دفشته بعيدًا عنها والدمع بعينيها وقلبها محطم. هل كانت حمقاء لتخدعه؟
توجهت للهبوط من هذا الجبل الضخم. مرتفع للغاية، فتعثرت قدماها وأنجرفت. صرخت راوية ولم تجد ما تتشبث به سوى معشوقها الذي هرول مسرعًا ليكون الحائل بينها وبين الصخور. فالجبل عالٍ الارتفاع، وذراعيه هما النجاة لها من الموت.
تمسكت بها الفهد جيدًا قائلًا بلهفة:
_ ما تخافيش يا حبيبتي.
وحاول فهد سحبها ببطء شديد حتى لا تتأذى من الصخور. ليقِف عن الحركة عندما شعر بوجع شديد يهاجمه. فالتفت خلفه ليجد جياد استعاد وعيه وبيده سلاحًا أصاب الفهد به.
صرخت راوية عندما استمعت لصوت الرصاص، وملامح الفهد المتخشبة كانت كفيلة بشعورها أنه هو من أصاب.
اقترب منه جياد وعلى وجهه ابتسامة حقيرة. لتراه راوية بعدما اقترب منهم.
جياد:
_ كنت فاكر إنك هتنتصر بالسهولة دي يا واد الدهشان، لع فوِج مش أني الا أنتهي بالسهولة دي.
فهد بصوت متألم:
_ الحلم عمره ما يتحجج يا جياد، بس أني أوعدك أني هساعدك عشان يكون حقيقة.
انفجر ضاحكًا، ثم انحنى يتأمل ملامح الفهد المتألمة بعدما أصيب برصاصتين بظهره. فأخذ يوزع النظرات بينه وبين راوية المتعلقة به.
فابتسم بخبث قائلًا:
_ الصراحة يا واد عمي أني معيزش فيلم تيتانيك ده يخلص، عايز أتفرج وأشوف هتخلصها كيف.
ثم وقف ووضع السلاح على رأسه يفكر، قائلًا بصوت مرتفع. وقلب راوية ينبض بالخوف على الفهد، أما الفهد فكانت نظراته غامضة لا تعلم ما يدور بخاطره. هل يتألم أم ماذا؟ لا تعلم شيئًا، فهي محتوم عليها الموت المؤكد.
جياد بحقد:
_ لقيتها، وريني كيف هتنقذها إكده.
وضرب الفهد برصاصة بذراعيه الذي يحمل به راوية. لتصرخ راوية خوفًا على الفهد ويتألم هو بصمت حتى لا يفزعها، فهو كبير الدهاشنة ليس بالضعيف الذي يصرخ، يتألم بصمت رهيب.
تعالت ضحكات جياد عندما ارتاحت قبضة فهد عنها، فبدأت تتعثر بأي شيء وهي تصرخ مرددة اسمه. ليتمسك بها مسرعًا وهو يتألم أضعاف، لتمسكها بيد تنزف بغزارة.
تلاشت ابتسامة جياد عندما وجد العزيمة بعينيه لحمايتها. وظل متمسكًا بها وبشدة. عذرًا، فلن يتخلى الفهد عن عشقه بسهولة.
فجن جنونه وأخذ يتأمل المكان من حوله بضيق. ليجد سكينًا موضوعًا، فالتقطه مسرعًا. ثم هرول إلى ذراع الفهد الذي يتمسك بها بقوة وطعنه بالخنجر حتى يتركها.
بكت راوية وحاولت التملص من بين يديه حتى لا يتأذى معشوقه أكثر من ذلك. فالموت بالنسبة لها راحة من رؤيته يواجه كل هذا العناء من أجلها. ولكنها لم تستطع، فقبضة الفهد عليها كالأساور الحديدية، صعب التخلص منها بسهولة.
أما هو، فكلمة ألم صفر في المئة مما يشعر به، ولكن عليه الصمود لأجلها.
رفع عينيه الحمراء من قوة المعاناة قائلًا له بصوت متقطع:
_ أنت… جنيت… علي…. نفسك.
لم يفهم جياد حديثه، ليفاجئه الفهد بدافع قوّي من قدمه. فيسقط من على الجبل لتحتضنه الصخور، ليلقي حتفه الموت المحتوم من هذا الارتفاع. وظل هو ينازع الحياة لأجل معشوقته. فلاول مرة يندم على قرار اتخذه عندما تزوج منها، فلا يريد أن يصبها مكروه.
***
عاد عمر للسرايا ليعلم من الحارس بما حدث وكيف أن الفهد صمم على صعود الجبل، وأنه أمرهم بالهبوط وهو سيكمل مسيرته للقضاء على جياد بمفرده. فجن جنون عمر، كيف له بالبقاء بمفرده. وصعد مسرعًا إلى السيارة يقودها بسرعة تعادل الريح. ويتابعه بعض من رجال الكبير. فزاع الدهشان الذي علم بما حدث عبر الهاتف. فبحث الضلع القوي سليم دهشان للصعيد حتى ينضم للفهد وعمر وينهوا سلالة هذا الحقير. لا يعلم بأن الفهد كان كفيلاً بتلك المهمة.
***
بالجبل.
مرت الدقائق عليه وهو صامد، رافضًا أن يترك ذراعيها مهما كلفه الأمر. عناء تمسك بها لآخر رمق، وأبي أن يتنازل عنها.
راوية ببكاء:
_ سبني يا فهد، إيدك بتنزف.
فهد بتعب شديد:
_ لاخر نفس فيا هفضل متعلق بيكي يا راوية، مش هسيبك إلا لو الموت اتمكن مني.
بكت أكثر لغبائها، فكيف ظنت خدعته حقيقة؟ فلو تمسكت قليلًا ما حدث كل ذلك.
أما فهد، فكان مستلقيًا أرضًا متمسكًا بها بذراعيه المجروح. رأسه بمحاذاها، يراها ولكن لا يقوى التحرك. فالرصاص بظهره جعلها كالنمر الجريح الذي لا ينال الراحة ولا السكينة.
بدأ فهد بفقد وعيه تدريجيًا.
تفزعت راوية قائلة ببكاء:
_ فهد، فهد.
أفاق مسرعًا بصوته الموجوع:
_ نعم يا حبيبتي.
ابتسمت له من وسط دموعها، فما زال يلقنها العشق وهو يفقد حياته تدريجيًا. لتنهمر بالدموع قائلة:
_ لو فعلاً أما حبيبتك، سبني يا فهد. أنت بتموت بالبطيء. سابني أوجه مصيري.
فهد بتعب شديد:
_ مصيرنا واحد يا راوية، مستحيل أسيبك للموت وأنا فيا النفس.
راوية بصراخ:
_ هتموت، أفهم بقا.
ابتسم بعشق قائلًا:
_ هتكون أحلى موته وأنا شايفك قدام عيوني لآخر مرة.
ابتسمت بدموع، ليشعر فهد بأنه أوشك على فقدان الوعي والتعب يتمكن منه تدريجيًا. ليشير لها قائلًا بوجع:
_ اسمعيني يا راوية.
ثم كبت صرخات الوجع قائلًا:
_ حاولي تساعديني، اتحملي على دراعي وأطلعي.
راوية بدموع:
_ لا يا فهد، دراعك فيه إصابة، مقدرش أوجعك بالطريقة دي.
فهد بوجع مكبوت:
_ مفيش وقت يا راوية، أنا كويس صدقيني.
يالاراويه ببكاء مسموع:
_ لاا، مش هعمل كدا.
فهد بغضب:
_ هتعملي الا بقولك عليه، فاهمه؟ مش هسيبك للموت يخدك مني، مستحيل.
وبالفعل بدأ يجذبها بقوة تمزق به وهي تبكي لتوجعه بصمت. فاستندت على ذراعه لينزف بغزارة جعلت ملابسها كتلة دماء. عاونها الفهد لآخر نفس لديه حتى نجحت بالصعود. ثم سمح لنفسه بالانهيار.
لتصرخ راوية بخوف وتحاول أن تجعله يفيق، ولكنه فقد الوعي نهائيًا.
بكت راوية ولم تعرف ما الذي عليها فعله. صرخت بصوت مرتفع تناجي ربها أن يساعدها وينجي معشوقها. وكأن النداء كان سريعًا عندما استمعت لصوت عمر ينادي على الفهد بصوت وصل لمسمعها. فهرولت إليه قائلة:
_ عمر.
اتجه عمر للصوت لينصدم عند رؤية راوية. ولكن ما زاد صدمته رؤية ابن عمه ينزف بشدة وفاقدًا للوعي.
فقرب منه بفزع وقلب مقتلع، فهو الأخ الأكبر له. حاول عمر أن يدير وجهه إليه، ولكن صرخت به راوية وأخبرته أنه مصاب برصاصتين بظهره والأخرى بذراعيه.
صدم عمر وهو تهوت دمعة خائنة على وجهه. ثم استدعى الرجال وعاونه على حمله وتوجه هو لمساعدة راوية بالهبوط. فالمكان خطير للغاية.
***
بالسرايا.
كانت نادين تجلس مع رباب بغرفتها تفكر بحال خالد. ففرت دمعة من عينيها عندما تذكرت طلبها من سليم أن يسمح لها بالتواجد معهم. ولكنه رفض ذلك، لا تعلم لما رفض. ولكن لديها شعور بأنه ما زال يضع حدودًا بينها وبين خالد. مع ذاكرها له كثيرًا أنه مجرد أخ لها.
تركت نادين الغرفة وتوجهت لتصعد غرفتها حتى تبدل ثيابها. ثم تسمرت مكانها عندما استمعت لحديث مروج مع أحد على الهاتف.
مروج بسعادة:
_ أنا فرحانة أووي، أخيرًا اتخلصت منها. أنا مكنتش مصدقة أن فهد ممكن يحب غيري، بس خلاص هرجع لقلبه من جديد وبأي طريقة.
مروج:
_ ههههه، أذي دي؟ فـ أنا هقولك يا ستي، بعد ما نزلت الصعيد مع فهد عرفت من كلامهم هنا أنا في واحد اسمه جياد سويلم العدو اللدود ليهم. وأنا بقا وصلتله وقولتله أني مستعدة أساعده بشرط مجيش جنب فهد. عرفت من هنا ان فهد ناوي يهجم على بيته. فـ بعت رسالة ليه وطلبت منه هدية لمعلوماتي، وكانت انه يخلصني من الزفتة اللي اسمها راوية دي. وهو لقي إنها مصلحة برضو يكسر قلب فهد وساعدته في كدا لما ضحكت على راوية وقولت لها عبد الرحمن مريض.
ثم ضحكت بصوت مرتفع لتجد يدًا تجذبها بقوة من شعرها قائلة بغضب جامح:
_ راوية فين؟ عملتي فيها إيه؟ أنطقي.
صرخت مروج بقوة حتى اجتمع من بالسرايا جميعًا، ومنهم الحرس المؤكلون بحماية السرايا.
هنية بدهشة:
_ إيه ده يابت.
نادين لريم:
_ امسكيها مغيا يا ريم الأول.
مروج بصراخ:
_ ابعدي عني يا زبالة.
نادين:
_ الزبالة دي هتوريكي هتعمل إيه.
وضربتها نادين بقوة كبيرة، ثم قامت بمساعدة ريم بتقييدها بالمقعد.
رباب بستغراب:
_ إيه ده يا نادين؟ هي عملتلك إيه يا بتي؟
نادين بغضب:
_ أنا سمعتها بتتكلم مع حد بالتليفون وبتقوله إنها ساعدت اللي اسمه جياد ده بخطف راوية.
هنية بفزع:
_ يا حبيبتي يابت.
ريم بصدمة:
_ راوية.
نادين لمروج:
_ انطقي، راوية فين؟
الحارس وعيناه أرضًا:
_ الست راوية بخير يا هانم، أني كنت جاي أطمنكم عليها بأمر من الأستاذ عمر.
رباب بتعجب:
_ عمر، أني مفهمش حاجة.
الحارس:
_ هفهم حضرتك.
وبدأ الحارس بسرد ما حدث على مسمعهم. لتصرخ هنية وتبكي ريم لمعرفتهم ما حدث للفهد. حاول رباب تهدئة الأمر ولكنها فشلت. لتطلب من الحارس أن يأخذهم إلى المشفي التي تم نقل الفهد بها بواسطة الطائرة. فرفض ذلك وأخبرها أن عليه مشاورة الكبير أولا.
كانت نوراه تتابع بعين تحمل الفرح لإخلاء المنزل حتى تتمكن من تهريب نوال وتنفيذ مخططها.
***
تم نقل الفهد لنفس المشفي الموجود به الكبير وواهبة والجميع. لينصدم فزاع ويهرول مسرعًا لغرفة العمليات في عدم تصديق. وسليم أيضًا الذي شعر بتوقف قلبه على رفيقه.
ليقص لهم عمر ما رآه والدمع حليفه. أما راوية فـ انهارت بأحضان خالد تبكي بصوت مرتفع للغاية لتمزق قلب الجميع.
فقرب منها سليم قائلًا بغضب:
_ إيه الا حصل يا راوية وخلجاتك ليه كلها دم؟ إنتي إيه الا وصلك هناك؟
صرخت راوية بدموع قائلة لخالد:
_ فهد يا خالد، فهد.
شدد الفهد من احتضانها وقلبه متوجع لأجلها.
فقال هاشم لسليم:
_ سيبها الوقتي يابني، أنت مش شايف حالتها.
فزاع بحزم:
_ مش وقته يا سليم.
وهدان بغضب:
_ كيف يابوي؟ لازمن أقطع رجبت جياد والا نار جلبي مهتبردش واصل.
واهبة:
_ أهدا يا ولدي دلوجت، المهم فهد وبعدين نشوف الكلب ده.
عمر والدمع حليفه:
_ جياد انتهى خلاص يا عمي، فهد قتله هو ورجالته.
بدر بحزن:
_ فهد محدش يجدرله واصل، بس ده حصل كيف؟
تعالت شهقات راوية قائلة بدموع:
_ بسببي، كان بيحميني منهم، أنا السبب.
وزادت بالبكاء حتى أُغشي عليها، فحملها خالد لأحد الغرف واستدعى سليم الطبيب لمعالجتها. فلديها بعض الجروح البسيطة.
***
توجهت هنية ورباب ونادين للمشفي مع الحرس. وتبقت ريم ونوراه بالسرايا، رغم رفض ريم ذلك بشدة. ولكن رباب رفضت ذلك لحالتها المتدهورة. وطلبت منها نادين الاحتفاظ بتلك الحقيرة لحين عودة الكبير وعودتهم من السفر.
فخرج الجميع وتبقت هي لتشعر بحركة أحد ما بالغرفة. لتتفاجأ بنوال وعيناها مملوءة بالحقد والغل، وبيدها سكين تحمله بكره شديد وتتجه إليها.
***
خرج الطبيب بعد عدة ساعات بالداخل. ليحمل لهم الصدمة التي أسقطت وهدان أرضًا وجعلت الكبير يشعر بالتحطم لفلذة كبدها. حتى سليم وعمر كانت الصدمة كفيلة بإخرسهم بأن الفهد القوي الممهد للمملكة الدهاشنة وكبيرهم صار عاجزًا عن الحركة لأصابته بمنطقة حيوية بالجسد. فسوف يصبح على مقعد متحرك. ولا يعلم الطبيب هل يمكن معالجته أم سيظل هكذا؟