كانت أفنان تصرخ بجنون وتتراجع للخلف حتى اصطدمت بالحائط. عيناها متسعتان بذهول، أنفاسها متقطعة، وهي تشير بيدها المرتعشة إلى الفراغ أمامها وتردد بصوت مرتجف: "رقية… كانت أهني.. أنا شفتها كانت واقفة أهني، بس مالها؟ ليه كانت بتبصلي كده؟! لم تنهِ أفنان كلماتها حتى انفتح الباب بقوة، ودخل إلياس بسرعة. نظر إليها بدهشة، ثم إلى السكين التي كانت تمسكها بيده. فـ هرع نحوها وأمسك بمعصمها برفق محاولًا تهدئتها مرددًا:
"أفنان، هدي نفسك… إيه اللي حاصل؟ كان إلياس يتحدث وعينا أفنان لا تزالان تبحثان في المكان بجنون، وكأنها تتوقع ظهور رقية من العدم. ثم هتفت بصوت مختنق بالبكاء: "شفتها… إلياس.. رقية كانت أهني… كانت واقفة قدامي.. بس كانت غريبة.. كأنها مش هي… وشها كان شاحب… وكانت ماسكة سكينة! تجمد إلياس للحظة، ثم أسرع ليضع يديه على كتفيها محاولًا تهدئتها وردد بهدوء مصطنع: "أفنان.. رقية مسافرة بره مصر… أكيد اللي شفتيه ده تخيلات!
يمكن تعبتي، أو وحشتك فـ دماغك صورتلك إنها قدامك بس رقية مش موجودة أهني أصلاً." صرخت أفنان وهي تبكي مرددة: "لأ… مش تخيلات.. أنا متأكدة! كانت أهني. كانت بتبصلي بطريقة غريبة، وإيديها كان فيها سكينة صدقني يا إلياس." ارتبك إلياس للحظة، لكن سرعان ما تماسك وابتسم ابتسامة هادئة ليهدئها واردف بصوت هادئ: "يمكن ضغط الأيام اللي فاتت مأثر عليكي… خلينا نهدى، وأنا هفضل جنبك متخافيش أنا معاكي أهه."
لم ترد أفنان، فقط حدقت فيه بعينين زائغتين، ثم سمحت له بأخذ السكين من يدها. جلست على طرف السرير وهي لا تزال تحاول استيعاب ما رأته. أما إلياس فقد وقف أمامها للحظات، ينظر إليها نظرة معقدة قبل أن يشيح بوجهه بعيدًا يخفي شيئًا خلف عينين غامضتين.
وفي مساء يوم جديد في الإسكندرية، كان إلياس يقف في شرفته في أحد بيوته الخاصة المطلة على البحر. عيناه شاخصتان في الأفق كأنه يبحث عن إجابة بين الأمواج المتلاطمة. كان الليل قد غلّف المدينة بسكونه، لكن داخله كان عاصفًا. فكر في كلمات أفنان المرتبكة، في خوفها، وفي تصديقها الأعمى له، وفي الكذبة التي أصبح محاصرًا بها.
ثم أغلق عينيه للحظة، لكن صوت خطوات خلفه جعله يلتفت بحذر. كان وليد يقف هناك، ملامحه مشدودة وكأن لديه ما هو أخطر ليقوله، مرددًا: "إلياس… لازم تاخد قرار بسرعة. أفنان لازم تعرف كل حاجة في أسرع وقت قبل ما الأمور تخرج عن السيطرة أكتر من كده." نظر إليه إلياس بحدة ثم أردف بصوت منخفض:
"مش دلوقتي يا وليد. أي كلمة غلط ممكن تبوظ كل حاجة… وأفنان مش جاهزة. أنا جايبها أهني علشان تغير جو وكل اللي يهمني دلوقتي إن نفسيتها تتحسن وبس وبعدها هتبقى جاهزة تسمع كل حاجة." ألقى إلياس كلماته، لكن وليد لم يتراجع، بل اقترب أكثر وردد بحزم: "وأنت؟ أنت جاهز؟ جاهز تشوف نظرة الكره في عينيها لما تعرف إنك كنت بتخدعها طول الوقت ده؟!
نظر إلياس إليه بضيق وشعر وكأن قبضته تنغلق على الهواء، ثم استدار ينظر للبحر مجددًا. الحقيقة بالنسبة له كانت مثل سيف مسلط على رقبته، لكنه لم يكن مستعدًا بعد لمواجهة نتائجه، أو بالأحرى مواجهة أفنان التي بدأ يكن لها بعض مشاعر الحب.
وفي الغرفة المجاورة، كانت أفنان جالسة، عيناها على الطفلة النائمة بجانبها. يدها مرتجفة وهي تلمس شعر الصغيرة برفق، وكأنها تحاول التمسك بالحقيقة الوحيدة التي بدت أكيدة في حياتها الآن. لكنها لم تستطع أن تتجاهل الشك الذي بدأ يتسلل إلى قلبها، فتمتمت بصوت بالكاد يُسمع: "ليه كلهم بيكدبوا؟
وليه أنا حاسة إن كل حاجة حواليا مش صح.. أكيد إلياس مخبي عني حاجة كبيرة قوي بس إيه هي.. هو ليه دايماً متوتر كده وبيحاول يهرب مني.. حتى نظراته بحس إنه بيهرب بنظراته إنه يبصلي.. لأ. أكيد فيه حاجة غلط بس هي إيه.. إيه اللي مخبيه عني بس؟ وفي مساء يوم جديد في الصعيد، كانت رقية تقف بجانب وائل على بعد مسافة قصيرة من منزل إلياس. عينها تراقب الطريق بترقب، والهواء البارد يهب من حولهم. حتى التفتت إلى وائل وأردفت بصوت حاسم:
"إلياس ووليد أكيد على وصول دلوقتي… راجعين من إسكندرية. ومرات عمي في البيت لوحدها لازم نغتنم الفرصة… لازم نولع في قلوبهم زي ما ولعوا في أهالينا.. لازم يحسوا بكل اللي هما عملوه فينا يا وائل." نظر إليها وائل وأردف بضيق: "رقية.. لازم ناخد بالنا كويس قوي إحنا نبدأ بحذر جاهزة." رمقت رقية نظرة أخيرة إلى البيت قبل أن تتابع بحزم: "جاهزة. وأول خطوة هي حرق قلبه على مرات عمو الـ بيحبها قوي وبيعتبرها زي أمه."
ألقت رقية كلماتها، ثم حركت يدها في الهواء كأنها تشير إلى بداية المعركة. بدأ وائل في التحرك، يحدق في الجدران المحيطة بمنزل إلياس. ثم تحركت رقية نحو المنزل، ووائل يتبعها، وعيونهم تتفحص المكان من حولهم. كانت أيديهم تتحرك بحذر لتنفيذ خطتهم.
ومع مرور الوقت، بدأ وائل في إشعال النار بالقرب من الجدران الخارجية للمنزل، وألسنة اللهب بدأت تنتشر تدريجيًا. سرعان ما لفتت الأنظار أضواء النار تعكس على الجدران المظلمة، مما أثار الفزع في المكان. والدخان الكثيف بدأ يلتف حول المكان حتى التهمت النيران في جميع أجزاء البيت. تجمع أهل البلد حول الحريق في حالة من الذهول والفوضى، وهم يحاول بعضهم إطفاء النيران بينما يتدافع البعض الآخر من أجل النجاة من هذه النيران التي بدأت تأكل الأخضر واليابس. ووصلت الإسعاف والمطافي أيضًا فورًا.
وبعد لحظات، توقفت سيارة إلياس ووليد أمام المدخل وهم ينظرون باستغراب. حتى خرجا بسرعة من السيارة، ووقفا في ذهول وعيونهما لا تصدق ما يحدث أمامهم. كان الدخان يملأ الأجواء ورائحة الحريق تغطي المكان. وما زال إلياس يقف في حالة صدمة، لكن سرعان ما بدأ يركض نحو البيت، وهو يردد باسم زوجة عمه. ولكن وقفت الشرطي وأهل البلد أمامه حتى يمنعوه من الدخول.
وأما عم وليد، فكان يحاول تنظيم الوضع وهو يصرخ في الجموع ليبتعدوا عن المكان. بينما إلياس وفرق الإنقاذ تحاول إخماد الحريق. وبعد دقائق مرت عليهم كسنوات، خرج المسعفون وهم يحملون الجثث والمصابين الخاصة بالحرس والخادمين الذي لم ينجُ منهم أحد تقريبًا. حتى ظهرت زوجة عمه متسطحة على هذه النقالة، ثم تبعها جثتان أخريان. فوقف إلياس مرددًا بصدمة: "لأ… لأ.. مش ممكن.. كل ده كابوس أنا متأكد.. ده كابوس… كل ده كابوس."
همس إلياس بهذه الكلمات وهو يشاهد الجثث وعيناه مليئتان بالدموع والذهول. ووليد يقف بجواره يصرخ بشدة وزينة تحاول تهدئته. أما عند رقية، فكانت تقف من مكان بعيد قليلًا وسط الجموع متخفية هي وشقيقها وتراقب المشهد بهدوء وعيونها مشتعلة بفرح غير ظاهر رغم الفوضى من حولها. كانت تتابع كل شيء كأنما هو حلم تحقق لها.
بينما كانت الأضواء الصفراء لعربات الإسعاف تتقاطع مع الظلام الحالك في الأفق، والدخان ما زال يملأ الجو من حولهم، وفرق الإنقاذ تحاول إخماد الحريق الذي دمر جزءًا كبيرًا من منزل إلياس. في تلك اللحظات، بدأ المسعفون في نقل الجثث إلى سيارات الإسعاف. كانوا يمرون بجانب رقية ووائل اللذين كانا يقفان في زاوية مظلمة، يراقبان الحدث عن كثب. ورقيه تنظر بتركيز تام إلى النقالات التي كانت تخرج من المنزل المحترق. لحظة بلحظة، كان قلبها ينبض أسرع من قبل.
وكلما مرت جثة من أمامها كانت عينها تتحقق منها. لكن فجأة توقفت عيناها على الجثتين اللتين كانتا تقتربان منها على نقالة الإسعاف. كانتا مغطاتين بالكامل، لكن ما أثارها كان الوجه الذي ظهر من تحت الغطاء… عيناهما… حتى لو كانتا مغلقتين، فهي تعرفهما جيدًا. هذه الوجوه التي طالما حلمت بعودتها، لكنها لم تكن تتوقع أن ترى هذا المشهد أبدًا. فأردفت بصوت منخفض، تكاد لا تسمعها نفسها: "لأ… لأ… دي… دي مش ممكن يكونوا هما."
ألقت رقية كلماتها، وبجانبها وائل الذي يقف بجانبها. لم يتحمل هو الآخر حتى هتف بصوت مرتعش: "أبوي… وأمي؟ كانت رقية في حالة صدمة تامة وقلبها يتسارع، حتى عقلها لا يستطيع تصديق ما تراه عيناها. فكيف حدث هذا؟ وإلياس هو من قتلهم؟
هي رأتهم بنفسها وهم يخرجون جثثهم المتفحمة من منزلهم القديم. لكن الحقيقة التي كانت أمامها الآن كانت أكبر من أن تستوعبها. والحقيقة أن إلياس قد أخفاهم في بيته طوال هذه الفترة. خدعها كـ عادته السيئة. لم تتحمل رقية أكثر من ذلك، وفجأة أُغشي عليها. فبدأ ينتبه البعض إليها، وبالتحديد أفنان التي رأت وائل وهو يحملها. فأردفت بصدمة: "رقية؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!