بغرفة مهرة، بعد أن أنهت مكالمتها مع نهى، ظلت جالسة مكانها تفكر في رسالة معتز لها. هل حقًا تصرف بالأمر أم أنه يخدعها؟ ولماذا اختار نهى بالذات لإبلاغها؟ ولما كل هذه التحذيرات بعدم الخروج من المنزل؟ فكرت كثيرًا واضطربت أثر كل هذه المدخلات، ولكن أسعدها خبر أنه تصرف. ولكن كيف تصرف؟ هل مجرد أنه قرر الابتعاد عن أحمد دون مواجهة كما يفعل دائمًا، يعترض بصورة سلبية؟ أم أنه أخبر أحدًا بما يخطط له أحمد بهدف التحذير؟
أم أنه واجه أحمد بأخطائه وحاول نصيحته؟ وكأن معتز كان يستمع لخواطرها ويشعر باضطرابها، فمعروف عن المحب أنه يشعر بحبيبه. وبالفعل، في وسط تفكيرها، وجدت اتصالًا من معتز. لا تعرف أتجيب أم لا، ولكن لديها أسئلة كثيرة تريد الإجابة عنها. فأمسكت بالهاتف وأجابت بصوت خافت بالكاد صعد من حجرتها. "يااااه وحشتيني أوي ووحشني صوتك. عاملة إيه يا مهرة؟ تحمحمت مهرة لتجلي حجرتها وتحاول لملمة مشاعرها التي تبعثرت مع أول كلمة منه،
فقالت باختصار: "الحمد لله." ليسألها معتز: "نهى كلمتك يا مهرة؟ بلغتك باللي عايز أقولهولك؟ لترد مهرة برد مختصر، برغم رغبتها في سؤاله عما يدور بداخلها، فقالت: "آه كلمتني وقالتلي." ليستريح معتز ويحاول تأكيد رسالته، أو بالأخرى يحاول فتح مجال للحديث معها، ربما تتجاوب مع حواره،
فقال: "أنا اتصرفت زي ما قولتيلي على فكرة وكلمت آسر وبلغته بخطة أحمد، ومش بس كده. أنا كمان حاولت أنصح أحمد يبعد عن الطريق ده، بس للأسف حسيت إن شيطانه غالبه. فكنت عايز أكد عليكي متطلعيش من البيت خالص الأيام دي." ابتسمت مهرة وسعدت من داخلها أنه أصبح أكثر إيجابية أكثر مما توقعت، فخرجت كلماتها دون شعور منها قائلة: "بجد فرحانة، فرحانة أوي إنك عملت كده."
لا تعرف إحساسه الآن بعد سماعه لكلماتها. آه لو كانت أمامه لزرعها بداخل ضلوعه وأغلق عليها ذراعيه. انفرجت أسارير معتز قائلاً: "بحبك، بحبك أوي يا مهرة، ربنا يخليكي ليا وينورلي دايما الطريق." رمشت بأهدابها عند نطقه بكلماته تلك، وكأنه أيقظها على نتيجة كلماتها، فحاولت تهدئة حالها وتغيير مسار الحوار، فسألته مجددًا: "ممكن أعرف سبب إني مخرجكيش الأيام دي ليه؟
شعر معتز بمحاولة تهربها، فاحترم رغبتها، فهو يعلم كم خجلها الذي أذابه عشقًا، فحاول أن يرد على سؤالها ولكن بتهرب، فهو لا يريد الإفصاح عما يتوقعه الآن، فقال: "مش هقدر أقولك حاجة دلوقتي عشان اللي عندي مجرد إحساس مش أكتر، بس برضه الحرص واجب." لتومئ مهرة برأسها وكأنه يراها، ثم ردت عليه: "إن شاء الله."
ليسرع معتز محاولًا إطالة الحوار أكثر قائلاً: "على فكرة أنا بخطط لشركة جديدة هستقل بيها لوحدي، وإن شاء الله هتكوني معايا فيها. مهرة أنا بحبك بجد وعايزك شريكة حياتي كلها." عادت الابتسامة تشق ثغر مهرة وتضطرب أنفاسها، فأطبقت شفتيها وحاولت تنظيم أنفاسها قبل أن ترد بحيادية تامة، محاولة إنهاء المكالمة قبل تطورها في هذا الاتجاه، قائلة: "ربنا يسهل يا مه… مستر معتز، عن إذن حضرتك."
وأغلقت الخط سريعًا، واضعة يدها على صدرها محاولة تهدئة قلبها الذي كاد أن يخرج من بين ضلوعها راقصًا من فرحته. فشعرت حينها أنها فعلت الصواب حين قررت الابتعاد حتى تستطيع اتخاذ قرار صائب. فقد ابتعدت عما تحب مراضاة لله، فقد أرضاها الله برد لها ما تحبه وبصورة أفضل مما كانت تتخيله، فلم تكن تتوقع أنه سيصبح هكذا.
أما معتز بالجانب الآخر، بعد أن أغلق الخط، شعر بفرحة عارمة وكأنه امتلك الدنيا وما فيها. شعر بسعادة لم يشعرها في وسط ملذاته السابقة، فعلم أنها كانت ملذات زائفة تنتهي لذتها فور انتهاء الحدث، ولكن هذه السعادة يشعر أنها ستدوم وأنه في بداية الطريق الصحيح. *** في المشفي، خرج آسر من غرفة الطبيب بعد أن أطلعه على نتيجة التحاليل الأولية لفتنة، وظل يهرول في ممر المشفي حتى يلحق
جودي وهو يردد جملة واحدة: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم." وأحيانًا أخرى يحمد ربه على ابتعاده عنها، حتى وصل إلى غرفتها. وقبل أن يطرق على الباب، سمع حوارهم بالداخل: "أنا عايزة أعترفلك باعتراف خطير يا جودي، بس ارجوكي سامحيني عشان أنا حاسة اللي فيا مش كويس." "أنا سمعتك اتفضلي ومتقلقيش، صدقيني هتبقي زي الفل إن شاء الله." "بصراحة أحمد زميلك اللي كان زقني على آسر جوزك عشان أشغله، وهو اللي خطط لكل خطواتي."
سعلت قليلًا
ثم أكملت: "أنا بصراحة مكنتش عارفة هدفه الحقيقي إيه عشان أحمد حويط، مبيقولش كل حاجة لأي حد، بس كان كل اللي همني إني كنت بفكر إني هتجوز آسر وأتنغنغ في نعيمه شوية، ويا عالم يمكن كنت أتوب على إيده. أنا مكنتش كده، أنا كنت بنت زي أي بنت نفسي أحب وأتحب، ووقعت في واحد زي أحمد أوهماني بالحب لحد ما بقيت ماشية وراه زي العامية، ووقعت في المحظور. ومن ساعتها بقيت من إيد ده لإيد ده وبحاول أستمتع باللي فيه، ماهو مبقاش في إيدي حاجة تانية. لحد ما وقعت في إيد أحمد وبقي بيشغلني لحسابه، أوقع فلان، أتدلع على علان عشان يمشي صفقاته ويحقق أهدافه، وفي الآخر بنرجع لبعضنا."
جحظت عينا جودي لما سمعته، فلم يخطر ببالها أن أحمد بهذه الوضاعة، ولكن لما؟ لما فعل كل هذا؟ لماذا كان يريد التفرقة بينها وبين آسر؟
سمع آسر ما قالته فتنة، وكاد أن يدخل لها بكل غضبه ويخنقها بيديه، ولكن فكر أن يذهب إلى أحمد أولًا لينتقم منه. فجعل وجهته باب المشفي، وقبل الولوج منه، توقف مكانه مرة أخرى عندما تذكر مرض فتنة، وأنها كانت آخر مرة رآها بها كانت بصحبة أحمد بشقتها. وهنا سحب كمية كبيرة من الهواء عندما أدرك أن العقاب الإلهي قد سبقه، وارتاح قلبه وهدأت نفسه. ورجع مرة أخرى إلى الغرفة، وهو بطريقه صدح هاتفه، فأخرجه من جزلانه ليرى اتصال يزن، فأجاب عليه فورًا:
"أيوة يا يزن، عملت إيه أو وصلت لإيه؟ "متقلقش يا باشا، كل حاجة خلصت وعندي اعترافات كاملة عن الواقعة، ولو حابب أجيبلك أحمد من قفاه حالا أجبهولك، بس قولت أشوفك الأول عشان ننظم خطواتنا، وكده كده هو خلاص مش هيعرف بعمل حاجة." أطلق آسر تنهيدة استراحة ثم قال: "تسلم يا يزن، متعرفش أنت شيلت عني هم قد إيه. ده أنا عرفت بلاوي دلوقتي، لما أشوفك هحكيهالك. وبالنسبة لأحمد خلاص تقدر تقول ربنا أخد لي حقي وزيادة والله."
"تمام يا بشمهندس، ربنا يعينك. على العموم أنا تحت إشارة منك، ومتقلقش خالص واتصرف براحتك راحتك."
أغلق آسر الهاتف وقد وصل لغرفة فتنة مرة أخرى، فطرق الباب ودخل بعد أن أُذن له. وجد جودي مبتسمة بوجهه، فهم آسر سبب ابتسامتها. ثم حاول طمأنة فتنة عندما سألته عن نتيجة التحاليل، فقال لها متهربًا: "التحاليل عند الدكتور هيشوفها وهيقولك على اللي فيها، بس هو دلوقتي مشغول فمعرفش يشوفها. هستأذن أنا وجودي ونبقى نجيلك تاني نطمن عليكي إن شاء الله. حمدالله على السلامة."
ثم استقام وسحب يدي جودي، والتي كانت مستسلمة بدورها، واستأذن وخرجا، ولم يخبرها بنتيجة التحاليل، وترك هذه المهمة على الطبيب كما طلب منه. ذهبا آسر وجودي معًا بعد عناء طويل، وكأنهم كانا في ماراثون يلتقطون أنفاسهم بصعوبة، ثم توجها إلى السيارة، عازمًا أن يكمل ما كان يرتب له منذ يومين مضيا، قبل أن يوقع بينهم هذا الشيطان، في أن يأخذها لمكان بعيد يفصح لها عن اعتذاره وكل مكنونات صدره.
استقلت السيارة لينظر كل منهما للآخر، وكلا منهما يحمل بعيونه حديثًا طويلًا، ولكن الذي كان يجمع بينهما لمعة الحب التي كانت بعيونهم ما زالت مشتعلة ومتوهجة، وربما أكثر من الأول. لتسأله جودي قائلة: "إحنا رايحين فين؟ ليبتسم آسر قائلاً: "سيبيني نفسك النهارده خالص." ثم أدار محرك السيارة منطلقًا وكأنه يطير بها إلى مكان راقٍ.
دخلا بكازينو على النيل قد شهد على بداية تعارفهم، وجلسوا على نفس المنضدة، والتي وجدوها بالصدفة خالية، وكأن الزمن يعيد نفسه ليسمح لهم بالبداية مجددًا. حاولت جودي قطع الصمت وحرب النظرات التي بينهم، فقالت: "كنت عايز أقولك على اللي فتنة قالته." "سمعت… سمعت للأسف كل حاجة، وعرفت قد إيه أنا كنت أعمى ومين الشيطان اللي كان داخل يوقع بينا، واللي أنا للأسف اللي سمحت له يدخل ما بينا."
حاول آسر تقديم كل كلمات الاعتذار لها، فإذا كان يوجد شيطان أوقع بينهم، فالهم الأكبر عليه أنه هو من سمح لهذا الشيطان بفرصة الدخول إلى حياته. جلس آسر وجودي على المنضدة بالمطعم، ثم أمسك آسر كفي جودي بين يديه وقربهم من شفتيه وطبع قبلة طويلة ومعبرة، ليبث لها اعتذاره وامتنانه أنها ما زالت بحياته.
"جودي أنا فعلًا آسف، وحقك فوق راسي، وعارف إني مهما اعتذرت مش هوفيكي حقك. أنا عايز أعترفلك إني كنت فعلًا غبي ومش شايف قدامي، مشوفتش قد إيه كنتي متمسكة بيا وحاولتي ترجعيني عن طريقي بأكثر من طريقة، مشوفتش البيت الدافئ اللي كان بيجمعنا، مشوفتش الجو الأسري اللي بجد ميتعوضش ولا بكنوز الدنيا، مشوفتش الأمان وراحة البال اللي كنت عايش فيهم، مقدرتش وقفاتك جنبي وتحملك لظروفي، وإنك ولا مرة اشتكيتي. بس مهما أبرر لنفسي مقدرش أنكر إن انسياقي وراهم كان جزء كبير لدخولهم حياتنا بالشكل ده. علشان كده مهما اعتذرت مش هعرف أديكي حقك، بس أقدر أقولك أمري وأنا أنفذ، اللي تأمري بيه هعملهولك واعتبريه عربون صلح، بس المهم إنك ترجعيلي وتسامحيني على اللي فات."
استمعت جودي إلى كلامه والدموع تتساقط من عيونها، ثم سحبت يدها من يده عند انتهاء حديثه، فاستشعر آسر بالخطر من هذه الفعلة، فحاول تصحيح جملته السابقة: "أمري باللي انتي عايزاه غير إنك تبعدي عني، مش هقبل بيها أبدًا." ابتسمت جودي نصف ابتسامة وقالت له: "الموضوع كبر فعلًا عن إنه يتلخص في مجرد اعتذار. مش عارفة أقولك إيه يا آسر بعد كل اللي قولته. بس مهما أوصفلك مش هقدر أوصف إحساسي وقت ما عرفت أو شفتك بالوضع…"
وضع آسر يده فوق فمها قائلاً: "أرجوكي متكمليش، أنا مش مسامح نفسي أبدًا على لحظة جرحتك فيها، بس عندي أمل تديني فرصة تانية، وحياة حبنا، وحياة ابننا. أنا طالب منك تكوني أكرم مني وتسامحيني." رأت جودي الدموع تترقرق في عيون آسر، فعلمت أن الوضع جلل بالنسبة له وأيقنت صدق كلماته ومشاعره، فقالت محاولة
لملمة مشاعرها المضطربة: "أكيد مش هقدر أنسى حبنا ولا بيتنا ولا أنسى اللي بينا. وعشان كده حبيت أبلغك قراري إني مش هرجعلك، ولا أنت هترجع لشقتك تاني، إلا لو طلبتني تاني من والدي، وساعتها هفكر، وأنت شوف بقى ممكن تعمل إيه عشان تخليني أوافق أرجعلك ولا لأ."
شفت الابتسامة ثغر آسر ممسكًا بيدها مرة أخرى وطبع قبلة حانية بداخل كفها، بعثر بها مشاعرها، ثم نظر لها قائلاً: "ده أنا أطلبك من والدك ومن أنس ومن اللي رايح واللي جاي كمان، بس انتي ترضي عني." ابتسمت جودي وخجلت من كلماته ونظراته الوقحة، فنظرت لأسفل. ***
في الشركة، ظل أحمد يزرع أرض مكتبه ذهابًا وإيابًا، منتظرًا اتصالًا أو رسالة من حمدي يبلغه فيها بما حدث، ولكنه لم يتصل. أخذ يتصل هو عليه مرارًا وتكرارًا، ولكن دون إجابة. فارتدى جاكته والتقط مفاتيحه وهاتفه وسجائره، وانطلق إلى وكر ملذاته ينسى نفسه والوقت ويشغل باله بأمر آخر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!