح الخير يا قلب أبوكي. يالا نحط الفطار على السفرة ونفطر بسرعة على شان نازلين." لمار: "هنروح فين على الصبح يا بابا؟
محمد: "هنروح الشهر العقاري على شان أنقل العمارتين ومعرض السيارات باسمك، والفلوس اللي في البنك هحولهم باسمك هما كمان." لمار باستغراب: "ليه يا بابا؟ محمد: "ما فيش وقت يا بنتي، ومرات عمك وابنها طمعانين ومش هيسيبوكي في حالك." لمار بدموع: "كل ده أنا مش عايزهم، أنا عايزك انت. تعال نسافر بره، إن شاء الله هتلاقي علاج. أرجوك يا بابا، على خاطري." محمد: "انتي فكرة إني محولتش؟
أنا بعت صور من الأشاعات لواحد صاحبي في إيطاليا، وكانت نفس النتيجة. صدقيني يا بنتي، على عيني." لمار: "نحاول تاني وتالت يا بابا، أكيد هتلاقي علاج." محمد: "طيب يا بنتي، تعالي نروح الشهر العقاري، وبعد كده نبقى نروح للدكتور." أخدها محمد الشهر العقاري وكتب كل ما يملك باسمها. وبعد فترة وهما راجعين البيت، قبلهم ابن أخوه سيد. سيد: "عمي، أخبارك إيه؟ " وهو عينه على لمار.
محمد: "الحمد لله كويس يا سيد يا ابني. يالا يا لمار يا بنتي نطلع." سيد: "إيه يا عم، مش طايق تقف معايا ليه كده؟ هو إذا حضرت الشياطين؟ وبي بص على لمار وكمل: "وذهب الملائكة." محمد: "يا ابني أنا جاي تعبان وعايز أطلع ارتاح." سيد: "طيب متجوزني لمار يا عمي، وأنا أشيل عنك كل حاجة. دي بنت عمي وأنا أولى بيها." محمد بضيق وغضب: "روح لحالك يا سيد وسيبني أطلع وأنسى الموضوع ده." سيد بنرفزة: "ليه بقى يا عمي؟
مشرفش، ده أنا حتى من لحمك وابن أخوك." محمد بعصبية: "لا، متشرفش يا سيد. بتشرب وبتاع نسوان، يبقى أجوزك بنتي إزاي؟ سيد: "برجاء، هتغير ياعمي وهعمل كل اللي انت تأمر بيه، بس جوزهالي." محمد: "روح لحالك يا ابني، بنتي مش ليك. يالا يا لمار." وسابه وأخد بنته وطلع. سيد بتوعد: "هنشوف ياعمي، غصب عنك هتكون بتاعتي." عدى أسبوع على بطلتهم. لمار داخلة تصحى محمد أبوها.
لمار: "بابا حبيبي، يالا اصحى. أنا عملالك فطار إنما إيه ملوكي. يالا بقى هتتأخر على الجامعة. يالا يا حبيبي قوم بقى." "بابا اصحى، بابا قوم بقى." وهي بتهز فيه ومش بيصحى. "بابا قوم، بابا ارجوك! وبكل القهر اللي في الدنيا، بصويت وانهيار: "بابااااااااااااااااااااااااا! نزلت مرات عمها سيدة وابنها سيد بيخبطوا جامد على الباب، بس لمار مش بتفتح، وسامعين صوتها من جوه. سيدة: "اكسر الباب ده يا ولد يا سيد بسرعة!
كسر سيد الباب. دخلو عليها لقوها بتهز في أبوها بهستيريا. سيد سرح في جمالها ومفرقش معاه عمه اللي مات. لمار كانت في دنيا تانية ومش حاسة بوجود حد. خدتها مرات عمها في حضنها تحاول تهديها. وصرخت في وش ابنها: "روح يا سيد جيب دكتور من الصحة يكشف عليه! فاق من سرحانه وقالها: "حاضر ياما، هجهز كل حاجة. متخافيش."
وقال في سره: "أخيراً مات وغار في داهية. أخير الحلوة دي وكل ما تملك هتبقى بتاعتي. أه يا بت اللذينة، أحلوتي بزيادة. يعدي الدفنة بس، ولينا كلام تاني." فعلاً أدفن محمد. ولمار كانت منهارة على موته. بعد كام يوم من موت أبوه، مرات عمها بخبث: "بصي بقى يا لمار يا بنتي، انتي دلوقتي ماينفعش تباتي في الشقة لوحدك. الناس هتاكل وشن." لمار بتعب ومش قادرة لأي مناقشة: "أرجوكِ. يامرات عمي، سبيني دلوقتي وبعدين نتكلم."
سيدة مرات عمها: "ماشي، يكون في علمك، النهاردة بس. من بكرة هتكوني فوق، وهنكتب كتابك على سيد." وسبها ومشيت. لمار عمالة تفكر هتعمل إيه في المصيبة دي. مرات عمها وابنها مش هيسبوني في حالي. وعلى الساعة 12 بعد نص الليل، لقت اللي بيخبط عليها. لمار: "مين؟ سيد: "أنا يالمار، افتحي." لمار بقلق: "عايز إيه يا سيد؟ ميصحش كده، أمشي لو سمحت." سيد بخبث: "يا بنتي، مرات عمك بعتلك الأكل ده. انتي ما أكلتيش حاجة من الصبح."
لمار: "لا شكراً، مش جعانة. لو سمحت أمشي." سيد: "يا بنتي، أمي هتزعل، يعني تعملك الأكل وتتعب وأنتي ترديه كده؟ بصي، أنا هحطه قدام الباب وهسيبه وهمشي، وأنتي افتحي وخديه. لولا إن أمي رجليها وجعلها كانت نزلت أكلك بنفسها. بصي، أنا هحطه أهو، خديه على طول على شان القطط اللي على السلم." فعلاً بحسن نية فتحت لمار الباب، بس ملقيتش حاجة، ولقيت اللي بيزقها ويقفل الباب. لمار: "اتتفاجئت بيه. انت عايز إيه؟ اطلع بره!
سيد: "خلاص يا قطة، انتي بقيتي بتاعتي. قد إيه كنت بحلم باللحظة دي." لمار بخوف: "اعقل كده يا سيد، ده أنا بنت عمك من لحمك ودمك. ميصحش اللي انت بتعمله ده." حاولت تتخلص منه وتزقه، وهي بتجري اتكعبلت على الأرض، وهو انقض عليها زي الحيوان. سيد: "متخافيش، هتجوزك." وهو بيقطع في هدومها. لمار وبتحاول تخلص نفسها منه: "ابعد عني! اعمل حساب الميت ده، تربت عمك لسه منشفتش، وأنت بتنهش في لحمه! اتقي ربنا!
سيد: "ده أنا ما صدقت إني خلصت منه. هو لو كان وافق إننا نتجوز، ما كناش وصلنا لكده." ولمار بتحاول تخلص نفسها منه، وبكل عزمها زقته، ولقيت قدامها مقص على السفرة. وبكل قوتها، ادته في بطنه. مسك بطنه في ذهول منه ومنها. قعدت ترجع لورا. فاقت لنفسها لما حاول يقرب منها بصعوبة وبيحاول يمسكها. خدت بعضها وشدت ليها عباية ونقابها، كانت على الكرسي، وفتحت باب الشقة وفضلت تجري في الشارع لغاية ما وصلت الصعيد. **باك**
الحاجة غالية: "أهدي يا بتي، كفاية دموع. كفياكي يا نضر." لمار: "أنا قتلته يا حاجة! أنا بقيت قاتلة وهتسجن! منه لله، دمر حياتي." الحاجة غالية: "لا يا بتي، انتي بميت راجل. ده حيوان يستاهل الموت ميت مرة. إلا الشرف، متخافيش. انتي هتعيشي هنا واعتبريني أمك." لمار: "بس هعيش هنا بصفتي إيه؟ الحاجة غالية: "هتقعدي بصفتك المساعدة بتاعتي." لمار: "هو حضرتك عايشة هنا لوحدك؟
الحاجة غالية: "لا يا بتي، السرايا ده عايش فيها ولادي، الحاج يوسف ومراته أماني، وبنتهم خلود، وابنهم جاسور." يا ترى إيه اللي هيحصل لبطلتنا؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!