ياسر ساكت لكن الغضب مرسوم على ملامحه، ومجدي منتظر رده النهائي. قام من مكانه وقال بقوة وبنبرة حاسمة: مستحيل أوافق أبداً عليها، لو آخر ممثلة في الكون، لأ يعني لأ. مجدي بضيق: بلاش تحط العقبة في المنشار، دي مش طريقة تفاهم أبداً، استهدى بالله واقعد اشرب سيجارة وروّق، عشان نوصل لحل. ياسر وهو بيولّع سيجارته، كان حاسس إنه هو اللي مولّع مش هي. ومع كل آسف مش قادر يطفي نار اشتياقه ولوعة محبته ليها.
حتى أقرب صديق ليه مش فاهم هو رافض ليه؟ إزاي وهو بيهرب منها هيرجع يشوفها قدامه كل يوم، ويحتك بيها من تاني؟! خايف قلبه يحن أو يضعف قدام شهد عسليتها، ويغرق فيه من تاني؟ لازم يقوّي قلبه ويبعد قدر المستطاع. فضل ينفخ دخان السيجارة اللي اتحولت لأكتر من واحدة، وهو سارح وشارد فيها. قلبه بيفكره بكل تفاصيلها.. عيونها اللي بيتوه فيها.. شقوتها وخفة دمها.. كل مواقفه معاها من بدايتها...
حتى شفايفها ما رحمش قلبه لما فكره بالمرة الوحيدة اللي كان هيلمسهم ويدوق شهدها.. تنهد وخرجت منه آه من جواه على كل الحب الساكن ومش قادر يطلعه. غمض عيونه وحبس صورتها جواها زي ما بيتمنى إنه يخطفها جوه أحضانه. مجدي مراقبه وبيقرأ كل اللي مخبيه وعارفه، ونفسه إنه يدي فرصة لنفسه ويسامحها. خد نفس واتكلم بهدوء: هدّيت ولا لسه؟ ياسر تنهد وسكت. فكمّل مجدي:
لو مش عايز تتعامل معاها، سيب لي أنا الحكاية دي، أي حاجة أو ملحوظة عايز تبلغها بيها قولي وأنا هتعامل، بس فعلاً صدقني لو شايف حد مناسب غيرهم كنت قلت لك، ها إيه رأيك في الحل ده؟ ياسر فكر وكان لسه هيرفض، شاف نظرة الإلحاح منه، فكانت بوابة مرور لقلبه إنه يخليه يوافق. فسأله: طب مين هيكون البطل؟ مجدي بدون تفكير: هو في غيره فارس طبعاً. ياسر افتكر محاولته مع مرزوقة إنه يتقرب ليها، وموقفه مع آخر مشهد معاها لما ضربه.
بصله جامد ولسه هيرفض، قاطعه مجدي وقال: لأ مش كل شوية تعترض يا فنان، اختيار الكاست ده من اختصاصي، فارس موهوب جداً، ودلوقتي بقى نجم ساطع، ويا رب بس يكون فاضي. ياسر بضيق بغيرة: يارب يرفض، يعني مفيش غيره. مجدي وهو بيضحك على غيرته اللي بيحاول يداريها:
والله أنت مالكش حل، بدوب في حبها ومعذّب نفسك ومعذّبها، يلا قوم لم شنطتك عشان تروح معايا، وبكرة هنعمل اتصال بالمنتج ونمضي العقود، وأعمل اتصالاتي بكاست العمل، ورايا ليلة طويلة. ياسر وهو متردد: يعني أنت مصمم أرجع معاك، خليني هنا يا مجدي، مش قادر لا أواجه حد، ولا أشوف أي إنسان، أنا مبسوط كده. مجدي بحنية قال:
بلاش تقسى على روحك، كفاية بعد وسلبية، المواجهة هتحصل هتحصل، أنت بس اللي مأجلها، مش هتفضل طول عمرك عايش هنا وحيد لوحدك، يعني أنت بذمتك مش عايز تشوف وتطمن على أمك، ولا حتى عايز تلمح من بعيد اللي معذّباك. ياسر رد بحدة وهو متأكد إنه بيكذب على نفسه: لأ مش عايز لا أشوف حد ولا ألمح حد، ولو هرجع معاك إياك ثم إياك تجيب سيرتهم قدامي.
قال كلامه وطلع يهرب منه قبل ما عيونه تفضحه قدامه ويعرف قد إيه هو كداب كبير، ومش طايق يبعد عنهم لحظة واحدة. * * * * * * * * * * * * * * * * * * جهز ياسر شنطته وركب عربيته ومجدي وراه. وطول الطريق وهو بيفكر في اللي جاي، وأسئلة كتير بتدور في عقله. أولها إزاي هيقدر يتحمل إن أمه تكون جنبه وما يروحش يشوفها؟ هو بعد بعيد وسافر عشان يكون فيه حجة إنه مش قادر يشوفها، لكن كان بيسمع صوتها كل ما تتكلم عشان تطمن عليه..
كان بيسمع صوت بكاها وقلبه بيبكي قبلها، لكن هو أخد قرار وهي صممت على قرارها واستغنت عنه. إزاي هيقاوم قرب مرزوقة وهي قدامه؟ هل هيضعف؟! ولا هيرسم القوة ويتحكم في قلبه ويوجهه زي ما هو عايز؟ عقله تعب من كتر التفكير والأسئلة اللي ملهاش إجابة. حب يتوه عقله وشغّل كاسيت العربية، ولجل الحظ كانت الأغنية دي شغالة للست... حيرت قلبي معاك.. وأنا بداري وأخبي بيقول لي أعمل إيه وياك.. ولا أعمل إيه ويا قلبي
بدي أشكي لك من نار حبي.. بدي أحكي لك ع اللي في قلبي وأقولك ع اللي سهرني.. وأقولك ع اللي بكاني وأصور لك ضنى روحي.. وعزة نفسي منّعاني أول ما سمع أول مقطع من الأغنية مقدرش يكمل الباقي، قفل الكاسيت بسرعة، كأنه متسلط عليه عشان يقلب كل أوجاعه من تاني. كفاية الحيرة اللي جواه، اللي بكلمات الأغنية شرحت حيرته وعذابه، وأد إيه كرامته وجعاه وبيكابر ويعاند.. مجدي كان ماشي وراه، وعقله بيرتب خطواته في الخطوة الجاية هتكون إيه؟
ونسي خالص يبلغ شادية إنه هيرجع الفيلا. شيراز اتصلت كتير بمجدي بس دايماً تليفونه خارج نطاق الخدمة. انشغلت في ترتيب قعدة السهرة من شرب ومذه لحد ما يرجع. وصل ياسر لبيته، وأول ما فتحه وبص لكل ركن فيه، صعبت عليه نفسه إنه ملقاش أمه زي عادتها في انتظاره. بس لفت انتباهه إن الفيلا مرتبة جداً ونضيفة، زي ما يكون سايبها من ساعة مش من شهور. ابتسم بحزن إن أمه لسه مهتمة بيه، وتمنى إنها كانت تشتريه هو وتهتم بمشاعره.
شال شنطته وطلع أوضته ورمى نفسه على سريره اللي وحشه واشتاق ليه من شهور. النوم كان مخاصم جفون جهاد. قعدت شوية في بلكونة الأوضة اللي نايمة فيها، بتستمتع بهدوء الليل الساكن، وصفاء السماء. فضلت تهمس لكل نجمة عيونها بتلمحها وتشتكي لها أد إيه هو واحشها ومشتاقة تلمح حتى طيفه. وطلبت منها ترسل سلام مغلف بالمحبة والأشواق.
وفجأة لمحت نور أوضته مولّع، قامت مرة واحدة وبقت مش عارفة تفرح إنه رجع وهتشوفه قصادها، ولا تبكي خوف من رد فعله لو شافها. فضلت رايحة جاية في الأوضة مش عارفة تتصرف إزاي. جات فكرة إنها تتأكد؛ اتصلت بالتليفون الأرضي. استنت لحد ما رد، وأول ما سمعت صوته، اتجمدت كل حواسها وحست إنها اتخدرت، قفلت السكة على طول. وقالت لنفسها: من صوته ومقدرتش أتمالك أعصابي، هتعملي إيه لو روحت له؟
اتشجعت وقررت إنها هتروح له مش عشانها هي، لأ عشان خاطر شادية اللي وقفت معاها كتير وعمرها ما تخلت عنها. ودي بالظبط الحجة اللي كذبت بيها على نفسها. لبست ونزلت تبلغ هنية عشان تاخد منها المفتاح. واتحركت ببطء سلحفاة، ورنت جرس الفيلا بتردد. غاب عقبال ما نزل وفتح، وأول ما عينه شافتها وقف متسمر ومتنح بيتفحص فيها، مش مصدق إنها قدامه بالسرعة دي. أد إيه هي وحشاه لدرجة إنه مش قادر ينزل عينه من عليها.
ونفس الوقت هي كمان كانت بتبعت سهامها بقوة لقلبه ربما يرق. كان نفسها تجري وترمي روحها في حضنه وتقوله أد إيه هو واحشها ومش قادرة تعيش من غيره، والفرحة ناقصة بعدم وجوده جنبها، ومش حاسة بأي طعم للنجاح بدونه. كل واحد فيهم ساكت وعيونهم بس هي اللي بتبوح لحظات بالحب، وكتير باللوم والعتاب من ناحية ياسر اللي فاق من حالته وقال بصوت حاد أجش وقوي: افندم عايزة إيه؟ في كذبة جديدة افتكرتي إنك مقولتيهاش وجاية تقوليها؟
خابت كل آمالها وأحلامها واتهدت فوق راسها، زي اللي بنى قصر من الرمال وفرح لشكل اللي بقى جميل، وفجأة جت موجة عالية أطاحت بيه وهدته. وقفت حزينة بلعت ريقها وتنحنت عشان تعرف تطلع صوتها اللي اتحشرج واتخنق جواها: حمدلله على السلامة. ياسر مدعي البرود واللامبالاة: جاية في وقت متأخر كده عشان تقولي حمدلله على السلامة، طب يا ستي الله يسلمك، في حاجة تانية؟ اضايقت جهاد أوي من طريقته وأسلوبه الفظ فقالت بغضب:
آه في حاجة مهمة، ومهمة أوي كمان.. سكتت لما بصت جوه عيونه الحزينة، وكان نفسها تصرخ وتطلع كل غضبها منه وتقول فيه إني بحبك أوي، وإني مش قادرة على بعدك ثانية.. سامحني وتعالى أبدأ معايا أول حكايتنا.. انسى اللي فات وسامح.. كان نفسها تقوله كلام كتير، لكنها بلعت كل كلامها جوه أعماق بحر حزنها المالح وكملت:
أنا كنت عند شوشو ولما شفت نور أوضتك منور، عرفت إنك رجعت، وحبيت أقولك إن شادية تعبانة أوي من غيرك، وبتتعذب وبتدبل كل يوم عن اللي قبله، شادية محتاجاك أوي تكون معاها. قاطعها ياسر ورد وهو قلبه وجعه عليها، لكنه مازال مستدعي البرود معاها: مش هي اللي اختارت، تتحمل نتيجة اختيارها. حست جهاد إنه مفيش فايدة فيه، شافت الظاهر قدامها من قسوة وجمود، وملمحتش قلبه اللي بينزف وجع عليها وعلى أمه.
معرفتش تترجمه وتقراه صح، بصت له بحسرة ولوم وقالت والدموع منسابة على الخدين، وبتضرب بيدها على قلبه وهي بتصرخ من الوجع: أنت خلاص مفيش فايدة فيك، شلت قلبك وحطيت مكانه حجر صوان مع كل آسف. غمض عينه عشان يجمع أعصابه، ونزل كفها لتحت، واتكلم بقوة مؤكداً كلامها: طب كويس إنك عرفتي ده لوحدك، ها قلتي اللي عندك ولا لسه عايزة تسمعيني باقي المحاضرة. جهاد لفت عشان تمشي، واتحركت خطوة، ولفت له تاني وقالت بوجع:
يا خوفي يجي اليوم اللي تندم على كل كلمة قلتها، وكل تصرف اتصرفته معاها. بخت السم وسابته يسري في شراينه ومشيت. وهو قفل الباب، ورجعت ملامحه الأصلية ترجع تترسم من جديد على تقسيمات وشه. وفضل صدى آخر كلامها يرن في ودنه، مع زيادة نبضات قلبه السريعة وفكرة خوفه إنه يفقدها بتزيد. لعن قرارها بتمسكها بطفل ممكن ينهي حياتها، عاش من غيرها شهور في عذاب، ومش قادر يتحمل حقيقة إنها تختفي فجأة من حياته.
دعى ربنا يحفظها عشانه، وطلع أوضته ونار الفراق بتكويه. * * * * * * * * * * * * * * * * * * رجع مجدي لبيته وأول ما فتح الباب، عينه وقعت على الشموع المنورة في كل مكان، والعشا الرومانسي اللي مجهزاه شيراز مع الموسيقى الهادية. بصلها بإعجاب شديد، وضمها لحضنه وقال: هو النهاردة ليلة عيد ولا إيه؟ إيه الرضا السامي ده اللي مغرقاني بيه، يكون قلبه حاسس بالمفاجأة اللي محضّرهالك، وقلتِ تسبقي بالليلة الحلوة دي.
شيراز أول ما سمعت إن فيه مفاجأة اتعلقت في رقبته زي الطفلة الصغيرة وقالت بدلال: مفاجأة إيه قولي يا ميجو وحياتي؟ مجدي وهو بيطبع بوسة طويلة من شفايفها قال: هقولك بس لما تقولي الأول سر السهرة الحلوة دي ليه؟ شيراز وهي ماسكة إيده وبتقعده على الكنبة، وقعدت فوق رجله وفضلت تلعب بخصلات شعره، وبطرف صباعها ماشية على خده بإثارة وبميوعة قالت:
أبدا يروحي أنا لقيت إن بقالنا كتير كنا مشغولين في التصوير، ومتقابلناش مع بعض، حبيت أعوّض حبيبي ونور عيني بليلة ولا ألف ليلة وليلة. مجدي رد بتوهان وهو تحت تأثير حركاتها، وعطرها اللي يحرك مشاعر أي رجل وقال برغبة: أنا كل ليلة بقضيها معاكي يا شيري بتكون بالعمر كله يا حياتي، إيه هنضيع الوقت في الكلام ولا إيه، تؤ تؤ دلوقتي جه وقت الأفعال يا قمر. شدها عشان يدخل الأوضة وهي وقفت وقالت: طب مش هناكل الأول؟
مجدي وهو بيفتح قميصه رد: هو الأكل هيطير، أنتِ لازم تتعاقبي على حالتي دي فوراً، مش بيقولوا "اللي يحضر العفريت يصرفه". ضحكت بميوعة ومشيت معاه، وسألته عن المفاجأة، ولما جاوبها طارت من السعادة والفرحة نستها إنها هتقف أمام غريمتها، أو بمعنى أدق مجدي مدهاش فرصة إنها تتناقش وأخدها في دنيا تانية هو بس اللي بيعرف يكون فيها البطل، والمؤلف، وكمان المخرج. * * * * * * * * * * * * * * * * * *
رجعت جهاد لأوضتها دموعها سبقاها بحور غرقانة فيها، وموجة ورا موجة بتضربها بكل قوة، ومش عارفة لحد إمتى هتفضل على حالها معاه. فكرت كتير هل الذنب اللي عملته معاه يستاهل كل القسوة دي منه؟ كلمتها كتير شادية على شدة زعله وخصامه، لكن متوقعتش أبداً ولا اتخيلت يكون بالشكل ده؟ مددت بجسمها على السرير وفضلت تفكر إزاي هتبلغ شادية إنه رجع!! نامت وهي بتدعي إن ربنا يهديه. صدق من قال "إن ما ينام إلا خالي البال".
شادية من التعب والتفكير عينيها ما غفلتش غير ساعة أو اتنين بالكتير. أما ياسر وجهاد، برغم إن كل واحد فيهم كان مغمض ومدعي النوم؛ إلا إن عقلهم كان شغال ورفض يقف لحظة. وفضل آخر كلمات قالتها بيرن في ودنه، لدرجة إنه فكر يتصل بيها يسمع صوت أمه لكن في شيء جواه منعه إنه يعمل كده.
قام أخد شور ربما يفوق والمية تنزل كل الهموم من عليه، لكن هيهات فضل تحت المية غرقان في بحر من الحزن والهم، واستغرب حالته اللي اتحولت في يوم وليلة لكابوس مش عارف يصحى منه لحد اللحظة دي. طلعت هنية تصحّي شادية، ولما دخلت لقتها صاحية فقالت: صباح الخير يا ست شادية، أطلع الفطور ليكي هنا ولا هتنزلي تفطري تحت؟ ردت شادية عليها الصباح بالعافية وبعدين سكتت. فقالت لها هنية بفرحة:
أني عندي لكِ خبر لو سمعتيه هتقومي تجري رهوان من على السرير. شادية باللامبالاة: مبقاش في حاجة تفرحني يا هنية خلاص، الفرح راح وولّى. هنية بسعادة ردت: حتى لو قلت لك إن ياسر بيه رجع بالسلامة امبارح. شادية حسّت إن قلبها هيقف من الفرحة، واتعدلت وقامت مرة واحدة، حسّت بدوخة، فقعدت تاني وأخدت نفس بهدوء عشان تنظم أنفاسها: أنتي بتتكلمي جد يا هنية؟ يعني متأكدة إنه رجع الفيلا. هنية بتأكيد:
آه والله يا ستي، ده أنا حتى لسه راجعة من عنده وقلت له أحضر له الفطار، وأجهز له الغدا، رفض وقال لي مسبكيش لحظة، وهو هيتعامل مع نفسه، بس إني قلت له إن التلاجة فيها كل خيرات ربنا. شادية بحنين وحب: يا حبيبي يا ياسو وحشتني أوي يا قلب أمك من جوه. روحي أنتِ اعملي أحلى فطار، واتوصي أوي يا هنية في الأكل، وبعدين حطيه على صينية وروحي ودهوله، واعملي حسابه في الغدا كل يوم جهزيه هنا ووديه هو يسخنه.
هنية شاورت بإيديها على عينيها الاثنين، فقامت شادية وفتحت درج الكمودينو وطلعت مبلغ من فرحتها معدتهوش وأدتهولها. وأول ما خدته قالت: إيه الفلوس دي كلها يا ستي؟ شادية بسعادة: خديهم ليكي يا هنية، اشتري بيهم اللي عايزاه، دي حلاوة رجوع ياسر. هنية الفرحة هتنط من عيونها: ربنا يخليكِ يا ستي ويقومك بالف سلامة ويبارك لكِ في سيدي ياسر بيه والنونو اللي جاي، ولا يحرمك من الدكتور يا رب. شادية وهي مبتسمة بعد طول غياب:
طيب يلا بقى روحي جهزي الفطار، وأنا هنزل وراكي. هنية: حالاً يا ستي. نزلت هنية، وفوّقت شادية وجت على نفسها كالعادة وراحت تصحّي جهاد وتقولها على أحلى خبر سمعته. لأقتها صاحية وشكل عينها منامتش أصلاً. قعدت جنبها وبلغتها. لاحظت إنها متأثرتش وردت جهاد: عارفة وروحت عنده وقابلني بمنتهى البرود. حكت لها رد فعله، بس مردتش تقولها كلامه عنها. زعلت شادية من طريقته، وحست إن الشهور اللي فاتت مغيرتش منه ولا هدت طبعه.
أخدتها ونزلوا عشان يفطروا. بعد ما دخلت أوضة سليم ولقيته نزل على شغله زي كل يوم من غير ما يدخل يصبح عليها، وحجته إنه مش عايز يزعجها. لمحت جهاد الأطباق على السفرة والأكل أشكال وألوان، استغربت وقالت: إيه كل الأكل ده يا هنية، مين هيفطر كل ده؟ هنية وهي شايلة صينية كبيرة فيها أطباق كتير عليهم كل أنواع الجبن، وبيض، مربى، حلاوة، فول، طعمية، وبطاطس وحاجات تانية قالت وهي بتتحرك ناحية الباب:
دي أوامر ستي شادية، إني هروح أودي الفطور لياسر بيه ومش هعؤؤ. قعدت شادية على الكرسي، وبصت لجهاد وسألتها: تفتكري هيرضى ياكل لقمة واحدة؟ جهاد بعد تفكير: محدش يعرف الإجابة دي غيرك أنتِ وهو، لأنك أكتر واحدة فاهمة تفكيره كويس، مع إني اللي شيفاه قصادي، هيرجع البونيه قفاها يقمر عيش. ابتسمت شادية غصب عنها: والله أنتِ فقر جبتي المثل ده منين يا خريجة أكبر جامعات كاليفورنيا. جهاد وهي بتاكل الطعمية السخنة بستمتاع شديد:
من الناس اللي عايشة في وسطهم وبقيت منهم، سيبك أنتِ مني، لأني حالياً جعانة وأنتِ عارفة لما بجوع حالتي بتكون شكلها إيه، خليني أركز مع الطعمية اللي وحشاني دي. ضحكت شادية على طريقة أكلها كالعادة محدش بيعرف يخرجها من حزنها غيرها، وحاولت تشاركها في الأكل برغم إنها ملهاش نفس، بس غصبت على روحها عشان خاطر جنينها.
وفضلت تاكل وهي باصة على الكرسي الفاضي جنبها واتخيلت ياسر قاعد عليه وكل شوية تحط قدامه الأكل وتأكله في بقه، وهو يقولها كفاية يا ماما، كلي أنتِ، ويبوس إيديها بكل حب. أد إيه هي مشتاقة ليوم من أيام زمان لما كانوا دايماً سوا ومفيش حاجة بتفرقهم عن بعض. فاقت على دخول هنية ومعاها الصينية والأطباق محدش لمسها، وأول ما شافتهم عرفت الإجابة من غير ما تتكلم. نزلت راسها بأسى وطلبت من هنية تعملها قهوتها، وقامت من غير ما تكمل أكل.
حتى جهاد سابت العيش من إيديها وقامت وراها تسندها وقالت بحنان: معلش إحنا متوقعين رد فعله ده، متزعليش نفسك يا حبيبتي وقومي كملي أكلك، لحسن النونو دلوقتي لسه جعان وهيفضل يضرب فيكِ لحد ما تقولي جاي، قومي بقى بلاش دلع. شادية علامات الحزن متخططة وواضحة على وشها، اعتذرت لها، وطلبت منها تروح تكمل أكلها، وحلفت جهاد ما تاكل غير لما هي تقوم معاها، وتحت إصرارها قامت قعدت بس جنبها ومثلت إنها بتاكل عشان خاطرها.
ولما هنية جابت القهوة شربتها وهي حاسة بمرارتها عقلم في بقها. * * * * * * * * * * * * * * * * * * مجدي قضى فعلاً ليلة جميلة مع شيراز وعوضه فترة غيابها عنه. صحي من نومه متأخر، ولما فتح عيونه خدها في حضنه وباس خدها الوردي المنور وقالها: وعدتيني بليلة جنان وفعلاً وفيتي وصدقتي، وعشان كده سيناريو الفيلم هبعتولك النهاردة وبكرة هبلغك بميعاد هنجمع فيه كل الكاست عندي في المكتب. شيراز بسعادة:
ربنا يخليك ليا يا ميجو ولا يحرمني منك ياروحي. سكتت لما افتكرت حاجة فظهر الضيق وقامت من جنبه وقالت بزعل: بس كنت متوقعة إنك تديني دور البطولة يا ميجو مش صديقة البطلة. قامت مجدي ولف حوالين وسطها مفرش السرير وبصلها وهو مبتسم واتكلم وهو ماشي رايح للحمام ياخد شور:
ياروح قلبي صديقة البطلة دورها لا يقل أهمية عن دور البطلة، بل بالعكس هو محور الفيلم كله، شخصية مش سهلة، مركبة، بتظهر حاجة وجواها عكسها، أنتِ زعلانة عشان لسه مقرأتيش السيناريو، لكن لما تقرأيه هتحبي الدور جداً، حاسس إنه مكتوب مخصوص عشانك، ودلوقتي سبيني يا حلوتي آخد شور عشان ورايا حاجات كتير أوي لازم أعملها. سكتت شيراز وقعدت تفكر في كلامه، واقتنعت برأيه، لأنه دايماً بيكون ليه رؤية خاصة بيه، متقدرش تنكرها.
قامت تحضر له فطار والفرحة باينة في عينيها وفي كل حركاتها. * * * * * * * * * * * * * * * * * * جهاد قاعدة في أوضة شادية بتحاول تفتح معاها أي مواضيع عشان متخليهاش تفكر فيه وتتعب. جالها اتصال، وبصت لشاشة الفون واستغربت إنه من مجدي فردت عليه برسمية: سلام عليكم يا أستاذ مجدي خير؟ -معقول اللي بتقوله؟ -وهو وافق على عرضك ده؟ -تمام في انتظارك. -أكيد لازم يعجبني، وهو من إمتى ياسر كتب حاجة معجبتنيش يا أستاذ مجدي.
قفلت معاه ولاحظت الفضول اللي على وش شادية، فضحكت وقالت: دايماً بتقولي عني إني فضولية، حسيتي بيا دلوقتي؟ شادية بتشوق: انجزي مجدي عايز منك إيه؟ جهاد بفخر: خدي المفاجأة؛ مجدي رشحني لفيلم جديد من تأليف ابنك العزيز!! شادية برقت عينيها وفتحت بقها في ذهول، فضحكت جهاد أوي على منظرها: اقفلي بقك ياشوشو، أنا استغربت زيك كده، وسألته هو وافق، قالي طبعاً أمال أنا هعرض عليكي بدون علمه.
غمضت عينيها واتنهدت ولفت حوالين روحها وهي بتحلم إنها هتتعامل معاه من تاني، وتشوفه كل يوم، ورسمت بخيالها قصص وحكايات ممكن تقربها منه من جديد. فتحتها وقعدت جنبها وسألتها: تفتكري في أمل إنه يحن؟ شادية مش عايزة تديها أمل وبعدين تفوق على حقيقة مرة هي في غنى عنها. بصت لها وسكتت، والإجابة وصلت من غير ما تنطق بحرف. * * * * * * * * * * * * * * * * * *
ومر اليوم ومجدي عمل اتصالاته بالأبطال فقط، وباقي الأدوار الثانوية خلى المساعد يتواصل معاهم، وحدد معاد للاجتماع. وكان بينه وبين نفسه شايل هم لقاء ياسر بجهاد، فهيأ نفسه لفض أي اشتباك بينهم. اتصل مجدي بياسر ووصاه جداً إنه يكون هادي ويسيطر على مشاعره وما يحتكش بيها نهائي. أول اللي حضر الاجتماع كان فارس اللي جواه فرحة كبيرة لأنه هيشوف جهاد تاني، ويشتغل معاها.
فضل منتظرها في الطرقة اللي قبل مكتب مجدي، واقف ومأجل دخوله، وكل شوية يبص في ساعته واضايق نفسه إنه جه بدري أوي كده. وأول ما لمحها جاية في قمة أناقتها وماشية بكل ثقة، قرب منها وابتسامته من الودن للودن ومد إيده يسلم عليها ورفعها يبوسها. لما عمل كده اتحرجت وسحبت إيديها بسرعة وقالت له: إيه اللي عملته ده يا فارس؟ فارس بحب: عملت إيه؟ بسلم عليكي وبوسّت إيديك احترام ومحبة، وتعبير عن سعادتي إننا هنشتغل سوا تاني. جهاد بحدة:
الشغل والزمالة ليها حدود، ولو هتستمر تتعامل معايا بالشكل ده؛ فأنا هضطر أعتذر عن الدور لو ده هيرضيك. فارس بزعل واعتذار: لأ أبداً على إيه كل ده، أنا مقصدتش أضايقك أبداً، آسف لو ضايقتك، واتفضلي يلا عشان ندخل. أخدت جهاد نفس عميق تهدي بيه أعصابها، واتحركت معاه، فارس دخل الأول، وهي لسه هتدخل سمعت صوت اللي بيناديها بحدة. التفتت له ووقفت متسمرة مش مصدقة إنه بيناديها. ابتسمت له بكل الحب والشوق اللي جواها،
لكنها اتصدمت لما قال: ممكن أعرف إيه اللي حصل من شوية ده؟ جهاد بعدم فهم: هو إيه ده اللي حصل؟ ياسر بغضب وغيره شديدة مش قادر يداريها: اللي شوفته من شوية، ضحك ومُراقعة، إزاي يا هانم تسمحي للاستاذ المستهتر ده يهزر معاكي ويبوسك؟! برغم شعور السعادة اللي اتسرب جواها للحظات، وغيرته الظاهرة عليه، لكنها اتغاظت من طريقة كلامه ولهجته اللي فيها تلميح بالاتهام. فردت بكبر وهي رافعة راسها: أولاً بأي صفة تتكلم معايا بالشكل ده؟
ثانياً هو مكنش بيبوسني بالمعنى المتعارف، ده باس إيدي، ودي حركة عادية كتير بيعملوها عادي، ومكنتش لا بضحك ولا بهزر وياه. ثالثاً بقى والأهم؛ مين اداك الحق تكون وصي على تصرفاتي، أعتقد أنا كبيرة كفاية وأعرف أوقف كل واحد عند حده. ياسر بسخرية: آه ما واضح أوي. جهاد رفعت صباعها سبابة في وشه وقالت بصوت عالي: ياسر مسمحلكش تتعدى حدودك أكتر من كده. لسه هيرد عليها سبقه مجدي اللي خارج من أوضة المكتب على خناقهم وقال لياسر:
في إيه يا ياسر حصل إيه لكل ده؟ هو ده اللي اتفقنا عليه؟ لما ملقاش رد منه سأل جهاد بهدوء، فردت عليه بانفعال وغضب: اسأل الأستاذ، شوف أسلوبه الغير مهذب معايا. مجدي حيران بينهم ومش فاهم حاجة، مسك جهاد من كتفها، فبصله ياسر نظرة تقتل فنزل إيده ودارى ضحكته وأخدها المكتب وقالها: استهدي بالله يا جهاد، وكبري دماغك أنتِ عارفة ياسر بيتعصب وينزل على مفيش. بصت له جهاد بحزن وردت:
والله يا أستاذ مجدي ما عملت له حاجة تضايقه، ده شاف فارس بيكلمني وبيسلم عليا واتعفرت واتهمني إني سعيدة ومبسوطة عشان باس إيدي، طب هي فيها حاجة دي؟ مع العلم إني مسكتش والله. مجدي بيسمع ليها ومن جوه نفسه بيلعن غباء صاحبه وغيرته العميا اللي هتخسره أعز أحبابه. هداها وقعدها، وياسر دخل يقعد جنب مجدي. اللي لاحظ إن شيراز اتأخرت أوي عن ميعادها، اتصل بيها كتير وفونها مغلق. حاول تاني ولما ردت قال بضيق: أنتِ فين يا شيراز؟
كل ده تأخير الاجتماع خلاص هيبدأ. شيراز بعياط: أنا آسفة يا حبيبي، العربية مش عارفة مالها عطلت مني، ومش عارفة أصلحها. مجدي بحنان: طب ممكن متعيطيش، اقفليها وابعتيلي اللوكاشن وأنا هتصرف، وخذي تاكسي وتعالي، هنشرح الأدوار التانية عقبال ما تيجي. وبدأ الاجتماع اللي كان ياسر بيتكلم أكتر ويشرح بالتفصيل مداخل كل شخصية وشرحها بالتفصيل. جهاد كانت مركزة أوي معاه، كل شوية بتبعت بعينيها نظرات لوم وعتاب.
وهو بيهرب من مواجهتهم؛ لأنه عارف ومتأكد لو ساب نفسه ليهم هيتوه في سحرهم وجمالهم، ويغرق في شهد عسليتها، عشان كده كان بيبعد أميال ويهرب من أي نقطة ممكن يتلاقى معاهم. وصلت شيراز وأول ما دخلت اعتذرت عن تأخرها، ومجدي قبل الاعتذار، وقعدت في الكرسي اللي جنبه كان فاضي، لكن ياسر سمعها كلمتين وأحرجها قدام الجميع. ربما وقتها حس إن كما تدين تدان، والموقف اللي عملته مع مرزوقة اترد لها دلوقتي، وبدون ما يشعر أخد حقها.
جهاد كانت مستغربة حدته النهاردة، ومكنش عندها تفسير مؤقت غير إن حالته النفسية بغيابه عن شادية حتماً مأثرة عليه. مخطرش في بالها إنها ممكن تكون هي كمان داخل محور اهتمامه وسبب رئيسي في حالته.. طال وقت الاجتماع وشيراز متضايقة وكل شوية تبص لمجدي ونفسها تصرخ فيه وتسأله إزاي ماخدتش حقها وسمحت لياسر يكلمها بالشكل ده، ويتهمها بالإهمال، لكنها مقدرتش تنطق وحست إنها زوجة للطلب ولمزاجه فقط، وإنها ملهاش أي حقوق عنده.
قررت تكتم جواها الحقيقة المرة دي لحد ما تخلص تصوير الفيلم وتختار الوقت المناسب وتحط حد لموضوعهم سوا. * * * * * * * * * * * * * * * * * * كل ما الأيام بتعدي على شادية، كل ما التعب بيزيد، وحالة اكتئاب الحمل والوحدة بتزيد معاها، على طول قاعدة في أوضتها حزينة بتفكر في حالها وبتراجع نفسها مليون مرة.
حتى مش مدية فرصة لسليم إنه يقرب منها، رفضت هي وجوده جنبها، زي ما هو في الأول بعد عن حضنها، حست إن في حاجة جواها اتكسرت ومش عارفة ترجعها تاني. حتى معاد متابعة الدكتورة مراحتش، ما صدقت إن سليم انشغل في شغله ومهتمتش تروح هي. بس لاحظت تورم جسمها ورجليها ومدتش أي اهتمام، وبررت ده إنه ربما السبب الحمل وزيادة حجم الجنين.
جهاد غصب عنها انشغلت بالتصوير، وأخدت شقة عشان تكون قريبة من الاستديو، لكنها كانت كل يوم بتتصل بشادية وتحكيلها عن كل اللي بيحصل في يومها، وقبل ما تنام بتتصل تطمن عليها وبعدين تنام من التعب. وبرغم الإرهاق والتعب؛ إلا إن جهاد كانت سعيدة جداً إنها بتشوف ياسر حتى لو من بعيد، بس مش قادرة على خصامه وعدم الكلام معاها. دايماً بتحاول تستفزه بكلامها مع فارس، لكن في حدود مقبولة. * * * * * * * * * * * * * * * * * *
وعدت أيام التجهيز وبدأوا تصوير، ياسر مكنش عنده الشغف الشديد زي الفيلم اللي فات إنه يحضر كل يوم، كان بيهرب منها قدر الإمكان. ولو صادف وراح يحضر تصوير، بياخد مكان بعيد عشان محدش يشوفه. النهاردة كسل ينزل، وفضل مريح على السرير مش قادر يقوم من كتر الصداع. افتكر إنه مأكلش لقمة من امبارح، حزن على حاله واللي وصل له. افتكر إزاي كان عايش من شهور في سعادة وهو شايف أمه وحبيبته قصاد عينه، بياكل معاهم ويشاركهم في كل لحظة.
واستغرب إزاي الدنيا جت عليه واتشقلبت حياته في يوم وليلة بالشكل ده. تنهد تنهيدة مليانة وجع وقام ينزل يعمل لنفسه فنجان قهوة دبل يمكن تعدل دماغه. انتبه وهو نازل على درجات السلم على صوت خبط الباب جامد زي ما تكون الشرطة بتدور على حرامي ومحتاجة تقبض عليه. مد في خطواته والغضب محتل وشه، وفتح الباب ولسه هيزعق، اتفاجأ بصوت هنية بتصرخ في وشه وقالت بفزع: الحق ستي شادية بسرعة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!