اتسعت حدقتها على آخرهما عند سماعها لهذه الكلمات هامسة بصدمة كبيرة: "أبيه... عاصي... انت بتقول إيه؟ انفجر بوجهها. عجزت فريدة عن النطق عندما تحدث عاصي بهذه الطريقة، وقلبها الصغير لم يعتد على هذه النبرة المميزة بصوته رغم أنه غاضبًا. هل أحس بها بعد هذه المعاناة التي لاقتها منه طوال هذه السنوات الماضية؟ انتبه عاصي لكلماته التي قالها وهو غاضبًا هكذا، مما جعله يتوقف عن الاسترسال بكلماته متحاشيًا نظراتها الحائرة والمتسائلة.
جف حلقها مع خفقات قلبها التي تشعر بأنها توقفت عن النبض من حديثه الصادم. ازدرد عاصي ريقه بصعوبة بالغة مردفًا بعصبية: "روحي نامي يا فريدة." عقدت حاجبيها بدهشة هاتفه بارتباك: "بس أنا... قاطعها بضيق مضطرب: "قلت لك روحي نامي يالا." لم تستطع الحراك من مكانها، تريد أن يستكمل ما بدأه معها، لذا تحدته هذه المرة مرددة بإصرار: "لا مش هنام قبل ما أعرف حضرتك تقصد إيه."
تلمست من مظهره أنه سيهاجمها كالنمِر الشرس، لذلك تراجعت خطوتين إلى الوراء من ردة فعله العنيفة التي تتوقعها. ضيق عيونه بحدة هاتفًا: "أنتِ بتتحديني يا فريدة؟ هزت رأسها ببطء شديد مرددة: "غصب عني... عايزه أعرف السبب. إن منطقش تاني كلمة أبيه." بوغت بسؤالها هذا مما جعله يشعر بالانفعال أكثر من ذي قبل، وظهر هذا بوضوح على شرايين وعروق وجهه كأنها ستنفجر بوجهها. هاتفًا بنبرة صارمة: "عايزه تعرفي ها؟
فأومأت برأسها بالموافقة. ما أن رأى ذلك حتى دفعها إلى الحائط فجأة، ارتطم ظهرها بالحائط الصلب خلفها بقسوة. من شدة صدمتها التي تلت ذلك لم تنطق بحرف واحد، اتسعت مقلتاها على آخرهما من الفزع الذي انقض على دقات قلبها. زادت حدته، فتابع بغضب: "لإن خلاص زهقت من الكلمة دي ومبقناش أخوات... فوقي بقى لنفسك من الوهم ده." زاغ بصرها على محياه ودموعها تتجمع سريعًا بداخل عيونها. هامسة بألم: "منا فعلاً عمري ما كنت أختك...
أنا بنت عمك وبس... مش ده اللي حضرتك تقصده." أمسكها من كتفيها بقوة وعيونه تتفحصانها كأنه يراها لأول مرة قائلًا بانفعال: "أنا عمري ما اعتبرتك كده... أنا ربيتك علشان كنتِ ملكي أنا وبس من وانتِ صغيرة." خفق قلبها بين ضلوعها غير مصدقة ما تفوه به، وارتجفت شفتيها لما تسمعه منه لأول مرة. فها هي ترى وتسمع ما تود سماعه منذ سنوات مضت. انهمرت عبرات العشق تتحدث عن ما بداخلها من شوق ولهفة لسماع هذه الكلمات.
هامسة بعدم استيعاب: "هوا اللي أنا بسمعه ده صح... مش كده؟ ترك ذراعيها، شاعرًا بأن همًا ثقيلًا سيزول من قلبه، لذا أولاها ظهره من مشاعره التي تحركت وفاضت بأكملها ناحيتها بهذه الطريقة التي لم يحسب حسابها... ولم يرد أن يستكمل ما بدأه. اقتربت منه بحذر مردفة بهدوء ظاهري: "ليه حضرتك مش بترد عليا؟ زفر بقوة وضيق. أراد أن تنصرف من أمامه، لكنها هي الأخرى تريد معرفة كل شيء بداخله. التفت إليها بحدة هادرًا: "علشان خايف عليكي."
تطلعت إليه ودموعها تنهمر على وجنتيها قائلة بخفوت: "خايف عليا من إيه؟ أمسكها من كتفيها بقوة وهو يهزها بضيق مجيبًا بعصبية: "من نفسي يا فريدة... ارتحتي كده؟ أفاقت من شرودها الطويل وهي تحدق من نافذة حجرتها إلى الشارع. على صوت إطلاق عيار ناري دوى صداه بداخلها قبل أن يؤثر بمن خارج المنزل. خفق قلبها بعنف شديد هامسة برعب: "عاصي! اتسعت العيون الحادة على صاحبة تلك الصرخات التي توالت إثر إطلاق النار، والذي تفاجأ بوجودها.
لم يدري ماذا فعل بنفسه، فقد وجد جسده كالحائط الصد أمامها. هاتفًا بأعلى نبرة لديه: "مللللك.... بوغتت بمن يركض صوبها وألقى بثقل جسده على جسدها النحيف وسقطا سويًا على الأرض. تأوهت بصدمة من رد فعلها على ما حدث، حتى دوى صوت الرصاصة بالهواء ثم استقرت بكتفه الأيسر من الخلف. لم تصدق ما تراه عيناها، إذ رأت تلك العيون مملوءة بالألم والوجع لأول مرة منذ أن تزوجته. هتفت باسمه بعدم استيعاب: "سليم... سليم رد عليا...
احمرت حدقتاه من كثرة ما يعانيه هامسًا بألم: "أنا آسف يا ملك." هبت من الأرض ممسكة بكتفيه بلوعة وقلب يئن من الحزن، وقد رأت بيدها شيئًا لزجًا من الخلف. نظرت بيدها فرأت دمًا كثيرًا نتيجة إطلاق الرصاصة، شحب محياها غير مصدقة ما تشاهده الآن. انحنت صوبه وهي تحتضنه بجزع ثم صرخت بأعلى صوتها: "اطلبوا الإسعاف بسرعة! حد يطلب الإسعاف! قام إبراهيم بالاتصال كما طلبت منه. ضمته إلى صدرها ودموعها
تنهمر على وجنتيها قائلة: "ليه كده يا سليم... ليه تعمل فينا كده؟ حاول فتح عينيه بإجهاد شديد قائلًا بضعف: "علشان جميلة يا ملك... روحي تهون علشانها." لم تكن تصدق ما هتف به، أمسكت بوجهه بين قبضتيها قائلة ببكاء: "لا يا سليم... اوعى تقول كده... قطعت كلماتها عندما وجدته سيغلق جفنيه. متابعة بقلب موجوع: "إوعى تغمض عينيك... أرجوك... أرجوك يا سليم إوعى تروح مني... أنا محتاجالك."
لم يدرك عاصي ما يحدث إلا عندما صرخت مرة أخرى بزوجها الذي أُغشي عليه في الحال. عندها ركض نحوها هاتفًا بغير تصديق: "ملك... أختي! نظرت إليه بعيونها من خلف نقابها غير مصدقة أنه يقف أمامها هو الآخر... سليم معافى. لقد وقفت أمامه حتى تحول بينه وبين الرصاصة، لكن سليم لم يستطع أن يراها تضحي بحياتها من أجل شقيقها. بعد تلك الكلمات هتفت بحدة: "أنا السبب يا أبيه... أنا السبب في اللي حصل... أرجوك يا أبيه هات دكتور بسرعة."
زفر بقوة مرددًا: "متخافيش يا ملك... أكيد الدكتور جاي دلوقتي." بعد مرور أكثر من أسبوعين، بدأ سليم يتعافى نوعًا ما عن الأيام الماضية. عادت ابنته إلى حضن زوجته من جديد، والتي لم تتركه أبدًا بتلك الفترة، جالسة دائمًا بجواره. شعر بها تتمسك بكفه بين راحتيها... فتح جفنيه مترقبًا محياها عن قرب. مرددًا بخفوت: "أنا تعبتك معايا الفترة اللي فاتت يا ملوكه." دققت النظر إلى محياه هامسة بلوم: "ليه بتقول كده؟
ده واجبي ناحيتك وخصوصًا إنك دافعت عني وكنت هتضحي بنفسك علشاني." ابتسم بوهن قائلًا بحب: "مكنش ينفع أعيش من غيرك يا ملك." اضطرب قلبها بغتة، فها هو يضغط على مشاعرها منذ أن حدث ذلك. تشعر أن مشاعره قد تبدلت إلى العكس تمامًا. فقد أخذ يُظهر عواطفه الجياشة ناحيتها منذ أن أُصيب. واعترافه بالحب نحوها قبل أن يغيب عن الوعي، جعلها كأنها تراه وتسمعه لأول مرة. احمرت وجنتيها بشدة. هامسة بخجل: "الحمد لله عدت على خير."
أغمض عينيه بارتياح كبير قائلًا بنبرة منخفضة: "أنا عمري فداكِ يا ملك." أطرقت ببصرها من شدة حياءها وعدم استيعابها لكلماته المملوءة بالكلمات الرومانسية التي لم تعتد عليها منه. لم تجد مفرًا من هروبها منه بتلك اللحظة، تركت كفه اليسرى برفق. ثم نهضت من جواره سريعًا حتى لا يتمسك بها كعادته معها. لكن هذه المرة تركها تغادر الحجرة دون أن يناديها حتى.
وقفت بالخارج تستند إلى الحائط تترك قلبها يهدأ من تلك الانفعالات التي يعيشها هذه الفترة. مع اندهاشها لعدم تمسكه بها، أغمضت عيونها كي تصدق ما يحدث معها. وضعت كفها على صدرها، متذكرة عندما عبر عن حبه لها قبل أن يغيب عن الوعي. عندها حدقت به وقد بدأ أن يغمض جفنيه مرة أخرى. شعرت وقتها بأنها ستنهار إذا فقدته بهذه السهولة. أمسكت وجهه. تتأمل محياه المتعب بحزن عميق هامسة بتأثر: "إوعى تسيبني يا سليم."
نظر إليها بحب مصحوبًا بألم ثم أغمض جفنيه مرددًا بضعف: "بحبك يا ملك." عادت لرشدها تحاول أن تكون هادئة بعض الشيء هامسة لنفسها: "ليه دايماً دي طريقتك معايا من ساعة ما اتجوزنا؟ عايزني في معظم الأوقات أعترف لك بمشاعري اللي مبقتش فاهماها من أول مرة شوفتك فيها." أخرجتها الخادمة من تفكيرها قائلة بهدوء: "جميلة صحيت يا ست هانم." هزت رأسها باضطراب قائلة بخفوت: "حاضر... هروحلها."
مر أسبوع آخر على هذا الموقف وقد تحسنت صحته نوعًا ما عن ذي قبل. دخلت عليه الحجرة ولم تجده، عقدت حاجبيها بقلق... فهو منذ ذلك اليوم لم يخرج من حجرته قط. التفتت للوراء كي تخرج لتناديه، إذ أتى هو من الخلف محتضنًا إياها بغتةً. تحس بأنفاسه الدافئة بجانب رقبتها، شعرت بأن قلبها سيتوقف عن الخفقان من كثرة نبضاته التي توالت خلف بعضها البعض. هامسًا باشتياق: "وحشتيني أوي يا ملوكه...
أغمضت عيونها تحاول استيعاب ما يحدث لها مع تلك الرعشة التي انتابتها بجميع أنحاء جسدها، ولم تستطع أن تتفوه بحرف واحد. أدارها نحوه عندما طال صمتها متمسكًا بخصرها بين ذراعيه. دقق النظر بوجنتيها التي أصبحت مثل حبات الفراولة متابعًا بنبرة جذابة: "يا ترى بتحبيني كده زي ما بحبك؟
لم تستطع مجابهته، فأطرقت ببصرها نحو قميصه، تحاول أن تتظاهر بتماسك أعصابها المتوترة. مع خفقات قلبها التي تتعالى مع أنفاسه التي تقترب من وجهها، ضاربًا بآخر أمل لديها في الثبات أمامه عرض الحائط. ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة مرددة باضطراب: "سليم... أنا... أنا... لم تستكمل كلماتها من شدة خجلها، فوجدت نفسها بين ذراعيه شاعرة بالحب ينساب بينهما دون كلمات تقال. كأنها تعترف له بحبها وعشقها التي حاربته كثيرًا منذ بداية لقاءها به.
همس بجانب أذنيها: "وصلني الرد يا ملوكه." احمرت وجنتيها أكثر ولم تستطع أن ترد عليه، كأن لسانها أكلته القطة مثلما نقول. لكن قلبها الذي يصرخ من شدة نبضاته وذراعيها التي أحاطت بعنقه ووضعت رأسها على صدره أجابوه بصمت شاعري بما يريد معرفته. وقفت فريدة تتأمل ذلك الخاتم الذي أهداه إليها حبيبها عاصي تعويضًا بعض الشيء عن ما لاقته منه في الفترة الأخيرة.
ابتسمت بسعادة لم تكن تتخيلها متذكرة هرولتها إلى الأسفل عند سماعها صوت رصاصة مدوية أمام المنزل. لم تجرؤ على الخروج من البيت عندما شاهدت ما حدث أمامها ونظرات الغضب على وجه عاصي عند رؤيته لها. وساعدها هذا أنه بخير ولا يهم سواه، لذا عادت إلى حجرتها مع مرور الوقت. أيقظها من شرودها صوت طرق على الباب، ففوجئت بملك أمامها أخيرًا وبعد طول غياب. ركضت نحوها محتضنة إياها بشوق وحنين كبير. ابتسمت
فريدة قائلة بعدم تصديق: "أخيرًا رجعتي يا ملك بعد كل العذاب اللي كلنا عشناه." بادلتها الابتسامة قائلة بحب: "دي أسعد لحظة في حياتي رغم كل اللي عشته من غيركوا." تذكرت كل ما لاقته من عاصي في غيابها، وما عانته بسبب مساعدتها لها في الهرب. تمتمت فريدة بإحراج قائلة بارتباك: "أنا كل ما افتكر إني ساعدتك من البداية واتعذبتي من ساعتها احتقر نفسي أوي." أسكتتها في الحال قائلة بصرامة: "اوعي تلومي نفسك أبدًا...
أنا كنت السبب في كل اللي وصلته." صمتت ثوانٍ معدودة قائلة: "طب وسليم... هتعملي إيه معاه دلوقتي؟ هتطلقي ولا هتكملي؟ شردت ملك كثيرًا ولم تجبها، فأعادت عليها نفس السؤال. شحب وجهها لهذا التساؤل ولم تدري بأي شيء ترد به عليها، ف أولتها ظهرها باضطراب مرددة بتردد: "مش عارفه يا فريدة... فكرت كتير في الموضوع ده بس مش قادرة أسيبه." عقدت حاجبيها بدهشة هاتفه بها: "ليه... حبتيه بعد كل اللي شفتيه منه؟
صمتت برهة تحدق بها بمشاعر غير مفهومة ثم تنهدت بضيق مضطرب قائلة بتوتر: "كلمة حبيته دي بفكر فيها كتير وإن إزاي أحب إنسان متوحش بالطريقة دي... بس كل اللي أقدر أقوله إن سليم اتغير أوي معايا وبالأخص من ساعة ما جميلة اتولدت." زفرت بحيرة قائلة: "طب واتكلمتي مع عاصي؟ أومأت برأسها بالنفي. أردفت تقول: "طب وإذا رفض إنك تبقي معاه... تطلعت إليها قائلة بثبات: "مش بسهولة الكلام ده... أنا خلاص مبقتش حرة نفسي... أنا دلوقتي متجوزة...
قاطعها صوت بارد: "رئيس عصابة مش كده؟ هوا ده اللي إنتي اتجوزتيه بسبب هروبك من هنا... شوفي وصلتي نفسك لفين." دافعت عن نفسها سريعًا قائلة: "أنا فكرت غلط وقتها... قاطعها مرة أخرى قائلًا بصرامة: "لإنك كنتي لاغيه مخك... مفكرتيش غيابك عني هيعمل إيه فيه ها... أنا من ساعتها مبقتش عارف لا أنام ولا أشتغل كويس ربع الأول." أدمعت عيونها بندم قائلة برجاء: "أنا آسفة يا أبيه على كل اللي عملته وإني كنت السبب في كل حاجة حصلت بعد كده."
أفرغ كل الغضب الذي بداخله عليها قائلًا: "جايه بتأسفي على إيه ولا إيه؟ اللي عملتيه ده مصيبة دمرتني قبل ما تدمرك... كل ده علشان كنت عايز مصلحتك وفي الآخر وقعتي في طريق واحد رئيس عصابة ميعرفش التفاهم غير بالمسدسات وبس." انهمرت الدموع الغزيرة من عيونها مرددة بأسى: "أرجوك يا أبيه سامحني... أنا واثقة ومتأكدة إني غلطت وأخدت جزائي في الآخر." حدجها بنظراتٍ حادة قائلًا بصرامة: "اسمعيني كويس في اللي هقوله...
انتي لازم تطلقي منه... مفهوم؟ هوا ده شرط مسامحتي ليكِ." كل هذا يحدث ولم تستطع فريدة التحدث خشيةً من قسوته معها هي أيضًا. تاركًا وراءه قلقًا كبيرًا منهم هما الاثنان، نظرت إليها متسائلة بحذر: "ها... هتعملي إيه دلوقتي؟ بكت هذه المرة مرددة بوجع: "مش عارفه يا فريدة... أنا تعبت." دخل إبراهيم مكتب سليم الأنصاري داخل عمله الجديد، ابتسم لدى رؤيته قائلًا: "مبروك يا بوص على المكان الجديد."
بادله الابتسامة قائلًا: "الله يبارك فيك يا إبراهيم... عجبك المكان الجديد؟ هز رأسه بسعادة قائلًا: "أكيد... ربنا يفتحها عليك فيه ويمكن تكون بداية جديدة لحضرتك." ضم شفتيه مفكرًا مجيبًا إياه: "أتمنى زي ما بتقول... وربنا يستر في اللي جاي." عقد حاجبيه بترقب قائلًا: "ليه بتقول كده يابوص؟ ما كل حاجة ماشية تمام." تنهد بهدوء قائلًا بشرود: "مش عارف يا إبراهيم... أنا قلقان... يمكن بس علشان شغل جديد وبس."
صمت قليلًا متذكرًا وجه زوجته بالأمس وهي تبكي في الخفاء، وهو يعلم جيدًا ما سر بكاؤها. تطلع إليه باستغراب، فهو يعلم جيدًا من يكون وبأي شيء يفكر. إنه يعمل لديه منذ سنوات وأصبح مرافقًا إياه في كل مكان يذهب إليه. لذا فهو يدري ما يشرد به الآن. رد الآخر عليه بحذر: "هوا في حاجة حصلت وأنا معرفهاش؟ هز رأسه بالنفي مرددًا بهدوء: "لأ... مفيش... " ثم تذكر شيئًا تابع قوله: "قلت لفتحي ييجي النهاردة ولا لأ." تنهد قائلًا: "آه...
بلغته وشوية ويوصل... جلس البوص خلف مكتبه قائلًا: "تمام... روح انت يا إبراهيم." ما أن انصرف حتى شرد مرة أخرى بملك وبكاؤها بالأمس، وعلى الرغم من ذلك حاول كثيرًا أن يجعلها تبتسم. تنهد بضيق شديد قائلًا لنفسه: "عاصي... أكيد السبب لكل ده... أنا فاهمه كويس." قاطع تفكيره دخول فتحي قائلًا: "أهلاً بالبوص... مبروك عليك." صافحه مبتسمًا مرددًا: "الله يبارك فيك... اتفضل اقعد." سأله بهدوء: "تحب تشرب إيه؟
جلس الآخر على مقعد خلفه قائلًا: "مفيش لزوم... يالا احكيلي عن الشغل الجديد." وجد عاصي غرفة ابنة عمه مفتوحة عندما كان مارًا من أمامها. لمحته من الداخل فاحمر وجهها وارتدت حجابها على الفور. تمنت أن يتحدث معها لكنه أعدل عن ذلك وأكمل طريقه إلى غرفته. شعرت بالحزن يخيم على قلبها وهي تتأمل الخاتم التي ترتديه الذي أهداه لها. هامسة لنفسها بشاعرية: "عقبال خاتم جوازنا يا عاصي."
تذكرت بهيام عندما نطق بما في داخل قلبه عندما تحدث قائلًا: "أنا خايف عليكي من نفسي." هنا لم تدري بأن عيونها استحثته على استكمال كلماته التي أطربت قلبها كأنها في حديقة غناء بمفردها معه يبث لها شوقه إليها... تنهد مردفًا بصوتٍ مخنوق: "أنا مش عارف أنام من كتر التفكير فيكي يا فريدة." أحست بأنه سيغشى عليها من أثر سحر كلماته التي تسمعها لأول مرة. لمعت عيونها من السعادة التي لم تشعر بها يومًا منذ وفاة أبويها.
هامسة بعدم استيعاب: "أنا مش مصدقة اللي بسمعه منك دلوقتي." اقترب منها أكثر حتى شعرت بدقات قلبه المتسارعة خامسًا: "كل السنين اللي عدت عليا معاكي كنت بصارع نفسي وأقول مش هينفع ارتبط بيكي في يوم من الأيام." شعرت باختناق قلبها الذي زادت خفقاته قائلة بغصة: "ليه بتقول كده؟ زفر بقوة وضيق مجيبًا بعصبية بعض الشيء: "علشان فرق السن اللي بينا يا فريدة... كنت خايف من رد فعلك." ابتسمت بحزن قائلة: "معقول بتفكر التفكير ده؟
ليه مفهمتش مشاعري اللي كانت باينة من تصرفاتي؟ تطلع إليها ببطء قائلاً: "أنا كنت باخد بالي بس كنت بحارب نفسي." ضمت قبضتيها قائلة بهدوء ظاهري: "أنا عمري ما فكرت في فرق العمر اللي بينا... إنت أكتر حد المفروض تكون فهمني." وضع كفيه على كتفيها قائلاً بتأثر: "سامحيني يا فريدة... أنا كنت غلطان في حاجات كتير عملتها فيكي." أغمضت أهدابها غير مصدقة أنه يطالبها بالسماح، كيف يفعل ذلك؟ إنه حبيبها وأول من تفتح قلبها على حبه.
ردت بحفوت: "أنا عمري ما زعلت منك... لإن أكتر واحد فهماك كويس أوي." ابتسم ابتسامة جذابة جعلت قلبها ينبض بعنف شديد هامسًا بحب: "يعني خلاص مش زعلانه؟ هزت رأسها ببطء شديد نافية ما يقوله بخفوت: "استحالة أزعل من أغلى إنسان على قلبي." تمنى في هذه اللحظة أن يضمها بين ذراعيه يبثها أشواقه إليها لكنه تراجع قائلاً بهدوء ظاهري: "تصبحين على خير يا ديدة."
ما أن وصلت على ذكر اسم الدلع هذا حتى رقص قلبها من الفرحة، فهذه أول مرة يقول لها ذلك. وأفاقت على صوت يبحث عنها بخارج غرفتها ويقول بأعلى صوت لديه: "إنتِ فين يا ديدة؟ في اليوم التالي تفاجأ عاصي بدخول سليم الأنصاري داخل مكتبه. قائلًا بهدوء: "آسف على الإزعاج... فاضي نتكلم شوية." ضيق عيونه بحدة قائلًا بصرامة: "إيه جاي تخانق تاني؟ يا ترى رجالتك فين دلوقتي؟ طبعًا تلاقيه تحت محاوطين مكتبي."
زفر بنفاذ صبر: "اسمعني يا بشمهندس... أنا جاي المرادي مش علشان أي حاجة بدماغك... أنا سبب وجودي دلوقتي هوا ملك وبس." تجهم وجه عاصي بشدة عندما رأى سليم أمامه هاتفًا بحدة: "حد أذنلك تدخل؟ ود أن يحدثه بإسلوبه المعتاد لكنه تذكر عيون زوجته الداعمة. رد ببرود: "بدون كلام كتير علشان عارف إن حضرتك مش فاضي... ليه بتزعل مراتي؟ قال عبارته الأخيرة بنبرة صارمة يقصدها...
وبالأخص كلمة مراتي لم يرد نطق اسمها بل رددها هكذا حتى يوصل إليه أنها ملكه هو فقط. ضيق الآخر حدقتيه قائلًا بضيق: "والله... أنا مزعلتش حد." زفر سليم وهو يجلس أمامه هاتفًا بنبرة جافة: "يعني لما تنزل دموعها بسببك يبقى مضايقتهاش إزاي." صمت قليلًا ثم حدجه بنظرة كره قائلًا بضيق: "فعلاً... أنا ضايقتها لمصلحتها." ضم الآخر شفتيه بسخرية هاتفًا بنبرة صارمة: "بس ملك بتعرف مصلحتها كويس."
هدر به بعنف: "ملك متعرفش ولا هتفهم اللي عايشاه دلوقتي ولا اللي لسه هتعيشه معاك." أمسك البوص أعصابه بقوة من أجلها قائلًا ببرود: "بشمهندس عاصي... مراتي مبقتش صغيرة وفاهمه مصلحتها كويس أوي." شعر بالغيظ من أسلوبه المستفذ مقتربًا منه بثورة هاتفًا: "ملك قبل ما تكون مراتك هيه أختي اللي ربيتها وكبرتها وعلمتها... وبعد كده عايزه تسيبني علشان واحد زيك رئيس عصابة ميعرفش غير القتل وشغل العصابات."
طال صمت سليم هذه المرة متظاهرًا بالهدوء الخارجي متذكرًا وجه زوجته فقط. حتى يهدأ من طبعه تجاهل كل هذا قائلًا بلطف: "بس هيه بتحبني ومش هطلقها يا بشمهندس... وحتى لو حبت تطلق مش هطلقها... ومتنساش كمان أن بينا جميلة بنتي... ترضى تتحرم من مامتها وباباها يعيشوا مع بعض." حدجه بغضب شديد قائلًا بصرامة: "على الأقل هتتربى بعيد عن شغل العصابات." هب من المقعد بغتة هاتفًا بنفاذ صبر: "والله أنا قلت اللي عندي...
وعمري ما حتحاى لا عن ملك مراتي وحبيبتي ولا عن بنتي حبيبتي جميلة... متشكر جدًا على القهوة." ما أن انصرف من مكانه حتى تجمدت قدمي عاصي كأن الزمن قد توقف به. أمسكت ملك بابنتها تتأمل محياها الذي على مسمى قائلة لنفسها بقلق: "يا ترى يا سليم... هتوصل لإيه." ما أن توقفت عربته بالخارج حتى هرولت إلى النافذة، اضطربت لدى رؤيته يهبط من السيارة. أودعت ابنتها بفراشها قائلة لنهلة: "خلي بالك من جميلة لغاية ما أرجع." هزت برأسها
مبتسمة قائلة ببراءة: "هيه صاحيه... ابتسمت بود قائلة: "آه يا حبيبتي... يالا روحي إلعبي جنبها." تطلعت إليه باضطراب مرددة بتردد: "عملت إيه يا سليم؟ زفر بقوة وضيق مجيبًا: "ولا حاجة... ضيقت حاجبيها بدهشة هاتفه بتساؤل: "ولا حاجة إزاي؟ نظر إليها بشرود قائلاً: "مقدرتش أقنعه ولا قدر يسيطر على رأيي... يبقى النتيجة صفر صفر." ابتلعت ريقها بصعوبة قائلة: "طب والعمل إيه دلوقتي؟ حدجها بنظراتٍ مطمئنة محتضنًا إياها بحب قائلًا
بهدوء: "مش عايزك تقلقي خالص... أنا هحل الموضوع... وقبل ما عقلك يروح لبعيد إطمني يا قلبي... أنا خلاص مبقتش زي الأول وبحلول مع الوقت أتغير." رفعت بصرها إليه قائلة بعدم تصديق: "يعني خلاص يا سليم... مش هتشتغل شغل العصابات ده تاني؟ ابتسم بجانب شفتيه قائلاً: "انتي شايفه إيه دلوقتي؟ أمسكت بوجهه بين كفيها قائلة بخفوت: "شايفه أحسن زوج واقف قدامي... وأحن أب على بنته."
سعد البوص بهذه الكلمات البسيطة قائلاً: "يبقى طالما كده بقى تعالي بكره معايا أفرجك على شغلي الجديد." تهلل محياها قائلة بفرحة عارمة: "بجد يا سليم... هتبدأ من الصفر؟ ضحك قائلاً: "من الصفر بس نص نص ها... إيه رأيك بقى بالمفاجأة دي." احتضنته هاتفه بسعادة قائلة: "دي أحلى وأجمل مفاجأة يا حبيبي... وأهم حاجة إننا هناكل من مال حلال مش كده؟ تنهد قائلًا بثقة: "أكيد طبعًا... أنا استحالة أوكل بنتي من مال حرام."
تنهدت بارتياح كبير قائلة: "أرجوك يا سليم... اوعى ترجع للي كنت فيه الأول." تأمل عيونها وأهدابها الطويلة قائلاً بهمس: "ملوكه حبيبتي... طول ما انتي معايا عمري ما هرجع لشغل العصابات ده تاني أبداً." صمتت تتفحصه بنظرات لم يفهمها هذه المرة مرددة بعد برهة: "سليم... ممكن أسألك سؤال دايماً بيلح عليا." أومأ برأسه باستغراب قائلاً: "طبعًا يا عمري... اسألي أي سؤال يخطر على بالك." أغمضت أهدابها تحاول سيطرتها على مشاعر الخوف منه.
قائلة بخفوت حذر: "هوا جوازنا صحيح ولا مزيف يا سليم؟ اتسعت حدقتاه بصدمة كبيرة مجيبًا بضيق: "انتي سألتيني قبل كده السؤال ده؟ تنهدت بعدم ارتياح قائلة: "آه... بس مجاوبتنيش وقتها وسيبتني اتخبط في أفكاري." أمسك بكفها بين راحتيه متأملاً تلك العيون الواسعة التي خلبت لبه من قبل. وذلك الوجه الذي جعلها أسيرته بتلك الليلة الذي التقى بها بظروف غامضة. قائلًا بهدوء: "بصراحة... في الأول فكرت بإننا نعيش كده مع بعض من غير جواز...
وساعتها انتي مرضتيش وأنا عمري ما فكرت بالجواز." صمت وهو يراقب محياها الشاحب بتمعن ثم تابع قوله: "لكن بعدها فكرت إن ليه متجوزكيش عرفي أو زواج مزيف. بس أنا اخترت العرفي وجيبت مأذون يمثل قدامك إنه جواز شرعي." امتعض محياها أكثر قائلة بعدم تصديق: "يعني أيتن مكنتش بتكدب؟ اندهش من كلماتها، فإنه لم يكن يعلم بأنها أتت وأخبرتها بذلك. فزفر باستسلام وهز رأسه بالإيجاب قائلًا: "كدبت ومكدبتش."
حدقته بتساؤل قائلة بذهول: "يعني إيه الكلام ده؟ أخذها من يدها وأجلسها بجواره على الفراش متمسكًا بيدها قائلًا بتردد: "في الأول بس كان جوازنا عرفي... لكن بعدها أنا على طول وثقته علشان يبقى جوازنا رسمي." اتسعت مقلتاها على آخرهما غير مصدقة ما تفوه به، لذا هبت من مكانها. قائلة بانزعاج: "يعني كنت بتضحك عليا فعلاً." زفر بقوة قائلًا بهدوء: "اسمعيني كويس يا ملك... أنا الأول مكنتش عايز أتزوج ولا أطفال ولا أشيل مسؤولية خالص...
علشان كده قلت لنفسي اتجوزها كام يوم وأطلقها." انزعجت من كلماته المهينة والصراحة للغاية، انهمرت عبراتها تشعر باختناق قلبها المصدوم. وقف أمامها شاعراً بأنه أخطأ بالفعل منذ البداية وعليه أن يصلح كل شيء. أتى ليتحدث أشارت إليه بالصمت قائلة بيأس: "انت إزاي هنت عليك تعمل فيا كده ها؟ ضم شفتيه مفكرًا كيف يقنعها بما يشعر به هو الآخر وما حدث معه حول مشاعره للغاية نحوها. قائلًا برجاء: "أنا عارف إني كنت غلطان يا ملك...
بس أحلفلك بإيه إن مردتش أقرب منك غير لما وثقته الأول." لمعت دموعها داخل مقلتيها هاتفه: "سليم... انت عارف أنا كنت في الفترة دي كنت عايشه إزاي... قاطعها وهو يقوم باحتضانها بين ذراعيه شاعراً بحزنها الداخلي. قائلاً: "بلاش عتاب دلوقتي أرجوكي يا ملك... أنا آسف على كل دمعة نزلت من عينيكي وعلى كل ألم حسيتي بيه." ودت لو ابتعدت عن ذراعيه لكن هناك شيئًا بقلبها يريد أن يظل هكذا دائمًا. قائلة بحزن: "أرجوك يا سليم متزعلنيش تاني...
أنا اتجرحت منك كتير أوي... يكفي حياتي اللي اتحولت لرعب من ساعة ما شفتك." تطلع إليها بنظراتٍ حب وامتنان قائلاً بحنان: "أنا اتكتبلي أقابلك في ظروف مش كويسة علشان أتغير من جوايا وأبقى إنسان جديد على إيدك يا عمري." بوغتت فريدة بوجود عبوة كبيرة من الكرتون أتت خصيصًا لأجلها دون سابق إنذار بحجرتها. اندهشت من شكلها متسائلة لنفسها بذهول: "مين اللي بعتها وعلبة إيه دي."
أقبلت بسعادة نحوها وفتحتها وجدت بداخلها فستانًا رائع الجمال بمعنى الكلمة. لونه أسود وكأنه صُمم خصيصًا لها، أمسكته بإعجاب شديد قائلة بفرحة: "الله... فستان روعة ده... أكيد عاصي اللي جايبه." صدر صوت من خلفها قائلًا بهدوء: "ها... إيه رأيك؟ التفتت خلفها على صوته المميز قائلة بلهفة: "فستان جميل أوي أوي يا أبيه." اقترب منها سعيدًا من أجلها قائلًا بهدوء ظاهري: "مش قلنا بلاش كلمة أبيه دي تاني مرة."
توترت قليلاً ثم أطرقت برأسها أرضًا هامسة بأسف: "أصل لسه ما تعودتش…." زفر بعمق مقتربًا منها أكثر واضعًا أنامله تحت ذقنها، رفعت بصرها إليه ودقات قلبها تنبض سريعًا فها هي تحقق أحلام عشقها الأبدي. تأملهما بمزيج من الحنان والحب، وأنفاسه تلفح محياها يريد أن يأخذها إلى عالمه، لا يوجد به سوى الخيال والحب الوردي الذي طالما حلم به معها. قائلاً بخفوت: "فريدة... أنا حاسس إني بحلم... وإن كل حاجة أنا تمنيتها معاكي بتحصل...
كنت خايف من رد فعلك لما تعرفي إني بحبك وترفضي حبي ده." هزت رأسها ببطء نافية كلماته الأخيرة وأنفاسها تتسارع. قائلة بخجل: "أنا مقدرش أعمل كده لأكتر إنسان حبيته في حياتي... أنا مكنتش شايفة غيرك." ابتسم ابتسامة جعلتها تشرد به بمشاعر وردية بين الواقع والخيال. تمعن بوجهها غير مصدق ما تقوله مرددًا بحب: "يعني خلاص مسامحاني على معاملتي ليكي طول السنين دي؟ احمرت وجنتيها من الحياء ثم أومأت
برأسها مبتسمة قائلة بخفوت: "أكيد طبعًا... أنا عمري ما زعلت منك... لإن عارفه ومتأكدة إنك عامل على مصلحتي وإن في الآخر مش بهون عليك." كاد أن يضمها بين ذراعيه شاعراً بكل ما نطقته الآن سعيدًا بحبها وعشقها إليه، قائلاً بهمس: "تتزوجيني يا ديدة؟ رقص قلبها من فرحتها بتلك العبارة التي تمنتها وحلمت بها منذ أن علمت أن مشاعرها نحوه. أكثر من الحب بل هو العشق وبأن حلمها الوردي سوف يتحقق أخيرًا أمام أعينها.
حدقت به بعيون فرحة ووجدت نفسها تتعلق برقبته مثلما كانت تفعل وهي صغيرة، فضمها بحب وبحنان دافق بين ذراعيه. هائمًا معها في عالم خاص بهما فقط، فعلم إجابتها من أسلوبها الطفولي هذا. مردفًا بمشاعر مختلفة: "كنت مستني اللحظة دي من وانتي صغيرة يا أميرة قلبي... أنا يالا إلبسيه بقى خلينا نخرج سوا." أغمضت أهدابها تحاول أن تتظاهر بالتماسك أمام مشاعره الجياشة، ابتعدت عنه بخجل قائلة بتساؤل: "هنروح فين؟
تأملها للحظة مبتسمًا مرددًا: "يالا وانتي هتعرفي بعدين." مر أسبوعان وتمت خطبة عاصي وفريدة بعد أن أخذها في ذلك اليوم واشترى لها ما أرادته من ذهب. حضرت ملك وزوجها هذه المناسبة على مضض من عاصي بعد أن رجته فريدة من أجل ابنة عمها. وأن يقتلع عن قرار انفصالها عن سليم وإلا لن توافق على موعد الخطبة، ووضعت جميلة بوسط كلماتها حتى يقتنع بذلك. فوافق بعد عدة أيام من إتيانه بالشبكة. حضر بعض المدعوين القلائل الحفل، وسط فرحة الجميع.
أثناء عودة البوص وملك بالطريق سألته قائلة بهدوء: "ممكن أعرف ليه لبستني النقاب فجأة وأصرت عليه؟ تنهد وهو يقود عربته قائلاً: "لبستهولك لسببين... أولًا كنت خايف عليكي من أعدائي اللي من ساعة ما شافوكي مسبونيش في حالي، وثانيًا بقى وده الأهم... من غيرتي عليكي... إزاي أخلي واحدة في جمالك أي حد يشوفها... وبالذات كنت خايف من عاصي يشوفك صدفة." ابتسمت له بحب قائلة بخفوت: "يعني من البداية كنت بتحبني؟ بادلها ابتسامتها قائلاً
بلهفة: "في حد يشوف الجمال ده كله وميقعش في حبك؟ حدقت به بذهول، فكيف لهذا الرجل رئيس العصابة أن يتحول إلى كل هذا التغيير. وصلت السيارة أمام الفيلا، وعنده وجد آخر شخص ود رؤيته بتلك اللحظات مستندًا بظهره إلى سيارته. عاقدًا ذراعيه أمام صدره كأنه ينتظره منذ وقت طويل. تجمد سليم بداخل سيارته وأحلامه انهارت أمام عينيه بغتة مع ظهور هذا الشخص الذي لم يتمنى رؤيته يومًا. وبالأخص بعد أن تغير إلى الأفضل.
عقدت حاجبيها بقلق: "مالك يا سليم... مش هنزل؟ هز رأسه بالنفي مرددًا بجمود: "لا... خليكي هنا وأنا بس اللي هنزل." صُدمت من موقفه وكادت أن تسأله عن السبب، لكنه لم يعطيها فرصة لذلك. يبدو أن الرجل الآخر تظاهر بالصبر إلى أن ترجل البوص من سيارته مُغلقًا الباب خلفه. هاتفًا بسخرية: "أهلاً أهلاً بالبوص... ولا تحب أقولك الدكتور سليم الأنصاري؟ زفر بقوة وغيظ قائلًا بجفاء: "تقدر تقولي جاي ليه دلوقتي؟ اقترب منه عاقدًا
حاجبيها بتفكير: "أظن أكده إنك عارف السبب... لكن هجولك... عارف جد إيه أنا صابر عليك." ضيق عيونه بحدة قائلًا بصرامة: "عارف بجالك كتير أوي مستني إن أقع تحت إيدك." رفع جانب شفتيه مبتسمًا بسخرية هاتفًا بنبرة جافة: "صوح أكده... وبجالي أربع سنين مستني سقوطك بين إيديه... وبالدليل… وآدي الدليل أهوه." صُعق البوص من قوله وشاهد ما أشار إليه هذا الشخص. فوجد إبراهيم واقفًا بجوار سور الفيلا قائلًا بهدوء ظاهري: "آسف يا بوص."
انفعل سليم مع صدمته بذراعه الأيمن قائلًا بعصبية: "بقى انت تبعني يا إبراهيم بالسهولة دي؟ لم يتفوه بأي حرف بتلك اللحظات العصيبة، وقاطعه وقوف ملك بالقرب منه. تستمع لتلك الكلمات الأخيرة غير المفهومة لها. تحدث هنا الشخص قائلاً: "تحب تعرف مرتك على كل حاجة دلوك ولا تعرف بعدين." هتف بها بحدة: "ادخلي جوا يا ملك بسرعة." كادت أن ترد عليه لكن غضبه أقلقها فسارعت إلى الهروب من أمامه.
وقفت بالنافذة تتابع ما يحدث وقلبها يرفض ما يحدث. تحدث جلال بصرامة: "ياريت بجى تمشي معايا من سكات وبدون شوشرة." استسلم لكل ما يحدث أمامه وبالأخص بعد خيانة إبراهيم له. قائلًا بهدوء ظاهري: "هاجي معاك بعد ما أقول لمراتي كلمتين وراجع تاني." أومأ برأسه بالإيجاب قائلًا: "تمام... هستناك هنا بس اوعاك عجلك يوزك وتفكر تهرب... هجيبك بردك." وجدته أمامها من جديد قائلة بخفوت: "في إيه يا سليم؟
تحدث سريعًا قائلًا: "اسمعي كل اللي هقوله وتنفذيه بالحرف الواحد بدون مجادلة. أول حاجة هتعمليها هتاخدي جميلة ونهلة وتمشي من هنا بسرعة... خلي عاصي ييجي ياخدك عنه لغاية ما أرجع." سألته بلهفة: "هترجع منين... طمني... أجابها بحزن: "أكيد هتحبس ومش عارف أد إيه." هتفت بجزع: "يعني اللي بيكلمك ده تبع؟ قاطعها بحدة: "أيوة... حكومة... ولازم تعملي اللي قولتلك عليه... أشوفك على خير." انهارت بالبكاء قائلة بحزن: "متسبنيش يا سليم...
أرجوك... دنا ما صدقت إن هيبقي ليه بيت وعيلة وجميلة لما تكبر هقولها إيه." أمسك دموعه عن الهبوط هو الآخر قائلًا بصرامة: "قوليلها أي حاجة بس اوعي تشوهي صورتي قدامها... خليها تفكر أي حلوة في خيالها." ألقت بنفسها على صدره باكية بحرقة قائلة بلوعة: "أرجوك ياسليم متسبنيش... مش هعرف أعيش من غيرك... أنا خلاص اتعودت عليك بكل عيوبك." أبعدها عنه بقسوة قائلًا بغلظة: "اوعي تقولي كده... انتي مش ضعيفة...
اللي تهرب من أخوها وتواجه كل حاجة لوحدها متكنش ضعيفة أبدًا... سامعاني؟ يالا زي ما قلتلك اعملي... أنا لازم أمشي دلوقتي لإن ده مصير أي حد يمشي في نفس الطريق اللي مشيت فيه." هرب من أمامها وسقطت أرضًا وقلبها يصرخ بلوعة من أجله قائلة بنبرة عالية: "سليم متمشيش وتسيبني أرجوك." بتلك الليلة عادت إلى حجرتها القديمة واستقبلتها فريدة بحزن عميق. واستها قائلة: "إن شاء الله هتعدي كل حاجة على خير."
بكت بحرقة قائلة: "مش قادرة يا فريدة... أنا تعبانة أوى... حاسة اني في كابوس ومش راضي يخلص." احتضنتها قائلة: "متقلقيش... أنا معاكي وكمان عاصي وهتعيشوا معانا ومش هينقصكم أي حاجة." هتفت من وسط دموعها: "هينقصني سليم يا فريدة... هينقصني حتة من قلبي ضاعت مني." أحزنتها كلماتها قائلة: "حاولي تهدي على قد ما تقدري... إذا مكنش علشانك يبقى علشان جميلة وسهلة ميحسوش بأي حاجة." وقف عاصي يراقب ما يحدث أمامه بجوار حافة الباب قائلاً
لنفسه بإصرار: "متخافيش يا ملك... أنا معاكي ومش هتخلى عنك أبدًا." تقرر حبس سليم ومعه إبراهيم خمس سنوات بعد أن تم خفض العقوبة. بعد أن قام بالإرشاد أثناء التحقيق عن بعض المتورطين معه بتلك الجرائم، فقررت المحكمة تخفيف العقوبة عنه. داومت ملك على زيارته خلال تلك الفترة وكل مرة تستقبله بدموعها قائلة: "هستناك يا سليم ومش هتخلى عنك أبدًا." أمسك بيدها قائلاً بهدوء مفتعل: "خلي بالك من نفسك وابقي بوسيلي جميلة...
وسلميلي على نهلة." لم يستطع الجلوس معها أكثر من ذلك إذ شعر بأن صورته أمامها اهتزت، لذا قال لها بجمود: "ملك... دي آخر زيارة تيجيها... هيه كام سنة وهطلع... متقلقيش عليا." بهت وجهها قائلة بصدمة: "سليم... انت بتقول إيه؟ أنا مش هقدر ما أشوفكش كل السنين دي." هب من مكانه قائلاً بصرامة: "الزيارة انتهت." قاطعته قائلة بحزن: "سليم... أولاها ظهره قائلًا بقسوة: "قلتلك الزيارة انتهت."
اضطرت أن تهرب من أمامه بعد أن تركها مغادرًا المكان. وقف عاصي بانتظارها بالخارج وأخذها بين ذراعيه يبثها طمأنته وحنانه عليها قائلًا بود: "امسحي دموعك... كل ده هيعدي بإذن الله وهتفتكريه وهيصبح ذكرى مع الوقت." مرت الأيام والسنين على ملك كأنها لم تنتهي أبدًا، اليوم نفسه كأنه بسنة. وتزوج عاصي من فريدة منذ سنة واحدة، كان زفافًا لم يحضره إلا المقربين فقط.
أثناء ذلك كبرت ابنتها وأصبحت تسألها بين كل فترة وأخرى عن والدها أين هو؟ لم تراه إلى الآن. مرة تخبرها بأنه مشغول وتارة أخرى تبلغها بأنه سافر خارج البلاد. وكلما يحدث ذلك يخترق الحزن قلبها أكثر وأكثر إلى أن أبلغها شقيقها بأنه سيخرج من الحبس غدًا. تهلل محياها من الفرحة قائلة بعدم تصديق: "بجد يا أبيه؟ احتضنها قائلًا: "طبعًا... أنا عمري كدبت عليكي قبل كده."
وقفت بانتظار زوجها أمام القسم بالخارج، رفعت بصرها بغتةً وجدتـه مقبلًا صوبها وهو يركض. لم تصدق عيونها وهي تراه أمامها بعد طول انتظار، هرولت نحوه ملقية بنفسها بين ذراعيه شاعرة بالأمان من جديد. قائلة بسعادة: "سليم... أخيرًا رجعتلي يا حبيبي." ضمها بين ذراعيه القويين رافعًا إياها بشوق وحنين من على الأرض. قائلًا باشتياق: "ملوكه حبيبتي... وحشتيني أوي أوي يا عمري." ضمته إليها قائلة بحب: "وانت كمان يا سليم...
متعرفش السنين دي مرت عليا إزاي." تنهد بارتياح لأول مرة منذ خمس سنوات مرددًا بخفوت: "أنا مش مصدق إنك قدامي أخيرًا بعد الحياة السودة اللي كنت عايشها." ابتسمت له قائلة بسعادة غامرة: "يالا بينا بسرعة... جميلة مستنياك." ركب بجوارها داخل سيارة شقيقها التي قادتها هي مردفة: "أنا عارفة انك أكيد تعبان عشان كده أنا اللي هسوق." وضع كفه على وجهها قائلاً: "طب يالا بينا علشان تحكيلي عنك وعن جميلة وعن نهلة."
وصلت إلى الفيلا الخاصة به بعد أن حافظت عليها طوال الوقت. وجدت الجميع بانتظارها حتى فتحي وزوجته وأولاده وعاصي وزوجته بانتظارها، وكانت مفاجأة كبيرة له. سعد وبالأخص رؤيته لابنته ونهله ابنة شقيقه التي كبرت وأصبحت ناضجة عن ذي قبل. بعدها بأسبوع أخذها مكان هادئ واعترف لها بأشياء لم تكن تعلم عنها أي شيء منذ البداية. قائلًا بهدوء ظاهري: "ملك... أنا عايز أعترف لك بحاجات متعرفهاش عني والسبب اللي وصلني لكده."
تمعنت بوجهه باهتمام بالغ دون أن ترد عليه تاركةً له الحديث التي تمنت أن تسمعه منه. أمسك بكفيها بين قبضتيه قائلاً بهدوء ظاهري: "أنا اتولدت في بيت كان كويس وظروفه كويسة لكن كان ليه أخ وأخت وأنا كنت أصغرهم. وكان أخويا دايماً يعملي مشاكل في كل مكان في البيت والمدرسة وكنت دايما من الأوائل حتى إني دخلت كلية الطب بجامعة القاهرة." وبعد كده اتخرجت واتخصصت بالجراحة. صمت برهة يراقب محياها الذي بهت من أثر حديثه عليها.
تابع كلماته قائلاً بهدوء مفتعل: "في الوقت ده أخويا عثمان كان عايزني أفشل بأي طريقة لإنه اتخرجت من كلية عادية وأنا لأ، بس أنا نجحت خلال فترة بسيطة بعدها بسنة بالظبط عملت عملية لواحد نزف ومعرفتش أوقف النزيف وكان محتاج نقل دم."
في اليوم ده عرف أخويا بكده دخل وسرق كل الدم اللي كان موجود بالمستشفى بحيلة منه مع ممرضة من عينته. فا طبعًا المريض توفى وهنا اتعقدت وأهل المريض شايلوني الذنب كله. وشكوني لكذا حد فاتوقفت واتحقق معايا فالممرضة وقتها اتهمتني بإن أنا بسرقة الدم اللي موجود وببيعه لحد من خارج المستشفى." توقفت الكلمات بداخل حلقه بسبب انهيار ملك أمامه قائلة بعدم استيعاب: "يعني انت دكتور يا سليم... ومعرفش كل الوقت ده؟
زفر بقوة وضيق قائلاً: "آسف يا حبيبتي... مقدرتش أبلغك طول الفترة دي وانتظرت لغاية ما أخرج من تاني." أغمضت عيونها مرددة بأسى: "معقول فيه كده؟ تنهد بضيق شديد قائلاً: "أكيد... وبعدها سمعتي اتدمرت على الآخر وبقى المرضى بقى بيخافوا مني. ورفدوني من شغلي ظلم... ففتحت عيادة بقى بردو يشوه في صورتي قدام الناس. اتخنقت وقفلتها من تاني وبعدها حياتي كلها اتدمرت على الآخر وخصوصاً إن أختي الوحيدة اتوفت بسبب نزاعي وخلفاتي مع عثمان."
كل ده أثر عليه واتجهت للي كنتي بتشوفيه ده وقيت زعيم عصابة. ودخلت وسيطرت على عثمان ووقفت حاله في نفس الطريق الغلط اللي مشيت فيه. وبقيت أشهر منه ووصل به الحال أنه اتسجن قبلي وأنا اللي كنت السبب… علشان كده أخدت نهلة منه علشان تتربى بعيد عنه ومتعش الحياة السودة اللي كان هيعيشها فيه." أمسكت بيده بتأثر، صدمتها اعترافاته الكثيرة فكيف هان عليه قائلة بحزن: "انت اتظلمت كتير ياسليم وأنا مش هسيبك وهتبدأ من جديد وأنا معاك."
ابتسم ابتسامة جذابة جعلت قلبها يرفرف من السعادة قائلاً بحب: "ده وعد يا ملوكه... مش هتتخلي عني أبدًا." أومأت برأسها مبتسمة قائلة بخفوت: "استحالة أتخلى عنك ولا أقدر أسيبك... إيدي في إيديك هنبني حياتنا من جديد." احتضنها بحب وعشق هامساً بهيام: "بحبك يا ملوكه وعمري ما هبعدك عني تاني أبداً."
ابتسمت بسعادة كبيرة، أخيرًا تحقق حلمها برجوعه إليها من جديد وسوف تعاهده بأن تعيش معه وتبدأ حياة وصفحة جديدة معه ومع ابنتهما الوحيدة جميلة. تمت بحمد الله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!