الفصل 1 | من 22 فصل

رواية الاربعيني الاعزب الفصل الأول 1 - بقلم ايه محمد

المشاهدات
31
كلمة
1,897
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 5%
حجم الخط: 18

ها قد حل الخريف المشرق لتلك الأشجار العملاقة، حيث تنتظره بفارغ الصبر من الحين للآخر لتتخلص من ورقاتها البائسة كالمرء التعيس الذي يتخلص من أحزان قلبه الغائمة. كحال الأربعيني صاحب ذاك القصر المرعب، زواره يقسمون أن سيده رجل عسكري يتحكم بقواعده بحزم وصرامة. ربما لا يعلم أحد ما المخبئ خلف ذاك القاسي الذي التاع قلبه بحرقة لا يقوى عاشق تحملها.

تسللت خيوط الشمس من خلف الستار لتنير غرفته ذات الطلاء الأسود الداكن. ليكسو صمتها المخيف صوت رنين المنبه المعتاد سماعه بالنسبة إليه. فرفع ساعديه ليوقف رنينه المزعج، ثم أزاح غطاء الفراش لينهض عن سريره الوثير.

ومن ثم اتجه لحمامه الخاص، ووقف مقابل مرآته ليزيل شعر لحيته الزائد. ومن ثم صفف شعره الأسود الذي يكسوه بعض الخصلات البيضاء التي زادت من وسامة وجهه القمحي. عينيه البنية كانت تتوهج بتحدٍ سافر لضوء الشمس المذهب. فكانت تحاوط حدقتيه البني خط خفيف من العسل المسكوب.

انتهى مما يفعله ثم خرج ليختار إحدى بذلاته الداكنة المعتادة بالنسبة إليه. ثم هبط ليترأس تلك الطاولة الكبيرة بمفرده. لم يشعر يومًا بملل يهاجمه، وهو يعيش بمثل ذاك القصر بمفرده لأعوام. في عزلة اختارها هو لذاته. انتهى من تناول طعامه في تمام الثامنة والنصف كالمعتاد إليه. ثم احتسى فنجان قهوته بالتاسعة إلا ربع مثلما اعتاد. ليغادر قصره في تمام التاسعة متجهاً إلى شركته.

هبط "عاصي" من سيارته ذات الطراز القديم ليتجه لمكتبه. فهرع إليه السكرتير الخاص به وهو يفتح مفكرته الصغيرة ويخبره بمواعيده الهامة: _لديك اجتماع هام بعد ساعتين من الآن سيدي، وبالمساء عشاء عمل في فندق ** مع السيد "قاسم خلدون". أومأ بخفة برأسه وهو يشير له بحزم: _دعنا لا نضيع وقتًا إذًا، فلتحضر لي الملفات الهامة. أجابه على الفور: _في الحال سيدي.

ثم أسرع لمكتبه ليختار له الملفات الهامة قبل أن يغادر الشركة. بينما ولج "عاصي سويلم" بكامل هيبته لمكتبه الخاص. فوضع حقيبته على المكتب ومن ثم ألقى بثقل جسده الرياضي على مقعده. وعينيه تبحران بهيام بتلك الصورة الصغيرة المعلقة على طرف مكتبه الخاصة.

لم تكن مجرد صورة عادية، بل سجنه الذي يتسع به عامًا بعد الآخر حتى بات يعتاد ظلامه القاسي. قرب "عاصي" الصورة إليه وعينيه البنية تتعلق بتفاصيل وجهها الذي يحفظه عن قلب محب. أدمعت عينيه وهو يدفنها بصدره بتمني لو كانت ما زالت لجواره تشاركه ذاك العشق القاتل بين أضلاعه. نعم غادرت من رغب بها، تاركة عذابًا يبتلعه يومًا عن يوم.

لم يشعر بالرغبة في الاقتراب من أي امرأة سواها. لذا أصبح رجل الأعمال الأعزب المرغوب من الفتيات. والأغلب يظنونه يطمح بالمزيد من الثروة والمال، لذا استكفى بوحدته ليحقق طموحاته الصاعدة. لا يعلم أحد بأنه فقد قلبه مع من رحلت. فتح عينيه على مهل وهو يهمس لصورتها بابتسامة يجاهد لرسمها: _صباح الخير حبيبتي، أرى ابتسامتك مشرقة اليوم وكأنك تعلمين بأن اليوم عيدي الأربعون. ثم استطرد بألم:

_أجل، اليوم أتممت الأربعين بدون وجودك لجواري. وبالتحديد أتممت عشر سنوات بدونك. لم يشعر بتلك الدمعة الخائنة التي انسدلت على وجهه، وبات يخرج ما يضيق بصدره: _عشر سنوات وأسبوعين وثلاث ساعات تقريبًا. عمرًا كامل أطال بي وأنا أعد الأيام بترقب للقائك. ومن ثم قال: _أحيانًا أتساءل إن لم يكن قتل النفس محرماً، ماذا كنت سأفعل؟

هل كنت لألحق بكِ أم أن العيش على ذكرياتك يمنحني قوة لأبدأ من جديد وصورتك تلاحقني فتمدني بقوة أجهل سرها حتى تلك اللحظة. ومرر أصابعه على شفتيها قائلاً: _لا أعلم، ولكني أفتقدك كثيرًا. في كل ثانية يجلد قلبي المسكين حينما لم يجدك لجواره. ولكن لعل اللقاء أصبح قريبًا.

وترك الصورة عن يديه ثم ارتدى نظارته التي زادت من وسامته ليبدأ عمله الذي انتهى بعدما أنهى اجتماعه الهام بموظفي شركته. ليتجه لسيارته ليعود للقصر حتى يبدل ثيابه لأجل موعده المسائي. فما أن رآه السائق حتى فتح باب السيارة الخلفي بوقار. صعد "عاصي" بالخلف ثم أخرج هاتفه الذي دق للمرة الثالثة. ابتسم حينما رأى اسم رفيق دربه وزوج أخته الوحيدة. فما أن فتح الهاتف حتى استمع لصوته المتعصب:

_أخبرني لماذا تحمل الهاتف إذا كنت تتجاهله إذاً؟ ابتسامة ماكرة زينت وجهه الجذاب، ومن ثم اتبعها قوله الخبيث: _أراك تبالغ قليلاً، أعلم أنك تحدثت مع "مصطفى" السكرتير وأخبرك هو بانشغالي باجتماع عام، أليس كذلك؟ أتاه رده اللاذع: _بالطبع تحدثت معه، أتعلم أصبحت أتصل به أكثر من اتصالي بزوجتي. بنهاية الأمر أنا مجبر هنا، فصديقي المتعجرف لا يبالي بي ولا بمكالماتي الهامة له. احتضن مقدمة أنفه بيديه وهو يجاهد الصداع الذي سيتسبب له،

لذا قال بصرامة: _بربك يا "عمر" أخبرني ماذا هناك حتى تنغلق محاضراتك التي لا تنتهي تلك. تنحنح وهو يردد بمرح: _كأني بلغت قليلاً ولكن لا يهمني، ما يهمني الآن أن تأتي بالمساء، فأختك ترغب في مفاجأتك بعيد ميلادك وشددت بأن آتي بك للمنزل بالمساء وإلا أفصح بالمفاجأة التي تعدها لأجلك. ابتسم ساخرًا: _وقد فعلت! ثم استطرد بملل: _حسنًا حسنًا، سآتي حينما أنتهي من مقابلة عمل هامة. وأغلق الهاتف وهو يردد ساخرًا: _أحمق.

ثم جذب حاسوبه ليلهي به قليلاً. فابتسم حينما وجد صورتها تستحوذ على لبه الخاص كما تستحوذ عليه هو شخصيًا. فغامت عيناه بذكراها الهائمة: _أخبرني متى بالتحديد ستتفرغ لي، أنت دائمًا مشغول "عاصي"! ابتسم وهو يخبرها بحنان: _كيف أنشغل عنكِ حبيبتي وأنتِ دائمًا ما تقتحمين غرفة الاجتماعات بغضب اعتاد عليه موظفين الشركة المساكين. لوت شفتيها بسخط: _عليهم الاعتياد قليلاً، فبالنهاية بعد الزواج سيقتسمونك معي. تعالت ضحكاته الرجولية

وهو يشير لها بمكر: _مهلاً "هند" أشم رائحة حريق تنبع من داخلك، دعنا نذهب للطبيب لنطمئن بأن الأمور على ما يرام. جزت على أسنانها غضبًا ومن ثم جذبت أوراق الملفات التي تملأ مكتبه لتلقيها بوجهه وهي تردد بعصبية: _ستلتهمك تلك النيران يا "عاصي" وسترى. عاد من شروده حينما قال السائق: _سيدي، لقد وصلنا. أترغب في زيارة مكان أخر؟

أفاق من دوامة ماضيه والبسمة الفاترة ما زالت مرسومة على وجهه. فهبط ومن ثم اتجه لغرفته، ليختار بذلة سوداء أنيقة. ثم اغتسل ليستعد بلقاء "قاسم خلدون" رجل الأعمال الشهير. فتلك الصفقة تعد من أهم ما ستحققه شركة "عاصي سويلم" بالشراكة معه. وقف أمام مرآته المطولة ليعدل من جرفاته الرمادية. ثم نثر البرفنيوم الخاصة به على بدلته ولحيته النابتة، ليلقي نظرة أخيرة على ذاته قبل أن يتجه للأسفل.

استقل "عاصي" سيارته التي تحركت به فور صعوده للفندق المنشود. ليجد قاسم باستقباله هو وأبيه وعمه. الجميع يرحب به بهيبة وقار. ليشير له قاسم على تلك الطاولة الضخمة التي أعدت خصيصًا إليه. ليجذب الجرسون أحد المقاعد التي احتلها بهيبته الوقورة. جلس الأب والعم وقاسم مقابله ليبدأ بالحديث: _هنيئًا لنا بشراكة مثل شراكتك سيد "عاصي". اكتفى برسم ابتسامة صغيرة له. واستكمل "قاسم" قائلاً:

_لذا سأستغل تلك المناسبة الهامة لتصبح الفرحة فرحتين بخطبتي أنا و"لوجين". ما رأيك عمي؟ بدأت الصدمة جلية على وجه عم قاسم، الذي ابتلع ريقه بصعوبة ملحوظة. ومع ذلك حاول السيطرة على انفعالاته وهو يجيبه: _كما تشاء ابني. سأخبر "لوجين" لتستعد في الحال.

شعر "عاصي" بأن هناك خطبًا ما بين العم وابن أخيه، ولكن لم يعنيه الأمر كثيرًا. فالمهم بالنسبة إليه أنه تمم الصفقة الهامة. فاراد أن يغادر فور إعلان الخطبة حتى يذهب لشقيقته التي تنتظره. انتاب الحفل حالة من الهرج والمرج، لتردد على الألسنة عبارة واحدة "اختفت العروس! ". كان الأمر غريبًا بعض الشيء وبالأخص غضب "قاسم" الذي بدا للجميع اعتياده على هروبها الدائم من خطبته التي ألغت أكثر من مرة.

رفع "عاصي" كوب العصير ليرتشف منه، عل ريقه الجاف يزداد رطوبة قليلاً. فكاد بأن يسعل حينما توقف العصير بحلقه، لتتجه عيناه لأسفل الطاولة حينما شعر بيد تشد على بنطاله. فوزع نظراته لجواره، وما أن تأكد بانشغال الجميع بالبحث عن العروس، رفع بمقدمة حذائه غطاء الطاولة الأبيض الطويل، ليتفاجأ بمن تختبئ أسفلها!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...