كان ينظر إليها ببرود وكأن غضبه منها تطاير. ولكن خلف ذلك البرود كان محطمًا للغاية. لقد ذاق مرارة الخيانة للمرة الثانية! حطم قلبه للمرة الثانية، ولكن الذنب ذنبه. هو من وثق بها. أعطى لامرأة الأمان وهو هو يجني ثمار غبائه. شعر في تلك اللحظة كأن الجليد احتل قلبه. فبدل أن يقتلها هي وعشيقها كما فعل مع زوجته، نظر إليها بقرف وكأنها رخيصة لا تساوي شيئًا.
كانت تنظر إليه بصدمة. ابتعد عنها علي لتراقب الوضع الذي هي فيه. شعرها مشعث، ملابسها كذلك، وكحلها يسيل على عينيها. تلك الصورة جعلتها ترغب في التقيؤ. لقد شعر بالإشمئزاز منها. هزت دعاء رأسها وهي تتوسله بعينيها ألا يظلمها مرة أخرى، لكنه ابتسم ساخرًا واستدار وكاد أن يذهب. إلا أنها ركضت وهي تتمسك بكفه وتصرخ: -لا يا رائد أبوس إيديك متظلمنيش. اسمعني بس. ولكنه دفعها بعيدًا بقرف وقال:
-كفاية اللي شوفته يا محترمة. طيب كنتوا تقفلوا الباب عشان محدش يقاطع اللحظات الجميلة دي. قالها ببرود رغم روحه التي تغلي. ود أن يقتلها سويًا الآن، لعله يرتاح. ولكن لا، لا تستحق أن يلوث يديه بدماءها. كان علي متجمدًا وهو ينظر إليه برعب، ولكن بدا أن رائد لا يراه حتى. دفعها عنه وقال:
-متقلقيش يا دعاء مش هقولك ولا حاجة. أنتِ أرخص من كده بكتير. أنا يدوب أطلقك وأرميكي عشان ترجعي لأصلك الواطي زيك. أنتِ رخيصة وهتفضلي رخيصة دايما. والرخيص مش بنتعب نفسنا معاه. لا بنرميه تحت رجلينا. انسابت دموعها وهي تشهق بألم وتقول: -والله مظلومة، هو اللي هجم. -أنتِ طالق يا دعاء. مش عاوز أشوف وشك تاني.
لطمت دعاء ليطالعها بقرف ثم ذهب. وقعت دعاء على الأرض وهي تبكي وتلطم على وجهها حتى كادت أن تمزقه. تولول بكلمات لا تصل حتى لأذنها. ظلت تبكي وتبكي حتى فقدت الوعي تمامًا. لهث علي بعنف وهو يراقب ما حدث ثم خرج مسرعًا خلف رائد وهو يشكر ربه أنه لم يقتله. -دعاء... دعاء فوقي. صوت منال المرتعب انتشلها من كوابيسها. نهضت دعاء وهي ترتعش. رأت نفسها على الفراش وعم منعم ومنال وأخاها بجانبها. تساقطت دموعها وهي تقول بجنون: -منال...
منال ده كان حلم صح؟ أنا كنت نايمة هنا متحركتش من مكاني. كانت تتكلم بسرعة وبهذيان. جعلت منال تخاف عليها. أمسكت منال كفها وقالت: -لا يا دعاء أنتِ كنتي واقعة في الصالة. إيه اللي حصل؟ شهقت ووضعت كفها على فاها وهي تدرك أن ما حدث حقيقة وليس كابوسًا بشعًا، بل هي الحقيقة الأبشع على الإطلاق. لقد طلقها رائد. انسابت دموعها على وجنتيها وهي تلطم ثم انفجرت في البكاء بشكل أخاف منال ووالدها وبسام أخاها. أخذت منال تهزها بعنف وتقول:
-يا بت انطقي مالك؟ -رائد. -ماله سي زفت؟ -طلقني. -إيه؟ قالها عم منعم ومنال في وقت واحد. لتهز هي رأسها ثم بدأت تقص عليهما ما حدث بالضبط. بعد أن انتهت كانت تشهق وتبكي في حضن منال، بينما تجمد منعم ولم يعرف ماذا سيقول. -رائد اهدي ابوس إيديك.
صرخ لؤي به وهو يراه يدمر ما تلتقطه يداه. كان في حالة هياج لم يراها من قبل. بينما رائد كان لا يسمعه ولا يراه. كل ما كان يراه هو خيانة امرأتين أحبهما كثيرًا. ظن أن دعاء مختلفة تمامًا، ولكنها مثلها. رخيصة وخائنة مثلها. أوقفه لؤي بعنف عما يفعل وصرخ به: -اهدي... اهدي ابوس إيديك.
-شوفتها في حضنه يا لؤي. مقدرتش تستني. الهانم اللي أنت قولتيلي إنها ممكن أكون ظالمها كانت في حضن عشيقها. أنا اتخانت للمرة التانية. اتكسرت للمرة التانية، بس ده غلطي. غلطي إني وثقت في واحدة ست. كلهم صنف واحد، صنف رخيص. ودعاء أرخصهم. جلس على الأرض وهو يدفن وجهه بين كفيه بتعب. نظر إليه لؤي بإشفاق وجلس بجواره وهو يربت على كتفه. رفع رائد رأسه وقد ارتدى قناعه الجليدي وقال: -مفيش ست تستاهل إني أبكي عشانها يا لؤي.
أمسك كفه وقال: -لؤي خدني المكان إياه عايزة انبسط وأنسى. -رائد... -لا لا يا لؤي مترفضش. أبوس إيديك ساعدني. هز لؤي رأسه بإستسلام وقال: -تمام. كمان ساعتين أجهز وأنا هسهرك سهرة حلوة. ثم نهض لؤي وذهب. -أنا انتهيت يا منال. لو تشوفي نظرات رائد ليا حسيت إني رخيصة أوي في نظره. من غير تردد طلقني كأني مستاهلش فرصة أتكلم أو أدافع. ربتت منال على كفها وقالت بحزن: -كل ده بسبب علي. منه لله. هو عايز إيه منك الزفت ده؟
أخذت دعاء تبكي وتقول: -منه لله دمر حياتي. بعد ما قولت خلاص الدنيا ضحكتلي واتجوزت اللي حبيته هو دمر سعادتي. مسحت دعاء دموعها وهي تقول بغد: -بس وديني لأقتله. ثم نهضت بجنون وهي تخرج بمنامة البيت. -يا دعاء استني. صرخت منال وهي تركض خلفها. -بسم الله الرحمن الرحيم. طيب جاية. قالتها والدة علي وهي تشعر بأن باب منزلها سوف يكسر. فتحت الباب لتجد دعاء أمامها فقالت: -خير. عايزة إيه؟ دفعتها دعاء بعنف وهي تصرخ:
-فين هباب البرك بتاعك؟ علي فين؟ خرج علي من غرفته لتهجم دعاء عليه وهي تصرخ: -دمرت حياتي. منك لله جوزي طلقني بسببك يا حقير يا حيوان. ابتسم علي ابتسامة كريهة وقال: -أنا عملت إيه؟ أنا لبيت دعوتك وجيت. إيه شكلي مقدرتش أبسطك. جن جنونها. أخذت تضربه وتخربشه. صرخت والدة علي وهي تزيحها عنه، بينما أنت منال مسرعة هي تبعد دعاء عن علي. -سيبوني وديني لأقتله. امسكتها والدة علي ثم صفعتها بقوة ودفعتها خارجاً. هي تصرخ وتمسك شعرها:
-يعني إنتِ اللي رخيصة وجاية تلومي ابني. ثم صرخت: -تعالوا شوفوا يا ناس بنت الناس المحترمين اللي جاية تتهجم على ابني. التم بعض سكان البناية وهم ينظرون بفضول لتلك المعركة الطاحنة. دفعتها دعاء وكادت أن تضربها، لكن منال امسكتها وهي تقول بتوسل: -أبوس إيديكي يا دعاء كفاية. كفاية فضايح.
-وكمان هتمدي إيديك عليا. جاية تلومينا دلوقتي عشان جوزك طلقك. ما هو لو مكنتيش رخيصة مكانش طلقك. أنتِ فاكراني مش عارفة رسايلك لابني وكلامكم طول الليل. ما أنتِ لو محترمة مكانش جوزك طلقك. بهتت دعاء وهي تنظر إليها ثم فجأة هجمت على والدة علي وهي تصرخ: -حسبي الله ونعم الوكيل فيكم يا ظلمة. أشوف فيكم يوم.
بعد قليل، كانت دعاء تجلس في المنزل مع منال وهي تبكي. شعرها مبعثر وأنها ينزف. كلمات والدة علي أحرق روحه. لقد اتهمتها أنها هي من أغرت ابنها. ولقد صدقها الجيران. لقد أصبحت الآن بالنسبة للجميع امرأة رخيصة لم تستطع الحفاظ على زوجها لأنها خانته. -أنا اتفضحت يا منال. خلاص انتهيت. نظرت إليها منال بشفقة وحاولت أن تتكلم لتهدئها، ولكن دعاء أصبحت في حالة هيستيرية وهي تبكي وتصرخ. بعد ساعات، ابتسم علي وهو يتقدم منها ويقول بانتصار:
-رائد خلاص طلق دعاء. حياتهم اتدمرت نهائي يا هانم. ها دلوقتي أقدر آخد فلوسي. أطفأت سيجارتها في منفضة السجائر وابتسمت سميرة وهي ترجع رأسها للخلف وتقول: -برافو عليك يا علي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!