حين يعود من حافة الموت، لا ينظر إلى الأشياء كما نفعل نحن، الوردة ليست مجرد وردة بل معجزة صغيرة تشهد أن الحياة لا تزال تمنحه وقتًا. *** المكان: منزل مجهول. تحديدًا: غرفة القبو. شاهد أمير عزيز متوترًا ويبكي، فقرب منه ووضع إصبعيه على رقبته، كان هناك نبض بسيط فقال أمير بلهفة: "لسه فيه الروح، شيلوه معايا بسرعة!
نادى نوح بصوت عالٍ على الأرانب وأمرهم أن يأخذوا هذين الشخصين إلى بيته. حمل أمير وعزيز عيسى، وتقدم نوح معهم وهو يكتم الجرح الذي ينزف دمًا. كانوا يجرون به وأمير يقول: "نزف كثير، نريد أن نلحقه بسرعة! لم تنل منال من النزول من السيارة، لكنها خشيت أن يعرفوا أنها مشت وراءهم. وضعوا عيسى في السيارة وقاد أمير بأقصى سرعة، وخرجت منال وراءهم بالسيارة. الوقت كان فارقًا، هل سيلحقونه أم لا؟ لكن عيسى كان ينازع ورأسه
على رجل عزيز الذي يقول له: "لا تسبني وتمشي يا صاحبي، وحياة الأيام التي بيننا يا عقرب ما تمشي بالمنظر هذا." قال نوح وهو يرفع تيشيرت عيسى بالراحة: "في ثلاث جروح سطحية أصابت اللحم والجلد فقط، لكن في جرح رابع هو دا الذي سبب النزيف كله، سأكتمه بيدي لنلحق." شاطر نوح في التقطيع ومعرفة الجروح السطحية والعميقة، معه شهادة خبرة معتمدة من عائلة أمه.
وجد أمير مستشفى على الجانب، فأخذ اليوتيرن وركن السيارة. نزل الثلاثة وهم يحملون عيسى، ونوح يصرخ بأعلى صوته: "معنا واحد بين الحياة والموت، أي دكتور يلحقنا! جرى عدة دكاترة وممرضين عليهم وهم يحملون عيسى بحذر ويضعونه على الترولي. منظره كأنه ميت من كثرة الدم ومنظر التيشيرت وعدم استجابته! لكن الدكتور عمل نفس الحركة التي عملها أمير عند رقبة عيسى وقال بلهفة: "في نبض، لكنه ضئيل، على العناية المركزة بسرعة!
جروا بالسرير ووراءهم عزيز ونوح وأمير. وعندما أدخلوه العناية، أغلقوا الباب. لم تعد رجلا عزيز تحملانه، وأصبح ينهج من كثرة الجري والخوف، فجلس على الأرض وسند ظهره على الحائط وهو يأخذ نفسه. ومع كل نفس يأخذه، يشهق شهقة فيها بكاء. نظر نوح إلى يديه فوجدها غارقة بالدم، فبلع ريقه بتوتر وحزن. لم يخفه الدم أبدًا، لكن هذه المرة كان الدم دليلًا على فقدان غالٍ، فكان خائفًا منه. غطى أمير فمه بيديه الاثنتين وهو متوتر ويرتعش.
قال نوح وهو يبلع ريقه: "إيه اللي وداه لوحده هناك؟ قام عزيز وغضب الدنيا كلها فيه، وهو يمسك نوح من هدومه ويقول بعصبية: "مش عارف إيه اللي وداه، ما تنضف وتبطل وساخة، دا إنت قعدتنا مع الرجالة اللي كانوا بيأذونا عشان يسموا بدنُه ويعرفوه حقيقة أبوه، إنت أديته الحبل وقولتله إشنق نفسك بيه! فصل أمير بينهم وهو يقول: "يا جدعان بس بقى! الراجل بيموت جوه وإنتوا بتعملوا إيه؟ عدل نوح هدومه وهو ينظر بغضب إلى عزيز ويقول:
"مش هرد عليك دلوقتي، نطمن على عيسى بس وبعدها لينا رووقة." خرج اثنان من الممرضين يجرون، وزاد التوتر على الثلاثة الواقفين لا يفهمون شيئًا. *** المكان: حارة المنيل. خرجت والدة عيسى بجلابيتها المشقوقة وهي تصيح وجالسة على ركبتيها في الأرض تقول: "إنجدوني هاتولي عيسى، ابني مات يا ناس.. ابنيييييي! خرج يوسف جري والبوهيمي وهما يمسكان الولد الذي قال ذلك. هز يوسف الولد وهو يقول ببكاء: "إنت بتقول إيه!! عيسى مين اللي مات!!!
أبعد الولد يد يوسف عنه وهو يقول ببرود: "يا عم بقولك اتقتل مماتش! في ست كدا من الحكومة لابسة بدلة ميري قالت أبلغكم! نظر يوسف ببكاء إلى البوهيمي وقلبه ينتفض، والناس مجتمعة حول بثينة وأمها التي تصيح هي الأخرى. قال البوهيمي من بين أسنانه: "اتقتل يعني مات! قال الولد ببرود: "بيقول زمايله خدوه المستشفى وهو مقتول يعني مضروب بسكينة.. لسه مماتتش." قامت أم عيسى وهي تنظر إليه بغل ومسكت الولد ووقّعته على الأرض، وأصبحت فوقه وهي
تضربه وتخدش في وجهه وتصيح: "بتتبلى على ابني بالصوت الحيواني، دا أنا هقطعك بسناني هاكل مصارينك." ويوسف والبوهيمي يحاولون سحبها من فوقه. نظر يوسف فوجد مياسة واقفة في مدخل العمارة، وجهها أصفر ومسحوب سحبة صعبة، كأنها رأت عفريتًا. جرى عليها وهو يقول لها: "إنتِ كويسة يا ماسة؟ لم تكن قادرة على النطق. سمع صوت قمر بنت أخيه، فجرى داخلًا وجلبها ورجع لماسة وهو يقول: "مالك!! عيسى بخير في المستشفى مماتش!! فوقي!
لم تكن تعرف أن تتكلم ولا تتحرك، كانت كالمحمومة. والناس حملت بثينة في سيارتهم وجروا بها إلى المستشفى ومعهم أمها. كانت ليلة صعبة لا يوصف عليها سلطان حارة المنيل. قامت أم عيسى من فوق الولد بعد ما أهانته، وهي تمسك هدوم يوسف وتقول بصوت مبحوح من الصياح: "وديني لأخوك، أشوفه بعيني، هموت من بعده مستحملش فيه الشر، وديني عشان أراضيه.. لما أراضيه هيفوق." قال البوهيمي بضيق:
"هيفوق إيه يما، هو واخد ضربة شمس دا مطعون بالسكينة، نعرف منين هو في أنهي مستشفى." نظر يوسف حوله فوجد الولد فر بجلده وجرى، فقال بتكشيرة: "قال صحابه معاه، أنا معايا رقم عزيز هتصل أسأله." أمه بلهفة وبكاء وكل جسمها يرتعش: "طب اتصل، اتصل بسرعة." قربت نيللي من مياسة وقالت وهي تأخذ عنها قمر: "سيبيني أنا قمر وروحي معاهم عشان تتطمني على أصل عيسى، وبالله عليكم تطمنوني أنا لولا الحمل كنت جيت."
تركت مياسة قمر مع نيللي وقربت من يوسف وجسمها يرتعش كما لو أنها تترنح من الرعب والتوتر والخوف. فتحت فمها وهي ترمش بعينيها المليئة بالدموع، لم تستطع النطق. بعد رنين كثير من يوسف على عزيز، رد عزيز أخيرًا، فقال يوسف بلهفة: "إنت مع عيسى؟ عزيز بصوت راح من البكاء: "أيوة." يوسف بلهفة ورعب: "مستشفى إيه بسرعة؟ عزيز: "مستشفى (... أغلق يوسف معه وهو يضع الهاتف في جيبه ويقول بنبرة بكاء مكتومة: "يلا يا بوهيمي نروح، خليكي إنتِ يما."
لطمت أمه وهي تقول بصياح: "أخليني فين هعملها على روحي، خدني لأخوك." تحركوا كلهم، والبوهيمي قلبه يأكله على بثينة، لكن عيسى غالي عليه أيضًا. *** المكان: المشفى الخاص. تحديدًا: الردهة أمام العناية المركزة. وصل أهل عيسى، وكان واقفًا أمام غرفة العناية ثلاثي السفراء، دون الضلع الرابع الذي هو عيسى. والدة عيسى شفاهها كانت مضمومة، تحاول أن توقف البكاء حتى تتمكن من الكلام. ونظرت إلى عزيز وقالت: "عيسى يا عزيز، عيسى ابني ما مات؟
عزيز عيناه كانتا حمراوين من كثرة البكاء وقال بصوت مبحوح: "لسه فيه الروح، لكن نبض القلب ضعيف." ضرب نوح عزيز بكوعه حتى لا يتعب أم عيسى، وقال نوح وهو يحاول التماسك: "بإذن الله خير، متقلقوش." غطى عزيز عينيه بأصابع يديه وهو يمشي من أمامهم وذهب إلى التواليت لأنه كان صدره مليئًا بالحزن على عيسى. حاول أن يتمالك أعصابه في الحمام ولا يبكي وهو غير قادر على استيعاب ما حدث.
أما بالخارج، وقف يوسف عند باب غرفة العناية وهو راجع رأسه للخلف يتمتم بدعاء لأخيه أن يشفيه ويقومه بالسلامة. مر حوالي ثلاث ساعات حتى خرج الدكتور وهو يجفف عرق جبينه وقال بإرهاق وتعب: "إحنا هنستنى الـ 48 ساعة الجايين عشان نشوف حالته هتستقر ولا لا. محتاجين فصيلة دم تنفع لفصيلة دمه عشان عندنا عجز في بنك الدم، وهو نزف كثير." رفع أمير يديه وقال: "أنا اتبرعت له بدم قبل كدا." أشار له الدكتور أن يذهب مع الممرضة لتسحب منه دم.
قرب نوح بملامح متجهمة وهو يحاول أن يخفي غضبه وقال للدكتور: "حالته إيه دلوقتي بالظبط؟ بلع الدكتور ريقه وقال: "مأكذبش عليك، نبض القلب ضعيف جدًا. إحنا عملنا إنعاش كذا مرة لقلبه لغاية ما استقر النبض، لكن ممكن في أي لحظة يوقف! ودا اللي إحنا بنسعى عشان ميحصلش، هيرافقوه ممرض وممرضة بالمناوبة خلال فترة الـ 48 ساعة الجايين." مشى الدكتور من أمام نوح الذي ساند ظهره على الحائط وهو غير مستوعب أنه ممكن يفقد عيسى في أي وقت.
رجع عزيز من التواليت وكان قد أبلغ سيليا باللي حصل اختصارًا في الهاتف بعد ما قلقت واتصلت عليه. نظر إلى والدة عيسى التي كانت منهارة وترتعش، ولا تصدق أنها ستخسر سندها ابنها الكبير من بعد زوجها. ولنوح الذي كان دائمًا يكن له معزة خاصة لعيسى أكثر منهم جميعًا. ولأمير الذي فواجع الموت لا تلحقه دون توقف، مرة والدته والآن صديقه. ولنفسه، كان عيسى صديقه الوحيد والمفضل قبل أن يصبحوا جماعة وأصدقاء. كان يسمعه ويواسيه ويخرجون سويًا منذ زمن. جمعهم طريق الهلاك ألا وهو المافي.
يفكر عزيز كم كان مخطئًا وهو يمنع سيلا من الاتصال به، ويمنعها من رؤيته. بعد ما فعله نوح، فقد الثقة فيهم جميعًا. لم يقدر أن يتحمل، وكان يريد أن يبكي لكنه يمسك نفسه. قربت منه ممرضة وهي تحمل كيساً فيه هاتف عيسى والتيشيرت الأبيض الذي جاء به ملطخًا بالدم، وساعته والسلسلة التي كانت متدلية من رقبته. قرب عزيز منها، فأعطته الكيس وهي تقول بتعب:
"دي المتعلقات الشخصية بالمريض، لو تقدروا تجيبوا له هدوم نظيفة عشان لو ربنا كتب له عمر وفاق يلبسها، إحنا بنسيبهم في الأمانات لغاية ما يتخطى مرحلة الخطر، كمان لأن الجو بارد في المستشفى." عزيز وهو يشعر أنه سيقع من طوله: "تمام، هروح أجيبه أنا الحاجة." قال أمير لعزيز بهدوء: "أنا جاي معاك عشان نرجع هنا سوا."
كان عزيز مكشرًا بدلًا من أن يبكي، فتحرك نوح وأمير وراءه وهم ينظرون إلى مياسة الواقفة مبرقة وشكلها عندها صدمة عصبية، لا تقدر أن تفوق منها! خرجوا من المستشفى وركبوا سيارة عزيز التي ساقها وذهب ناحية بيته هو وسيليا. وقال بتعب: "هروح بس أطمن الجماعة وأغير هدومي وبعدها نتحرك بسرعة."
سند نوح رأسه على كف يده وهو لا يتحمل الألم النفسي والجسدي الذي هو فيه بعد ما رأى منظر عيسى. أن تقتل أحدًا أو تراه مقطعًا أمامك شيء، وأن يكون هذا الشخص أحدًا تحبه وله غلاوة عندك، فهذه حاجة أخرى لا تثبت. خوفك من فقدانه يتخطى اعتيادك على مناظر الدم.
وصل عزيز بسيارته أمام بيته وركنها. كانت سيلا واقفة في زجاج النافذة بالصالة بعد ما جرت عليه لما سمعت صوت سيارة جاءت. وبدأت تتنطط بسعادة وهي ترى عزيز أباها يفتح الباب وينزل من السيارة، وينزل أيضًا نوح وأمير. جرت على والدتها وهي تتنطط وتقول بفرحة: "بابا وعيسى جم، بابا جه، عيسى جه." صدمت سيليا ونظرت من النافذة فوجدت الثلاثي بدون عيسى. فارتعشت وهي تجري على سيلا التي جرت على باب البيت بسرعة وهي تقول بصوت عالٍ بسعادة:
"عيسى." فتحت الباب، فجرت سيليا عليها وهي تحضنها من ظهرها وواقفة تنظر إليهم، وترى ملامح الحزن على وجوههم. خبأ عزيز التيشيرت الخاص بعيسى وراء ظهره، لكن لمحت سيليا ولمحت الدم على هدوم زوجها، فشهقت وهي تلف وجه سيلا الذي لوى فمه وهي تقول بحزن: "عيسى ما جاش." حركت سيليا شفتيها بكلمة "مات؟ فحرّك عزيز رأسه يمينًا وشمالًا بمعنى لا. ارتبكت وهي تنظر إلى نوح وأمير، فقالت أخيرًا: "تعالوا اتفضلوا، كنت بغدي سيلا.. الغدا جاهز."
نوح وهو ينظر إلى الأرض: "متشكر بس هنستنى عزيز يغير عشان نتحرك." دخلوا البيت، فقالت سيليا وهي تلاحظ دم عيسى على هدومهم وأيديهم: "الحمام من هنا، خدوا راحتكم." صعدت مع عزيز فوق، الذي خلع تيشيرته وحذفه على الأرض بغضب. ثم جلس على السرير ووضع رأسه بين كفيه بقلة حيلة. دخلت سيليا وراءه وأغلقت باب الجناح وهي تقول بهمس حتى لا تسمع سيلا: "طالما مماتش، ليه وشوشكم عاملة كدا؟ وإيه كمية الدم دي، دا لو دبيحة مش هتنزل الكمية دي!
وقف عزيز وهو يدور بين هدومه على تيشيرت ليلبسه ويقول بفتور: "مطعون كذا طعنة صعبة، هو مماتتش بس لسه حالته مش مستقرة، وممكن في أي لحظة... كتم الكلمة، لم يقدر أن ينطق بها. فغطت سيليا فمها وهي تقول: "لا متقولش كدا، إحنا هنخرج برا مصر ومش هنرجع، وهنبقى كويسين كلنا." خرج سويت شيرت أسود ورماه على السرير وهو ينظر إليها وجفونه ترف، ويقول: "مفيش هرب خلاص، وقتنا جاي جاي.. أنا بس نفسي يومي يبقى قبل يوم عيسى عشان... وضعت سيليا وجه
عزيز بين كفيها وهي تقول: "متقولش كدا يا حبيبي، عيسى هيكون بخير وإنت كمان." لم يعد يبدو أنه قادر على التماسك أكثر، فشدته سيليا إلى حضنها، وبمجرد أن احتضنته، بدأ يئن ويبكي بعمق وصوت وجسمه يرتعش وهو يقول: "قتلوه يا سيليا، ااااه يا عيسى." ربتت سيليا على ظهره وهي تحتضنه جامد وتقول: "متقولش كدا طالما لسه عايش، ربنا مدينا الأمل." ابتعد عنها قليلًا وهو يتشحتف كالأطفال، وهي تمسح دموعه وتقول بحزن على عيسى:
"إهدى عشان خاطري عشان سيلا، أصلًا بتسأل عليه." مسح دموعه ووجهه كويس، وقال بصوت راح من البكاء: "أنا هلبس وهنروح نجيب له هدوم من بيته تبقى موجودة احتياط عشان لو فاق يلبسها." لبس السويت شيرت الخاص به، وسحب تيشيرت عيسى مرة أخرى. التي أمسكتها سيليا بيدها وهو في يد عزيز، وقالت: "يالهوي التيشيرت مقطوع كذا قطعة ومليان دم! سكت عزيز وخرج من الجناح وهو يداري تيشيرت عيسى داخل السويت شيرت الخاص به. جرت عليه سيلا وهي تقول:
"بابا عاوزة عيسى." عزيز بدون أن ينظر إليها قال: "هو في الشغل يا بابا يخلص وهيجيلك." لوت فمها لتحت، فنزلت على السلم. أمسكت سيلا الهاتف واتصلت على رقم عيسى، فلقت صوت هاتف في جيب أبيها يرن. اتسعت عيناها وفمها تلوي أكثر وهي تنظر إلى والدتها. تماسكت سيليا حتى لا تبكي، لكن عزيز تدارك الموقف وهو يمثل الصدمة ويقول لنوح: "يااه عيسى نسي تليفونه معايا، يلا عشان نروحله الشغل نتغدى معاه ونديله التليفون." خرجوا من البيت،
فقال أمير بحزن: "إنت واخد حاجة عيسى معاك لجوه؟ دا اسمه كلام! عزيز وهو يضيق عينيه: "فكرت أسيبهم جوه بس خوفت سيلا تشوفهم، فـ رجعت في كلامي." نوح بغضب يحاول أن يتحكم فيه: "طب يلا على بيت عيسى عشان نجيب له هدوم نظيفة." ركبوا السيارة وتحركوا ناحية بيت عيسى وهم معهم المفتاح في الكيس الخاص بمتعلقاته. *** المكان: منزل أعلى تل مرتفع. تحديدًا: غرفة ملحقة بالباحة الجانبية.
دخل الأرانب وهم يسحبون الاثنين ويرمونهم على الأرض بعنف. تألم واحد منهم وصرخ بهستيريا: "أنا عايز اللي مشغلك ييجي يتكلم معايا، أنا مش خايف." الأرنب بعنف: "مشغلني عنده بروح أمك؟ اسمها مشغلني معاه.. والباشا ييجي وقت ما يحب." نظر لأخيه بجنون، ثم نظر إليهم وهو يصرخ أكثر: "مش عايز أتحبس هنا، خرجوني من هنا." سند واحد من الأرانب على الحائط بظهره وهو يولع سيجارة ويقول:
"هنصحك نصيحة بس، أمور الجنان اللي بتعملها دي مش هتجيب نتيجة مع الباشا لأن الجنون لعبته، ولو صرخت بآخر رمق في حنجرتك محدش هيسمعك، الأبواب هنا مصفحة ومنعزلين عن العالم."
الغرفة التي كان الأرانب يحبسون فيها كانت متوسطة نوعًا ما، جدرانها باللون الرمادي الباهت، فتبعث في النفس أنها عمارة مهجورة أو شقة قيد التشطيب، وأرضيتها باردة كالثلج من شدة البرودة. بدأ عظمهم يوجعهم من البرودة، فابتسم الأرنب وهو يبين أسنانه وبدأ يخرج من الغرفة وهو يمسك مقبض الباب ويقول: "معلش بقى مفيش أكل ولا شرب، وواجب الضيافة هيعمله معاكم الباشا لما ييجي."
وخرج وأغلق الباب وراءه. نظر المذعور إلى أخيه بعد ما أدرك أن هذه نهايتهما، لا مفر. راح يصرخ بأعلى صوته بالفعل. *** مر يومان على عائلة الغريبي والسفراء، الانتظار قاتل. الوقت يمر بصعوبة.
كانت مياسة ووالدته أشبه بالأموات من عدم النوم. ومياسة ساكتة تمامًا في حالة من الصدمة والرعب، لم تنطق منذ يومين، منكشمة على ذاتها وتايهة. الأصوات متداخلة في رأسها وصوت صفير في أذنيها. قمر فضلت مع نيللي تراعيها مع ابنها لغاية ما مياسة تفوق من اللي هي فيه. ووالدة عيسى لسانها لم يتوقف عن التمتمة بالدعاء والرجاء لله سبحانه وتعالى، وطلب العفو عنها وعن عيسى لأنها خبت ما فعله زوجها لو هذا ذنبها، وأن يسامح عيسى لو أخطأ. امرأة على قدها في التعليم، ليست مدركة يعني إيه مرض نفسي وعقلي، ومعندهاش دراية كافية عن التحول في شخصية المريض على مدار السنين وتطور مرضه، ممكن يخليه يعمل إيه.
خرج الدكتور من غرفة عيسى، وكانوا كلهم ينتظرونه. قرب عزيز ويوسف وأمير ونوح منه وهم قلقون، والإرهاق باين عليهم جدًا. لما رآهم الدكتور قال بتعب: "الحمد لله حالته استقرت، لكن لسه مفاقش.. يعني نقدر نقول بثقة إن بفضل الله تجاوز مرحلة الخطر." عزيز ضيق عينيه وقال بعدم استيعاب: "طالما حالته استقرت، ليه لسه مفاقش؟ بلع الدكتور شفتيه وهو يرى مياسة تتسند على الحائط بدوخة من كثرة البكاء وقلة الأكل. رجع نظر إليهم مرة أخرى وهو يقول:
"المشكلة في المخ، مبيديش للجسم إشارات إنه يحصل له صحوة ويفوق.. المخ واضح إنه تعبان." والدة عيسى بعد ما كانت مبسوطة أن ابنها تجاوز مرحلة الخطر، رجعت خافت مرة أخرى وبدأت تبكي. قال نوح بهدوء للدكتور: "يعني إيه؟ فيه احتمال إنه يدخل في غيبوبة؟ قال الدكتور بأسف: "منقدرش نستبعد الاحتمال دا، ادعوله وربنا يعمل الخير، عن إذنكم." مشى الدكتور بعيدًا. وهنا مياسة وضعت يديها على مقدمة رأسها بعدم استيعاب، وهي تشعر أنها تريد أن تبكي.
الصدمة تملكت منهم لمدة ربع ساعة. استجمع نوح نفسه وقال وهو يتنهد: "تمام، مدام ماسة هتيجي عندي البيت تقعد مع رفيف لغاية ما عيسى يقوم بالسلامة، هتكون في حمايتي." عزيز باعتراض: "في حمايتك إنت؟ متضحكناش بقى على المسا يا بتاع النو ريسك نو فان." حرك نوح لسانه على طرف شفتيه وهو يقول بنبرة هادئة لكن ساخرة: "هتسيبها مع مين، خطيبها اللي شبه الدبدوب القطن يحميها؟
أنا لسه مقعدتش مع الـ **** اللي عملوا في عيسى كدا ومعرفش ليهم أطراف برا تساعدهم أو لا، الحماية عندي إكسترا." مياسة كانت عيناها حمراوين وتحت عينيها هالات حمرا. مسحت دموعها وهي مكشرة وقالت لنوح: "متخرفش، تحت حمايتك بتاع إيه؟ أنا وعيسى منفصلين ومتطلقين، يعني هو ملوش سلطة عليا، وحتى لو مش متطلقين مش هروح مع مختل منحرف زيك." رفع نوح إصبعه في وجهها بتحذير أن لا تغلط، وكان مبرقًا. بعدها قال بتضييق عين:
"ولما هو ملوش كلمة عليكي ومتطلقين، إنتِ هنا بتعملي إيه؟ بلعت مياسة شفتيها بلسانها وهي تقول بانفعال: "دا أبو بنتي، وبينا عشرة وأيام حلوة، الخاين اللي زيك ميفهمهاش." نوح بحزم: "من غير غلط، كدا كدا عزيز وأمير هييجوا معايا البيت عشان الـ *** اللي أنا حابسهُم هناك.. وإنتِ تيجي تقعدي مع رفيف." مياسة بانفعال: "لا! لا مش عايزة، ملكش دعوة بيا." ظهر أيمن وهو يقرب من مياسة. أمسكها من ذراعها وقال بغضب: "بتصل مبترديش ليه!
بتعملي إيه هنا أصلًا، يلا امشي معايا إنتِ هتبقي على ذمتي، اقطعي صلتك بالماضي." قطع نوح المسافة بينه وبين أيمن ومسكه من رقبته وهو يخبط جسده في الحائط جامد ويقول بعنف: "صوتك ميعلاش ومتديهاش أوردر وأنا موجود، ولاا! أوعى تفتكر عشان عيسى في العناية يبقى حلال عليك تعمل فيها اللي إنت عايزه؟ هتلاقيني في وشك.. وصدقني عداوتي وحشة لأبعد حد." كان عزيز واضعًا يده وراء ظهره ويتحرك يمينًا وشمالًا وهو يهز رأسه ويقول:
"أه أه صدقه، دا حتى صداقته فيها غدر، ما بالك عداوته." أيمن وهو يحاول أن يأخذ نفسه: "جاي آخد خطيبتي، دا حقي." نوح بعصبية من بين أسنانه: "كسر حقك، لو شوفتك هنا تاني هعمل من وراك شيش طاووق، اتكل! مش عايز أشوفك حواليها تاني، لا إلا هتلاقيني أنا في وشك." زقه نوح ووقعه على الأرض، فأسند أيمن بيديه الاثنتين على الأرضية وهو يتنفس بسرعة. بعدها قام ومشى وساب مياسة التي بدأ صوتها يعلو على نوح وقالت:
"إنت مين إنت عشان تتحكم فيا وفي اللي في حياتي، بص أنا فعلًا أعصابي تعبانة ونفسيتي بايظة، لو سمحت ملكش دعوة بيا يا نوح." نوح بجدية لم يعهدها معهم: "مدام مياسة، أنا متطاولتش عليكي ولا قليت ذوقي معاكي، دا واحد **** بيعاملك معاملة مش تمام وقدامي، فـ بدافع عنك، وسبب رغبتي في وجودك عندي مع رفيف هو بهدف حمايتك، محدش معارض دا هنا غيرك." نظرت مياسة لحماتها التي كانت حالتها يرثى لها، فبادلتها والدة عيسى النظرات وهي تقول بتعب:
"روحي معاهُم يا مياسة، عزيز قال دا الأمان ليكي." قالت مياسة وعيناها ترف بالدموع: "أمان إيه دا خاين، مستحيل أروح معاه، أنا هقعد ببنتي في الحارة لغاية ما عيسى يفوق بالسلامة." أغمض نوح عينيه وهو يهب نفسه الصبر، بعدها فتحها وقال:
"أنا عارف إن اللي عملته مش هين، وبالفعل ندمان، ومزود ندمي وقهرى وجود عيسى هنا ولسه مفاقش عشان يسامحني، صدقيني وخوفًا عليكي وعلى بنتك عندي أمان أكتر، مدام سيليا عزيز ووالدها موجودين يعني عندها حماية إكسترا، لكن مكانها معروف ومدام صبا نفس الوضع، بيتهيا لي إنتِ فهماني ليه مينفعش أسيبك في مكان معروف." نظر إلى رقبتها!
على سلسلة عيسى التي هي لابساها. لمست طرف السلسلة بإصبعها ونظرت إليه بذهول وهي تحاول استيعاب، هل يعرف عن الأمانة التي معها؟ بلعت ريقها وهي تنظر إلى الواقفين، فابتسم نوح بهدوء ابتسامة ذات معنى، لكنها غير متناسبة مع المكان والموقف، وقال: "يلا؟ عضت أظافرها بقلق، بعدين كشرت وقالت بعناد: "متخرفش، متطلعش جنونك عليا." قرب منها خطوتين، فارتدت خطوتين لورا. وقف بينه وبينها عزيز وهو مدي لها ظهره وقال لنوح: "إياك!
لو مش حابة تروحي معاك خلاص، دي مرات أخويا مش هسمحلك! يوسف كان يكلم نيللي في الهاتف، ووالدة عيسى جلست ووضعت رأسها بين يديها. نظر نوح إلى عزيز وقال بجدية: "عشان مرات أخونا، بحاول أحميها، لكنها عنيدة.. لو عندك حل ياريت تقوله." لف عزيز ونظر لمياسة بحزن عميق، التي رفعت عينيها ونظرت إليه وهي تتنفس بسرعة وترتعش. قال عزيز بنبرة هادئة:
"أنا عارف إن الوضع مش أحسن شيء بالنسبالك، بس للأسف هو معاه حق، هو آمن مكان ليكِ دلوقتي، وقريب هجيب لك سيليا تشوفيها." رفع نوح كتفيه وقال بتعب من المناهدة: "وكدا كدا رفيف هناك، يعني مش هتبقى لوحدها." قالت مياسة بنبرة بكاء: "عايزة بنتي طيب، سبتها يومين مع نيللي، كنت تعبانة نفسيًا." أغمض عزيز عينيه وفتحهما علامة الاطمئنان وقال:
"هجيبهالك، اركبي معاه وهنروح أنا ووالدة عيسى الحارة نجيب حاجتك وبنتك ونيجيلك، حماتك هتقعد معاكي عند نوح." لبس نوح نظارته الشمسية وهو يشير لمياسة بيديه أن تمشي معه. مشت بجانبه وهما يخرجان من المستشفى. نظر أمير بوجه جامد خالٍ من المشاعر وقال لعزيز: "أنا هروح أطمن على صبا ومحمد، وبعدين هرجع هنا تاني." عزيز ضم شفتيه وقال: "إنت معانا على الخط؟ بنقول هنروح عند نوح عشان اللي هو ماسكهم هناك! أمير بنفس البرود:
"معاكم، بقول هتطمن على مراتي وابني وأجيلكم! عزيز بنفاد صبر: "ماشي، على ما أوصل والدة عيسى الحارة وأجيب قمر تكون إنت خلصت ونتقابل هناك." تحركوا كل واحد فيهم في اتجاه. وقف نوح عند سيارته، لقى مياسة تفتح الباب الخلفي للسيارة. رفع نظارة الشمس على شعره وهو يقول: "ما الكرسي جنبي فاضي؟ رزعت مياسة الباب اللي ورا وفتحت الباب اللي جنبه وركبت. تحرك نوح بالسيارة وفضلوا ساكتين شوية، لغاية ما مياسة قالت:
"عايزة أبقى أجي أشوف عيسى، مش تحبسني زي ما حابس مراتك." نوح بهدوء: "أكيد لما الدكتور يبلغني إنه فاق هاخدك ونروح نشوفه، المهم إنه تجاوز مرحلة الخطر." سندت مياسة رأسها على الشباك، فنظر إليها نوح وقال بهدوء: "أجيب لك إزازة مياه أو عصير؟ كشرت وقالت بقرف من التعب اللي هي حاسة بيه: "مش عايزة حاجة، عايزة أستريح شوية بس وأشوف بنتي."
بعد طريق طويل شوية، وصل نوح أخيرًا للبيت. فتح باب سيارته ونزلت مياسة والهواء يحرك شعرها وهي تنظر للبيت الذي أمامه الحرس تبع نوح، والأبواب المصفحة التي في كل جوانبه. أشار لها نوح بيده أن تدخل، فدفعت نفسها بذراعيها. كانت لابسة سويت شيرت أسود مخطط أبيض بخطوط عريضة وبنطلون أسود. وجهها باهت تمامًا وعيناها ورمة.
مر نوح من أمام الحرس ومعه مياسة ودخلوا لجو. أول ما دخلوا، سمعت مياسة أغنية من المطبخ، موسيقى تحديدًا. هادئة، تليق بليلة شتوية باردة. اتخضت من صوت نوح الذي قال: "لو تحبي تاكلي حاجة في المطبخ قبل ما أوديكِ جناح رفيف." نظرت إليه مياسة وهي ترجع شعرها وراء أذنها وقالت: "لا، وديني لرفيف أشوفها وأرتاح في أوضتها."
أشار لها أن تأتي وراءه، وعدت من باب مصفح. بمجرد ما دخلت، الحرس أغلقوه وراءها. صعدت على السلم وهي ترتعش من البرد والخوف، لغاية ما وصلت عند باب غرفة خشبي. خبط نوح خبطتين، فقالت رفيف من وراء الباب بصوتها الرقيق: "اتفضل." فتح نوح الباب ومد رأسه وهو ينظر إليها. كانت تمسك كريم لجسم الأطفال وتضعه على أجسامهم، وهي لابسة السكارف تبع الشعر وخصلتين متمردين منها وفستان لونه أزرق رقيق. تنح نوح شوية وهو ينظر إليها وسرح، فحرّكت
رأسها وقالت: "عايز حاجة؟ نوح بهدوء: "جبت لك مفاجأة." رفيف بدون أن تنظر إليه: "شكرًا، مش عايزة حاجة." فتح نوح الباب على الآخر، فبصت رفيف لقت مياسة واقفة وراءه وكان حالتها صعبة. اتسعت عيون رفيف وهي تقول بسعادة حقيقية: "ماسة! جرت مياسة إلى الداخل واحتضنت رفيف جامد وهي تبكي بصوت عالٍ، ورفيف مخضوضة وتربت عليها وتقول بهدوء: "مالك بتبكي كدا ليه؟ بعدها نظرت إلى نوح بغضب وقالت: "عملت فيها إيه؟ مش ناوي تكفي الناس من شرك!
ابتعدت مياسة عن حضن رفيف وهي تنظر إليها باستغراب وتقول: "هو إنتِ! إنتِ متعرفيش اللي حصل لعيسى؟ الذهول تملك ملامحها وهي تنقل نظراتها ما بين نوح ومياسة وتقول: "إيه اللي حصل لـ عيسى؟؟ في إيه يا ماسة! نوح كان يمسك هاتفه ويبعث رسالة لواحد من الحراس ليناديه مرام. مرام وصلت عند باب الغرفة التي هو واقف عندها وقالت: "تحت أمرك." نوح بهدوء: "خدي مدام مياسة ودخليها أوضتها ترتاح وجهزوا لها أكل وحاجة تشربها." نظرت مياسة لنوح،
فقال بهدوء: "استجمعي نفسك، خذي شاور دافئ وارتاحي شوية، بعدين اقعدي مع رفيف، زمان عزيز جاي في الطريق وجايب لك قمر معاه." ربتت مياسة على ذراع رفيف وهي تقول: "هجيلك بالليل أقعد معاكي ونتكلم، أنا فعلًا لازم آخد شاور لأن حالتي صعبة." تحركت مياسة مع مرام، وفضلت رفيف واقفة مكانها مصدومة. فاقت من صدمتها على صوت قفل باب الغرفة ونظرت لقت نوح يقرب منها، فرجعت لورا وهي تصوب إصبعها في وجهه وتقول: "متتقربليش!
لو سمحت اطلع برا، أنا مرضيتش أقولك كدا قدام مياسة." نوح بعناد: "مش طالع! رفيف أنا ملمستهاش!! إزاي هتكون حامل! رفيف عيناها امتلأت بالدموع، لكن كشرت حتى لا تنزل، وقالت: "كل اللي بتقوله ميخصنيش، اللي يخصني أولادي ومستحملة كل حاجة عشانهم، ويكون في معلوماتك هي مش هترمي نفسها في النار لو مفيش حاجة فعلًا." نظر إليها نوح بجمود وقال: "بيني وبينك تحليل الـ DNA."
وخرج من الغرفة ورزع الباب. انتفضت رفيف على الرزعة وراحت ناحية أولادها تطمئن، صحوا من الصوت أم لا. *** المكان: حارة المنيل. نزل عزيز من السيارة وهو يساعد والدة عيسى على النزول. لقوا شباب لابسين باك باج على ظهورهم وماسكين بخاخات ألوان وفرش يرسمون على السور: أمل وبثينة وعيسى! كانوا راسمين أمل ووراها أجنحة بيضاء، وبثينة وعيسى. وقفت والدة عيسى تنظر للرسمة وغطت فمها بيديها وهي تبكي، فحاضنها عزيز وهو يهديها ويقول:
"بإذن الله هيفوق، بإذن الله، يلا نجيب قمر عشان نتحرك؟ نظرت إليه والدة عيسى وقالت بحزن: "سيبني أنا معلش، محتاجة أقعد في بيتي عشان أرتاح.. خد قمر لأمها وخليها تحافظ عليها، وأنا هاجيلكم لما أخلص اللي ورايا هنا." عزيز بهدوء: "طب إيه اللي وراكِ؟ رفعت والدة عيسى كتفيها بقلة حيلة وقالت: "محاولة أخيرة مني، روح يا ابني خد البنت وديها لأمها."
دخلت والدة عيسى العمارة وهي تنظر إليهم يرسمونهم. فضل عزيز واقفًا ينظر على السور والرسومات، لغاية ما لقى يوسف جاي وشايل بنت أخيه. أول ما عزيز شافها ابتسم. ابتسم يوسف بحزن وهو يديله قمر وقال: "هو أنا لو عايز أشوفها أعمل إيه؟ عزيز بهدوء: "كلمني وهاخدك لغاية هناك."
نظر يوسف لرسمة أخيه على السور وابتسم، ثم نظر إلى الأرض وهو يمسح عينيه الاثنتين من الدموع التي ستنزل. راح عزيز شاده من التيشيرت بتاعه وحضنه، وهنا بدأ يوسف يبكي بقلة حيلة. طبطب عليه عزيز وهو يقول: "أنا همشي وهكلمك لو في جديد." يوسف بهدوء: "تمام." حمل عزيز قمر بيده وشنطة حاجتها باليد الأخرى وهو يبوس خدها ويقول: "روح قلب عمو من جوه." ضحكت له قمر، فضحك وهو يبوسها مرة أخرى ويقول: "عسلية والنبي عسلية."
ركب السيارة وتحرك بها على بيت نوح، عشان يبدأوا يتكلموا مع الاثنين اللي هما ماسكينهم. *** المكان: قسم الشرطة. تحديدًا: الردهة. مشت منال وهي تحمل كوباية ورق فيها لبن وذاهبة ناحية مكتبها، كان باين عليها التعب والإرهاق تبع الحمل. خرج ليث من مكتبه أول ما رآها ومشى بجانبها وهو يقول: "لسه زعلانة مني؟ نظرت إليه بطرف عينها وقالت:
"أنا بشتغل بطريقة متتناسبش معاك، فـ خلي كل واحد فينا يشتغل لوحده بطريقته أفضل، وطريقتي اللي مش عجباك دي هي اللي أنقذت عيسى في اللحظة الأخيرة." ليث تنهد بضيق وقال: "طريقتك غلط يا منال! نوح وعزيز وأمير خطفوا الرجالة اللي عملوا كدا في عيسى ووصلولهم قبلنا، وإنتِ عارفة إن دي هيعطل سير القضية بشكل أو بآخر، رغم ناديتك وحاولت أمنعك تعملي حاجة زي دي، لكِن مفيش فايدة فيكِ." وقفت منال مكانها ولفت ونظرت إليه وهي تقول:
"كنت عاوزني أعمل إيه؟ أضحي بواحد منهم عشان أقبض على اتنين وأكسب القضية! اللي يهمني في القضية دي غير اللي يهمك، أولوياتي غير أولوياتك! ليث باستغراب: "إزاي يعني؟ أغمضت منال عينيها وهي تأخذ نفسًا عميقًا حتى لا تتعصب وتقول: "يعني يهمني إن الأربعة يتحجزوا في المصحة النفسية بدون أي عواقب وخيمة زي فقدان حد منهم مثلًا، واللي حصل لعيسى سبب لي ذعر! ليث ببرود: "ما يولعوا بجاز، ما هما قتلوا كتير!
بينما منال وليث يتشدون مع بعض في الممر، سمعوا صوت خطوات وراءهم. ولأن الدنيا كانت ليل، فالقسم نوعًا ما كان فاضيًا شوية، كأن الناس قررت تلتزم بالقوانين في هذا اليوم. نظر ليث وراه هو ومنال، فوجدوا ستًا قصيرة ورفيعة، لابسة عباية سودا وجزمة حريمي للسيدات الكبار سودا، حاملة شنطتها على ذراعها، والحجاب مبين شعرها من الأمام بلونه الأبيض. قربت منهم وهي تقول بخوف وتوتر: "السلام عليكم." ضيقَت منال عينيها وقالت باستغراب:
"وعليكم السلام، خير يا ماما؟ الست وهي تستجمع نفسها: "مكتب ليث بيه فين لو سمحتوا؟ ليث بهدوء: "أنا ليث، خير في حاجة؟ بلعت شفتيها وقالت: "عندي حاجة تهمُه يعرفها بخصوص نوح." نظر ليث إلى منال وبعدها إليها، وبعدين قال بسرعة: "اتفضلي في مكتبي طيب." دخلوا المكتب، جلس ليث وراء مكتبه، والست جلست أمامه على الكرسي، وأمامها منال. نظرت الست إلى منال، فقالت لها الأخيرة: "أنا ماسكة معاه نفس القضية." رفعت حواجبها باستنتاج وقالت:
"آه، أصل لامؤاخذة اللي هحكيه حرج أوي، وخاص أوي.. مش عارفة هو هيفيدكم ولا لا، بس قولت أقوله لإن نوح رافض يقابل حد من عيلة أمه، اللي عرفته إنه بيروح لهم بنفسه عشان.." سكتت من الخوف ويدها بدأت ترتعش، فقال ليث: "تمام يا حاجة، أنا سامعك." بلعت ريقها وقالت:
"الموضوع بدأ لما الله يرحمها أم نوح قالت تسيبه عند أهلها عشان.. عشان تعنس تروح تواطئ عيلة أبوه باللي بيعملوه فيها من ظلم وافترا. ساعتها كان نوح صغير وفي إيد أمه دايمًا، كان هادي ومسالم خالص.. كان طيب." "أنا كنت بشتغل في بيت جدته أم أمه، ولما سيدي اتوفى الله يرحمه، أخواتها الولاد وأختها البنت اطمعوا في بيت أبوهُم دايمًا بحجة الميراث." "سابت الولا معاهم ونبهت عليهم لو حد من عيلة أبوه جه ياخده يحاولوا يمنعوهم بأي شكل."
"كنت في المطبخ يوميها، وحاطين ورق وألوان لنوح قاعد على الترابيزة بيلون لغاية ما أمه ترجع. خالته الشيطانة.. أستغفر الله، ربنا يسامحها بقى." "قالت له تعالى يا نوح هلعبك لعبة." "وخدته برا.." "بيني وبينك الفضول خدني ووقفت أتسنط (أسترق السمع) "لقيتهم حاطين مبخرة كبيرة على الأرض، والصالة كلها دخان بخور ريحته وحشة.. وفي راجل قاعد شكله عامل زي الدجالين."
"قال لخالته وخالته يمددوه على الأرض جنب المبخرة، الولد خاف وحاول يهرب منهم، كتفوه ونيموه على الأرض، الراجل حط على صدره وبطنه رماد، وجاب إزازة فيها دم حيوان ورش الدم على الرماد، وبدأ يقول كلام غريب بصوت عالٍ.. بدأ الدم يتفاعل مع الرماد، أنا مش عارفة إزاي، والولد يا حبة عيني بيصرخ بصوت عالٍ كأنُه بيتحرق، مقدرتش أعمل حاجة غير إني حاولت أتصل على أمه من تليفون المطبخ، بتصل على بيت أبوه لأني عارفة إنها هناك، لكن محدش بيرد."
"واد من كثر رعب وصياحه عيونه جحظت لبرا، وجسمه هدى فجأة، لكن بوقه بقى ينزل منه سائل أسود، فضل يرتعش زي المحموم وسكت خالص." "ساعتها الراجل الدجال دا قال (كذا الشيطان دخل جسمه، وهيؤذيهم، سيبوه مع عيلة أبوه هيخلص عليهم واحد ورا الثاني، ومش هيجراله شيء عشان عيل هيودوه إصلاحية) ليث كان يسمع وهو مصدوم، ومنال مبرقة مش مستوعبة! لغاية ما الست كملت وقالت: "لما اكتشفوا جثة المحامي، وبعدها جثة خالته منها لله."
"روحت لشيخة أعرفها مبروكة، قالت لي إن الشيطان سكنه.. واتملك منه.. وخلّاه مش متحكم في غريزة الشر، اتقلب السحر على الساحر." "يعني الشر اللي المفروض يتوجه لعيلة أبوه، بقى كله لعيلة أمه، السبب في تحضير الشيطان دا جواه، وليه تصرفات بيعملها، بيجيله حالة ندم وذعر من نفسه بعديها." "خلّته يفقد عقله من كثر البشاعة." *** المكان: المشفى. تحديدًا: غرفة عيسى.
انفتح الباب ودخلت ممرضة حاملة كرسي متحرك تدخله إلى الغرفة، وضعت الكرسي المتحرك قريبًا من السرير وهي تقول بصوت هادئ: "خمس دقائق بس عشان متعمليش مشاكل، تمام؟ بثينة بصوت مبحوح: "تمام." خرجت الممرضة، فعدلت بثينة رأسها بالعافية لأن رقبتها فيها كسر وكدمات، وكذلك ذراعها ورجليها وظهرها. بلعت ريقها بصعوبة من الألم وهي تنظر إليه. أمسكت يده التي كان متصلاً بها عدة محاليل وهي تقول:
"أنا ممكن أتحمل أعيش كطرف بعيد بيبص عليك ويتطمن إنك موجود حتى لو.. حتى لو مع ست تانية." بدأت الدموع تنزل من عينيها وهي تكمل وتقول: "بس ميحصلكش حاجة، بتمنى أموت قبلك دايمًا، مبعرفش أحط راسي على المخدة وأنام وإنت مجيتش لسه، لسه برا مش في بيتك." "بتعصب أوي لما ألاقي واحد بيتقدم ليا، بيعترف لي بحبه."
"أنا ملكك لآخر يوم في عمري، لو ليا نصيب فيك ياريت، ماليش يبقى هفضل زي ما أنا.. شعري يشيب وأنا في البلكونة، أهون عليا من إن راجل يلمسني غيرك." كان بالفعل جسمها كله يوجعها وتتألم، لكنها مالت عليه وهي تقرب شفتيها من شفتيه وتبكي وتقول: "بقالى 12 سنة بتخيلها في عقلي." قبلته قبلة عميقة، وسندت أنفها على أنفه، ثم أعادت جهاز التنفس على فمه مرة أخرى. وهي تغمض عينيها جامد من الألم، رفعت يديها السليمة نوعًا ما إلى شفتيها وهي
تضحك وترتعش بسعادة وتقول: "يالهوي! يالهوي يا عيسى! دا.. دا أسعد يوم في حياتي، أنا في نعيم! يارب تقوم، نذرًا عليا لو قمت بالسلامة حتى لو عضمي مفكك من بعضه، لأخدك في حضني حتى لو هيقتلوني بعدها." دخلت الممرضة وهي تقول بتحذير: "يلا الخمس دقائق خلصوا، خليني أرجعك أوضتك." السعادة كانت مالئة وجهها وكانت لا تزال ترتعش وواضعة يديها على شفتيها بصدمة وتضحك بسعادة! أخرجتها الممرضة من غرفة العناية لتوديها إلى غرفتها. ***
دخل نوح على الغرفة التي محبوسة فيها مروة ورزع الباب وهو ينظر إليها بغضب. رجعت مروة بيديها على الأرض وهي تجر رجلها وتبص له بخوف. حرك نوح رأسه لفوق وتحت وهو يقول: "قولتيلي حامل مني؟ كانت ترتعش وهي مبرقة وتنظر إليه وتق
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!