شيراز كانت بتراجع مشهدها، وبتستعد لتصوير المشهد الجاي، لكن سمعت صوت المخرج بيعلن عن فركش لليوم. استغربت وسألته عن السبب، قال: للأسف في خبر مش حلو لسه عارفه؟ شيراز بتعجب: خير يا أستاذ زياد؟ زياد بآسف وحزن قال: مش خير ياشيراز، المنتج بيمر بأزمة مالية وتعسر مالي شديد، ومع كل آسف مش قدامنا غير إننا نوقف تصوير لحد ما تتحل أزمته ونشوف يا هنكمل، أو نلغي الفيلم. شيراز بصدمة وعيونها بتلمع من الدموع قالت:
مش معقول مفيش حل تاني؟ زياد: أو ممكن لو الموضوع اتعقد معاه ندور على منتج تاني يدفع التكاليف اللي دفعها وهو يكمل، بس ده آخر حل ممكن نلجأ له. شيراز بصوت حزين قالت: يارب تتحل والموضوع ميطولش. زياد بتنهيدة: يارب، في ناس كتير شغالة وهتتضرر من العطلة دي، كان الله في عونهم. سابها واقفة وحزن الدنيا اتملك منها، حست إن الحظ معاندها، وفي حالة انهيار تام، راحت تغير ملابس الشخصية، ورنت على شروق وحكت ليها كل حاجة. فكان ردها:
ماتزعليش نفسك يا شيري، كله خير من عند ربنا، وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرًا لكم، لعله خير، والعطلة دي تكون فرصة إنك تركزي أكتر في الدور، وبإذن الله تتحل مشكلة المنتج ومتطولش، وياما بيحصل كده في الأفلام ياحبيبتي، بلاش تاخدي كل حاجة على أعصابك كده مش حلو. شيراز بعد ما كلامها هداها شوية قالت: معاكي حق، والله أنا مش عارفة إنتي إزاي بتعرفي تخليني أتحول كده من حالة الهيجان والثوران، للهدوء والسكينة دي، عندك قوة إقناع رهيبة.
ضحكت شروق بصوت عالي وقالت: يا حبيبتي لا إقناع ولا حاجة، ده رضا بأي موقف وأي حالة بتحطِ فيها، برضا بكل حاجة بتحصل لي، لأني واثقة إن ربنا مش هيختار لي حاجة وحشة وإن مصلحتي في اللي اختاره ربي، عشان كده تلاقي مش بزعل، حتى موضوع عماد منكرش إنّي زعلت، لكن لما هديت وفكرت، قلت لعله خير وربنا شايل لي الأفضل. سكتت لما سمعت صوت رنين مكالمة جات لها، بصت للرقم وكانت المفاجأة إن المتصل عماد. رجعت لشيراز وقالت لها:
شيراز مش هتصدقي مين بيرن عليّ!! عماد، اقفلي هرد عليه وهرجع لك. قفلت وفتحت، وأول ما ردت قال بكل حنين واشتياق: وحشتيني أوي أوي يا شروقي. شروق بصدمة من كلامه، سكتت معرفتش ترد بأيه عليه، كان نفسها تقول مش أكتر مني، كانت عايزة تحكيله عن عذاب قلبها في بعده، لكن لسانها اتلجم، وهربت كل حروفها الأبجدية ولا حرف أسعفها، وفضلت ساكتة تسمع همساته وانتبهت لما قال:
عارف إنك زعلانة مني؛ وعندك حق تزعلي وتخاصميني كمان، بس ارجوكي بلاش تبعدي.. بلاش تهجري، خاصميني وأنا موجود في حياتك مش بعيد عنك، إنتي متعرفيش حصلي إيه في الكام يوم اللي بعدنا فيهم، اديني فرصة ثانية، وهثبتلك فيها إني اتغيرت ياشروق. شروق كانت بتسمعه ومش قادرة تصدق إن ده عماد اللي كان بيكلمها من كام يوم وبيكابر ومستعد للفراق. فضلت ساكتة ومش عارفة ترد عليه، اترجاها ثاني وبعد تفكير حسمت ردها وقالت:
خايفة ياعماد أديلك فرصة وتخذلني، وتقهر قلبي تاني وتخليني أندم إني فتحت قلبي ليك من جديد. عماد باندفاع وفرحة: مش هتندمي أبدًا أنا واثق من كلامي ياحبيبتي، أنا اتعلمت الدرس كويس صدقيني، أنا بكرة هكون عندك، وللعلم نقلت نفسي في فرع القاهرة هنا، ومش هسافر تاني، ومش هبعد عنك تاني، والمكان اللي هتوافقي عليه ونتفق عليه هنتجوز فيه عقبال ما شقتنا تخلص، ولو عايزاني أصبر لحد ما نخلصها معنديش مانع.
فرحة وسعادة شروق مكنتش عارفة تخبيها، كانت زي ما تكون طايرة فوق السحاب وهتلمس النجوم باديها، مش قادرة تستوعب تفهمه واستسلامه ومراضيته ليها بالشكل ده، لاقت نفسها بتوافق من غير مناقشة وقالت: في انتظارك بكرة إن شاء الله ونتكلم ونتفق يا عماد. عماد بسعادة: هعد الساعات الباقية لحد ما أشوفك يا شروقي، مع السلامة حبيبتي.
قفلت معاه وقلبها بيرقص من الفرحة، ورنت بسرعة على صديقتها وحكت ليها كل حاجة، وحست شيراز من كلامها إنه نادم واتغير وصدقته، ونصحتها إنها تديله فرصة وبلاش تستعجل في قرار الجواز عشان متندمش بعدين، ووافقتها على كلامها، وانهت المكالمة، وفضلت تفكر في الكلام اللي هتقوله له بكرة، والمواضيع اللي هتناقشها معاه، وتشوف رد فعله وفكره زي ماهو ولا اتغير.
صحي ياسر من نومه وهو مقرر جواه إنه لازم يعود نفسه من النهاردة على إنه يعيش من غير وجود أمه، ويتعود على غيابها، لأن الحياة عمرها ما بتوقف على حد مهما كان الشخص ده قريب لقلبنا وبنعشقه. خد حمام ونزل بوجه حزين، أول ما شافته مرزوقة قربت منه وبابتسامة منها دابت الحزن وردت له الابتسامة وصبح عليها، وابتدى يفطر معاها.
حس بشعور غريب كأن ربنا حطها في طريقه لأنه عالم بالفراغ اللي هيحسه بفقدان أمه مؤقتا عنه، وحب يقول له أنا بعت لك بديل عنها عشان متحزنش. نسي ياسر كل همومه معاها، وشاركها ضحكها وهزارها، وشاف لمعان عينيها واحتواءها له. مكنتش مرزوقة بتديله فرصة إنه يمد إيده على الأكل، كانت بتحط له كل أصناف الجبن قدامه، وتقدمها له بكل حب.
هي نفسها كانت مستغربة تصرفاتها اللي نابعة من جواها من غير ما حد يوصيها عليه، شعرت بحالة التخبط اللي جواه، فكانت تتصرف من باب العطاء بدون أي مقابل. وفي لحظة حسّت إنها نسخة مكررة من شادية من غير قصد. خلصوا الفطار وكالعادة نفس الروتين اليومي قاموا به، دخلوا المكتب واستمرت حالة تأهب العمل لساعات كتير، لحد ما جه مجدي وشاركهم في ورشة العمل المغلقة.
جه معاد عماد، وصل بيته وأول ما فتح لقى أمه قاعدة حاطة إيديها على خدها وحزينة. أول ما سمعت صوته جريت عليه وهي فارده إيديها دي الحمامة بكل حب عشان يدخل في حضنها. عينيها مكنتش مصدقاها إنها شايفاه قصاده، وصوت بكاها قطع قلبه، فضل يبوس في وشها ويهدي فيها: ما خلاص يا أمي أنا جيت أهو بطلي عياط ياحبيبتي. انهارت وهي مش قادرة تملك نفسها: غصب عني يا حبيبي من فرحتي إني شوفتك قصادي، إنت متتخيلش طول ما إنت بعيد حالتي بتكون إزاي؟
بفضل أعد الساعات والأيام لحد ما تيجي، وأقول لنفسي قلبي على ابني انفطر، وقلب ابني عليا حجر. عماد بضحك: كده برضه يا أم عماد أنا قلبي عليكي حجر؟ انهارت وهي بتضربه في كتفه براحة: آه لو مكنش حجر؛ مكنتش سبتني واتنقلت بعيد عني، يا وله ده أنا مليش غيرك في الدنيا، إنت كل حاجة ليا، أنا عايشة عشانك إنت وبس. عماد بيوس إيديها وجبينها:
ربنا يخليكي لي يا ست الكل، وميحرمنيش منك يارب، وأنا خلاص مش هسافر تاني، رجعت وقاعد في أراضيكم لحد ما تزهقي مني. انهار بعدم تصديق: بجد يا عمدة، يعني خلاص هتفضل في حضني ومش هتبعد عني تاني. عماد بابتسامة: آه يا حبيبتي، بس مش على طول، هما بس فترة تشبعي مني، وبعدين هروح في حضن شروقي. انهار اتغيرت ملامح وشها وردت من تحت ضرسها: آه طيب، المهم إنك معايا ومش هتسيبني. عماد حب يغير الموضوع:
طب إيه مفيش لقمة كده على الماشي تسد قلب ابنك الهفّان ده، واللي معدته نشفت من أكل السوق. انهار دب فيها النشاط والحيوية وحست إنها بنت العشرين من عمرها، وجريت على المطبخ بسعادة وقالت بحب: عيوني الاثنين هحضر لك أحلى غدوة يادوب بس ريح شوية عقبال ما يجهز الأكل. عماد وهو بيتحرك عند الباب: لا براحتك يا أمي، مفيش وقت ترتاح، هروح أعدي على شروق في شغلها، تكوني خلصتي الأكل، أنا قلت أجي أسلم عليكي الأول وبعدين أروح لها.
انهار بفرحة إنه بدلها الأول عليها، فردت بابتسامة: براحتك يا عمدة، خلص مشوارك وهتيجي هتلاقيني عملالك أحلى غدا، ومش هاكل غير لما ترجع. اتحرك عماد ومن كل قلبه بيدعي ربنا إنه يهديها ويتصالحوا. شروق خلصت شغلها، ولسه هتروح اتصل بيها وبلغها إنه هيعدي عليها ويروحوا أي مكان هادي يتكلموا فيه بعيدًا عن البيت، وهي وافقت وانتظرته لحد ما جه واخدها وركب تاكسي وراح كافيه عشان يتكلموا.
وطول الطريق وهو مكتفي بنظراته ليها، حس قد إيه الدنيا ملهاش طعم وهي بعيدة عنه، قد إيه كانت وحشاه، نفسه ياخدها في حضنه ويعتذر ليها آلاف المرات عشان تقبله من تاني في حياتها. شروق كانت بتهرب من نظراته اللي حاسة إنها بتخترق كل جدران قلبها، وبتزيد من سرعة نبضات قلبها لدرجة إنها كل شوية تغمض عينيها وتاخد نفس عميق عشان تظبط أنفاسها.
أخيرًا بعد عذاب وصلوا واتقدم عماد وشد لها الكرسي عشان تقعد، وبعدين هو قعد قدامها واستنى الجرسون يجي وطلب ليها العصير اللي بتحبه، وقال بصوت مليان حنين وشوق: مهما أوصف لك إنتي وحشتيني قد إيه مش هعرف. شروق بتبلع ريقها وتحاول تتماسك قدام فياض المشاعر دي وقالت: رجعت ليه يا عماد؟ مش كانت خلاص قصتنا انتهت، وكل واحد فينا عود نفسه على بعد التاني!! ليه بتجدد أوجاعي وآلامي من تاني؟
ليه عايزنا نعيده، وفي النهاية هنوصل لنفس الطريق، ولنفس النهاية، ومش هينوبنا غير بس إن الوجع المرة دي هيبقى أشد وأقوى؟! كان بيسمعها وهو مش قادر يسامح نفسه على كمية الوجع اللي واصلة وحاسس بيه من نبرة صوتها الحزينة اللي مليانة قهر وألم، مكنش قادر يسامح نفسه، ولعن جواه غباءه وتسرعه إنه سمع لكلام صديق توهم إنه عايز مصلحته.
كان هيرد لمح بعينه الجرسون استنى لما حط العصير ومشي ومد إيده بيقرب ليها كاس العصير، مدت إيديها تاخده واتقابلت الكفوف في ثانية وحضنت بعض بحب، واتمسك بيها عماد بقوة قبل ما تسحبها، وبص جوه نني عيونها وقال بصدق:
أنا حاسس بكل اللي قولتيه، وعشان كده هقولك كلمة واحدة، نقطة ومن أول السطر؛ هنبدأ من جديد وهنتجنب كل الأخطاء، ونفتح صفحة جديدة أكون لك فيها الراجل اللي بتتمنيه وعايزاه، ارجوكي بلاش تحكمي عليا بالإعدام، أنا مش هقدر يا شروق أبعد عنك، عشان جربت البعد والمكابرة، واتعذبت وعرفت إني كنت غلطان، واقتنعت بكلامك ووجهة نظرك، الحياة مشاركة في كل حاجة، لازم آخد برأيك وأشورك في كل شيء، هحاول لا لازم أتغير وأصحح كل معتقداتي الخطأ، صدقيني مش عشانك إنتي وبس، لكن عشان ده الصح، ومش عيب الإنسان يرجع للصواب ويعترف بغلطه.
شروق سحبت إيديها بلطف، وفضلت ساكتة بتحاول تستوعب كلامه، وتغيره المفاجئ ومش قادرة تصدق ودنها. حس إنها مش مصدقاه فقال بتأكيد: صدقيني أنا اتغيرت يا شروق، ولا أول مرة أكون فيها صادق مع نفسي للدرجة دي، جربي وأنا واثق إنك مش هتندمي المرة دي. شروق بخوف ردت: مكدبش عليك مش قادرة أصدق، اللي شفته منك يخوفني، التحول الرهيب اللي سامعه ده يرعب مش يخوف، إيه اللي حصل غيرك بالشكل ده مرة واحدة كده؟ عماد بحزن:
اللي حصل كتير، أخدت قلم فوقني هو آه فوقت متأخر بس الحمد لله إني فوقت ورجعت تاني لصوابي، المهم إنك تحاولي تنسي اللي حصل الفترة اللي فاتت. شروق بعد تفكير قالت: هحاول بس ليا شروط، أو ممكن تسميها طلبات. عماد بفرحة واندفاع قال: إنتي تأمري، قولي كل شروطك وأنا موافق عليها. شروق بابتسامة بتداريها: مش لما أسمعها الأول؟ عماد: من غير ما أسمعها موافق. شروق بتصميم: اسمع وبعدين قول رأيك.
أول حاجة بتزعلني منك، إنك لما بتزعل مني في حاجة بتاخد جنب لحد ما تهدى وبعدين ترجع تتكلم، خلينا على طول نصفي أي زعل عشان ميطولش بينا، لأن لما بتبعد الزعل بيكبر والموضوع بيتعقد مش بيتصلح. تاني شيء المشاركة في كل حاجة تخصك وتخصني، نسمع بعض ياعماد، لما نتناقش هنوصل لأكثر من حل، وهيبقى سهل جدا نوصل لقرار صحيح مدروس بعناية.
ثالث حاجة، مش عايزة يجي علينا يوم وننام وفي واحد فينا مخبي حاجة على التاني، المصارحة ثم المصارحة في كل شيء، حتى لو المصارحة دي هتزعل حد فينا. خامس وسادس وسابع لحد مالا نهاية عايزاك تكون لي كل حاجة في حياتي، زي ما أنا هكون لك كل حاجة، تحتويني في كل أوقاتي، في غضبي.. وضيقتي... وجنوني، تعيش معايا وترضى بكل تقلباتي، زي ما أنا هتقبلك، إنت فاهمني ياعماد؟ عماد بهدوء قرب إيده وضم إيديها وقالها بصدق:
أعاهدك أمام الله ياشروق إني أكون لك زي ما بتتمني، هكون راجلك بمعنى الكلمة مش راجل في البطاقة، لا راجل يعرف معنى الكلمة وما تحتويه من صفات، ولو غصب عني في يوم أصرت في حاجة؛ واجب عليكي تنبهيني وهتقبل منك بصدر رحب. شروق بسعادة وبمداعبة منها قالت: هنشوف وقد أفلح إن صدق ابن خالتي. عماد وهو بيقبل كفها قال: يعني خلاص صافي يا لبن؟ شروق بنفس السعادة قالت: حليب يا قشطة.
وقد انتصر الحب والمودة، وقررت شروق فتح صفحة جديدة معه متمنية إنه يصدق في حديثه معها، فهي خشيت الرفض ربما يكون صادق حقًا وتكون النتيجة خسارتها له، وتعذب قلبها من غير ما تديله فرصة أخيرة تندم عليها، لذا كان الاختيار الأنسب هو إنها تخوض معاه التجربة من جديد وتسيب كل مخاوفها ورا ظهرها وترمي بها عرض الحائط، وتسيب الأيام هي اللي تبين صدق كلامه.
وبعد طول الوقت معاه، وصلها لبيتها، وكانت الفرحة بتطير من عينها وأول ما فتحت ليها أمها وشافتها، أخدتها بالحضن وفضلت ترقص معاها وهي مبسوطة، لدرجة إن أمها اندهشت من كم السعادة، وقعدت على الكنبة ومسكتها وسألتها عن سبب السعادة دي، وحكت شروق كل حاجة بالتفصيل الممل. فرحت أمها بشدة خصوصًا إنها كانت دائمًا بتدعي إن ربنا يهدي ابن أختها ويهدي سرهم مع بعض، ودعت ربنا ليها بالسعادة، وسألتها:
إنتي قولتي له على اقتراح إنكم تتجوزوا هنا ياشروق؟ شروق ضيقت عينيها ورفعت حاجبها وقالت: لا مقولتش، ولا جبته سيرة، هستنى كده كام يوم ولما يجي، وهيكون ده أول اختبار له، وهشوف رد فعله هيكون إيه؟ هيتشبث برأيه ولا هيتناقش زي الناس المتحضرة، وبناء عليه حاجات كتير هتفرق معايا. سعاد بتفهم، طبطبت على كتفها وقالت: اللي فيه الخير ربنا يقدمه حبيبتي ويارب يسعدكم ويوفقكم يارب.
شروق آمنت على كلامها، وبعدين دخلت أوضتها عشان تغير هدومها وتستريح شوية. ومرت الأيام وياسر يخلص كل اللي وراه وآخر النهار يروح هو ومرزوقة لشادية في المستشفى يطمن عليها. كانت بتحس إنه بيجي مجرد تأدية واجب، شكله متغير، دائمًا بيكون ساكت، بيطمن على صحتها من الدكاترة، ويقعد كلامه بيكون قليل جدًا. حست إن مش ده ياسر اللي ربته أبدًا، جواه حاجة اتكسرت، ولولا هزار مرزوقة معاها طول الوقت كانت بكت من جفائه معاها.
سليم لما بيعرف بوجود ياسر عندها مكنش بيرضى يقرب من غرفتها منعا للصدام معاه، وعشان حالة شادية متتعبش، وأول ما بيعرف من الممرضة اللي بتتابع حالتها بأنه روح، بيجي فورًا ويقعد معاها ويهون عليها وحدتها، وبيكون هو بلسمها اللي بيطيب كل آلامها وأوجاعها. وفي يوم من الأيام دخل سليم ووشه باين عليه الحزن والزعل، قرب منها ومن غير كلام ابتدى يعمل لها التمرينات. بعد ما خلص لسه هيتحرك عشان يخرج، مسكت إيده وبصت في عيونه
اللي اتهربت منها وقالت: إنت زعلان مني بقى؟ رد بألم ووجع: أنا مقدرش أزعل منك، أنا زعلان عليكي. سكت وكان هيسيبها ويمشي، لكن رجع خطوة وقال بكل الوجع اللي جواه: أنا تعبت يا شادية، ومش قادر أتحمل بعد أكتر من كده، إنتي القرب منك نار، والبعد عنك نارين. شاف نظرات التعجب فكمل:
أيوة مستغربيش كده، نار لهفتي وشوقي بتكويني وأنا واقف متكتف مش قادر أروي عطش سنيني، ولو فكرت في البعد، هتكوي أكتر وأكتر من نار فراقك، كل ده والحل في إيدك ومش قادرة تريحيني وتريحي نفسك. شادية بتنزل دموعها في صمت ومعندهاش كلام ولا دفاع تقوله وهو محق في كل حرف. قلبه وجعه أكتر على دموعها، مقدرش يشوفها كده، قرب ومسح الدموع وقالها:
متخيلتش في يوم إن هيكون حبي ليكي سبب في إنك تنزلي دموع بسببي، طول عمري معاهد قلبي إني أعيشك ملكه عليه، ولو احتم الأمر للبكا تكون دموع فرحة مش وجع يا شادية، ليه دلوقتي شايف دموع كلها ألم وحزن؟ شادية بين شهقاتها ردت عليه: عشان أنا سبب في وجع قلبك يا سليم، حيرتي بينكوا وقسمة قلبي هي اللي وجعاني، نفسي أعيش معاك اللي فاضلي من عمري، وفي نفس الوقت صعب أبني سعادتي على تعاسته. سليم وهو لسه باصص في عيونها الحمرا الحزينة قال:
أنا عارف كل كلامك وفاهمه، لكن قولي لي أعمل إيه في قلبي اللي خلاص أعلن عصيانه عليا، قلبي تعب من كتر البعد والعذاب.. سنين بيتعذب وهو فاكر إنك عايشة حياتك، واتعذب أكتر لما عرف بآلامك، كفاية بقى طول بعد وعذاب، إنتي لازم تحددي موقفك ياشادية، يا إما عايزاني، يا مش عايزاني!! يا القرب.. يا فراق للأبد وأرجع مكان ما كنت! اختاري!!
ولحد ما تقرري مش هتشوفيني عشان متقوليش أصرت على قراري، وأه مواعيد العلاج الطبيعي هبعت لك دكتورة في المعاد. سابها من غير ما يستنى رد، برغم إنه عارف الرد. لكن صعبها على نفسه، حط احتمال الفراق والبعد وهو نفسه مش قادر عليه، بص لها نظرة أخيرة كأنه بيقولها اتشجعي وخدي قرار اتأخر من أكتر من عشرين سنة، واحسميه وقربي من حضني قبل ما يفوت الأوان.
قفل الباب وهي كل ده مش قادرة تستوعب كلامه، كأن حد ضربها على راسها ودايخة ولسه مفقتش. هو فعلاً خيرها؟! هو خلاص مل من ترددها وبعادها؟ خلاص حكايتها معاه هتخلص من قبل ما تبدأ؟ طب إزاي يخيرها بفراقه؟ هو عارف هو إيه بالنسبة ليها؟! ده هو النفس اللي داخل يحييها... وهو القلب اللي كل ما يدق دقة بتنادي بحروف اسمه.. !! إزاي يقول كده؟ إزاي قلبه طوعه يخيرها بفراقه؟ كأنه بيحكم عليها بالموت البطئ.. !!
طب هتقدر تعيش تاني من غيره بعد ما تعودت على قربه من تاني!! بعد ما روحها ردت ليها برجوعه هيحرمها منه، وترجع تعيش في حرمان وتناجي صورته؟ لا صعب، ومش صعب بس ده مستحيل تقدر تتحمل كل ده تاني؟ ده العمر مش فاضل فيه كتير. فضلت على حالتها تبكي وتتخيل شكل الدنيا هتكون إيه من غيره، وإنها تكون معاه في نفس المكان ومش بتشوفه كل شوية. غمضت عينها بقهر ومسكت تليفونها واتصلت بياسر تبلغه إنه ييجي ياخدها، هتقعد ليه وهو حارمها من رؤيته.
فرح ياسر فرحة طفل أول يوم العيد، وجري بسرعة عشان يبلغ هنية تحضر كل الوجبات اللي بتحبها أمه، وراح وهو سعيد إنها هترجع تنور بيتها من تاني. ساق بسرعة ووصل لعندها في زمن قياسي، وأول ما دخل اتصدم من شكلها، حضنها بحب وحاول يعرف سبب حزنها لكنها مرضيتش تقوله واكتفت بالصمت. حس إن سليم السبب، سابها وراح عنده ودخل من غير ما يخبط بكل عنف، بصله سليم وزعق وقاله: إيه قلة الذوق دي، في حد يدخل كده من غير ما يستأذن؟
ياسر بغضب شديد قال: ماما مالها، عملت فيها إيه مخليها بالشكل ده؟ سليم قعد والحزن سيطر على ملامحه؛ لأنه متخيل منظرها وحالتها هتكون إزاي، ورد ببرود مصطنع: معرفش إنت بتتكلم عن إيه؟ ياسر بغل: بلاش ملاوعة، أنا أول مرة أشوف أمي بالشكل ده، إنت من ساعة ما جيت وشوفناك وإنت سبب حزنها. سليم بحده وغضب ضرب بكفه المكتب تعبيرًا عن غضبه وقال: لا وإنت الصادق محدش معذبها غير أنانيتك إنت، إنت سبب حيرتها وآلامها. ياسر باستهزاء من كلامه:
أنا معنديش وقت أجادل معاك، اكتب لي على خروج، ماما عايزة تروح. سليم بصدمة: إيه؟ هي اللي طلبت كده؟ ياسر بتأكيد: أيوه طبعًا، اتصلت بيا وقالت لي تعالى خدني، أصلها ملهاش حد غيري، ومش هتختار غير بيتي. ياسر ضغط على آخر كلامه عشان يبين له إنها اختارته هو، داس بكل قوة على آلامه وأوجاعه، كأن بالكلمة دي غرز خنجر حروفه في قلبه، ومصعبش عليه وهو شايفه بيفرفر ولا غمض له جفن. بلع كلامه بمرارة سنين عذابه، وكتب لها على خروج وقال:
مادام هي اختارت كده؛ يبقى براحتها، اتفضل قرار خروجها، وبلغها إن قرارها واختيارها وصل. ياسر برغم إنه كان فرحان وسعيد وهو شايف الحزن عليه وانتصاره في جولة، لكن حس بوجع ونغزة في قلبه لما سمع كلامه، لكن مردتش، وانسحب ولذة الانتصار سيطرت عليه من تاني وهو بيلم حاجات أمه وواخدها لبيتها. ده كان كفاية عليه إنها تنام في الأوضة اللي جنبه، أخيرًا هيعرف ينام مرتاح بعد عذاب الأيام اللي فاتت.
ياترى خلاص كده نهايتها خلصت مع سليم، ولا هتحصل حاجة تقربهم مع بعض تاني؟ وهل عماد هيصدق في كلامه معاها، ولا هيرجع تاني زي ما كان؟ للإجابة على كل الأسئلة تابعوني في أحداث مليئة بالإثارة من روايتي الجديدة المتواضعة العسقلة _الماكرة بقلمـ إيمان كمال ✍️ إيمووو
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!