نظرت براء إلى حنين وقالت: -أنا كنت بقول عليكِ أختي، معقول تخدعيني كده! هي دي الحقيقة؟ وفي تلك اللحظة قال أحدهم: -لا دي مش الحقيقة! جاء الصوت من باب الشقة، فالتفتوا جميعاً نحو مصدر الصوت لينصعقوا عندما يروه أمامهم! كانت صدمتهم كبيرة جداً لدرجة أنهم قد فقدوا كلماتهم، وخصوصاً يامن. نهض من مكانه ونظر للواقف أمامه بعيون متسعة وقال: -كريم؟!!
لا يعرف إذا ما كان هذا حقيقة أم أنه مجرد حلم. دخل كريم إلى الشقة واقترب من يامن ليبتعد عنه برعب، وكذلك براء التي كانت تنظر له بصدمة. قال يامن: -أنت بجد! أنت عايش يا كريم! قال كريم: -أنا عايش.. اقعد وأنا هفهمك كل حاجة. مازال يامن في حالة صدمته تلك، ولكنه جلس مكانه وظل ينظر له بعيون متسعة وصمت، وكذلك براء حتى قال كريم: -اللي ياسر قاله ده نص الحقيقة بس. قالت براء بصدمة: -أنا مش فاهمه أي حاجة!
أنت إزاي قدامنا وبتتكلم كده؟ قال يامن: -يعني كل ده كدب! أنت مموتش يومها؟ حتى وصيتك كدب، كل ده كدب! تنهد كريم ثم قال: -يومها أنا اتصبت بس مموتش. -أنت كدبت عليا! هان عليك دموعي اللي نزلت عليك وحالتي اللي كنت فيها.. هان عليك تخليني أحس بكل ده؟ -ممكن تخليني أتكلم بس. صمت يامن وظل ينظر له، فقال كريم:
-قبل الحادثة أنا وصلت لمكانك يا براء.. بس مقدرتش أقول ليامن غير لما أظبط كل حاجة. واللي كان في نيتي أعمله أني أكتب لك نسبتي في شركتنا أنا ويامن عشان أحط والدة يامن قدام الأمر الواقع وشوية شوية توافق بيكي.. بس كل ده اتغير يوم الحادثة. قال ياسر:
-لما عرفت أن يامن وكريم عملوا حادثة روحت المستشفى بسرعة.. حالة يامن كانت صعبة جداً، لكن كريم كان عنده إصابة بسيطة وكسر في ذراعه بس.. وبعد فترة فاق واتكلم معايا، ولما والدة كريم سألت الدكتور عن حالته غيرت الموضوع بسرعة عشان هو مكنش ميت.. كان عايش. قال كريم: -لما فوقت يومها كنت أنت لسه في العمليات وياسر جالي.. وساعتها جاتلي فكرة تانية عشان أجمعك ببراء وهي.. أني أموت.
استيقظ كريم بعد ساعات من الحادثة وكان لديه جرح في رأسه وكسر في ذراعه، وبعد فترة استعاد بعضاً من قوته وجلس مكانه بتعب. غرق في أفكاره وحاول أن يتذكر أي شيء عن الحادثة ولكنه لم يصل لشيء. دلف ياسر واتجه إليه بقلق وقال: -كريم! أنت كويس؟ -الحمد لله.. يامن فين؟ -يامن حالته صعبة أوي يا كريم. قال كريم بخوف: -إيه؟!! أنا لازم أروح أشوفه. -أنت لازم ترتاح يا كريم. -أمي عرفت أني هنا؟
-لسه محدش يعرف أي حاجة عنك، كل التركيز مع يامن دلوقتي. -بلاش حد يعرف. نظر له ياسر بتعجب وقال: -محدش يعرف؟ مش فاهمك. -كل حاجة هتتغير.. ألغي موضوع الأوراق والتمليك اللي كنت هعمله لبراء.. دلوقتي هنعمل وصية! -أنا مش فاهم منك أي حاجة! وصية إيه؟ -مش عايز أي حد يعرف أني لسه عايش.. إلا أمي عشان عارفها هتتعب جداً.. لكن غير كده أوعى تبلغ حد بما فيهم حنين.. قولهم أني اتوفيت من ساعة ما وصلت للمستشفى. -وليه كل ده؟
-لازم أمثل أني ميت دلوقتي.. ده الحل الوحيد اللي ممكن يجمع براء ويامن تاني. صاح به ياسر: -بقولك يامن بيموت!! أنت بتفكر في إيه دلوقتي؟ -يامن مش هيموت.. هو قوي وهيرجع لنا من تاني أنا متأكد. بس لازم اجهزله كل حاجة لما يفوق عشان هو وبراء يرجعوا تاني.. هو هيتعب شوية بسبب خبر موتي أه، بس بعدها هيفرح جداً. -أنت متأكد من اللي بتقوله ده؟
-أيوه.. حالياً لازم نبدأ في الوصية.. والوصية بتاعتي هتكون أن براء ويامن يتجوزوا وهما اللي يربوا بنتي! وعشان هي وصية لازم تتحقق.. مين اللي موجود هنا؟ -مدام عاليا ووالدتك. -تمام.. هتروح تبلغهم دلوقتي أني ميت.. لكن أمي هاتها معاك تشوفني. خرج ياسر من غرفة كريم واتجه إلى عاليا وهبه والدة كريم، وعندما وقع بصرها عليه قالت: -ياسر.. أنت مخبي عني حاجة صح؟ أبني فين؟ صمت ياسر لتكرر هبه كلامها: -أبني فين يا ياسر رد عليا.
نظر لها ياسر وقال بحزن: -البقاء لله.. صرخت هبه بقهرة وسقطت مكانها، وجاءت عاليا على صوتها، وعندما وجدتها بتلك الحالة قالت لياسر: -هو في إيه؟ أيه اللي حصل؟ قالت هبه ببكاء: -كريم مات يا عاليا.. أبني مات! شهقت عاليا بفزع ونظرت إلى ياسر بدموع، قال ياسر: -كريم اتوفى من وقت ما وصل للمستشفى بس أنا مرضيتش أتكلم عشان حالة يامن.. أرجوكم بلاش حد يعرفه لما يفوق. قالت هبه: -طيب عايزة أشوفه لأخر مرة.. هو فين؟ تنهد ياسر بحزن وقال:
-تعالي معايا.. هو موجود في المشرحة.. شوفيه قبل ما يدفن. ثم أخذها وذهب من أمام عاليا، ولكنه بدلاً من المشرحة أخذها إلى غرفة كريم، وقبل أن تدخل إلى الغرفة قالت: -أنت بتضحك عليا يا ياسر.. أنت مش هتخليني أشوفه صح؟ دي أوضة عادية. أبتسم ياسر وقال: -ادخلي بس ومتقلقيش.. والله هتشوفي كريم. دلف هبه إلى الغرفة لتجد كريم نائم على سريره، وعندما شعر بها حاول أن ينهض من مكانه وساعده ياسر في الجلوس. انتفضت هبه بفرحة وركضت
نحوه بسرعة وقالت بلهفة: -حبيبي أنت عايش؟!! أنت كويس صح؟ قال كريم: -أنا كويس متخافيش. -أخس عليك يا ياسر ليه تقولي أن كريم جراله حاجة.. وجعت قلبي الله يسامحك. أمسك كريم هبه من يدها وقال لها: -أنا مهانش عليا أخبي عليكِ عشان كده هفهمك كل حاجة. وقال لها كل ما سيفعله خلال الفترة القادمة، وقد عارضته هي في البداية ولكنه أقنعها أن كل هذا لمصلحة براء ويامن، كما أنها سوف تساعدهم في إقناع براء إذا جاءت لترى ملك. قال كريم:
-ده كل اللي حصل يومها.. ولما عرفت أن براء جت ليامن المستشفى أتأكدت أن خطتي هتنجح وأن ربنا معايا في كل خطوة فيها. قالت حنين: -أنا مكنتش أعرف أن كريم عايش.. لحد يوم كتب كتابك على خالد.. لو تفتكري يومها وأنا راجعه من برا وشي مكنش يتفسر.. وقتها أنا شوفت كريم.
خرجت حنين من البيت حتى تشتري لها بعض الأغراض، وفي طريقها لمحت شخصاً ما يتتبعها بسيارته. سرعت من خطواتها أكثر وفجأة شعرت بيد توضع على كتفها. ألتفتت بخوف وقبل أن تتكلم تغيرت نظراتها إلى الصدمة!! قالت: -كريم!!
قالت أسمه ثم وقعت مكانها مغشياً عليها. حملها كريم بسرعة ووضعها في سيارته ثم تحرك بها ووقف في إحدى الأماكن الهادئة. ضرب وجنتيها بخفة وحاول أن يوقظها، وبعد لحظات استجابت له. عندما فتحت عيونها ووقع بصرها عليه صرخت بخوف، فقال هو: -أهدي مفيش حاجة والله. قالت حنين برعب: -أنت عايش ولا أنا اللي ميته ولا إيه؟ -أنا اللي عايش يا حنين. -أزاي!! بس هما قالوا إنك..
-كل دي خطة أنا عاملها.. بس واضح أن براء مصممة أنها تبوظ كل حاجة.. النهاردة كتب كتابها على خالد صح؟ -أيوه للأسف.. بس أنت عرفت منين؟ -أنا عارف كل حاجة يا حنين.. المهم أنتِ دورك في البداية كان أنك تقنعي براء بيامن.. دورك هيفضل زي ما هو برضو. -طب وكتب الكتاب!! -مش هيكمل.. يامن وياسر جايين بليل! قالت حنين بفرحة: -بجد! طب الحمد لله. -حنين أنا معتمد عليكِ. -متقلقش وراك رجالة.
أبتسم كريم، وبعد لحظات نزلت حنين من السيارة وعادت الصدمة إلى معالم وجهها. وكلما تتذكر أن كريم مازال على قيد الحياة تتسع عيونها بعدم تصديق. ثم عادت إلى بيتها وكانت على اتصال بكريم طوال تلك الفترة، وفي يوم كتب كتاب براء ويامن أرسلت له صورهم التي التقطتها، كما أنها كانت ترسل له صور لملك حتى يطمئن عليها. قال كريم:
-هي دي كل الحكاية.. أنا عارف أنك هتزعل مني بس والله أنا كل اللي كان يهمني أنكم تبقوا سوا.. أنا ضحيت بحياتي وبنتي لفترة عشانكم. نهض يامن من مكانه واتجه إلى كريم وظل ينظر له للحظات ثم قال: -أنا عمري ما هنسى اليومين اللي عيشتهم بعد ما عرفت إنك مبقتش موجود في الدنيا.. عمري ما أنسى دموعي عليك وأنا حابس نفسي في الأوضة بتاعتي.. أنت وجعت قلبي يا كريم حتى الوصية والرسالة أنت دوست على وتر حساس أوي جوايا.. ليه كده؟
كان ممكن أنا وبراء نرجع لبعض بطريقة غير دي.. ليه اخترت أن الألم هو اللي يجمعنا؟ -عشان أغير فكرتك عن الألم.. في لحظات وقرارات بتوجعنا أوي بس بعدها بتلاقي سعادة وراحة كبيرة.. مش دايما الألم بيجيب ألم.. في أوقات كتير بسببه الواحد بيرجع يضحك تاني. تجهت إليهم براء وقالت: -لما وعدتني قبل سنين أنك هتجمعنا أنا ويامن مكنتش متخيلة أنها ممكن توصل بيك لكده.
ظل يامن ينظر إليه ثم اتجه إلى غرفته بدون أن يقول أي شيء، وذهبت براء خلفه بسرعة. كانت عاليا تقف عند باب الغرفة تطالع كريم بصدمة كبيرة وبيدها ملك التي ركضت بسرعة نحو أبيها وارتمت في أحضانه. أحاطها كريم بيديه بسرعة وظل يقبلها باشتياق كبير وكذلك الطفلة الصغيرة. قالت عاليا: -معقول تعمل كل ده يا كريم! قال كريم بمزاح: -ما لو حضرتك كنتِ موافقة من الأول مكنش الواحد عمل كل ده.. بس أقول إيه بقى.
جلست براء بجانبه بصمت، وظهرت بعض الدموع في عينيه. أمسكت براء يده وقالت: -أنا عارفه أنها حاجة صعبة.. وأنا كمان زعلانه من اللي هما عملوه.. حاسه أنهم ضحكوا عليا.. بس بص للنص الموضوع الحلو يا يامن.. كريم عايش لسه! -مبسوط أنه عايش.. أنتِ مش متخيلة أنا حسيت بأيه وقت ما شوفته.. حسيت أن روحي رجعتلي تاني.. حسيت إني بقيت مركز للي بيحصل حواليا.. بس اللي عمله صعب يا براء.
-بس هو عمل كده عشاننا يا يامن.. بص للموضوع من وجهة نظره.. هو عنده حق لولا الوصية أنا مكنتش هوافق.. كريم صاحب بجد.. أنت متخيل هو حرم نفسه من بنته كام شهر عشانك! فكر صح يا يامن وكفاية وجع وفراق بقى. طرق أحدهم على الباب ثم دخل كريم عندما سمع صوت يامن. لمعت عيون يامن ونهض من مكانه، فقال كريم: -حقك عليا.. اعتبره مقلب يا سيدي.. فاكر زمان لما كنت برخم عليك كتير.. بس المقلب المرة دي رجعلك حياتك.
-المرة دي أنا اللي هقتلك بنفسي! ثم هجم عليه وضربه بقوة، ولم يدافع كريم عن نفسه بل تركه يخرج كل غضبه به. ظل يوبخه بشدة وكان كريم يبتسم بفرحة، وعندما هدأ يامن قليلاً قال الآخر: -أتصدق بالله كان واحشني خناقنا كده. -أنت معندكش دم!! أنت مش عارف أنا عيشت إيه الشهور دي. -خلاص بقى متبقاش قماص.. مكنش حوار عملته عليك يعني.. تعيش وتاخد غيرها.
ضحكت براء بشدة ودخلت حنين إليهم وهي تنظر إلى الأرض واختبأت خلف كريم ونظرت إلى براء بخوف. نظرت لها براء بعتاب فقالت حنين: -والله هو اللي قالي.. أنا مليش دعوة. أبتعد عنها كريم وقال: -لا والله! هي مش براء أختك وحبيبتك برضو؟ -لا.. أنت هتوقعني في مشكلة.. أنا مليش دعوة. قالت براء: -خلاص المرة دي هسامحك عشان كريم.. لكن لو كدبتي عليا تاني مش هسامحك. -لا خلاص والله. قالت تلك الجملة ثم ركضت نحوها بسرعة واحتضنتها، وبعد
لحظات ابتسمت براء وقالت: -طيب بالمناسبة دي.. أنا كنت عايزة أقول خبر كده. نظروا لها بتساؤل وقال يامن: -خبر إيه؟ نظرت له براء بعيون تشع بالحب واحمرت وجنتيها قليلاً وقالت: -هات إيدك. أمسكت براء يده ووضعتها على بطنها ونظرت له بترقب. لم يفهم يامن في بداية الأمر ما تحاول أن تقوله حتى استوعب على الفور لينظر لها بعيون متسعة، فقالت براء بفرحة: -أنا حامل.
نظر لها يامن بعدم تصديق والفرحة تشع من عينيه، وبدون أي مقدمات حملها بين ذراعيه والتف بها بفرحة كبيرة، ثم أنزلها بخوف وقال: -ده بجد! لا أنا قلبي مش حِمل الخبرين دول في يوم واحد.. حبيبتي. ثم عانقها بحب مرة أخرى وقد أدمعت عيون براء لردة فعله تلك، وجاءوا جميعهم على صوتهم عاليا وجمال وفاطمة وملك معها، وعندما عرفوا الخبر فرحوا كثيراً واحتضنوها بفرحة. وفي تلك اللحظة انتبهت فاطمة لوجود كريم فقالت بابتسامة: -ألا صحيح مين ده؟
أتجه إليها كريم وقال بابتسامة: -أنا كريم الخطيب. ضربت فاطمة صدرها وقالت بفزع: -المرحوم!! ضحكوا جميعاً وبالأخص حنين الذي ضحكت بصوت عالي. نظر لها كريم بابتسامة، ومن الواضح أن قصة حب جديدة سوف تبدأ. احتضنت عاليا زوجة ابنها بحب كبير وكذلك ابنها، وانسحب ياسر بعد لحظات. نظر يامن إلى براء فقالت هي: -لو بنت هنسميها رحمة.. ولو ولد رحيم. -قومي بالسلامة بس ونشوف الموضوع ده. تنهدت براء، فقال هو:
-أنا بحبك.. تعبنا وطلع عينينا كتير بس في الأخر انتصرت وخطفتك من الدنيا. -وأنا كمان.. أنت حب طفولتي وحياتي.. مفيش فراق تاني. نظر لها يامن وتكونت بعض الدموع في عينيه، ثم احتضنها بحب. « هفضل عند وعدي و أنتوا الاتنين هتتجمعوا في يوم بسببي» وفي النهاية لقد حقق كريم وعده وأثبت أن الصداقة الحقيقة لازالت على قيد الحياة.
وأخيراً هل تصالحت الدنيا مع تلك العيون البريئة.. هل أصبح قدر براء رحيم معها.. أقدارهم كانت بلا رحمة.. ولكن في النهاية هداهم الله بما كانت تتمناه قلوبهم. فصبر جميل..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!