تنهدت ملك بارتياح بعد أن تركت سلاحها. حاولت بعدها أن تتماسك وتبدو هادئة وشجاعة أمامه، على عكس ما تشعر به، قائلة بغضب: اطلب هات المأذون دلوقتي، يا إما هموتك وأخلص من شرك. وضع سليم قدم فوق أخرى وتناول هاتفه بكل هدوء من فوق المكتب. ذُهلت منه قبل أن يتحدث. فمع كل كلمة تنطقها لمجابهته، وحركة يأتي على فعلها، ينتفض قلبها الصغير داخل صدرها دون رحمة. فتعود من جديد إلى الثبات الزائف. رمقها بجمود قائلاً ببرود:
المأذون يجيني حالاً يا إبراهيم. امتقع وجه إبراهيم عندما أتته أوامر البوص قائلاً بصدمة: بتقول إيه يا بوص. حرك سليم إبهامه تحت ذقنه قائلاً بجمود: زي ما سمعت يا إبراهيم، المأذون بتاعنا يجيني حالاً علشان خاطر ملوكة. لم يرد عليه، إنما أغلق الهاتف مذهولاً مما يسمعه. أما سليم، رمقها ببرود قائلاً بسخرية: ها، ياريت تكوني ارتحتي كده يا ملوكة قلبي.
ارتبكت للحظات، تحاول أن تقاوم تلك العينين اللتين تحدقان بها كالصقر الذي يقوم بالتربص بفريسته قبل الانقضاض عليها. وقفت على نفس المسافة التي تبقيها في أمان بعيداً عنه. حتى أنه ابتسم ملاحظاً عليها هذا الثبات الزائف، مردفاً بتهكم: مكنتش أعرف إن الجمال ده كله وراه قطة ضالة شرسة بالشكل ده. أغمضت عينيها تحجب صوته عن مخيلتها، قائلة لنفسها بضيق: اثبتي يا ملك، ده كله بيحاول يستفزك. فقالت له بحدة: وادي انت عرفت، ممكن تسكت بقى.
وضع كفه تحت ذقنه مرة ثانية قائلاً بخبث: للدرجادي صوتي مش عاجبك يا ملوكة. اتسعت عيناها بسخط قائلة بقلق: قلتلك كفاية كلام لغاية المأذون ما ييجي. نهض من مكانه محاولاً الاقتراب منها، قائلاً بعبث: طب ليه أسكت مادام كمان شوية هبقى جوزك وهتبقي مراتي. تراجعت خطوتين إلى الوراء قائلة بهدوء ظاهري: خليك مكانك وإياك تقرب مني، وإلا... قاطعها بابتسامته الساخرة التي اعتادت عليها، قائلاً بمكر:
معقولة في عروسة تغدر بعريسها كده بالشكل ده يوم كتب كتابهم. معقولة أهون عليكِ يا قلب البوص. أربكتها كلمته الأخيرة، وانتفضت يدها على السلاح. كاد أن يسقط منها أرضاً، فشعرت أنه يريد التأثير عليها بحديثه الجذاب، بكلمات رقيقة تطيح بها من عالم واقعي إجرامي، إلى عالم السحر والخيال. نفضت تلك الكلمات المنمقة عن رأسها كي لا تحيد عن ما تريد الوصول إليه، قائلة بتحدي: مهما تعمل مش هتمشي كلامك عليا زي ما انت عايز.
رفع أحد حاجبيه ساخراً، عائداً إلى مقعده من جديد قائلاً بتروٍ: لما نشوف يا قطة مين هيمشي على مين. نهضت سهر من جانب فتحي بعدم فهم، تحتاج إلى وقت كبير في تصديق ما قاله لها. عائدة بقدميها إلى الوراء قائلة بذهول عارم: يعني انت وسليم خططتوا لكل ده من ورايا، وكمان طلعت مش بتشتغل عنده وبس، لأ وكمان ولاد عم. أومأ برأسه بالموافقة، مدققاً بها بهدوء استفز كل ذرة من جسدها الذي كالريشة الطائرة في مهب الريح. صرخت به بغتةً:
يعني انتوا الاتنين خدعتوني كل الوقت ده. هز رأسه ببرود قائلاً بجمود: الواضح من كلامي ما يتفهم منه غير كده فعلاً. انقضت عليه كالنمرة الشرسة، تتمسك بقبضتيها من ياقة كنزته قائلة بغضب: ليه عملتوا فيا كده، ليه كدبتوا عليا انتوا الاتنين طول الوقت ده. رغم تفاجئه بما فعلته، إلا أنه ظل ثابتاً في مكانه كالحجر، لا يتأثر بكل ما تمر به، تاركاً إياها تفعل ما تريد فعله للنهاية. هزته بكل قوتها الضعيفة التي تمتلكها قائلة بغلظة:
ليه عملتوا فيا كده، انتوا أكيد مجانين، علشان تعملوا فيا أنا كده. رفع فتحي حاجبه بتهكم قائلاً بخشونة: إحنا فعلاً مجانين علشان خلصناكي من الأرف اللي كنتِ عايشة فيه مع واحد قذر، تستاهلي اللي عملوا فيكِ. هدرت به قائلة بعصبية: اخرس، هوا عندي أحسن منكم انتوا الاتنين، على الأقل كان واضح. جذبها بقسوة من شعرها إلى الخلف، مجابهاً لبشرتها الناعمة، قائلاً بعنف:
لسه بتدافعي عنه يا مجرمة، وقدامي كمان، انتِ فعلاً تستحقي واحد مجرم زيه. انهمرت دموع الخوف والألم من عينيها قائلة بمرارة: على الأقل المجرم ده ما حجرش عليا ورفع عليا قضية وكسبها. ذم شفتيه بانفعال عارم، قابضاً بقوة على شعرها قائلاً بغضب: إنتِ واحدة زيك... كان لازم يتحجر عليها ويتصادر كل أموالها من زمان بعد اللي عملتوه انتوا الاتنين. شعرت بأنها ستقع أرضاً إن لم يتركها هذا المتوحش قاسي القلب، قائلة بذعر:
سيبني في حالي، انت إيه، مفيش في قلبك رحمة. صرخ بها بغتةً: وانتِ مرحمتنيش ليه من اتناشر سنة ها. مرحمتنيش ليه وقت ما كنت محتاجك في حياتي أكتر من أي وقت مريت بيه، لكن طلع بعد كده كل اللي عيشته معاكِ كان كله وهم وخداع علشان توصلي للي انتِ عايزاه. أغمضت أهدابها لا تريد السماع إلى المزيد، قائلة بصوت متألم: كفاية كده بقى حرام عليك. تراخت قبضته القوية حول شعرها، دافعاً إياها نحو الفراش، قائلاً بانفعال:
دلوقتي أنا اللي بقى حرام عليا، طيب يا سهر هانم... هسكت دلوقتي بس، لكن بعد كده اعملي حسابك إني مش هسكت تاني أبداً. توقف عاصي بسيارته أمام طابق واحد أرضي. فتح زجاج النافذة التي بجواره يتأمل المكان حوله بضيق. ترجل من العربة متجهاً نحو هذا الطابق، وسأل أحد الأشخاص القريب منه قائلاً باهتمام: من فضلك، كنت عايز أعرف البيت ده مين صاحبه. عقد حاجبيه قائلاً بدهشة: ده بيت المرحوم عم حسن متولي. هز رأسه بغموض قائلاً بهدوء ظاهري:
طب وابنه الكبير ساكن هنا. هز الشخص كتفيه قائلاً ببطء: كان ساكن فترة معاهم وبعدين محدش شافه من فترة. تنهد عاصي بصمت يثير الشك، مما جعل الرجل يتساءل بقلق: هوا حضرتك بتسأل عليه ليه. أسرع بقوله المضطرب: لا أبداً عادي مفيش حاجة، متشكر أوي. ثم أخرج من جيب كنزته بطاقة صغيرة تحمل اسمه وأرقام هواتفه وعنوان مكتبه، مردفاً بثبات: ده الكارت بتاعي، إذا حضرتك شفت ابنه أو بس لمحته هنا، ياريت تكلمني ضروري.
أومأ الشخص بالإيجاب متعجباً من أمر ذلك الرجل الذي لا يعرفه. تركه عاصي بسرعة قبل أن يُلقي عليه سؤالاً آخر. عاد إلى سيارته من جديد، عائداً بسرعة إلى المنزل، هناك وقعت عيناه على فريدة تتابع التلفاز بشرود تام. زفر بحنق عند رؤيتها تجلس هكذا قائلاً: قاعدة كده ليه، مش المفروض تكوني بتذاكري. نهضت من مكانها على الفور قائلة بتردد: أبداً، أنا ذاكرت كتير النهاردة وقلت أرتاح شوية، وكمان قلقت عليك لما اتأخرت بره. تنهد بسخط قائلاً
بجمود: ليه هوا أنا طفل صغير هتقلقي عليه. ارتبكت من سخريته الواضحة في عبارته، قائلة بتوتر: أنا آسفة، مقصدش، عن إذنك. جاءت لتغادر المكان، قال لها بصرامة: استني عندك هنا. تيبست بمكانها دون حراك. اقترب منها ووقف أمامها قائلاً بحزم: تعرفي إيه عن الزفت اللي اسمه أيمن. بُهت وجهها بشدة واصفر من مباغتته لهذا السؤال غير المتوقع. اذدردت لعابها بصعوبة بالغة، ولم تستطع الرد عليه، مما زاده عصبية وأمسكها من معصمها قائلاً بغضب:
ما تردي عليا، مبتجاوبيش على سؤالي ليه. زاغ بصرها فيما حولها تريد أن تستنجد بمربيتها دون فائدة، فهي بالمطبخ تغسل الأواني وتعد لطعام العشاء. شدد قبضته القوية على معصمها فجعلها تتألم أكثر قائلة بوجع: معرفش حاجة عنه صدقني. هز رأسه نافياً بقوله الحاد: لا تعرفي، كل أسرار ملك كانت معاكِ انتِ وبس. أغمضت أهدابها تتألم بشدة قائلة بسرعة: يا أبيه أرجوك، أنا فعلاً معرفش عنه أي حاجة غير اللي كنت تعرفها عنه وبس.
ذم شفتيه بغيظ عارم قائلاً بحدة: مش هتبطلي كذب بقى، ما كانت بتقابله من ورايا، وحضرتك كنتِ بتتستري عليها. شحب وجهها ولم تقوى على النطق. وضع كفه الآخر على جبهته بانفعال غاضب مردفاً بسخط: ما تتكلمي، مش دي الحقيقة يا ست هانم. هبطت دموعها فجأة قائلة بخفوت: أنا فعلاً كنت بداري عليها، بس ده لأنها كانت بتحبه وكان نفسهم يتجوزوا. أزاحها وراءها على الأريكة التي كانت تجلس عليها منذ قليل، قائلاً بعصبية:
حب إيه وكلام فارغ إيه اللي بتتكلمي عنه ده ها. إنتِ ناسيه إنه عُمره ما كان إنسان ثقة أصلاً علشان أوافق على جوازة فاشلة من أولها. شعرت أنه بالرغم من قساوة كلماته، إلا أنه معه بعض الحق فيما يقوله. لمح عبراتها التي ازدادت، فاستطرد بغضب: امسحي دموعك دي، وإلا انتِ عارفه أقدر أبيكيكي بدل الدموع دم. سارعت بمسح دموعها خوفاً من بطشه قائلة: حاضر، أنا آسفة، نسيت إنك مبتحبش تشوف دموعي. ابتعد عنها قليلاً قائلاً بخشونة:
قومي هاتيلي الأجندة بتاعتها اللي فيها حاجات كتير تخصها. اتسعت عيونها بهلع وخوف شديد، قائلة: معرفش هي شايلاها فين. ضغط على شفتيه بحنق شديد قائلاً بانفعال: انتِ كل حاجة متعرفهاش، أمال كانت كل أسراركم مع بعض إزاي ها. رفضت فريدة إخباره عن حرق أوراقها قبيل هروب ملك من المنزل حتى لا يعثر عليها عاصي. قائلة بقلق: ما هي دي الحقيقة يا أبيه. انحنى ناحية وجهها قائلاً بغلظة:
لا مش دي الحقيقة يا فريدة، وقولي بصراحة قبل أمد إيدي المرادي عليكِ، ومحدش هيرحمك مني. راحت فين الأجندة. شعرت بالذعر من تهديده العنيف هذا، مما جعلها تسرع بقولها المضطرب: الأجندة لقيتها محروقة قبل ما تمشي من البيت بيومين.
جلس سليم الأنصاري برفقة المأذون وملك بالقرب منهم، وبجانبها إبراهيم الذي لم يستوعب الأمر إلى الآن. وبرفقتهم أيضاً اثنان من رجال البوص. كان سليم ينظر إلى الجميع بمنتهى الهدوء والثبات، مما أدى إلى حيرة ملك التي تتأمله من طرف خفي، وهذا الأخير جالس دون أن ينفعل أو يغضب كما توقعت. تحدث المأذون أولاً قائلاً بهدوء: البطاقات الشخصية من فضلكم. الجميع أخرجها ما عدا ملك. فرمقها باهتمام قائلاً: فين بطاقة حضرتك.
ارتفعت دقات قلبها المتسارعة بقوة، ولم تستطع الإجابة عليه. ابتسم سليم ساخراً، فهو على علم بأنها لم تمتلك أي أوراق شخصية، فقال ببطء: فين البطاقة بتاعتك يا قطة. أطرقت بنظراتها على ثيابها قائلة بخفوت: بطاقتي ضاعت مني. تنهد المأذون قائلاً: لكن يا بوص مينفعش كتب كتاب بدون بطاقة، ولا صور شخصية كمان. أخرج سليم من درج مكتبه عدة صور شخصية له، ومثلها لملك. اتسعت عيونها بصدمة عارمة، كيف حصل عليها هكذا وبهذه السرعة. قائلاً
باللامبالاة: الصور موجودة، بس يظهر كده إن البطاقة ضايعة فعلاً، يا إما اتنسيت في مكان تاني. فهمت ما يرمي إليه من حديث. بالفعل قد نسيت متعلقاتها الشخصية في منزلها، فمن شدة توترها نسيت كل شيء يخصها. فأسرعت تقول بنبرة منخفضة: فعلاً البطاقة ضاعت مني من كذا يوم. حدجها البوص بجمود قائلاً بصرامة: يبقى مفيش غير إننا ننتظر فترة لغاية ما يطلع لها بطاقة تانية.
بُهت وجهها بشدة، فهذا ما يتمناه سليم لنفسه منذ البداية، فها سيربح عليها هذه المرة أيضاً. لكن كيف ستنتظر طيلة هذه الفترة على مقربة منه دون أن يكون زوجها. فوجوده بمفرده سيؤثر عليها كثيراً. فقالت بتساؤل: لكن أنا حافظة كل المعلومات اللي بالبطاقة. زفر المأذون قائلاً: بردو مش ينفع، لازم صورة بطاقة ليكِ وللبوص، ومفيهاش حاجة لما ننتظر أسبوعين لغاية ما تطلعيها تاني، مش كده يا بوص. أومأ برأسه وهو ينفث دخانه في وجهها قائلاً
بخبث: ده أحسن حل إننا ننتظر لغاية ما ملوكة قلبي نطلع لها بطاقة جديدة خالص.
لم تهدأ أعصاب ملك منذ أن حدث ذلك الأمر. فالخادمة قد تركت المنزل وأصبحت محيطة بالخطر من كل الجوانب، فقد أغلقت على نفسها بالمفتاح من الداخل. فوجودها بمفردها معه سيشكل خطراً عظيماً عليها. ضمت قبضتيها تترقب النجوم بالسماء، فقد أسدل الليل أستاره على جميع الأرجاء. خشيت من ذلك الظلام وهي تتأمله من خلف النافذة المواربة. أغلقت جفونها بشدة تتذكر نظراته الجريئة التي جالت عليها بعد رحيل الجميع من غرفة مكتبه. اقترب منها بخطوات متهكمة قائلاً
بعبث: مش كان العرفي أفضل يا ملوكة. بدل ما ننتظر فترة كبيرة علينا بدون فايدة كده. تراجعت للخلف بذعر كلما حاول أن يتقدم نحوها، لكنه باغتها بإحاطتها من خصرها مدققاً النظر في محياها الرقيق قائلاً بعذوبة: مينفعش تهربي مني أنا يا قلب البوص. هرب الدم من وجنتيها وتسارع نبضها عندما لامس بظهر أنامله جانب وجنتها اليسرى، مستطرداً بنبرة خافتة: معرفش إن بشرة القطط الضالة حلوة وناعمة بالشكل ده.
أغلقت عيونها، فهو يطيح بكل مقاومة لديها نحو أدراج الرياح. فهتفت به بصوت مرتجف: إبعد عني متلمسنيش. هز رأسه بالرفض قائلاً بعبث: مش لولا تصميمك، كنا زمانا في أوضتنا دلوقتي، ومكنتش هتقدري تقولي كلمتك دي. إلى هنا لم تعد تتمالك أعصابها، الذي زادها اضطراباً من كثرة كلماته وأنفاسه الخافتة التي تلاحق وجهها. دفعته بقبضتيها فجأة، فضحك ساخراً منها قائلاً بمكر: اوعدك بعد كده مش هتقدري تعمليها تاني يا ملوكة قلبي.
جلست على الفراش وراءها، تتسارع أنفاسها المتلاحقة التي لحقت بها وهي تنفض عنها ذلك المشهد البغيض، الذي كان منذ قليل معه في غرفة مكتبه.
في صباح اليوم التالي، أخذها إبراهيم في عربة أخرى غير سيارة البوص المعروفة، كي تخرج بطاقة قومية أخرى كما طلب منهم المأذون. ونفس الوضع قد تم، وضع قماشة سوداء على عينيها حتى لا ترى أين هي، ولا أين تقطن. هددها إبراهيم عندما وصلوا أمام السجل المدني، بأن تتفوه ببنت شفة مع أي شخص موجود بالمكان. خشيت منه وتركته وترجلت من السيارة. دخل بصحبتها إلى الداخل، وبعلاقاته الكثيرة قد تم كل شيء وبطريقة سريعة. فكرت ملك بالهروب من المكان بالفعل، لكن إبراهيم وباقي الحراسة قد جعلتها تتراجع عن ذلك. فإن هربت من إبراهيم، لم تهرب وتفلت من باقي رجال البوص.
داخل مكتب سليم، كان فتحي يقف وملامح الغضب تبدو على وجهه. رمقه الأول بشرود قائلاً: يعني كده سهر عرفت كل حاجة. زفر بضيق قائلاً: أيوه، بلغتها بعد ما خلاص زهقت من طبعها اللي مبقاش حد يطيقه. يا بوص، أنا بشر مش آلة ماشية على هواها. شبك سليم أصابعه بتفكير قائلاً بهدوء: عارف يا فتحي، لكن انت عارف كويس إنها محتاجة صبر في مرحلة علاجها. أشاح بوجهه قائلاً بخشونة:
أنا صابر عليها من اتناشر سنة وخلاص فاض بيا من اللي بتعمله. ثم صمت برهة يتأمل وجهه بزجاج نافذة الحجرة، مستكملاً بحنق: أنا تعبت من اللي أنا فيه، أنا بسبب حبها ده مقدرتش أتجوز غيرها، وفي الآخر جايه تقولي أحسن منكم، واحد مجرم زي ده يبقى أحسن مني في إيه ها. طال البوص النظر إليه وهو يستمع جيداً لكل حرف ينطق به، قائلاً بهدوء ظاهري: أنا مقدر كل اللي مريت بيه معاها، وخصوصاً كنت أنا مصدر رئيسي للمشكلة. اتجه نحوه بسخط قائلاً
بضيق: طب والعمل دلوقتي، أنا حاسس إني مخنوق. تنهد قائلاً: إقعد يا فتحي، وأنا يمكن أقدر أساعدك على حل للمشكلة دي، حتى لو اضطر الأمر إني أقابلها بنفسي النهاردة.
لم تجد ملك أحداً آخر غيرها بالفيلا عندما عادت من الخارج، فتنهدت بارتياح، فقد ستظل بأمان قليلاً بعيداً عنه. شعرت بالجوع عندما لمحت المطبخ، متذكرة بأن الخادمة بأجازة اليوم ولا تعرف متى ستعود من جديد. تلفتت حولها فلم تجد أحداً. أجبرت نفسها على المسير نحو المطبخ لأخذ بعض اللقيمات كي تتناولها، فهي منذ أن استيقظت بالصباح لم تضع أي شيء بفمها. أسرعت صوبه تعد لنفسها الطعام. قامت بفتح البراد لترى ما به من أكل. وجدت العديد من
الأطعمة الجاهزة. أخذت البعض منها ووضعتها على الموقد التي أشعلته بالحال، مع بعض الخبز التي وجدته أمامها على طاولة المطبخ. قد قاربت على الانتهاء، ونسيت ما تمر به مع البوص أو تتناسى لكي تعرف تأكل جيداً ما يساعدها على العيش هنا. امسكت بأحد الأطباق وتناولته لتضعه على الطاولة، جاءت لتمسك الطبق الآخر، فإذا بها تجد نفسها محاطة بجسد أحد الأشخاص من الخلف دون أن يلامس جسده بجسدها. مستنداً بذراعيه إلى المطبخ الخشبي هامساً بجوار
أذنها، قائلاً
بسخرية: مكنتش أعرف إنك مشتاقة أوي كده تكوني مراتي بالسرعة دي يا حلوة. تجمد كل من قلبها وجسدها بمكانه دون حراك، فما توقعت أبداً أنه سيأتي بهذه السرعة ويكتشف ما تفعله. شعرت بأن قلبها سيتوقف إن لم يبتعد عنها. لكنه بدلاً عن ذلك تابع حديثه إليها قائلاً بنعومة متعمدة: إيه مالك يا قلب البوص، خفتي كده ليه، ولا تكون جرعة الشجاعة اللي عندك خلصت ولا حاجة.
أخذ صدرها يعلو ويهبط وتتلاحق أنفاسها المتسارعة. أغمضت أهدابها تحاول الثبات والابتعاد عنه بقدر المستطاع. حاولت التحدث لكن صوتها ظل محبوساً في حلقها كالخرساء بالفعل هذه المرة. أدارت جسدها إليه لتدفعه بعيداً عنها، فابتسم بمكر كبير وعيونه تتفحصها بشدة، قائلاً بغموض: صدقي كده أحسن. من نظراته المدققة لها جعلها تندم على دخولها إلى هنا، فقالت له بتوتر: ابعد عني بسرعة. ضيق عيونه بتهكم قائلاً بخفوت:
معقول عايزاني أبعد بسرعة من غير ما آكل معاكِ، ولا تكوني بخيلة وأنا مش عارف. ضمت قبضتيها بقوة تحاول مجابهته على قدر المستطاع قائلة بنبرة مخنوقة: تقدر أوي تبعد عني وتاكل الأكل وقدامك، اتفضل كُل عن إذنك. جاءت لتنصرف مبتعدة عنه، أمسكها من رسغها بقوة حتى تألمت، قائلاً بصرامة: لما تكلميني كلميني بذوق، يكفيكي شر غضبي ساعة ما بزعل. تجمد بصرها عليه من الخوف والقلق الذي انتابها في الحال من قسوة عينيه. مردفاً ببطء قاسٍ:
كملي اللي كنتِ بتعمليه بسرعة لغاية ما أغير لبسي، علشان هناكل سوا يا قطة على السفرة برا. تركها سريعاً مغادراً من المطبخ بوجه جامد متجهم. خشيت بسببه وارتجف جسدها على أثره، قائلة لنفسها بذعر: جبتي لنفسك مصيبة كبيرة يا ملك بدخولك لحياته، وشكله هينتقم منك بجد.
أسرعت بإعداد كل الأطعمة التي قامت بصنعها من قبل، على مائدة الطعام المخصصة في غرفة قريبة من المطبخ. شاهدته يهبط من أعلى الدرج وهي بانتظار قدومه بتوتر، بحلته الأنيقة كأنه على موعد بالفعل. تأملته رغماً عنها منجذبة لعيونه الواسعة ذات الرموش الكثيفة والطويلة، رغم حدتهما الدائمة. وهو يقترب منها وبصره مثبت عليها بغموض. أشاحت بعيونها التي شردت به بعيداً عنه. ابتسم ساخراً منها متجهاً نحو المائدة ناظراً للطعام التي زادت كميته عن الأول، قائلاً
بمكر: شكلك بتعرفي تعملي أكل كويس وبتسمعي الكلام. رمقته بصمت تريد الفرار من أمامه والاحتماء من نظراته القاسية، قائلة بهدوء مفتعل: اتفضل اقعد كُل وأنا خلاص مبقتش جعانة. جلس على رأس المائدة ودون أن يجيبها جذبها من معصمها بقوة، وبدلاً من أن تسقط جالسة على المقعد خلفها، وقعت فوق صدره، فضحك سليم قائلاً بعبث: إيه يا ملوكة قلبي، شكله عجبك الموضوع، كل شوية تقعي على صدري.
غزا الاحمرار وجنتيها سريعاً، غير متوقعة ما حدث للتو. ابتعدت عنه كأنها أصيبت بصاعقة كهربائية مفاجئة. تحاول الجلوس على المقعد وراءها حتى لا يتهور عليها مرة أخرى. وضع قبضته تحت ذقنه متأملاً إياها بتهكم، مستكملاً حديثه بسخرية: من خاف سلم مش كده بردو. أشاحت بعيونها بعيداً عنه، وبدأت تأكل سريعاً رغم افتقاد شهيتها الآن بعدما حدث، كي تتخلص من جلوسها معه. اندهش من طريقتها وتعالت ضحكاته الداخلية دون أن يظهرها، قائلاً
لنفسه بعبث: شكلك هتتسلى كتير معاها يا سليم. أثناء تناوله للطعام، حدجها بنظراته الحادة قائلاً بغموض: أكلك حلو زيك يا ملوكه، شكل كده هستغنى عن انتصار. مرت عدة أيام وبدأت ملك تحاول أن تعتاد على هذا الوضع رغماً عنها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!