تشبست به بخوف شديد ليدلف بخطوات سريعة لتنصدم مما رأت.
فالمطبخ فارغ لا يوجد به أحد ولا أثر للدماء به.
نظر لها عمر كثيراً يتأمل تقسيمات وجهها.
لتصرخ بفزع وبكاء قائلة برعب:
_ كان هنا صدقني.
يجذبها عمر بغضب يجتاز أواصره ليعلم من هو قائلاً:
_ هو مين يا ريمة؟
وهي بين يديه فاقدة للوعي ليقتلع قلبه عليها وإزداد عندما استمع لصوت سيارة الفهد.
فحملها بين يديه ثم صعد مسرعاً للأعلى.
بالأسفل،
دلف الفهد بحزن عندما تذكرها وهي تنظر له بخوف.
تذكر نظراتها الغريبة، تذكر الكثير والكثير لينزع بقلبه الجراح والألم.
دلف سليم بعد دقائق ومعه المعلومات التي طلبها منه الفهد عن هذا الرجل.
بالأعلى،
حملها عمر للمرحاض ثم قام بتنظيف يدها جيداً وأبدل ثيابها.
ثم حملها للفراش وداثرها جيداً.
كانت نظراته لها محملة بالكثير يشغل عقله نظراتها المرعوبة.
تطلع لها بحب شديد فهي كوت قلبه بعد معرفته بما حدث.
أزاح تلك الخصلة المتمردة على عيناها وإبتسم على تلك الملاك.
فريم تمتلك عين أخاها الخضراء وشعر بني كالحرير.
تبدلت ملامحه عندما تذكر كلماتها فتجحمت عيناه حتى أنه لم يقو على القعود أكثر من ذلك وخرج من الغرفة وهو لا يرى أمامه من الغضب.
بالأسفل،
فهد بتعجب:
_ كيف الحديث ده؟
سليم:
_ زي ما بقولك كده. هو عمل كل ده عشان ينتقم من خالد.
فهد بغموض:
_ أنا لازم أنزل مصر.
سليم باستغراب:
_ طب والكبير؟
فهد:
_ هخبره بكل حاجة. لازم نعرف الناس دي مين هما كويس. عيلة القناوي بجوا منين، متنساش إننا على نسب.
دلف الكبير ليستمع لحديث فهد فقال بتعجب:
_ فيه إيه يا ولدي ليه هتنزل البندر؟
فهد:
_ دي حكاية وعرة أوي يا جدي. سليم هيحكيهالك. أنا لازم أغير خلجاتي وأدله على مصر عن إذنكم.
وغادر فهد تاركاً سليم يقص عليه ما عرفه عن تلك الفتاة وعائلتها.
مرء الليل بساعاته القصيرة وأتى الصباح لتستعيد وعيها تدريجياً شيئاً فشئ.
نظر لها خالد بقلق لتحاول التحدث قائلة بصوتاً يكاد يكون مسموع:
_ خالد.
حطمت جدران قلبه ليعود للنبض مرة أخرى عند سماعه لطرب اسمه بصوتها العذب.
حاولت القيام ولكنها فشلت بذلك لتسقط على الوسادة مرة أخرى.
نظر لها قليلاً ثم قال:
_ ارتاحي. هطلب من الخدم يجهزولك الفطار.
وقام ليخرج ليجدها متماسكة بيده والدمع يزيل من عيناها كالفيضان قائلة:
_ اديني فرصة أشرحلك كل حاجة.
نظر لها قليلاً ثم سحب يده ببعض القوة قائلاً:
_ مفيش بينا كلام. أنا كنت هطلقك بس عشان اللي في بطنك ده مالوش ذنب يدفع تمن أخطائك. هكون ليكي زوج قدام الناس كلها عشان الكل يعملك ويعمل لابني احترام. أكتر من كده ما تنتظري.
وتركها تبكي بشدة حتى هوت أرضاً من الصدمة.
بكت ريماس على قلب معشوقها المغلف بالحجارة. نعم هي من تسببت له بذلك ولكن عليه الاستماع لها.
دلت راوية ومعها كوباً من اللبن وبعض الشطائر لتجدها تجلس أرضاً.
رولت إليها مسرعة تعاونها على الجلوس.
راوية بخوف:
_ أنتي كويسة؟
رفعت عيناها لتلك الفتاة التي تمتلك قلباً من ذهب. فهي لم ترها سوى مرتين فقط ومع ذلك تقدم لها العون والمساعدة على أكمل وجه.
ريماس بحزن:
_ هبقى كويسة لما يسمعني.
جلست راوية بجانبها قائلة بحنان:
_ خالد بيحميكي من غضبه يا ريماس. خالد طبعه قاسي. مكانه وسط المجرمين. خاله طبعه كده. هو بيعد عشان يحميكي، وده أكيد حب ليكي.
نظرت لها بأمل يلمع بعيناها لتقول بصوتاً باكٍ:
_ بجد خالد لسه بيحبني؟
ابتسمت راوية وقالت:
_ طبعاً. مكنش همه حمايتك لدرجة إنه يسيب الصعيد ويرجع مصر. حتى شغله مرحهوش عشان يطمن عليكي. أنا أكتر واحدة فاهمة خالد. هو محتاج بس فترة وجعه يهدأ وصدقيني هيسمعك.
رفعت عيناها للسماء قائلة بأمل:
_ يارب.
راوية بخبث:
_ وأنا مستعدة أساعدك بس تسمعي كلامي وتأكلي كل الأكل ده وأنا معاكي بإذن الله وربنا يسترها علينا.
ضحكت ريماس واحتضنتها بسعادة ثم تناولت طعامها وأخذت أدويتها.
بالأسفل،
كانت تجلس بغضب والهاتف بيدها تنظر له تارة وإلى التلفاز تارة أخرى.
حملت الهاتف بتأفف قائلة بداخلها:
_ ماشي أما أوريك ما بقاش أنا نادين.
ثم رفعت الهاتف ليجيبها بسعادة الكبير:
_ كيفك يا بتي؟
نادين بزعل طفولي:
_ مش كويسة يا حاج وزعلانة أوووي. وهصب عندكم قاعدة عرب عشان يجبولي حقي.
الكبير بجدية:
_ ليه بس مين زعل القمر؟
نادين:
_ حفيدك. اديله رقمي. ما يعبرنيش حتى برنة. خايف على الرصيد مش من طباع الدهاشنة يعني.
ضحك الكبير على تلك المجنونة التي تنجح دائماً بجلعه يبتسم بعد مدة طويلة فقال:
_ خلاص يابتي هشدهولك شوية.
نادين بخوف:
_ لاااا. فاكرني هبلة تشدهولي ويشدني أنا.
ضحك الكبير بشدة قائلاً بحيرة:
_ أمال أنتي عايزة إيه؟
نادين:
_ بدردش معاك يا حااج. الله. لازم تروح تقوله يعني. بص يا كبير بينا هيكون في أسرار مش لازم تعرف حد بيها ولا إيه؟
ضحك حتى أحمر وجهه قائلاً:
_ كلامك صح وموزون.
نادين بمكر:
_ حيث كده بقا إيدك على رقم الراجل ده.
ضحك فزاع وبالفعل أعطا لها رقم الهاتف.
وأغلق وهو متبسم وفخور باختياره.
بغرفة عمر،
كان يجلس مع عمر يحاول معرفة ما به.
سليم بغضب:
_ أبااااه عليك يا عمر. بقالي ساعة قاعد جنبك وأنت بتلف وتدور عليا.
عمر بحزن:
_ اللي وجعني مش هينفع أتكلم فيه مع حد يا سليم.
ابتسم سليم وقام ليجلس بجانبه بحنان قائلاً بلهجته:
_ اسمع يا عمر. الدنيا دي ممكن تحطينا في اختبارات مفهاش اختيارات غير طريق واحد مفروض علينا ولازم نمشيه. بس اللي متعرفوش إن معروف بدايته ونهايته ولازم نمشيه بس بالعقل يا ابن عمي.
ثم تحدث بالصعيدي قائلاً:
_ و زي ما الفهد بيقول إن الرجل صح هو اللي يحدد ويتحكم بطريقه مش الدنيا اللي تتحكم فيه.
هسيبك أنا دلوقتي وهعاود أوضتي. ما تنساش حديثي.
عاد وتركها سليم يفكر في حديثه الموزون. فسليم يمتلك شخصية رائعة مزيج من المرح والجدية. تركيبة غريبة وفريدة من نوعه.
دلف إلى غرفته وأبدل ثيابه ثم تمدد على الفراش بتعب ليصدح صوت هاتفه.
رفع الهاتف ليجد اسمها يضيء.
ضحك قليلاً ثم رفعه قائلاً بجدية:
_ نعم؟
نادين بسخرية:
_ ليك عين تتكلم؟ في واحد يسيب مراته كده من غير ما يكلف نفسه يسأل عليها؟
سليم بهدوء:
_ بكفيكي عاد إيه مصدقتي. وبعدين أنتي جبتي رقمي منين؟
ضحكت قائلة بدلع:
_ من فيزو.
سليم بغضب:
_ مين ده إن شاء الله؟
نادين بمكر:
_ غيران صح؟
سليم بغضب:
_ اسمعيني زين. أنا صح مكنتش عايز أتجوز من البندر ولا انتي بالذات. لكن قدري إنك تبقي مراتي. فهتحاولي تعيشي حياتك بمسخرة. هتشوفي وش عمرك ما تتمني تقبليه في حياتك.
إنسي كل شيء قذر في حياتك. سامعة؟
وأغلق الهاتف بوجهها لتنصدم تلك الفتاة وتهبط دموعها لأول مرة. فها هي المرحة تذوق طعم الدمع. لا تعلم هل تلك البداية لطريق محفل بالأشواك أم نهاية لحياة مملوءة بالغموض.
بالصباح الباكر،
أفاقت راوية فاليوم هام للغاية بجامعتها بعد أن أخبرتها رفيقتها بضرورة الحضور.
توجهت لغرفة نادين لتجدها غافلة أو تتصنع ذلك.
قائلة لها أن تذهب فهي تشعر بالإعياء.
وبالفعل غادرت راوية للجامعة لتجد هذا الأحمق أمامها.
سيف بابتسامة ماكرة:
_ صباح الخير يا آنسة راوية.
راوية بتأفف:
_ صباح.
سيف:
_ في حد يكلم حد كده؟
راوية بغضب:
_ دي طريقتي ودا أسلوبي. فياريت تبعد عن طريقي أرجوك لو عندك دم.
تركته راوية وتوجهت للمكتبة لتجده يتمسك بمعصمها قائلاً:
_ ممكن نقعد نتكلم في مكان؟
دفعته بعيداً عنها بغضب قائلة بشرارة تكاد تقتله:
_ عيدها تاني وقسماً بربي لتكون جثة هامدة يا حيوان.
سيف بسخرية:
_ بتتحمي في أخوكي عشان رائد يعني.
أقتربت منه لتقول بفخر وكبرياء:
_ عندك حق. بس أنا بتحمى في زوجي فهد الدهشان. اسمه يكفي لإزالة حشرات زيك من على وجه الأرض. ولأخر مرة بحذرك إنك تبعد عن طريقي يا سيف.
وتركته وتوجهت للداخل ولم تري ذلك الذي يراقبها بفرحة تدب بقلبه ليعلنها الآن ملكة عرش قلبه.
كانت تبحث عن كتب تساعدها بمجالها.
لتتفاجئ به يقف أمامها بطول أكثر وسامة وجاذبية.
فكان يرتدي حلة سوداء جعلته ملكاً للوسامة.
نظرت له بتعجب ودهشة. فهذا الرجل يمتلك سحراً خاص. حتى بالرداء الصعيدي لم يفقد وسامته بل تزيده وسامة ووقار.
وهو الآن يفوق رجال البندر أضعاف.
فيقف أمامها بدون العمامة لتتأمل شعره البني الغزير.
أقترب منها فهد قائلاً بهدوء:
_ عاملة إيه؟
نظرت له كثيراً بعدما تحدث بنبرتها.
فهد بابتسامة جذابة:
_ أنا مردتش أروح القصر غير لما أصالحك على اللي صدر مني بالصعيد.
نظرت له بعدم فهم قائلة بصوتاً منخفض من الدهشة والخجل:
_ تصالحني على إيه؟
أقترب فهد قائلاً:
_ خلصتي الكتب اللي عايزها ولا لسه؟
نظرت له قليلاً وقالت بخجل:
_ أنا عندي مراجعة وكنت جايه أشوف كتاب يفيدني.
ابتسم الفهد وتركها ثم تقدم من الكتب وجذب أحدهما وأعطاه لها لتفتح صفحاته بفرحة فالكتاب يشمل الطب بأكمله.
رفعت عيناها له بشك قائلة:
_ هو أنت بتتحايل؟
نظر لها قليلاً فدب الخوف بأواصرها ليضحك الفهد بصوته المسموع لأول مرة.
لتقف تنظر له بإعجاب. فها هي قد وقعت أسيرة للفهد.
فهد بابتسامة هادئة:
_ مع الوقت هتفهميني. ممكن بقا نقعد في مكان ونتكلم قبل ما أروح القصر؟
اكتفت بالإشارة فقط ليأخذ الكتاب ويدفع ثمنه ويغادر معها تحت نظرات الفتيات المنصدمة من كون هذا الجذاب صعيدي. كيف ذلك؟؟!!
فكم منهم سخرت عندما علمت بزواج راوية من صعيدي. وأتي هو ليثبت لهم أنه من القمم والملوك.
وضعت عيناها أرضاً تتحاشي عيناه.
فهد:
_ هتفضلي باصة للأرض كتير؟
رفعت راوية عيناها الرمادية لتلتقي بعيناه كأنها سحرت بشيء سلب عقلها.
فهد بابتسامة هادئة:
_ لسه زعلانة مني؟
راوية:
_ طريقتك معايا من البداية تزعل.
فهد بألم:
_ غصب عني صدقيني. إلا شوفته كان صعب. أنا نفسي مكنتش متوقع إني هتغير كده.
دفعت عيناها بعينه قائلة:
_ يعني هتحرمني من أبسط حقوقي عشان غصب عنك؟
ابتسم الفهد قائلاً:
_ أنا صحيح صعيدي بس متعلم وعالِم عالي كمان. أحسن من اللي اتعلموا هنا. أنا مركز أول على الصعيد بأكمله. كملت تعليمي بالخارج يعني عقلي مش متخلف لدرجة.
وذي ما كسرت تلفونك أديني بهديكي غيره يا ستي.
وقدم لها هدية مغلفة بغلاف أحمر مغلق.
نظرت لها بسعادة وألتقتها منه بفرحة جعلت قلبه ينبض لفرحها فقال:
_ كده خلاص مش زعلانة؟
نظرت له ببسمة قائلة:
_ لأ.
فهد:
_ طب الحمد لله. على فكرة أنا أخدت الرقم. مش بحب الكذب.
ضحكت راوية من قلبها لتأسر قلب الفهد المتعجرف. ولكن هل هي بداية لعشق جديد أم باب من أبواب المتاهة؟
متاهة الفهد!!