سقط إدريس أرضًا وغاب عن الوعي وهو يصرخ باسم ناريمان. بيدق على الباب بقوة لكن بلا فائدة. بعد ثوانٍ، اشتعلت النيران في البيت مما أدى لانفجار مدوٍ. لولا أن العمارة في مكان مهجور لا يوجد فيه أي عمارات أخرى، لكانت كارثة كبرى. تحولت الشقة لفحم متبخر لا تستطيع حتى النظر إليه وتحديد شكله من كثرة الدمار. "مصيبة وواقعة في أول ساعات من رمضان. يا الله ارحم عبادك ونجيهم من شر أنفاسهم. المصيبة دي كانت أفراح عند ناس."
راقبت بسعادة ونشوة غريبة وبشعة كيف يحترق البيت ومن فيه من أطفال وناس بلا أي رحمة أو شفقة. تراقبهم من خلال شاشة كبيرة تعرض ما يحدث داخل الشقة وخارجها، وكأنه فيلم حزين لكنه مضحك لتلك العيون الخالية من أي شعور إنساني، بل حتى شيطاني. إنسانة ليس لها وصف في قاموس البشر.
تراقب هذا وأصوات الضحكات تجلجل جدران البيت. لمعت عيناها تضيء ليل حالك الظلمة من شدة فرحتها وسعادتها بما تشاهد. وتتراقص على أصوات الصرخات والانفجارات وكأنها ألحان عذبة تشجنها، وهي تردد فرحاً: "أخير خلصت منك يا ماجدة ههههه. أخير آخد حقي منك يا ماجدة هههه." وفضلت تدور وتدور حول نفسها وهي تضحك وتغني بسعادة. "أخير محيتك يا ماجدة هههه. أخير دمرتك يا حرية وخلصت من كل العوازل. أخير قهرتك يا ماجدة وحرية."
كل هذا الجنون والوحشية يراقبها فريد أبو مهند، عشيق سميرة و شريكها في كل الكوارث وعبد لرغباتها. ولكنه يعشق النقود أكثر، فممكن أن يقتل ولده من أجل حفنة من النقود. "فعلاً الطيور على أشكالها تقع." يبتسم فريد بشر ومكر ويقرب منها ويضمها إليه وهو يشتم كل ذرة فيها وكأنها زهور، لكن زهور بالية خبيثة. وتحسس كل جسدها وضحك ساخراً. فريد: "ياه، ده انتي بتكرهي ماجدة أوي كده وحرية. ده انتي قتلتِ أحفادك؟ إيه الفجور ده؟
تبعد عنه وترمقه بقسوة وشر. ثم تحدثت بكل حقد وهي تجز على أسنانها: "انت متعرفش أنا بكره ماجدة إزاي وأي حاجة من طرفها، حتى الهوا اللي بتتنفسه. وبكره حورية عشان كانت صاحبتها أوي. أنا بكرههم حتى أحفادي عشان فيهم دم حرية. كان لازم أخلص منهم." وتضحك بشر وهي تبرق عيناها بسعادة وتتمايل وهي تضم نفسها وتغمض عيناها، كما لو أنها تتخيل ما حدث وأن ماجدة وحورية هما من تفحموا حتى الموت.
فريد يرمقها باحتقار وشك: "مش مهم، المهم إني خلصت من إدريس اللي كان هيشن حملة مدمرة لكل أعمالي، وده اللي عمري ما كنت هسمح بيه." واقترب منها بشوق كبير. فريد: "احنا هدفنا واحد، بس أنا عايز المكافأة اللي وعدتني بيها." تضحك سميرة بكل وقاحة. سميرة: "أكيد يا حبيبي، يلا بقى."
"ونحن نعيش وفعلوا ما فعلوا في نهار شهر كريم. ربنا يمهل ولا يهمل، الحساب عسير في الدنيا والآخرة. لكن حدث ما يفوق أي تصور. يمكرون والله خير الماكرين. وكان للقدر ترتيبات أخرى." في شقة فارس، الذي يقف في ذهول مما سمع. أنا أمه هي التي دبرت لحادثة حريق شقة ناريمان حتى تقتلها هي والأطفال وإدريس. يقترب منه عمار ويطبطب على كتفه ليواسيه.
عمار: "للأسف، هي دي الحقيقة يا فارس. لازم تتحلى بالشجاعة. لولا إني كنت مراقب بيت ناريمان ولاحظت حركة غريبة لرجال ملثمين وهما بيحوموا حوالين البيت. وكمان مهند جه في الوقت المناسب وقالي على خطة أبوه عشان يخلص من إدريس وعيلته، بس معرفش حاجة عن أمك دي. ناريمان هي اللي بتقول كده، بس من غير دليل. أما فريد، مهند كان شرطه إن البوليس ما يدخلش. فوافقت أنا وناريمان وإدريس وكله. فعلاً نفذنا كل حاجة من اللي قال عليها مهند، وهو اشترى الرجالة اللي أبوه أجرهم. وكمان مهند عنده شركة برمجة وهو اللي تولى أمر الكاميرات وشأن فبركة وتزييف فيديو الحريق وموت ناريمان."
تتنهد ناريمان وهي ترمق إدريس بغضب من أمره وتصميمه على المواجهة المباشرة. فتصرخ فيه بعيون تنطلق منها شرار قاتل وتقترب منه وتجذبه من لياقة قميصه وتنهره بغضب وتعنفه بشدة. ناريمان: "وإيه آخرت الهبل اللي انت فيه ده يا أخي؟ لولا عمار ومراقبته المستمرة لبيتنا، كان زمانه متفحمين. أنا زهقت منك ومن جنانك ده يا إدريس. فوق بقى من وهم الفارس المغوار في زمان الخداع فيه أساس التعامل."
يتغاظ إدريس ويرمقها بغضب وعتاب ويزيح يدها عنه ويشد عليها ويزعق فيها بغضب. إدريس: "اسمعي بقى، أنا مش هتغير وهفضل أحارب الفساد والفاسدين. ومش هتغير مهما حصل. واتبع الأساليب الملتوية اللي أمثالك يعرفها. انتي فعلاً زي ما جدتي بتقول، حية بنت حرباية." تدمع عيون ناريمان أول ما تسمع هذا الكلام القاسي. وتسحب يدها منه وتقترب منه وشهقاتها تتعالى. وبصوت يحمل كل وجع الماضي وقسوته، وعيونها السوداء التي تلمع بالبكاء.
ناريمان: "أنا مش حية، ولا أمي الله يرحمها حرباية. أنا وأمي ضحية غدر وحقد سميرة اللي حبت أبوي وهو رماها زي أي قطعة قماش بالية. وده أشعل فيها الحقد والكراهية ورغبتها في دمارها هي وكل ذكرى منها. هي الحرباية، مش أمي. سميرة وغني هما سبب كوارث العيلة دي. واسأل أمك حرية اللي شهدت على حكاية زمان والحكاية اللي ألفتها سميرة ولفّت بيها الأقصر كلها بعشق ماجدة. ليباسل أخو ماجد وجوز سميرة. طبعاً دي حكاية شر من حكايات سميرة مع أمي.
اسأل أمك حرية اللي ياه، دفعت عني أمي اللي تحملت ذل وإهانة من العيلة دي، وآخرها حبسها في الزريبة وسط البقر. وربطها من غير أي رحمة أو شفقة لحد ما نادر وحرية هما اللي هربوها. غير كده، كان زمانها ماتت. بس عشان عرفوا إنها حامل فيه وبابا صدق سميرة إنها حامل من باسل أخو. أشعلت فتنة بين الأخوات."
وبكت بحرقة على عذاب وظلم اللي شفته أمها. وأكملت: "انت متعرفش إيه القهر اللي أمي شفته عشان تربيني. وبعد كل ده عايزني أقفل حسابات الماضي. أنا فعلاً مسعتش لأي عقاب، انتقام القدر هو اللي اختار، مش أنا. وبايد ابنها." إدريس كان بيسمع وقلبه بيتعصر على وجها في التعبير والمرار اللي هو حاسه في كلامها ونظرات وصوتها. ولسه هيقرب منها تجري منه على بيتها وتقفل الباب. فارس لسه في حالة صدمة من اللي سمعه على أمه وإنها بتخون أبوها مع.
تصرخ سميرة بهستيرية وغضب وهي تكسر كل ما أمامها وتصرخ بحقد. سميرة: "لاااااالاالاااااا مستحيل إنها لسه عايشة هي وابن الصفرة. لالاااااا أنا لازم أمحيها من على وش الدنيا." وفضلت تجرح وجهها بأظافرها حتى امتلأ وجهها بالدماء وعيناها مبرقة في غضب، وكأنها ترى ماجدة أمامها تبتسم لها انتصاراً على خططها الشريرة. سميرة: "فتصرخ أكثر، لا مش هسيبك تنتصري زي كل مرة. انتي سبب ضياع ماجد مني. أناااااا هخنقك."
وقبضت يدها في عنق حاتم أبو مهند. أصلاً بينه وبين إدريس عدوة بسبب إن إدريس بيكشف كل أعماله غير المشروعة ودايماً بيقف له بالمرصاد. وعشيق سميرة. فعلاً الطيور على أشكالها تقع. وكانت تقبض في عنقه بغضب وتصرخ. سميرة: "هموتككككك." وهو ينزع أنفاسه الأخيرة. يرن هاتف إدريس فيرد ويجري زي المجنون من غير كلام. في تلك الأثناء، تخرج ضحى وتنفذ خطة لناريمان وتترك ناريمان وهي تبكي بحرقة ومنهارة على حالها.
فيرن جرس بابها فتفتح وهي تتمتم. ناريمان: "يوه يا ضحى، أكيد نسيتي المفتاح زي العادة." وتفتحه وتجد مهند هو الطارق. فتتجمد مكانها لا تدري ماذا تفعل. فيدخل مهند ويغلق الباب وراءه ويقترب من ناريمان التي تحاول كبح مشاعرها وهي في أشد الحاجة لضمة. وتبتعد عنه وهي تعطيه ظهرها وتتحدث بصوت مشحون بالبكي والحنين. ناريمان: "ابعد عني يا مهند، انت انتهيت من حياتي."
قالتها وهي تعطيه ظهرها وتخفي شهقاتها وتحاول كبح دموعها وهي مخبية وجهها بين كفيها.
لكن مهند يعلم جيداً نبرة صوتها حين تبكي. فابتسم بمكر ولمعت عيناه واقترب منها وجذبها من يدها وأدارها إليه وأزاح يدها عن وجهها. فاغمضت عيناها وقلبها يتوق إلى أن يرمي في أحضانه وتنسى الدنيا وما فيها. وشفتاه متشوقة لكي ترتشف منه إكسير حبه الذي ينعش قلبها. كانت كل ذرة فيها ترتجف وأنفاسها عالية غير منتظمة. وكانت بين قوسين وأدنى وترتمي بين أحضانه.
فاقترب منها مهند وهو الآخر يتوق لتذوق تلك الشفاه. واقترب منها أكثر وأكثر وأكثر. ووضع يده على كتفها وانحنى إليها وأنفه أصبح في أنفها وأنفاسهما تهمس بلهيب الأشواق. وأغمضا عيونهما وقربت الشفاه من التلامس لولا أن فتح الباب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!