أقفلت أميرة الخط فنظر خالد إلى ياسين الجالس أمامه بحزن. -الحمد لله وافقت. مش عارفة إن الدار دي تبقى الفيلا بتاعتكم اللي حولتها لدار أيتام، وإن الفكرة فكرتك أصلاً، وإلا كانت قفلت السكة في وشي، ومش بعيد تشتمّني كمان. فرك شعره بتفكر ثم قال: -بس كنت عارف إزاي إنها هتطلب مساعدتي. ما أنا كمان كنت عارف، وما قلتلهاش. يعني مش أنت وأم أحمد بس اللي كذبتوا عليها. ياسين:
-كنت متأكد إنها هتلجأ لك لإنها مالهاش حد تقدر تعتمد عليه هنا غيرك. وبعدين أنت مالكش دعوة، هي زعلانة مننا إحنا الاتنين لإننا كنا أقرب الناس ليها، فهمت؟ خالد: -آه، يعني الزعل بيكون على قدر المحبة. فهمت. تذكر ياسين مكالمة أم أحمد قبل قليل حين كانا ذاهبين للعمل. فلاش ياسين بدهشة: -بتقولي إيه يا ماما؟ عايزاني أبعدها عني؟ أم أحمد: -ما دام الدكتورة شايفة كده يبقى أنت مش هتعرف أحسن منها يا ابني. إحنا هنعمل اللي تقول عليه.
ياسين: -إيه الكلام ده يا ماما! ده أنا كانت تطلع روحي! أم أحمد: -مش تفهم الأول أنا قصدي إيه؟ نظر إلى خالد الذي بادله نظرات الدهشة: -قصدك إيه طيب؟ همس خالد: -يا رب ما تكون فكرة مطينة زي بتاعة الموت. أومأ له ياسين بمعنى: اخرس، سيبني أسمعها. أم أحمد: -مش أنت اتبرعت بفيلتكم اللي في أونتاريو لهيئة التجمع الإسلامي عشان تبقى دار أيتام؟ -أيوه… ليه؟
-اهو ده المكان الوحيد اللي هيخليها تريح أعصابها وهي فاكرة إنها بعيدة عننا. بس طبعاً هتكون قريبة مننا وتحت عينينا على طول من غير ما نعرفها إن المكان ده بتاعك. معت عينا ياسين بفرحة: -معاكي حق يا ماما. أميرة بتحب الأطفال جداً. أنتي عبقرية بجد! إحنا هنروح نتمم الإجراءات حالا. أم أحمد: -طب استنى لحظة، متتسرعش على إيه؟ ياسين: -إيه كمان؟ أم أحمد: -هو أنت فاكر إن الموضوع سهل كده؟ ياسين: -صح… معاكي حق… نسيت أهم حاجة. خالد:
-هنجيب أيتام منين في يوم وليلة يا ناصح؟ أم أحمد: -ما ده اللي عايزة أقولك عليه! ياسين: -اتفضلي يا ماما، أكيد عندك اقتراح. أم أحمد: -أيوه. شفت دار الأيتام اللي كانت عاملاها منظمة إنقاذ الطفولة هنا في تورنتو؟ -مالها؟
-يا سيدي أنا سمعت إنهم مكانوش لاقيين مين يتبرع لهم عشان مصاريف الأولاد وإيجار المكان وكده. فهم طلبوا ناس تتطوع عشان تشتغل مع الولاد دول ببلاش وطلبوا من صاحب البيت يصبر عليهم في الإيجار. وطبعاً محدش رضي يشتغل ببلاش، وصاحب البيت رفض لإنهم مكانوش دفعوا إيجار سنة. عشان كده الدار قفلت، والولاد اتبعتوا لمنظمة الصليب الأحمر اللي هنا لحد ما يشوفولهم مكان تاني. إحنا ممكن نفتح الدار ونجيب الولاد دول ومعاهم الناس اللي كانت بتشتغل معاهم مادام أنت هتدفع كل المصاريف. وبكده يبقى الموضوع هيبان طبيعي، وهي مش هتشك في حاجة. قلت إيه؟
ياسين: -والله فكرة حلوة أوي. بس أنتِ عرفتي كل ده منين يا ماما؟ أم أحمد: -أنا أعرف واحدة كانت بتشتغل هناك وبقت عاطلة وبتدور على شغل. ياسين: -أيوه، يعني عرفتي إزاي إنها بقت عاطلة وكل الحكاية؟ أم أحمد: -هي محتاجة مفهومية؟ اتصلت بيا عشان أكلمك تشوف لها شغلانة في أي مكان، بس إحنا اتلخمنا بالحكاية إياها ونسيتها. لسه فكراها حالا. ياسين: -طب تعرفيها منين؟ أم أحمد:
-اسمها بيرجول من عيلة تركية مسلمة كانوا جيران لينا هنا وأمها صديقة ليا وعشرة عمر من أكتر من اتناشر سنة. سألت عني وعرفت إني بشتغل هنا في القصر عشان كده طلبت مني أشوف لها شغلانة عندك. ها… خلصنا التعريفات؟ عشان تمشوا تشوفوا اللي وراكم! ياسين: -أنتِ عارفة إني مش بأثق في أي حد، عشان كده باسأل يا ماما. مش يمكن يكون حد مسلطها عليا مثلاً؟ عموماً أنا كده اتطمنت. هنبدأ نعمل اتصالاتنا فوراً. نظر إلى خالد وقال له:
-أنت اتصل بيها، قل لها هتستنى يوم أو اثنين كده لحد ما مديرة الدار تشوف احتياجاتها من العاملات. في الوقت ده نكون إحنا خلصنا كل حاجة ونقلناهم، تمام؟ خالد: -ماشي… يا رب ما تشمّش خبر بس إننا ورا الموضوع ده، هتبقى وقعتنا سودا. عودة من الفلاش ياسين: -يلا، أنا همشي وأنت خلص اللي اتفقنا عليه. مش عايزينها تحس بحاجة. بكرة تكون مخلص كل حاجة. مفهوم؟ خالد:
-مفهوم. بس ابقى كلم كرم والنبي، لأنه عرف إنك عايش ورجع يزن على دماغ اللي خلفوني. ياسين: -يا عم هو أنا في إيه ولا في إيه بس! كان ياسين سيدخل، لكن خالد أوقفه ثانية. -طب استنى… استنى… أنا افتكرت حاجة مهمة! ياسين: -خير! في أي كمان؟ خالد: -هتعمل إيه مع خالة مراتك الحرامية؟ ضحك ياسين قائلاً: -لما نشوف هتعمل هي إيه الأول بالحاجات اللي أخدتها، بعدين نقدر نقرر. غمز له وهو يدخل القصر، وقال خالد بقلق:
-واضح من غمزته إن فضيحتك هتبقى بجلاجل يا خالد. أم مراتك هتتضح في كل العالم بإذن الله. دخل ياسين إلى القصر، وأكمل خالد طريقه وهو يتصل. -الو مدام أميرة… حظك حلو… عندهم وظيفة مربية، مش مهم عندها شهادات إيه، أهم حاجة تكون بتقدر تتعامل مع الولاد الرضع. أميرة: -وأنا مستعدة لكده. أصلاً أنا اللي كنت بأهتم بأختي ندى من لما اتولدت لإن ماما كانت عيانة دايماً. خالد: -يبقى اعملي حسابك بكرة هعدي عليكي لما أخلص شغلي. أميرة:
-بس مهندس خالد! مش محتاجة أوصيك. خالد ببلاهة: -عن إيه؟ أميرة بصرامة: -صاحبك ما يعرفش مكاني، فاهم! خالد: -أكيد… أنا محترم رغبتك في إنك تبقي براحتك. أكيد مش هقوله اطمنّي. أميرة: -شكراً بجد، مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه. خالد: -العفو، أنتِ مرات صاح… شعر بضيقها فأردف: -قصدي صديقة وأخت كمان. في القصر أم أحمد: -حمد لله على السلامة يا ابني. طمنّي. حلّيت كل حاجة وخلصت كل الإجراءات؟ ياسين:
-أيوه يا ماما الحمد لله. بكرة الصبح هننقل الولاد والمشرفين عليهم. هاتي بس ما تحسّش بحاجة. أم أحمد بتفكير: -طب وشغلك يا ياسين؟ ياسين: -أنا فكرت في كده. هسيب منذر هنا وأنقل شغلي هناك لأونتاريو، واتفقت معاهم في الدار إن الشاليه التابع للفيلا هيفضل ملكي لحد ما أرجع هنا تاني. أطرقت أم أحمد بحزن فقال: -مضطرين لكده يا ماما. القصر هيبقى بأمانتك لحد ما ربنا يوفقني معاها. أم أحمد: -ربنا يسهلها يا ابني. في السجن سما بتعجب:
-ما دمت تملكين كل هذا النفوذ فلماذا سُجنت؟ الملكة: -حظ عاثر… اتعلمين؟ لم نولد مجرمين! الظروف من جعلتنا كذلك. هل ترين هذه؟ أشارت إلى إحدى النساء الجالسات فقالت:
-تلك طبيبة نساء. زوجها الحقير جعل عشيقته حاملاً ثم ذهب إلى طبيبة أخرى وهي صديقة لها ليجعلها تجهض الحمل. لكن صديقتها الطبيبة تعرفت عليه وأخبرتها. لم تتمالك أعصابها وطلبت هي إجراء تلك العملية. قتلتها رفقة الجنون. لم يهمها أنها ستسجن مدى الحياة، لم يهمها سمعتها ومكانتها. كل ما همها حينها كان كرامتها الجريحة. لو كنت مكانها لقتلته هو. وهمست: -وهذا ما فعلته أصلاً. وأشارت إلى أخرى مكملة: -وذلك؟
-تلك تعرضت للاغتصاب مراراً وتكراراً من والدها منذ أن كانت تبلغ من العمر الثالثة عشر بعد أن توفيت والدتها. إلى أن ضاقت ذرعاً وقررت وضع حد لقذرته. هي ليست قاتلة في نظري، هي بطلة شجاعة خلصت العالم من مريض نفسي حقير كان يدعى أب بالإسم فقط. نظرت إليها سما وقالت: -وأنتِ؟ ماذا عنكِ؟ الملكة: -أنا!
أنا كنت محامية مشهورة. كان مكتبي أشهر مكتب محاماة في البلد. كونت ثروة ضخمة، لكن خطئي أني تزوجت وغدا متشرداً وجعلت منه رجلاً محترماً ونظيفاً وعرفته على أناس من الطبقات الراقية والمثقفة. بينما كنت أكدح في العمل من أجل بناء مستقبل لنا، كان هو يتسكع مع الساقطات. لم يكتفِ بخيانتي فحسب! بل اكتشفت بأنه كان يدس لي حبوب منع الحمل كي لا أحمل منه! لأنه لا يريد أولاداً ببشرة سوداء!
كان يخطط لتدبير جريمة خيانة زوجية لي، كي يتسنى له أخذ كل شيء مني بعد تطليقي. الحقير! لم يعلم أني فور أن أرتبت لأمره وضعت كاميرات في كل مكان من المنزل، واكتشفت كل حقاراته. سما: -ماذا فعلت؟
-علمت أنه يصطحبها إلى المنزل كل يوم أربعاء بسبب بقائي لوقت متأخر في المكتب. فأعددت لهما حفلة لطيفة. بواسطة حقنة وضعت سما في قارورة الخمر التي ابتاعها وخبأها كي لا أجدها. حين تأكدت من موتهما عدت للمنزل. وقد عزمت ألا أترك ورائي أي دليل. -كيف ذلك؟ -كما تعلمين آلاف الجرائم تبقى دون حل وتقيد ضد مجهول أو يعتبر أصحابها مفقودين لعدم وجود جثة أو دليل على موتهما. لذلك فقد قطعتهما أرباً وطبخّتهما وأطعمتهما لكلبي… على مدار أيام.
سما بصدمة: -يا إلهي! -أجل. حتى العظام قد طحنتها ناعماً واستعملتها كسماد عضوي ومعدني للتربة، وقد انتعشت نباتاتي جداً بعدها. تذكرت قليلاً ثم تجهم وجهها. -كل شيء كان مثالياً. تخلصت من كل شيء يدينني. سما: -ما دمت تقولين إنك تخلصتِ من كل دليل! كيف كشف أمرك إذن؟ الملكة:
-تلك السافلة… كانت مومس تنتمي لإحدى عصابات الدعارة التابعة للزعيم. كانت تضع شريحة للتعقب. كان آخر أمر قد أشك به. حين علم بأنها قد اختفت تبع إشارتها وعرف أنها في بيتي لم تغادره أبداً. فأرسل إشارتها إلى الشرطة، التي وجدت شريحة التعقب بداخل أحد كلابي. سما: -هذا يعني أنك لو لم تقتلي الساقطة لما كشف أمرك. لو أنك اكتفيت فقط بقتل زوجك. قالتها سما وهي تضحك، ثم ما لبثت أن تذكرت زوجها فتجهم وجهها. الملكة: -ما بك! سما:
-تذكرت زوجي. لم أعلم أي أخبار عنه. كل ما عرفته هو أنه القي القبض عليه. الملكة ببرود: -أوه، تقصدين إيهاب المنصور. سما بتعجب: -أجل إيهاب! هل تعرفينه أيضاً؟ الملكة: -أجل. لقد هرب منهم. سما بفرحة: -حقاً!! لكن كيف تعلمين كل هذا! -أصدقائي المحامين يزورونني دائماً طلباً للاستشارات القانونية وبالمقابل يزودونني بالأخبار. ومحاميه كارسون كان عندي بالأمس. سما بفرحة: -هذا يعني أن إيهاب قد عاد للقصر! الملكة: -أي قصر!!
تقصدين قصر السيد ياسين؟ لا، لقد عاد السيد إلى قصره. سما: -أي سيد؟ لم أفهم قصدك! أرتها الملكة منشوراً على هاتفها: -السيد ياسين لم يمت. من الواضح أنها كانت مسرحية منه فقط ليصطاد زوجك. فمن الواضح أنه مطلوب من طرف الجميع. سما بصدمة: -ياسين لسه عايش!!! لا مستحيل! ثم نظرت إليها بقلق: -هل هذا يعني أن إيهاب قد وقع في قبضة ياسين بعد أن هرب؟ أم أنه ذهب بعيداً؟ -لا، لم يذهب لأي مكان. من سوء حظه وقع بين يدي الزعيم. سما بتساؤل:
-لم أفهم! من الزعيم؟ وماذا تقصدين أنه وقع بين يديه؟ الملكة: -لقد قتله الزعيم لوي… أخطر زعيم عصابة هنا. سما بصدمة: -لاااااا!!!! إيهاب ماااات! الملكة: -للأسف هذا ما حدث. لكن ما يهمك منه أن مات أو عاش. فكري في نفسك. فأنت لن تخرجي من هذه الزنزانة أبداً. في المصرف فاطمة: -هتعمل إيه في موضوع البنت يا رجب؟ -عايزني أعمل إيه؟ -… مش هتسافر لها نقف معاها بدل ما هي وحيدة هناك!
-جوزها معاها يا فاطمة. مش هاتدخل ما بينهم… إلا ما تحصل حاجة تخليهم يرجعوا لبعض. -حاجة إيه؟ ما أنت عارف بنتك كويس. وارثة العند منك ومستحيل هتسامحه حتى لو انطبقت السما على الأرض! -ربك كريم يا فاطمة. الراجل شاريها ولو ما كانش مضطر ما كان عمل كده. إحنا مش عارفين ظروفه إيه، عشان كده بقولك خلينا بعيد عن الموضوع ده.
أغلقت أميرة على نفسها باب الغرفة، لكنها لا تدري أنه يملك مفاتيح كل الأبواب. تمددت على السرير، لكن النوم يأبى أن يزورها. تفكر مراراً وتكراراً في كل ما حدث، وتحاول جاهدة أن تلتمس له الأعذار، لكنها لا تستطيع. فما حدث يفوق قدرتها على العفو. صحيح أنها بداخلها سعيدة جداً أنه لم يمت، لكن جرحها عميق، بالتأكيد سيستغرق وقتاً طويلاً ليندمل. نامت في وقت متأخر جداً، بعد صلاة الفجر، ولم تستيقظ إلا بعد الساعة الثانية عشر، وقد علمت أنها متأخرة عن موعدها مع خالد.
في الخارج أم أحمد: -يا ابني أنت سمعت الدكتورة قالت إيه؟ أي مواجهة ممكن تزيد الخلاف أكثر. مش عايزين الوضع يتعقد ما بينكم. فكر تاني! ياسين: -مش هسيبها تمشي من غير ما أحاول لآخر مرة يا ماما. يمكن تكون هدأت وتقبل تسمعني المرة دي. أم أحمد: -تسمع إيه بس دي مجروحة. عارف يعني إيه مجروحة! يعني جرحها لسه طازة، وأي كلمة منك كأنك بتحط ملح فوقيه وبتحط إيدك عليه وبتضغط جامد وبتخليه ينزف أكثر ما هو نازف. ياسين:
-قلت لك هاحاول. ده أنا ياسين. جوزها… حبيبها. دخل الجناح بهدوء، وبقيت تنظر إلى أثره. -تقصد اللي كان حبيبها، واللي شايفاه أكتر حد أذاها. فتح باب الغرفة، وكانت قد استعدت للخروج. -إيه ده؟ أنت بتعمل إيه هنا ودخلت إزاي! -اهدي… أنا فتحت بالمفتاح. عايز أتكلم مش أكتر. -مش عايزة أتكلم معاك. اطلع براااا. -أميرة من فضلك حاولي تهدي مرة بس واسمعيني! -أسمع إيه؟ كذب تاااني! قلت لك مش عايزة أسمع منك حاجة! أنت ما بتفهمش!
-يا أميرة حطي نفسك مكاني وانتِ تعرف… -حط أنت نفسك مكاني. هات أي حد يحط نفسه مكاني ويتعرض للوجع والعذاب اللي أنا اتعرضتله طول الفترة اللي فاتت. هات حد يتعرض للخذلان اللي أنا عشته بعد ما عرفت إنك عايش وإن كل ده كان لعبة وشوف هيسامحك أو هيقبل يسمعك حتى! كانت تهم بالمغادرة، فأمسكها. انتفضت من بين يديه بغضب: -ابعد عني! أوعى تقرب مني أو تلمسني تاني فااااهم!
-ماهو انتي لو بس سمعتي اللي عندي كنتي فهمتي إن اللي حصل كان غصب عني. مش ذنبي إن ليا عدو زي إيهاب. -طب وأنا ذنبي إيه؟ هااا؟ ذنبي إيه في كل اللي حصل؟ ذنبي إني حبيتك مش كده؟ ذنبي إني صدقتك! ذنبي إن قلبي كان رافض يصدق إنك ممكن تأذيه! ذنبي إن صدقت وعدك ليا وثقت فيك! أغمض عينيه بضيق وأخذ نفساً عميقاً وطال الصمت لثوان. كان صوت نفسها العالي هو الطاغي وسط صمته وهدوئه. -أنا آسف، أرجوكي سامحيني يا أميرة.
قالها بهمس وهو يفتح عيونه وينظر في عيونها بندم. ابتسمت بسخرية وهزت رأسها بتحدٍ صريح: -وأنا مش قابلة أسفك ومش هقدر أسـامحك عمري كله. -أميرة أنا مستعد… -لو حطت لي كنوز الدنيا كلها قدام رجليا مش هأقدر أنسى كذبك وأذاك. أرجوك امشي يا ياسين كفاية… امشي وسيبني في حالي. -مش همشي… مستحيل أسيبك تاني لو حصل إيه. أنا سبتك مرة وكانت غلطة ومش هتتكرر. -يبقى أنا اللي مضطرة أمشي… خليك أنت ده بيتك.
كانت ستغادر ثانية، لكنه وقف أمام الباب. -لا يا أميرة، أنتِ مش هتروحي لأي مكان. ده بيتك أنتِ كمان. -وريني هـتـمنعني إزاي؟ -لو اضطريت أمنعك بالقوة هعمل كده. مستحيل أسيبك تبعدي عني تاني. هفضل معاكي وأعمل المستحيل لحد ما تسامحيني. ردت بتحدٍ وقوة: -وأنا مش لعبة تقربها وترميها وقت ما أنت عايز. أنا إنسانة ومن حقي أختار. وأنا اخترت أبعد. وأديني قدامك أهو وريني إزاي هتقدر تمنعني. دفعته عن الباب وخرجت وهي تقول:
-وأنا كمان هعمل المستحيل عشان أسافر مصر ومش راجعة تاني. وورقة طلاقي توصلني بيتنا. خرج خلفها وهو ينظر إليها بهدوء مريب، بعدها قال: -أميرة أنا مش حابب أعمل تصرف يخليكي تكرهيني أكتر، بس صدقيني لو فضلتِ مصممة على رأيك أنا مضطر. وقفت في ردهة الجناح والتفتت إليه بدهشة: -إيه؟ بتهددني كمان!! هتعمل إيه أكتر من كده؟ هتخطفني؟ هتحبسني في أوضة ضلمة؟ هتعذبني؟ هتموتني!! ابتسمت ابتسامة شاحبة وكلها سخرية.
-صدقني كل ده مش فارق معايا. ومش هيبقى أسوأ من اللي أنت عملته فيا! أنت عيشتني أسوأ تجربة ممكن يعيشها أي حد. أنا كل اللي حصلي في حياتي من خالتي وغيرها كوم… واللي أنت عملته فيا كوم تاني! أنت كنت أسوأ واحد فيهم كلهم! -كفاية بقى يا أميرة كفااااااية. أنتِ فاكرة إني مبسوط باللي حصل؟ قلت لك غصب عني!! مش عايزة تفهمي ليه إني كنت بتعامل مع واحد شيطان! كان لازم أقنعه بإن كل ده حقيقي! -والله! يعني هي دي حجتك؟
لا برافو. ملقيتش غيري سنارة تصطاد بيها. كنت أنا الطعم المثالي. مراته اللي هتموت نفسها من العياط عليه. ده معناه إنه مات بجد! ما هو بالمنطق كده… محدش ممكن يصدق إن فيه حد عاقل يخبي حاجة زي دي على مراته ويخليها تتجنن وهو عايش مش كده!!! لا بجد برافو ياسين العبقري!!! صفقت له بجنون، ثم تجهمت تعابير وجهها وعادت إلى الجمود وهي تقول: -عذر أقبح من ذنب يا أستاذ. -يا حبيبتي أنتِ… -حبيبتك!! هو أنت مصدق نفسك بجد إن أنا حبيبتك؟
هو أنت اللي بتحبه بتعمل معاه كده! اومال لو كنت بتكرهني كنت عملت إيه؟ ياسين بحزن: -أميرة أحلف لك بإيه إني بحبك… والقرار ده كان أسوأ قرار في حياتي. لو ما كنتش مضطر ليه ما كنتش بعدت عنك لحظة. قاطعته أميرة بغضب: -هو اللي يحب كده!!! النهاردة تجيب لي فستان بـ 12 مليون وشبكة بـ 33 مليون وتعمل لي فرح خرافي ووعود… وورود وشهود. وتاني يوم تروح تستخبى ويجي حد يقول لي جوزك اتحرق وحرق قلبي معاه!
And يندفن من غير ما ألحق أشوفه وأودعه! وبعدها بكام يوم يجي يقول لي بخ!! أنا هنا! أنا كنت مستخبي بس وعامل نفسي ميت بس أنا عايش أهو! كنت بأهزر بس! كانت مثل المجنونة تلف الردهة وهي تضحك تارة وتبكي أخرى وتصرخ أخرى. ياسين بحزن: -قلت لك حقك تقولي كل اللي انتي شايفاه مناسب وأنا مستعد لأي عقاب منك إلا إنك تبعدي عني.
-وأنا مستحيل أفضل مع واحد كذاب زيك بعد كده حتى لو قطعتني مليون حتة. أنت قتلت كل ذرة حب في قلبي بكذبتك دي. أفضل أموت على إني أفضل معاك تحت سقف واحد. وصلت ولا لسه؟ تركته يتلظى ألماً وندماً وخرجت تبكي بانهيار. أمسكت الهاتف واتصلت: -الو… بشمهندس خالد هتوصل إمتى؟ خالد: -ربع ساعة بالكثير وأكون عندك. -تمام هتلاقيني برة مستنياك.
عدلت طرحتها وأخذت حقيبة ظهرها ونزلت إلى الأسفل دون أن تكلم أم أحمد الواقفة بحزن من بعيد، والتي كانت تعلم مسبقاً أن محاولته ستكون فاشلة. مشت حتى البوابة الخارجية للقصر، بينما يطالعها من شرفته بحزن وهو يقول: -ما استاهلش منك كل القسوة دي يا أميرة. مهما كانت غلطتي فظيعة زي ما أنتِ شايفاها. أنا عملت كل ده عشانك. عشان تعيشي بسلام بعد كده. عشان ما توصليش اللحظة اللي أنتِ عيشتيها وتتفجعي فيا بجد.
ركبت أميرة في سيارة خالد الذي انطلق بسرعة. في تلك اللحظة دخل إلى غرفة الملابس يجهز حقائبه هو الآخر. بعد فترة من الزمن نزل وهو يحمل كل ما يحتاج إليه. اقتربت منه أم أحمد بقلة حيلة: -يعني خلاص هتسافر أنت كمان؟ -مش هأقدر أسيبها لوحدها حتى لو هي طلبت مني ده. مكاني جنبها يا ماما. -طب يا ابني خلي بالك من نفسك ومنها. -أوعدك إني هأرجعها مهما طال الزمن. -يا رب يا ابني. قبل يدها وغادر مسرعاً خلفهم. مكالمة هاتفية في مكان ما.
-هل قلت أنه على قيد الحياة!!! بعد كل ما حدث لا يزال حياً!! مستحييييل!!! لكن كيف!! -أجل… هذا ما تتداوله جميع المواقع والصحف. -الوغد السافل!!! حسناً ابقني على اطلاع رودريغ. وأقفل الخط وهو يغلي غضباً: -ياسيييين! أيها الحقير… أعرف ما الذي سأفعله بك، سيكون أسوأ من الموت.
وصل خالد إلى المنزل الذي كان مريحاً للنظرين بسبب مكانه الهادئ وحديقته الخضراء التي هيئت بألعاب للأطفال في ظرف قياسي. دخلت بتوجس خلفه إلى أن وصلت إلى مكتب المديرة. خالد: -سيدة تومسون هذه هي أميرة التي أخبرتك عنها بالأمس. المديرة: -تفضلي… اجلسي هنا. جلست أميرة وسألتها السيدة بعض الأسئلة الروتينية التي اتفقا عليها مسبقاً حتى لا تشك بالأمر، ثم استرسلت السيدة في الكلام. -اتفقنا على كل شيء… بقي شيء واحد قبل البدء في العمل.
أميرة بأمل: -ما هو؟ -الأجر. بالنظر إلى أن المبيت والمأكل والمشرب سيكون على عاتق الدار، فهذا يعني أن أجرتك ستكون عشرون دولار كندي في اليوم. لكن إن أعجبني عملك فسأزود الراتب اليومي إلى أربعين. أميرة: -هذا يناسبني. ولا أحتاجها يومياً، يمكن أن تجمعينها لي بشكل شهري. هكذا أفضل. -كما تريدين… يمكنك البدء منذ اللحظة. وقفت وهي تقول: -تفضلي من هنا، سأريك غرفتك ثم آخذك لـ تتعرفي على الأولاد وبقية الطاقم. أميرة:
-شكراً جزيلاً على هذه الفرصة سيدة تومسون. نظرت السيدة إلى خالد وقالت: -السيد خالد صديق قديم ولا يمكن أن أرد له طلباً. خرجت السيدة وقبل أن تلحق بها أميرة قالت لخالد بامتنان: -بجد مش عارفة أشكرك إزاي. خالد: -العفو يا مدام أميرة. اتفضلي. إن شاء الله يعجبك الشغل. أميرة: -معنديش شك. عن إذنك. دخلت أميرة خلفها، بينما خرج خالد إلى الحديقة الخلفية ينظر هنا وهناك، ثم دخل الشاليه المرفق للفيلا. -اتأخرت يعني؟
-كنت قاعد معاهم على ما فهمتها أصول الشغل وكده. -ها طمني! -كله تمام. مدام تومسون اتصرفت زي ما وصيناها بالضبط. ياسين: -الحمد لله إن كل حاجة جهزت في الوقت المناسب. خالد: -طبعاً…. الفلوس بتعمل كل حاجة يا صاحبي. ياسين بحزن: -بس ما تقدرش تصلح كسر القلوب يا خالد. خالد: -سيبها على الله. يلا بقى أنا لحد هنا وانتهى شغلي معاك. ياسين: -هتمشي دلوقتي؟ خالد: -أيوه. يا دوب ألحق على الطيارة وأبقى ابعت لي العربية مع أي حد.
سلمه عليه وهو يحتضنه: -أشوف وشك بخير. ربنا يسهلها معاك يا أخوي. -يا رب يا خالد. دخلت أميرة وتعرفت على الأولاد وباقي العاملات معها: المشرفات، الحاضنات، نائبة المديرة ومسؤولة الحسابات، عاملات النظافة، الطباخات، الطبيبة، الممرضتين والأخصائية النفسية وغيرها من طاقم الدار. كان العمل في الدار مقسماً إلى فئات:
خمس مشرفات وثلاث مسؤولات حضانة وثمانية معلمات وثلاث عاملات تنظيف وطباخة رئيسية تعمل تحت إشرافها أربع طباخات متدربات وأربعة خادمات مكلفات بتقديم الوجبات وتنظيف المطبخ. إضافة إلى عاملي الحديقة والمسبح والسائق الذي يعتبر مسؤول توصيل الطلبات للدار. ما لاحظته أميرة هو أن الجميع يساعدن بعضهن كأنهن عائلة واحدة كبيرة. كانت مهمتهن الأساسية هي توفير جو العائلة من حب وحنان ورعاية واهتمام للأطفال الذين فقدوا
عائلاتهم لسبب أو لآخر: أحياناً بسبب حوادث مرور أو بسبب سجن الأم وعدم وجود كافل للطفل أو أطفال متخلى عنهم وجدوا في الشوارع لا يعلم عنهم شيء أو موت الوالدة وعدم التوصل إلى الوالد وغيرها من الأسباب. تهتم كل مشرفة برعاية خمس أولاد ما بين سن الثانية والخامسة. أما مسؤولات الحضانة فلكل واحدة منهن ثلاث رضع ما بين اليوم والسنتين من العمر.
وتهتم المعلمات بالولد بدءاً من سن السادسة إلى غاية الثامنة عشر من تربية وتدريس وتثقيف وتعليم لأصول دين الإسلام وتحفيظ للقرآن وتهيئتهم تهيئة شاملة لخوض غمار الحياة ما بعد سن الثامنة عشر. إن كان الطفل محظوظاً فيمكنه أن يجد عائلة مسلمة تتكفل بتربيته وأخذه للتبني ليعيش في كنف والدين بديلين.
أما إن لم يكن محظوظاً لإيجاد عائلة تتبناه فهو سيقضي طفولته في الدار إلى أن يبلغ السن القانوني، وحينها يترك له حرية اختيار مغادرة الدار من البقاء فيها كعامل أو عاملة، وهو شأن أغلب العاملات هناك.
كلفت أميرة بمهمة الحضانة، فقد وصل إلى الدار أطفال جدد فقدوا أهاليهم، أحدهم طفل من عائلة باكستانية مسلمة فقد والديه في حادث سير، والإثنين الآخرين هن بنتان توأم توفيت والدتهن عند الولادة، وهي مهاجرة كولومبية لاجئة هربت من موطنها بسبب حرب العصابات في بلدها ومحاولة بيعها بالقوة لعصابة تهريب بشر. تسريع للأحداث. تمر الأيام وتتوالى الأسابيع. وسرعان ما تأقلمت أميرة في حياتها الجديدة وبدأت تعيش بشكل طبيعي وسط الأولاد ومرحهم.
استطاع الصغار إخراجها من الضغط والحزن الذي كانت تعيشه، إذ ملأ عملها معهم معظم وقتها، خاصة عمران الذي يبلغ من العمر سنة ونصف، والذي تعلق بها كثيراً، وكذا الحال بالنسبة لها، فقد كانت أحلى لحظاتها حين يناديها بصوته البريء: ميلا.
كان حال ياسين محزناً للغاية. فقد كان يلازمها من قريب دون أن تشعر بوجوده، وهو يرى سعادتها معهم وضحكاتها في الحديقة بينما تلاعبهم، بينما يعتصر حزناً وهو يرى أنها قد نسيته واستعادت إشراقها بعيداً عنه. لكن ما كان يظنه. ففي كل ليلة بعد أن يخلد الجميع إلى النوم… تخرج مذكرته من تحت وسادتها وتمسك قميصه ذاك الذي لم يفارقها أبداً وتحتضنهم وهي تبكي شوقاً له.
رغم كل هذا، فهي لم تقو على الغفران. فقد جرح كبرياؤها بشدة. فعلى قدر حبها العظيم له كان خذلانه لها أعظم. كل ما كان يواسيها ويربط على قلبها الجريح هو أنه حي يرزق، وهذا كافٍ بالنسبة لها. ففقدان الأحبة حقاً لأمر مرير. كانت على تواصل دائم مع سحر وخالد وكذا والديها.
ورغم محاولة الجميع في استمالة قلبها وجعلها تسامحه، لكنها لم تستطع، وكانت تقفل أي باب للنقاش يخص هذا الموضوع وتمنع أي أحد من ذكر اسمه أو اسم أم أحمد، بل وتثور بشدة بمجرد التلميح فقط وتقفل الخط فوراً.
كان يصله الرد في كل مرة ويشعر بخيبة تلو الأخرى، إلى أن كاد يفقد الأمل في استعادتها. لكنه يعود ويصبر نفسه الملتاعة بأنها بخير وقد تجاوزت محنتها وتعيش سعيدة وسط الأطفال، وهذا يكفيه. فمهما كانت دوافعه، فهذا لا ينفي حقيقة أنه قد أخطأ بحقها ويستحق العقاب. للأسف، تلك هي الحقيقة المرة. أنه يتجرع نتيجة فعلته. فقد كانت خطته الناجحة
فاشلة بكل المقاييس: لقد تخلص من إيهاب وأفشل مخططاته. أوجد لعمته عائلة محبة. لكنه خسر الكثير بالمقابل… خسر سعادته… خسر حبيبته… للأبد؟ لا أحد يعلم هذا… إلا هي!
كان يذهب للعمل صباحاً ويعود في المساء متعباً مشتاقاً، حزيناً يائساً يجلس في الداخل بانتظار موعد استراحتها الخارجية لمراقبتها من خلف الستارة… أو يخرج للحديقة بشكل خفي للعب مع بعض الصغار في الوقت الذي تنشغل فيه هي بأعمال داخلية في الدار. وبقي هذا روتينهم اليومي لفترة من الزمن.
كانت فاتن تحاول التصرف في اللوحات لكنها لا تعرف أين تذهب، وخاصة وأنه على قيد الحياة، لذلك فكرت أن الحل الوحيد لبيعها هو في مصر. لهذا فستصبر إلى حين سفرهم الذي قرر صالح أنه سيكون مع ولادة حنان. لم يتغير صالح بل بالعكس… زادت الفجوة بينهما كثيراً، فأصبحا كالأغراب تحت سقف واحد. كانت سحر تحاول جاهدة لأن تعيد المياه إلى مجاريها دون جدوى، فهي لا تعلم السبب أصلاً في ابتعادهما عن بعضهما بتلك الطريقة المحيرة.
العلاقة بين بدر وحنان توطدت كثيراً بعد طلاق زوجتيه. كان بدر يفرط في الاهتمام بها وتدليلها ولا يخجل من إظهار حبه لها على الملأ دون أن ينقص هذا من رجولته. وهو ما أثار حسد وغيره وحقد نساء العائلة الكبيرة وكذا غضب الرجال الذين سئموا من مقارنات زوجاتهم لإستمرار بينهم وبين بدر، فقد كانت معظم الزيجات مدبرة أو زواج أقارب ولم يتزوج أحد منهم عن حب سوى بدر. لذا كانت كل الأنظار متوجهة نحوهما، وهناك من يحاول بشتى الطرق تعكير صفو ذلك الحب.
بعد ستة أشهر. مرت الأشهر الستة وياسين على نفس الحال، يتفادى الخروج والدخول في أي وقت فقط كي يبقى الحال على ما هو عليه، فهو على يقين بأنها ستغادر الدار فور رؤيته ومعرفة أنها ملكه وتحت مسؤوليته. لن يخاطر بإبعادها وهو من فعل كل هذا فقط كي تبقى قريبة منه! بقي يترقب من بعيد لعله يشفي شوق قلبه بنظرة منها كل يوم. وحتى لو لم تعلم بوجوده، فهو يطمئن عليها يومياً ويعلم أنها بخير، وهذا أكثر من كافٍ. أما عنها،
فقد كانت تتساءل كل يوم: هل يعقل أنه لم يسأل عنها ولا مرة طيبة هذه المدة؟ صحيح أنها طلبت منه الابتعاد وحذرت أي أحد من ذكر سيرته… لكن أيعقل أنه لم يشتق إليها أبداً طيلة هذه المدة!! أم أنه ما صدق تخلص منها!! هل هذا هو حبه الكبير لها!! أيعقل أن يستطيع العيش بدونها كل هذا الوقت! كانت في قرارة نفسها تتمنى لو أنه يظهر يوماً فقط فتصرخ بوجهه وتعنفه بكل لغات العالم وتصفعه أيضاً. المهم هو أن تراه ولو مرة واحدة!
فالشوق إليه يكاد يقتلها ولم تعد تستطيع تمثيل أنها بخير أكثر من هذا. لم يكن له عمل كثير، فترك خلفه مديرة مكتبه نانسي التي انتقلت معه إلى هنا، وترك خلفه منذر. تركها تتولى ما تبقى من أعمال وعاد إلى المنزل. نظر إلى الساعة وكانت تشير إلى الحادية عشرة صباحاً، وقد كان يحفظ برنامجها اليومي بدقة. فكر قليلاً ثم تذكر أن هذا موعد استيقاظ الصغار، وهذا يعني أنها ستكون منشغلة معهم لمدة ساعة على الأقل ما بين تحميمهم وتغيير ثيابهم.
التقى مع مجموعة الصغار المشاغبين. -أمبر.. آدم.. عارفين.. عاملين إيه؟ -الحمد لله يا عمو… جبت لنا إيه؟ وضع ياسين الأكياس من يديه وهو يقول بتفكر: -استنى أشوف جبت إيه! اممم… ولا حاجة. دبدب الجميع في الأرض بحرد، ففتح الأكياس وقال: -معقولة أنساكم. جبت شوكولاتة للكل. هتف الأولاد بفرحة: -هييي! فأكمل ياسين بتفكير: -بس زي العادة! فقال أمير بفرحة: -مش محشوة! وأكمل آدم: -الشوكولا اللي بجد ما بتبقاش محشوة. ابتسم ياسين بحب وقال:
-برافو. يلا خذوها وما تنسوش تدوا أصحابكم منها. أمير: -هو إحنا هنلعب كرة النهارده يا عمو؟ -اممم… مش عارف. زم الصغير شفته بحزن، ثم سرعان ما أشرقت تقاسيم وجهه البريء حين أكمل ياسين بحب: -بالطبع هنلعب. أغير بس وراجع لكم. دخل إلى الشاليه وبدل ملابسه، وكان يهم بالخروج، لكنه رآها تجلس برفقتهم وهي ممسكة علبة الشوكولا بذهول!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!