كانت تجلس على سجادة الصلاة في هذه الغرفة البسيطة الخاصة ببنات العم مدني تدعي الله راجية أن يحمي زوجها وأصدقائه الذين أصبحوا عائلتها التي تحبها وتعلقت بها بشدة. ظلت تبكي بحرقة خوفًا من أن يصيب أحد منهم مكروه، ولكن لفت نظرها تلك الورقة المطوية فوق الفراش الصغير والتي قد أعطاها لها حسام قبل رحيله. اعتدلت في جلستها وجذبت الورقة فاتحة إياها لتجد مكتوبًا بها بخط يد زوجها الحبيب: "متخافيش يا هبة...
متخافيش يا حبيبتي ربنا عادل وهيرجعني ليكي ووقتها هقدملك في الجامعة المفتوحة زي ما وعدتك وهتبقى حياتنا هادية وجميلة زي ما أنتِ كنتي عاوزة... أنا كمان عاملك مفاجأة هتعجبك أوي هتلاقي فلاشة جوه الظرف شغليها على اللابتوب.. بحبك".
أمسكت الورقة تحتضنها بحب، فزوجها الحبيب حتى في هذا المأزق الذي هو به فكر بها ووضع لها ما يطمئنها عليه في غيابه. هبت من مكانها بسرعة باحثة بعينيها عن جهاز الكمبيوتر المحمول فوجدته بجانب الفراش على هذا المكتب الصغير، فأخذته وجلست أعلى السرير وهو أمامها وأخرجت ذلك الجهاز الصغير وبدأت في تشغيله، فإذا بوجه أبيها أمامها مما جعلها تتعجب بشدة، ولكنها لم تره مثل العادة بل كان يرتدي الملابس الخاصة بالحرم المكي. فإذا بها تقوم بتشغيل هذا الفيديو ليقابلها أبوها بابتسامة صافية تقسم بداخلها أن تلك هي المرة الوحيدة التي ترى فيها تلك الابتسامة، فإذا به يتحدث بصدق.
"إزيك يا هبة يا بنتي.... أنا عارف إنك زعلانة مني وجايز تكوني بتكرهيني كمان بس أنا يا بنتي ربنا نور بصيرتي... صحيح جات متأخر بس الحمد لله إنها جات وأنا مطمن عليكي مع جوزك راجل وباين عليه بيحبك أوي.... لما خدوني آخر مرة أنا قلت هيرميني في السجن لحد ما أعفن بس جالي وقالي إنك انتي اللي طلبتي منه يخرجني ووقتها قالي أنا اخترت فيك بس أنا عارف أنا هعمل إيه يريح الكل. وقتها قالي إنه هيسافرني أعمل عمرة مكنتش مصدقة.... أدمعت
عيناه بحزن على حالة ابنته: "مكنتش متخيل إنه ممكن يعمل فيا كده وهو شافني وأنا كنت هقتلك أنا أوحش من إنك تسامحيني يا هبة... أنا كنت في غفلة يا بنتي أنا دعيت كتير لأمك المرحومة على فكرة أنا كنت بحبها أوي بس منه لله الهباب اللي كنت بشربه أنا بطلت يا بنتي والبركة في حسام باشا جوزك هو اللي حطني على أول طريق التوبة والخير...
وأنا اللي طلبت منه إنه يساعدني أبعتلك الفيديو ده خلى واحد معرفة ليه معايا هنا دايما وبيعمل ليا كل حاجة... الناس هنا جميلة أوي يا هبة ولما عرفوا إني أبقى حمى حسام باشا زادوا المعاملة احترام وود... جوزك شخص محترم وابن ناس أوعي تفرطي فيه وربنا ينصركم ويفرحكم دايما زي ما طهرتوا قلبي وفرحتوه..... سامحيني يا هبة".
أغلقت الجهاز وأجهشت في البكاء وهي تدعو لله من قلبها على حفظ زوجها وأقسمت بداخلها أنه يملك قلب غير كل قلوب الناس هذه الدنيا. **********************************
يقفون أسفل العمارة السكنية الخاصة بهم وقد تجهزوا وارتدوا رغمًا عنهم تحت إصرار حسام ذلك اللباس الحامي من الرصاص فهو يريد الحفاظ عليهم بقدر الإمكان. زفر يونس بضيق وهو ينظر إلى سلالم العمارة الذي يهبط من عليها حسام برفق وهو يتحدث إلى أحد ويعطيه أوامر بمراقبة إحدى المناطق القريبة من هذا المكان الذي يقنط به ضاحي مع الفتيات. نظر نحوهم الإخوة بضيق وخاصة مصطفى الذي كان قلبه يلتهب ولا يستطيع الهدوء أكثر من هذا، فهدر به بحدة.
"انت ماشي تتمختر يا حسام.... ما تخلص يا أخي حس بينا شوية". تحدث حسام بعقلانية قائلاً: "اهدأ يا مصطفى انت بالذات تهدى خالص.... خلينا نعرف نتصرف بعقل". هدره مصطفى بغضب وقلب يتأكل من الخوف: "انت خليت فيا عقل..... دا انت حسابك تقيل معايا أوي بس بعد ما نطمن عليهم خلصنا بقى". تحدث يونس بضيق منهم: "مش وقته شغل العيال بتاعكم ده اهدأ يا مصطفى.... وانت يا حسام راعي شعورنا يا أخي ويلا بقى".
أومأ له وأزال غطاء السيارة وبدأ في تشغيلها، ولكن قبل أن يستقلوها وجدوا المعلم حسن وبعض رجال الحارة قادمين نحوه بـ هرولة وبجانبهم الشاب أحمد (حمص) . تعجب يونس كثيرًا وخصوصًا مع صياحهم باسمه. توقف ينظر تجاههم بتساؤل فوقفوا على بعد مسافة صغيرة وتقدم إليه حسن بقلق ولكنه قال بصدق وقلب يهاب عليهم تحدث بهدوء. "متخافش يا يونس....
أحمد سمع إن عندك مشكلة وقالي خير يا بني رقبتي سدادة ليك أنا مفهمتش منه أوي بس أنا ورجالتي وأهل الحارة كلهم رهن إشارتك يا حبيبي انت مش لوحدك يا يونس أنا في مقام أبوك ده انت ابن الغالي".
نظر لذلك الرجل الذي كلما مر الوقت أيقن أن كنوز الناس ليسوا فقط من عاشرتهم لسنوات بل يأتي أحدهم ويثبت لك خير هذه الدنيا ومنهم هذا الحسن ونعم الصديق والجار والأب الروحي لهم. تنهد يونس بحب ممزوج مع قلة صبره بسبب خوفه على حبيبته وزوجة أخيه. "اطمن يا معلم لما أحتاجك أكيد هكلمك وأنا عارف انت عمرك ما تتأخر عليا أبدًا.... ادعيلنا بس".
ربت حسن على كتفيه وهو يعلم أنه في حال لا تسمح بالجدال. استقلوا السيارة وقاد حسام بسرعة في اتجاه ذلك المكان وهو بعد كل عدد دقائق بسيطة يقوم بمهاتفة سيد للتأكد منه من هدوء الأوضاع وبقائهم في نفس المكان. ********************************** كانت زهرة تحاول جاهدة في معاونة سمية على هذه الولادة المتعسرة للغاية، فكانت سمية تصرخ بقوة وهي تشعر بكمية كبيرة من الألم وزهرة تحاول جاهدة في معاونتها بخبرتها القليلة في تلك المواضيع.
"لا مش قادرة يا زهرة.... بكت بقوة قائلة: "مش عاوزة ابني يموت يا زهرة اتصرفي". كانت زهرة حالها لا يقل رهبة من سمية، فهي تجلس أمامها وهي تنتظر فقط خروج رأس الطفل لتكمل هي العملية كما كانت تشاهد جارتهم وهي تلد ابنها فلظروف قاسية اضطرت هذه الجارة أن تلد في المنزل. كانت متوترة للغاية ولكن الله بث في قلبها القوة لكي تكون سبب في إبقاء هذه المسكينة وطفلها على قيد الحياة. "اكتمي الصرخة على راس الطفل تنزل يا سمية.....
اجمدي يا حبيبتي علشان خاطر ابنك أرجوكي يا سمية أنا مقدرش أعيش من غيركم عشاننا وعشان مصطفى يا حبيبتي انت قوية وتتحملي حاولي تاني أرجوكي". بالفعل حاولت مرة أخرى في كتم صرخاتها وقد زاد ألمها أكثر وتشعر وكأن قطعة من جسدها قد انفصلت عنها متزامنة مع صوت بكاء طفلها الذي ملأ الأرجاء ومعه صرخات زهرة الفرحة. وقد رفعت رأسها للسماء تشكر الله بصدق وهي تنظر للطفل الذي بيدها غير مستوعبة أي شيء قائلة بتوتر من هول الصدمة.
"سمية سمية... انت عايشة". ابتسمت سمية بألم على تلك البلهاء: "أيوه عايشة... اطمني".
نظرت زهرة حولها بخوف عندما فتح الباب فتحة صغيرة وقد قذف أحدهم حقيبة سوداء بهدوء في اتجاه سمية ففتحتها بألم حيث كانت زهرة تحمل الطفل ولا تستطيع فعل شيء. فإذا بتلك الحقيبة بها بعض المطهرات وأدوات تعاونهم على إتمام عملية الولادة ومعها ملابس وسائل استحمام للطفل الصغير. زهلت عينيهم بشدة فمن المعقول أن يكون ذلك الصخر سافك الدماء حن على أخته وابنها قالت سمية بصدمة. فألقت منها زهرة سريعا هذا المقص الذي ظهر بوضوح في أول الحقيبة وقطعت الرابط بين الأم ووليدها.
"إيه ده بجد.... خديهم بسرعة يا زهرة ونضفي الولد ولبسيه عاوزة آخده في حضني الله أعلم هيحصل إيه كمان شوية".
أومأت لها زهرة بسرعة وقد فردت لها سمية إحدى الأقمشة النظيفة التي كانت بتلك الحقيبة وأراحت عليها جسد الطفل برفق وبدأت في تنظيفه وألبسته تلك الملابس التي جعلت منه ملاك بريء في كومة القمامة والخرده التي يقنطون بها. وبعدها أعطته لسمية التي أخذته بلهفة تشم رائحته الذكية وتقبله بحب. وما أن لامسته بيدها حتى استكان تمامًا وكأنه علم أن تلك هي والدته. نظرت لهم زهرة بحب وفرحة على نجاة حياتهم وبدأت تعبث في محتويات الحقيبة
باهتمام لتجد ملابس أخرى للطفل وملابس لسمية وزهرة أيضًا. تعجبت كثيرًا وأقسمت أن هناك شيئًا ما يحدث دون علمهم. اقتربت من الباب بحذر وهي تطرق عليه بخفة ليظهر أحد الرجال والذي من الواضح عليه أنه كان يتحاشى النظر إليها وينظر في الأرض بأدب. تعجبت أكثر وقالت بفضول.
"هو إيه اللي بيحصل هنا بالظبط... ومين اللي جاب الحاجات دي". تحدث الحارس بهدوء وأدب: "اطمني يا زهرة هانم... إحنا رجالة حسام ويونس باشا وصلنا حالا بس الواضح إنكم محستوش بينا بسبب صراخ الهانم أتمنى تكون الهانم كويسة هي والطفل". أومأت له في صدمة وهي تنظر حولها لتجد في الغرفة المقابلة لهم رجال ضاحي مكبلين ويظهر على وجوههم آثار الضرب والكدمات تملئ وجوههم. "طب وضاحي موجود؟ "لا يا هانم اطمني...
هو راح مكان مقدرش أعرف فين. الأوامر اللي عندي أخد حضرتك والهانم وأوديكي المستشفى اللي في الحارة وأفضل معاكم أنا والرجالة. يا ريت تجهزوا بسرعة المكان هنا مش أمان". نظرت له بخوف فهي لا تعرفه حتى تصدق حديثه ومن الممكن أن يكون مكيدة أخرى قد أعدت لهم. ففهم على الفور من نظراتها فقال لها بابتسامة هادئة. "اهدي يا هانم أنا بقول لحضرتك الحقيقة...
وعشان تتأكدي سيد ابن خالة يونس بيه جوزك هو واحد مننا وواقف بره بيأمن المكان ومستني مصطفى بيه يوصل وهو هيكون معاكم اطمني خالص".
أومأت له وبدأ قلبها يرتاح قليلاً ودلفت للداخل سريعا بوجه متبسم شاكرًا لله وقد أخبرت سمية بما عرفته ليشرق وجهها مع بعض الألم الذي وبالطبع لا زالت تشعر به. ولكن زهرة تقدمت منها سريعا تعاونها في الارتداء ومن بعدها ارتدت هي الأخرى وبدأوا في التحرك سويا. فقد دلف سيد إليهم كما طلبت زهرة لكي يكون قلبها مرتاح. فحمل منها الطفل برفق وهو يحمد الله على سلامتهم. فقد أتى بالرجال بعد خروج ضاحي قاصدًا تنفيذ خطته في صفقة السلاح تلك
قبل وصول الشرطة إليه. ووقتها استغل سيد الفرصة بعد توجيهات حسام له ودلف هو ورجاله وقضوا على كل رجال ضاحي. وكان سيد يحمل معه تلك الحقيبة الذي أعطاها الحارس لهم كاحتياط لأي شيء سيحدث. وقفوا قليلاً أمام السيارة يستنشقوا الهواء الذي قد سلب منهم في تلك الساعات القليلة التي قضوها مع ذلك المغتل كما أسموه. نظرت سمية حولها وهي تقول بأمل.
"سيد... فين مصطفى مش قلتوا هيجي". "متخافيش يا سمية هو كويس... هو بس هيسبقنا على المستشفى لأنها أقرب ليه من إنه يجيلنا هنا. إحنا عاوزين نطلع من هنا بأسرع وقت ووقتها كل حاجة تتحل".
أومأت له باقتناع فهي تعلم وتثق أن أي شيء سيفعلونه هو الصواب. استقلوا السيارة وسمية تحتضن ولدها بحب وزهرة بجوارها تتمسك بها وهي تحتضن ذراعها بحب أخوي وسعادة قلبها لا توصف. وسيد يقود السيارة وهي ينظر خلفه يراقب الطريق بحذر ومن خلفهم الحرس متجهين نحو المستشفى وقد بدأ ظهور الإعياء على سمية من جديد. **********************************
يقفون في إحدى الأماكن شبه الصحراوية يصفون السيارة ويغلقون أضوائها في انتظار قدوم ذلك الشخص الذي سوف يساعدهم في التخلص من هذا الضاحي للأبد. طال الوقت حتى حل الليل عليهم، وبدأ صوت أنفاسهما يعلو. بالطبع، من دون مصطفى، فقد أصر يونس عليه أن يذهب هو ويراعي النساء. فعلى واحد منهم أن يدبر أمرهن حتى تتطمئن قلوبهن.
تقدم أحدهم منهم، فسحب يونس سلاحه وجعله متخفيًا بجانبه حتى يكشف هوية القادم. فإذا به هو رجله المنتظر. فتح باب السيارة ونزل منها يلقي عليه السلام، ومن خلفه حسام. بدأ "الشيخ عامر"، كما يطلقون عليه، يشرح لهم ما دار. "متقلقش يا يونس يا بني... الكلب ضاحي موجود دلوقتي مع التاجر إياه، ورجالتكم محاوطين المكان وعاملين نفسهم رجالة الشيخ. ووقت الاستلام هيتقبض عليه...
متزعلش مني يا يونس، بس أنا مش عاوزك أنت تتدخل يا بني في الموضوع ده. أنا عارفك شايل منه ياما أوي، وأخاف تأذي نفسك." زفر يونس بضيق وهو يقسم إذا رآه سوف يمزقه إربًا. فهناك ألف سبب لا حاجة للتوضيح، فقد تمادى هذا الضاحي معه كثيرًا منذ سنوات. ولكنه أراد تحكيم عقله لآخر لحظة. أما للشيخ في هدوء وقال: "اطمن يا شيخ عامر...
أنا كل اللي عاوزه اطمن إنه أخد جزاؤه، وبعد عني وعن أهلي خالص. وكفايا عليه اللي عمله، أنا عندي عيلة مسؤولة مني." ناظره الرجل بفخر وقال: "عفارم عليك يونس... راجل وعاقل زي أبوك الله يرحمه. يلا دلوقتي الوقت هنطلع هنا، والرجالة هينزلوا لك بالتصوير وكل الأدلة علشان كل حاجة تبقى في السليم زي ما الحكومة بتحب، وتاخد حقك كامل إن شاء الله."
أومأ له في هدوء، وبدأوا في الصعود خلف الرجل. ومن ثم أشار لهم بالوقوف بجانب إحدى الفتحات الكبيرة في ذلك المكان. وبدأ في الاستماع لما يحدث بداخلها. ويونس ينظر بطرف عينيه حتى يفهم ما يحدث حوله، وحسام كذلك وهو ممسك سلاحه الناري وقد قام بتجهيزه لرد أي أمر.
بدأ التاجر في عرض الكثير من الصناديق المحملة بالسلاح، وبدا على ملامح ضاحي السعادة والانتصار. وبدأ يحسب ما سوف يجنيه من مال من كل تلك العدد المهول من الأسلحة. فوضع أمامه تلك الحقائب الكبيرة المليئة بالمال الذي أخذه من كل الأملاك الخاصة بيونس ومصطفى عندما ابتاعهم. وفي هذه اللحظة، التم جميع الرجال عليه فجأة من ظهره. وقبل أن يطلق أي ردة فعل، كانوا يكبلونه بقوة.
ودلف يونس وحسام ومعهما الشيخ عامر يقفون أمامه. عندما أيقن ما حدث به، تسلل الغضب إليه وعمى عينه أكثر، وبدأ يتفوه بكلمات غير مفهومة. "مش هسيبك يا يونس، هخلص عليك... هخليك تتمنى الموت. ضحك بطريقة غريبة ثم قال: خدتها منك يا يونس، حبيبة القلب... بس تعرف عندك حق، البت قمر. بس خلاص بقت بتاعتي وخدت منها كل حاجة كنت عاوزها."
أسلم صوت صفير القطار يخرج من أذن يونس الآن. لم يتحمل هذا الهراء الذي يخرج من فمه، فإذا به ينقض عليه، يلكمه بعنف حتى جعل أنفه ينزف الدم. وكاد أن يكمل، ولكن أمسكه حسام بسرعة يكبل يديه ويبثه بكلمات تجعله هادئًا. وأخذ الرجال ضاحي تحت الحراسة المشددة، وتحفظوا على الأموال، وأخذوا أيضًا الأسلحة النارية. حيث كانت من جلبها هم رجال الشرطة حتى لا يضر التاجر الذي امتثل الشرف بالطبع ونفى كل علاقاته لتلك التجارات وغيرها.
احتضن حسام يونس بسعادة وهو يهتف بفرحة كبيرة: "وأخيرًا يا عم، ده كان زي الهم على قلبي... شهور قليلة يا صاحبي من المحاكمة وحقك هيرجع ليك. واطمن، ضاحي وناهد خلاص مفيش ليهم أثر في حياتنا." زفر براحة وقال: "الحمد لله، أخيرًا العذاب ده انتهى... يلا بينا بقى، أنا مش قادر أستنى أكتر من كده، عاوز أطمن عليهم." اقترب منه حسام هامسًا في أذنه بتلاعب: "عليهم ولا عليها... نظر له بغيظ وقال: "ده أنت يا أخي بارد برود...
يلا يا بني قدامي." ضحك الجميع على مزاحهم، ومن ثم شكرهم يونس بصدق على مجهودهم معه. واستقلوا سيارتهم متجهين بسرعة للمشفى التي تقطن بها الفتيات. ***
كانت تجلس زهرة تضع يدها على معدتها وهي متسعة الأعين، لا تستطيع تصديق ما قالته لها الطبيبة منذ قليل. فعند سمية والطفل، أصر سيد بشدة على أن تفحص زهره أيضًا ليطمئن قلب ابن خالته على زوجته. فبدأوا بالفحوصات، ومن ثم عرضوها على طبيبة نسائية متخصصة. ووقتها أخبرتها بأنها حامل في شهرها الثالث، وكيف أنها لم تكتشف هذا من قبل. فرحت بشدة، لا تنكر هذا، ولكنها غير مستوعبة قليلاً. حيث أن تلك الحبوب المدمرة التي كانت تعطيها لها ناهد، أخبرهم الطبيب أن نسبة حدوث الحمل قليلة للغاية وشبه معدومة. ولكن من الواضح أن الله سبحانه أراد أن يعطف عليهم بحنانه بعد كل هذا العناء.
نظر لها سيد ضاحكًا على حالها قائلًا بتلاعب: "يا بختك يا ابن خالتي، البت مش مبطلة سرحان فيك... الحب بهدله والله." نظرت له بغيظ قائلة بغضب طفيف: "انت رخيم أوي يا سيد... ولما يجي يونس هخليه يشوف شغله معاك." امتثل الخوف قائلًا: "لا لا، وعلى أي أنا صم وبكم أصلاً." ضحكت عليه بخفة، ولكن قاطعها ركض مصطفى نحوها ويبدو عليه القلق الشديد. فوقفت بسرعة قائلة: "اهدي يا مصطفى...
كل حاجة زي الفل والله، اهدي. سمية كويسة الحمد لله، الدكاترة اهتموا بيها كويس... وجالك ولد زي القمر ما شاء الله وصحته كويسة على الرغم من إنه مولود في السابع." قائلًا بارتباك وعدم استيعاب: "هي فين دلوقتي؟ ابتسمت زهره بحنو على حاله وأشارت له في اتجاه الغرفة التي بجوارهم: "جوه هنا، سبتها ترتاح شوية، ادخلها عادي... ادخل يا مصطفى، متتخشبش لي."
أفاق من حالته ودلف للغرفة بالفعل، فوجدها ممددة على السرير تنظر له بابتسامة واسعة ودموع فرحة. فبوجود حبيبها ردت روحها إليها وارتاح قلبها. حاولت أن تعتدل لتجلس، ولكن ألم جسدها كان كبيرًا. هرول ناحيتها يساعدها، ومن ثم أخذها بين أحضانه وهو يضغط عليها، غير مصدق وجودها معه بعد كل هذه المدة. قد اشتاق لها بشدة. أبعد قليلاً كوب وجهها بين يديه، يمسح دموعها التي تساقطت من عينيها بحب، قائلًا بنبرة تقطر عشقًا:
"حسام، قلنا على كل حاجة... أنا أكيد زعلان إنك وجعتي قلبي عليكي طول المدة دي، بس أنا مش عارف أشكر ربنا إزاي إنه رزقني بزوجه زيك... أنا بحبك أوي يا سمية، أوعي تعمليها تاني." ضحكت بشدة وعيونها لا تزال تذرف الدموع قائلة بحب: "مقدرش يا مصطفى... أنت روحي، حد يعرف يبعد عن روحه. بص ابننا."
حقا، لقد تناسى أمر الطفل بسبب شوقه لها. نظر لهذا الكائن الصغير النائم براحة، غير مصدق. انحنى نحوه مادًا إصبعه يداعب وجنته وابتسامته على وجهه قائلًا: "ده ابني... ده جميل أوي، ولد صح؟ ضحكت بقوة قائلة: "أيوه ولد... هتمسيه إيه؟ "لا، أنا هسيب الاسم ليكي أنتِ، بعتيه أوي وأنتِ حامل فيه... قولي أي اسم، أنا موافق." فكرت قليلاً، ومن ثم لمعت عينيها قائلة: "طاهر... أي رأيك؟
اقترب منها جالسًا بجوارها، مقبلًا يديها قائلًا: "أجمل اسم... ربنا يجعله طاهر من كل ذنوب الدنيا، وحافظ لكتاب الله، وبار بينا وبيونس وزهرة." ضحكت من قلبها وأغرقت نفسها بين أحضانه التي قد اشتاقت لها كثيرًا قائلة: "ربنا يخليك ليا يا مصطفى... أنت أحسن واحد في الدنيا." *** انتظرت كثيرًا وبدأت في القلق على يونس، حيث قارب منتصف الليل ولم يأتِ بعد. وكلما سألت سيد، لا يرد بأي جملة سوى كلمة واحدة فقط: "جايين."
زفرت بحنق منه، ولكن لفت نظرها زوجها القادم من بعيد. فسرعت خطواتها نحوه، ترمي بين أحضانه في منتصف الطريق في هذا الدور من المشفى. "اتأخرت لي كده يا يونس... أنا قلبي كان هيقف عليك." نظر لها بعشق وعينيه تلمع كالعادة، ولكن هذه المرة كانت تلمع براحة أكثر من ذي قبل: "سلامة قلبك يا قلب يونس... ثم أكمل بغيظ: أعمل إيه يا عمي الرخم، حسام وقف العربية قدام بيت عم مدني علشان هبة هناك. مرضيش يوصلني، جيت مشي اتأخرت شوية."
ابتسمت بحب وهي تمحي آثار الأتربة من على وجنتيه بأطراف أكمامها بحب قائلة: "المهم إنك رجعت بالسلامة... وأنا شيفاك مبسوط. إن شاء الله كل حاجة تمام وخلصنا من الزفت ضاحي." أومأ لها بنعم، وصفقت بسعادة شاكرةً ربها. ولكنها تذكرت أمرًا مهمًا، فقالت بنبرة دلال: "يونس، عملالك مفاجأة كبيرة أوي أوي." رفع إحدى حاجبيه قائلًا: "خير يا رب." ضحكت بسعادة وهي تشير نحو معدتها: "أنا حامل في الثالث يا يونس، هتبقى أب يا حبيبي...
ربنا استجاب لدعائي." نظر لها ثانية واثنين، ومن ثم احتضنها بسعادة حاملاً إياها وسط ضحكاتها قائلًا: "بجد يا زهرة، متأكدة؟ "متأكدة جداً كمان." "هتجيبيلي عسلية صغيرة يعني؟ "أه، صحيح، عاوزة عسلية يا يونس! نظر لها بغيظ قائلًا بحدة مصطنعة: "تعرفي يا بت أنت... أنت حلال فيكي أروح أتجوّز عليكي." شهقت بصدمة وهي تلزقه في معدته بقوة، مما جعله يتأوه وهو يضحك قائلة: "يعني عاوز تتجوز عليا يا يونس، بقا كده؟
"منا قلتلك قبل كده يا زهرة... أنتِ بالنسبالي الست الوحيدة اللي فاضلة في الدنيا دي، مش هقدر أسيبك ولا هعرف أبقى مع غيرك... أنتِ بالسبالي." "آخر نساء العالمين"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!