تحميل رواية الغرفة المغلقة بقلم نور الشامي pdf
بقلم نور الشامي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
كانت تركض بسرعة، قدميها مجروحة ووجهها ملطخ بالجروح العميقة، و دموعها تتساقط بلا توقف. كانت تطاردها الذكريات، تلتفت خلفها بخوف متزايد، وكأنها تهرب من شيء أكبر من قدرتها على تحمله وفجأة، توقفت أمام بوابة ضخمة مفتوحة، لا حراس، ولا أي شيء. كانت الفرصة الوحيدة للهروب.. ف استمرت في الركض، بلا تفكير، بلا وعي بما حولها. حتى وجدت نفسها أمام الشارع الآخر وقبل أن تتمكن من التنفس أو التوقف فجأع ارتطمت سيارة بها و فسقطت على الأرض وهي تصرخ من الألم بينما كانت قدماها تنزفان حينها رفعت عينيها وتجمد الدم في عروق...
رواية الغرفة المغلقة الفصل الأول 1 - بقلم نور الشامي
كانت تركض بسرعة، قدميها مجروحة ووجهها ملطخ بالجروح العميقة، و دموعها تتساقط بلا توقف. كانت تطاردها الذكريات، تلتفت خلفها بخوف متزايد، وكأنها تهرب من شيء أكبر من قدرتها على تحمله وفجأة، توقفت أمام بوابة ضخمة مفتوحة، لا حراس، ولا أي شيء. كانت الفرصة الوحيدة للهروب.. فـ استمرت في الركض، بلا تفكير، بلا وعي بما حولها. حتى وجدت نفسها أمام الشارع الآخر وقبل أن تتمكن من التنفس أو التوقف فجأع ارتطمت سيارة بها و فسقطت على الأرض وهي تصرخ من الألم بينما كانت قدماها تنزفان حينها رفعت عينيها وتجمد الدم في عروقها عندما رأته كان يقف أمامها بـ هيئته القاسية والمرعبة كالجبل. نظر إليها ببرود قاتل، وعيناه تعكسان ظلاماً عميقاً، ثم اردف:هتجدري تجومي، ولا عايزني أساعدك أنا؟نظرت رقيه واردفت بصوت مختنق بالدموع والخوف مردده :إلياس… أنا آسفة والله، مش هعمل اكده تاني… صدجني خلاص، دي آخر مرةالقت رقيه كلماتها وكأن صوتها يرتجف بين الاعتذار والخوف، بينما كان هو يحدق فيها بصمت، كأن الزمن توقف بينهما بالطبع
نظر إليها بعينين يشتعلان غضبًا، ثم اقترب منها بخطوات ثقيلة و التقطها كأنها لا تزن شيئًا، وحملها نحو السيارة دون أن ينطق بحرف وهو يقود بسرعة نحو المنزل حيث الصمت كان أكثر صخبًا من أي كلمات وما إن وصل حتى اندفع بها إلى إحدى الغرف و دفعها بقسوة لتسقط على الأرض مردده بتوسل:إلياس، أنا آسفة… سامحني! والله ما هعمل اكده تاني، مش ههرب تاني!
كانت تصرخ رقية بصوت مختنق بالخوف حتي أجابها هو ببرود قاتل، وكأن كلماته سياط على روحها وهتف:
“انتي بتحبي أذيكي ليه؟ ليه بتعصبيني؟! مش عاجبك العيشة معايا؟ دا أنا لميتك من الشوارع بعد ما كلاب السكك كانت هتموتك.. بتعملي اكده ليه عادنظرت رقيه اليه وبدأت تبكي ز الدموع تغرق وجهها وهي تتوسل قائله :كنت عايزة أشوف أهلي. وحشوني جوي، وكنت بس عايزة أشوفهم والله ولم تنهي رقيه حديثه وصاح بها هو بصوت أرعد المكان مرددا :
انتي ميييته! أهلك فاكرينك موتي ودفنوكي خلاص… أنا دلوجتي أهلك! أنا كل حاجة عندك، فاهمة؟ أنا بس أهلك!”انفجر بكاؤها وهي ترتجفت تحت وطأة كلماته واردفت من بين شهقاتها :ماشي… انت أهلي… أنا مجولتي غير اكده. بس بالله عليك، خليني أشوفهم مرة واحدة… أو حتى سيبني أمشي، والله ما هروحلهم. سيبني في حالي ابوس يدك يا الياس
كانت تتوسل رقيه وهي تبكي بشده ولكنه لم يرحم توسلاتها اقترب منها وصفعها صفعة هزّت جسدها الصغير وهو يصرخ بحدة:لازم تتعاقبي على ال عملتيهارتجفت رقيه بخوف وحاولت أن تنهض، لكن جسدها خذلها فـ همست بألم:“بالله عليك، سامحني… أنا آسفة، والله آسفة!”
نظر ااياس اليها ببرود وكأن أذنيه مغلقتين أمام كلماتها فـ امسك بحزام ثقيل كان ملقى في الغرفة، وانهال عليها ضربًا بلا هوادة، وكأن الغضب أعمى إنسانيته وظلت تصرخ حتى خفت صوتها واستسلم جسدها المثقل بالألم.. وفقدت وعيها ولكنه لم يكلف نفسه عناء النظر إليها. خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه، تاركًا إياها ملقاة على الأرض، بلا حراك—في مكان آخر:كانت تصرخ هذه الفتاه وتدعي رفيف بغضب وهي تواجه الجميع مردده :“يعني إي؟ بعد جوازهم بست شهور تموت فجأة اكده من غير سبب؟! ومشوفناش حتى جثتها! محدش يقنعني، أنا حاسة إنها لسه عايشة… صدجوني، رقية عايشة!”تنهد رشيد والد رقيه تهدئتها، لكنه تحدث بعصبية قائلا :رفيف! إنتي صاحبة بنتي المقربة وأكتر واحدة ساعدتنا، بس لازم تصدجي إن رقية ماتت! بلاش تعيشي في الوهم ده! هتفضلي اكده لحد إمتى؟لم تهدأ رفيف واردفت بحدة:إنتوا فاكريني مجنونة؟! والله لا عندي احساس كبير جوي إنها لسه عايشة.. طيب بنت إلياس ظهرت فجأة اكده منين؟! البنت عندها سنتين ورقية ماتت من سنتين ونص تجريبًا! يعني كان متجوز قبلها أو عليها! فين أم البنت دي يا عمي..راحت فين عاد ؟
تنهد رشيد بضيق واردف:جال إن أمها ماتت وهي بتولد، وإنه كان متجوزها قبل رقية في السر.. ها ارتاحتي اكدهصاحت رفيف بغضب محاوله اقناع رشيد مردده :وهو هيتجوز في السر ليه؟ إلياس مش محتاج يعمل حاجة في السر يا عمي.. كلنا عارفين الياس زين لا بيخاف من حد ولا عمره خاف اصلا من حد يبجي ليه في السر ولم تكمل رفيف كلماتها و إذ تلقت صفعة قوية على وجهها فرفعت رأسها بصدمة لترى والدة رقية أمامها، تتحدث بغضب:اسمعي يا رفيف! كفاية بجى! بلاش تقنعينا إن بنتي عايشة وتدينا أمل على الفاضي. بنتي ماتت، وأنا شوفت جثتها بعيني… غسلتها كمان! صدجي أو لع، دي حاجة تخصك، لكن لو فتحتي الموضوع ده تاني مع أي حد، هعتبرك زيها… ميتة! أنا بحبك ايوه بس كل حاجه في الدنيا ليها حدودنظرت رفيف اليها ثم تراجعت باكية وقالت بصوت منكسر:حاضر… أنا آسفة بعد إذنكمانهي رفيف كلماتها وخرجت مسرعة ودموعها تنهمر دون توقففي الصباح عند رقية التي استيقظت بصعوبة.. جسدها المنهك يصرخ ألمًا مع كل حركة حتي سمعت خطوات الخادمة تدخل الغرفة فـ رفعت رأسها بصعوبة واردفت بتوسل:
بالله عليكي… هربيني من اهنيهنظرت إليها الخادمة وتدعي واردفت بضيق:هعالج جروحك يا ست هانم قبل البيه ما يجي وهجيبلك الواكل وهنظف الأوضة بس اكده..دا شغلي اما الهروب بجا فـ اسفه لع مش عايزة أروح في داهية بسببك انتي عارفه البيه زين مش بيرحم حد وانا عندي عيال ومش ناجصهنظرت رقية بحرقة وهتفت وهي تبكي :بالله عليكي يا شادية.. ساعديني ابوس يدكتنهدت شاديه وقاطعتها بحدة مردده:سيبيني أشوف شغلي وأمشي بالله عليكيانهت شاديه حديثها وبدأت بتنظيف الغرفة ثم عالجت جروح رقية بصمت، وأحضرت لها الطعام قبل أن تغادر—وفي منزل إلياس كان يجلس على مائدة الطعام مع صديقه هادي، والدته، وزوجة عمه. وابنه عمه شيرين وهو يتحدث ببرود:وأنا أعمل إي؟ هي مش عايزة تقتنع، خلاص تولع بجاتنهدت والدته فوزية واردفت بضيق:
ما تجولهم الحقيقة يا إلياس… عرفهم ال بنتهم عملته قبل ما تموت يا ابنيردد إلياس بحدة واستنكار:عملت إي؟ معملتش حاجة! وبعدين خلاص… ماتت، والميت مالوش غير الرحمة يا حجه كفايه بجا مش هنفضل نتكلم عنها طول النهارنظرت شيرين اليهم بضيق وهتفت بعدم فهم:عملت إي يعني؟ أنا مش فاهمة.. صحيح يا إلياس هو وائل عرفت عنه حاجهتنهد إلياس بضيق وردد بحده:بندور عليهشيرين بحزن:بجالكم سنين بتدوروا ومفيش أي أثرنظر اليها إلياس وصاح بغضب:واحد ساب خطيبته وهرب، عايزاه ليه؟! انسيه، ميستاهلش ان حد يجيب سيرته حتي خلصنا بجا يا شيرين كفايهنظرت شيرين وبكت بغضب وألم قائله:“يمكن حوصله حاجة! أنا عايزة أطمن عليه بس والله
نهض إلياس من مكانه وأردف بحزم :واحد زي ده يروح في ستين داهية مينفعش يتبكي عليه يا ابن عمي—وفي الليل عند رقية عاد إلياس إلى المنزل بعد يوم طويل. دخل الغرفة ليجدها جالسة في زاوية الغرفة تبكي حتي انتبهت اليه فـ نظرت إليه بفزع وقالت :بالله عليك… متعملش معايا حاجه… ابوس يدك يا إلياستنهد الياس ثم اقترب منها ببرود وردد:هششش.. أنا تعبان. واجبك كزوجة تخلي جوزك مرتاح ومبسوط لما يبجي تعبان صوح.. امسحي دموعك بدل ما أشيل عيونك دي من مكانها يلامسحت رقيه دموعها بخوف، وعندما حاولت التحرك.. سحبها إليه بعنف، وبدأ يقبّلها بقسوة حتى سال الدم من شفتيها وبعد نصف ساعه تقريبا كانت رُقيّة جالسة على حافة الفراش ، تحاول عبثًا إخفاء جسدها الذي أثقلته آثار التعب واليأس. كان يعاملها بوحشية، تصرفاته تفوق القسوة وتلامس حد الاغتصاب بلا رحمة. نهض بعد أن انتهى منها وكأن شيئًا لم يكن، واتجه إلى الحمام ليأخذ دشًا باردًا ثم خرج بعدها عاري الصدر دون أن يعيرها أي اهتمام، و أمسك بجهاز اللابتوب الخاص به وبدأ بتصفحه و فجأة ظهر تنبيه على شاشة كاميرات المراقبة ارتسمت على وجهه ملامح توتر وهو يركز النظر على الشاشة حيث ظهر شخص غريب يتجول في المنزل فـ نهض بسرعة وأغلق باب الغرفة بإحكام، ثم تسلل بحذر نحو الطابق السفلي. اقترب من الشخص بخطوات صامتة، ممسكًا أداة حادة و ضربه بقوة على رأسه، ليسقط على الأرض فاقدًا للوعي وذهب بسرعه وهو يضيئ الأنوار بحذر، وما أن رأى وجه الشخص أمامه حتى تراجع خطوة للخلف، مغمورًا بالصدمة و
يتبع….
رواية الغرفة المغلقة الفصل الثاني 2 - بقلم نور الشامي
كانت تجلس في زاوية الغرفة، تحاول أن تُظهر ثباتًا أمام نظرات إلياس المتوحشة الذي أغلق الباب خلفه ببطء. انتشر صوت قفل الباب في المكان كأنه صفارة إنذار. تقدم نحوها بخطوات هادئة لكنها ثقيلة كالرصاص.
رفعت رأسها ونظرت إليه بثبات مصطنع قائلة:
إلياس.. أنا مش خايفة منك… ومهما حاولت تهددني، مش هسكت… مش انا اللي اخاف من واحد زيك.. انت تجدر تخوف اي حد بس انا لأ.
نظر إليها إلياس ووقف على بُعد خطوات قليلة منها، ضاحكًا ضحكة قصيرة لكنها خالية من أي مشاعر. ثم اقترب فجأة وجلس أمامها خافضًا صوته وكأنه يتحدث مع طفل مرددًا:
خايفة؟ لأ يا رفيف، الخوف لسه مبدأش. بس إيه الجرأة اللي فيكي دي.. لسه زي ما انتي متغيرتيش. عاملة فيها شاطرة وتعرفي تعملي كل حاجة في الدنيا … بس معلش كل حاجة هتتصلح.
نظرت رفيف إليه بخوف وحاولت أن تتراجع للخلف، لكن الحائط كان سدّها الوحيد. فهمست بصوت مرتجف رغم تحديها مردفة:
لو فكرت تعمل أي حاجة… هصرخ، وهخلي الناس كلها تعرف اللي بتعمله.. قسمًا بالله ما هسكت.
ابتسم إلياس ابتسامة باردة ووضع يده على الحائط بجانب رأسها، حاجبًا عنها أي مخرج. ثم همس بصوت يشبه فحيح الأفاعي:
تصرخي؟ جربي كده وأنا هوريكي وجتها هعمل إيه… ولا أقولك… من غير ما أعمل.. يلا… صرخي ووريني.
ألقى إلياس كلماته وأمسك بذراعها فجأة بقوة جعلتها تتأوه من الألم. فصاحت وهي تحاول دفعه بغضب:
إلياس، سيبني!
لم يهتم إلياس لكلماتها وسحبها نحوه أكثر، وعيناه مليئتان بالتهديد مرددًا:
أنا حذرتك كتير قوي وجولتلك ابعدي عني… بلاش تحاولي تدخلي في حياتي.. بس من الواضح كده إن مفيش فايدة.. أصل جوليلي يا رفيف إنتي بتحبيني ولا إيه عاد.. طولى الصراحة.
نظرت رفيف إليه بتوتر وحاولت تحرير نفسها بعنف قائلة:
مش هسمحلك تعملي كده فيا.. مش هسكت زي رقية… ابعد عني.
تنهد إلياس ولمعت عيناه بغضب أكبر، ثم اقترب من أذنها وهمس بنبرة مخيفة:
مش عايز أسمع اسمها قدامي فاهمة… مش عايز أسمع اسمها.. هي ماتت خلاص.
رفعت رفيف عينيها إليه والتقت نظراته المظلمة التي جعلت قلبها يرتجف. تملّكتها لحظة من الرعب وهي تراه يقترب أكثر، ثم صرخت بصوت مكسور:
سيبني، بالله عليك.
ولم تنهِ رفيف كلماتها وشدّد إلياس قبضته أكثر على معصمها ثم أردف ببرود وهو ينظر مباشرة في عينيها:
جه وقت الحساب بينا… إنتي اللي دخلتي هنا برجليكي وبمزاجك.. فـ استحمّلي بقى اللي هيحصل فيكي.
أنهى إلياس كلماته واقترب بخطوات متوترة من رفيف، لكنها صرخت بغضب قائلة:
اوعى تلمسني… خلي عندك شوية إحساس؟ إنت عايز مني إيه عاد؟ أنا عارفة إنك مخبي سر كبير، ومؤكدة إن رقية لسه عايشة… إنت كداب قسمًا بالله… بطل كدب بقى واظهر على حقيقتك.
تنهد إلياس بغضب واضح وهو يحاول السيطرة على أعصابه، وكلماته تقطر حدة:
إنتي مالك.. إيه اللي مدخلك في حياتي؟ إنتي أصلًا جاية هنا ليه عاد؟ دايمًا عايزاني أفقد أعصابي. بجزلك إيه… أنا خلاص جبت آخري منك، كفاية قوي كده.
أنهى إلياس كلماته وقبل أن تُكمل رفيف أي رد، أمسكها إلياس من ذراعها بقوة وسحبها خارج البيت.
مرت دقائق قبل أن يصل إلى منزل رشيد، حيث فتح الأخير الباب بفزع وهو يردد:
إيه اللي حصل يا ابني؟ ادخل قول في إيه عاد.
دخل إلياس المنزل تاركًا رفيف، التي انفجرت غضبًا:
انت إنسان معندكش إحساس وجليل التربية ومحدش علمك الأدب نهائي.
نظر إليها إلياس بحدة مصطنعة وهدوء متكلف قبل أن يردد موجهاً كلامه لرشيد:
عمي… أنا مش فاهم رفيف دي عايزة إيه مني بالظبط! في كل مكان أروحه ألاقيها قدامي، وبتدخل بيتي كمان زي الحرامية. غير إنها دايمًا تتهمني إني مخبي رقية. أنا تعبت منها مش عارف أعمل معاها إيه عاد.. لو عندكم حل إنتوا قولوا وأنا أعمله يمكن ربنا يهديها.
كانت كلماته الباردة كفيلة بأن تصدم رفيف، التي لم تستوعب كيف تحول من شخص غاضب إلى هادئ متزن بهذه السرعة. حاولت الرد، لكن والدة رقية صاحت بغضب وقهر:
كفاية بقى يا رفيف! حرام عليكي! جولتلك إن بنتي ماتت، ليه بتعذبيني بالشكل ده؟ اتجي الله.. إنتي بتعملي فيا كده ليه عاد.
جلست زينب والدة رقية على الكرسي، تبكي بحرقة، فاقترب منها إلياس وطمأنها بلطف زائف:
خلاص يا حاجة.. متزعلوش. هي بس بتحب رقية قوي، ومش قادرة تستوعب إنها ماتت عشان كده بس.
قاطعته زينب بدموع وهتفت:
لأ يا ابني، كفاية كده. مش عايزة أشوفها تاني… رفيف امشي! من النهارده ملكيش أي صلة بينا خلاص مفيش كده بقى إحنا تعبانين.
نظرت رفيف إليهم بدموع ووقفت تحاول التحدث لكن رشيد تدخل بحدة واردف:
امشي يا رفيف.. كفاية اللي عملتيه.
نظرت رفيف بحزن وخرجت من المنزل بدموع، أما خارج البيت كان يقف إلياس بجانب سيارته، ينظر إليها بسخرية قائلاً:
دي أول خطوة. بعدتك عنهم نهائي. عشان لما أجلك إن شاء الله محدش هيهتم أو يسأل عنك.. إنتي أصلًا مكنش ليكي حد غيرهم. وبحذرك للمرة الأخيرة… ابعدي عني يا رفيف أحسن.
مسحت رفيف دموعها بحزم وردت:
قسمًا بالله ما هسيبك يا إلياس. هفضحك جدام الكل وهتشوف.
ضحك إلياس بصوت عالي واستقل سيارته مغادرًا. بينما صرخت رفيف بعناد:
قسمًا بالله، ما هسيبك!
أنهت رفيف كلماتها الغاضبة، وفي صباح اليوم التالي، كانت شيرين تركض بخوف في أحد الشوارع، بينما تطاردها فتاة غريبة حتى أمسكت الفتاة بذراعها قائلة:
استني… أنا مش هعملك حاجة! إنتي خايفة مني ليه عاد؟ صحيح إنتي متعرفنيش، لكن أنا أعرفك، وعايزة أقولك حاجة مهمة.
نظرت شيرين إليها بقلق وتراجعت خطوة للخلف مرددة:
انتي عايزة إيه مني؟ أنا معرفكيش ولا عايزة أعرفك أصلًا، ابعدي عني.
تنهدت الفتاة بضيق:
ابن عمك إلياس هو السبب في اختفاء خطيبك. هو الوحيد اللي يعرف مكانه. وائل لسه عايش صدقيني والياس هو اللي حابسه.
تجمدت شيرين في مكانها من الصدمة ورددت بغضب:
إنتي بتجولي إيه؟! مستحيل! إلياس مش ممكن يعمل كده، هو بيدور عليه في كل مكان. إنتي كدابة.
تنهدت الفتاة وهتفت بإصرار:
صدقيني هو اللي عمل كده… لو عايزة تتأكدي، روحي للبيت القديم بتاع إلياس، هناك هتلاقي الحقيقة. لكن لحّقي خطيبك قبل فوات الأوان.. لو استنيتي أكتر من كده هيموت ويندفن من غير حتى ما حد يعرف عنه حاجة.
ألقت الفتاة كلماتها وركضت مبتعدة، بينما ظلت شيرين واقفة في مكانها، مذهولة، عاجزة عن استيعاب ما سمعت.
وفي مساء اليوم التالي كانت رفيف تقف أمام المنزل القديم ومعها رجل بدا مترددًا وهو يقول:
أنا مش مرتاح لـ اللي بنعمله. إنتي متأكدة إن مفيش حاجة هتحصل؟
تنهدت رفيف بضيق ورددت:
صدقني مفيش حاجة هتحصل. كل اللي موجودين هنا حارسين، وأنا حطيت منوم في الواكل بتاعهم. هما خلاص بيناموا دلوقتي. لازم ندخل ونفتش في كل الأوض لحد ما نلاقي رقية. يلا بينا.
دخلت رفيف بحذر، وعلى الجانب الآخر، كانت رقية تجلس على الأرض في إحدى الغرف، تبكي بحرقة كعادتها، تدعو الله أن ينقذها. وفجأة، ارتعدت عندما سمعت خطوات تقترب من باب الغرفة. ظنت أنه إلياس، لكنها انصدمت عندما فُتح الباب لتجد رفيف أمامها.
وقفت رفيف مصدومة مردفة:
رقية… إنتي لسه عايشة؟ فعلًا لسه عايشة؟
احتضنتها بقوة وأضافت:
واحشاني قوي… منه لله إلياس هو اللي عمل فيكي كده. يلا بسرعة، لازم نهرب من هنا.
أمسكت رفيف بيد رقية لتسحبها خارج الغرفة، لكن الأخيرة توقفت فجأة وقالت:
وائل! وائل موجود هنا. إلياس حابسه في أوضة المخزن.
توجهت رفيف إلى الغرفة ببطء وفتحت الباب فـ وجدت وائل يجلس على الأرض مرهقًا يحاول النهوض، لكنه لم يستطع. فـ أسرعت نحوه وساعدته على الوقوف، ثم خرجوا جميعًا من المنزل.
وقبل أن يستقلوا السيارة، ظهرت شيرين فجأة، تحدق بهم بصدمة مرددة:
رقية… إنتي لسه عايشة؟ وائل! إنتَ هنا إزاي.
نظر إليها وائل بتعب يمتزج بالغضب، بينما قالت رفيف بقلق:
اركبوا العربية بسرعة! يلا، اركبوا!
ركضت شيرين نحوهم وهي تصيح بلهفة:
استنوا! وائل، أنا دورت عليك كتير قوي بالله عليك، جولي إيه اللي حصل؟
تراجع وائل قليلًا، ثم قال بصوت متهدج:
ابعدي عني! أنا بكرهك، وبكرهكم كلكم. كل اللي كان بينا انتهى!
أمسكت شيرين يده وهي تبكي قائلة:
مستحيل أسيبك تمشي! بالله عليك، خلينا نتكلم.. فهمني إيه اللي حصل.
أدار وائل ظهره وركب السيارة مع رفيف. حين جاءت رقية لتصعد، أمسكت شيرين يدها بشدة وصرخت:
مش هسيبكم تمشوا مهما حصل!
دفعتها رقية شيرين بعنف، صارخة:
ابعدي عني! مش عايزة مشاكل أكتر من كده.
وفي تلك اللحظة فقدت شيرين توازنها واصطدمت بسيارة مسرعة فـ سقطت على الأرض، بلا حراك جثة هامدة.
رواية الغرفة المغلقة الفصل الثالث 3 - بقلم نور الشامي
كانت الغرفة خافتة الإضاءة، والمكان يعبق بصمت ثقيل. وقف الطبيب أمام إلياس الذي بدا وكأنه غارق في بحر من الأفكار، يتأمل وجهه بصدمة واضحة.
بعد لحظات طويلة، قطع الطبيب الصمت بصوت خافت ولكنه ثابت:
“للأسف… الحالة وصلت متوفية. البقاء لله.”
تردد صدى الكلمات في أذني إلياس كأنها صاعقة. لم يستطع استيعابها في البداية، فكرر متلعثمًا:
“ماتت؟! شيرين… ماتت؟”
أومأ الطبيب برأسه، ثم غادر الغرفة سريعًا، تاركًا إلياس يجاهد لاستيعاب الموقف. جلس على أقرب كرسي، وكأن قدميه لم تعودا قادرتين على حمله. همس بصوت مرتجف، أشبه بالبكاء:
“ماتت… شيرين ماتت… هما جتلوها… جتلوها!”
اقترب هادي منه بحذر، وعيناه ممتلئتان بالدموع. جلس بجانبه ووضع يده على كتفه مرددًا بصوت منخفض:
“ربنا يرحمها، يا إلياس. حاول تهدى… لازم نفكر إزاي هنبلغ الحجة. أنا هقوم أخلص الإجراءات علشان الدفن والعزا.”
ألقى هادي كلماته وجاء ليذهب، ولكن كلماته لم تكن كافية لتهدئة غضب إلياس الذي انتفض فجأة، ممسكًا بذراعه بحزم. قال بغضب مكتوم:
“مفيش عزاء، هادي. شيرين مش هيتعملها عزا غير لما اخد بتارها. وحضر نفسك للسفر… وابعت لوليد يرجع فورًا.”
نظر هادي إليه بصدمة واضحة، وهو يحاول فهم ما يقصده. فاردف:
“أسافر؟ ليه يا إلياس؟ أنا مش ممكن أسيبك في وقت زي ده. مينفعش أسافر دلوقتي أصلًا.”
ولم ينهي هادي كلماته حتى قاطعه إلياس بصوت غاضب أشبه بالأمر:
“جولت هتسافر يعني هتسافر! مش هسمح إن حياتك تبقي في خطر. تحجز على أول طيارة لدبي وتسافر فورًا. مش عايزك هنا الفترة دي نهائي.”
لم يمنح هادي فرصة للاعتراض، بل أنهى كلامه وغادر الغرفة بخطوات غاضبة، تاركًا هادي في دوامة من الحيرة والخوف.
في صباح اليوم التالي، كانت أفنان جالسة في شقتها، تمسك هاتفها بيدين مرتجفتين. وجهها كان شاحبًا، وكأن الحياة انسحبت منه. نظرت إلى صديقتها رقية، التي شاركتها نفس الصدمة، وقالت بصوت مختنق:
“ماتت… شيرين ماتت يا رقية! كل الناس بتقول كده… يالهوي! إحنا قتلناها… إحنا السبب!”
وقبل أن تستطيع رقية الرد، اخترق صوت وائل الغرفة بنبرة باردة تحمل في طياتها غضبًا واحتقارًا:
“ما تموت! تستاهل. علشان ابن عمها يتربى شوية ويتعلم الأدب من الأول والجديد. ولسه…”
نظرت أفنان إلى وائل بغضب شديد، ولم تستطع السيطرة على صوتها وهي تصرخ مردده:
“هو انت مجنون؟! دي كانت خطيبتك، وكنت بتحبها! وهي كمان كانت بتحبك قوي! حرام عليك… ادعيلها حتى بدل ما تتكلم بالشكل ده عليها.. انت جبت جساوة القلب دي كلها منين؟”
ابتسم وائل بسخرية مريرة وهو يردد:
“بحبها؟! وأدعيلها؟! أدعي لوحدة ابن عمها حبسني أنا وأختي سنين في مكان مرميين فيه ومنعرفش نخرج! شوفي رقية… شوفي اللي عمله فيها! تحبي أقولك كان بيعمل فيها إيه يا ست أفنان؟ ولا بلاش علشان مجرحش مشاعرك؟ وعلي العموم شكرًا على اللي عملتيه، أنا وأختي عمرنا ما هننسى مساعدتك. لكن خلينا نكون واضحين بقى. من النهاردة، إحنا اللي هنتقم وانتهينا على كده.”
ألقى وائل كلماته كأنها صفعات، ثم أمسك بيد رقية وسحبها معه ليخرج.
حاولت أفنان أن تمنعه، قائلة بتوسل:
“مينفعش يا وائل! أكيد إلياس بيدور عليكم دلوقتي في كل مكان. خليكم هنا لحد ما الأمور تهدى، وإن شاء الله ربنا يسترها.”
جلست رقية على كرسي قريب، واضعة يديها على وجهها، وتنهدت بضيق وهي تهمس بصوت مكسور:
“أنا مش خايفة غير على أهلي… إلياس ممكن ياخد بتاره منهم. أبويا… أمي… ممكن يقتلهم.”
نظر وائل إليها بحزن وقلق، ثم قال محاولًا طمأنتها:
“لأ مستحيل. لو عايز ياخد بتاره هيكون مننا إحنا، مش منهم. أنا هتصرف.. صدقيني مش هيحصلهم حاجة.”
ألقى وائل كلماته بقلق، وفي مكان آخر خارج مصر، كان شاب ينهض من على الفراش عاري الصدر، ينظر إلى الفتاة النائمة بجانبه على السرير، قائلاً بنبرة دافئة:
“زينة.. يلا يا عيوني.. قومي بقى، هتفضلي نايمة كده طول النهار؟”
فتحت زينة عينيها بتذمر، ثم أردفت بصوت كسول:
“صباح الخير يا قلبي.”
ابتسم وليد واقترب منها وطبع قبلة على خدها مرددًا:
“صباح الفل على أجمل عيون في الدنيا كلها.”
لكن قبل أن يكمل حديثه، قاطعه صوت طرقات على الباب. توجه وليد لفتحه، ليجد الخادمة واقفة هناك بتوتر. فردد بالإنجليزية وبنبرة ضيق:
“Why are you bothering me at this time?”
“لماذا تزعجينني في هذا الوقت؟”
اعتذرت الخادمة قائلة بتوتر:
“I apologize, sir, but you received news from Cairo. Your cousin, Professor Elias, requests you to book the first flight and go immediately to Cairo for an urgent matter.”
“أعتذر يا فندم، ولكن جاءك خبر من القاهرة. ابن عمك، الأستاذ إلياس، يطلب منك حجز أول طائرة والذهاب فورًا إلى القاهرة لأمر عاجل.”
ألقت الخادمة كلماتها وانصرفت. عاد وليد للداخل، يبدو عليه الضيق، فاستقبلته زينة بنبرة قلق:
“وليد، في إيه؟ حصل حاجة؟ ليه إلياس عايزك؟”
رد وليد بنبرة متوترة:
“مش عارف، بس حضري نفسك يا زينة. أكيد في حاجة كبيرة. أنا هروح أشوف تذاكر علشان ننزل على أول طيارة.”
وفي مكان آخر في القاهرة كان إلياس يقف أمام المقابر، ينظر بحزن إلى قبر شيرين. حتى اقترب منه الحارس بخطوات مترددة مرددًا:
“هما عند أفنان هانم يا بيه. هي اللي ساعدتهم وخرجتهم من البيت، وهما دلوقتي عندها، لكن في بيت قديم ليها محدش يعرفه. والكاميرات أثبتت إن مدام رقية هي اللي عملت كده في آنسة شيرين، الله يرحمها. حضرتك تحب نعمل العزا إمتى؟”
نظر إلياس إلى قبر شيرين بحزن وضيق، ثم اردف بحزم:
“النهارده… هنعمل العزا النهارده بالليل إن شاء الله.”
ألقى إلياس كلماته وغادر المكان بخطوات ثقيلة. بعد فترة قصيرة، كانت تقف أفنان أمام منزل عائلة رقية، مذهولة من هول المشهد. كان المنزل يحترق أمام عينيها، والجميع يحاولون إخماد الحريق دون جدوى. بعد لحظات، نزل رجال الإسعاف من المنزل، يحملون جثتين متفحمتين. اقتربت أفنان منهم، وصرخت بلهفة:
“بالله عليك، قول إنهم عايشين… أبوس يدك قول هما عايشين؟”
أجاب أحد رجال الإسعاف بحزن:
“للأسف، الاتنين ماتوا. البقاء لله.”
ألقى الرجل كلماته بسرعة وغادر. اندفعت أفنان في بكاء مرير، مرددة:
“ربنا ينتقم منك يا إلياس… حسبي الله ونعم الوكيل فيك… ربنا ينتقم منك… أنت شيطان!”
لم تكمل أفنان كلماتها حتى اقترب منها طفل صغير، وقدم لها رسالة قائلاً:
“اتفضلي يا طنط، الرسالة دي ليكي.”
أخذت أفنان الرسالة باستغراب، وعندما قرأتها، تجمدت في مكانها، ثم ركضت بسرعة وهي تردد:
“لأ. يارب ميعملش كده… لأ مستحيل!”
كانت أفنان تقذف كلماتها بينما تركض بعجلة، وفي المساء، كان إلياس يجلس بجانب زوجة عمه على الفراش، التي كانت تبكي بحرقة.
مرددة:
“خلاص يا إلياس… بنتي راحت… كل حاجة راحت خلاص… مش هقدر أشوفها مرة تاني… مش هعرف آخدها في حضني يا إلياس.”
تنهد إلياس بحزن، ثم احتضنها قائلاً:
“اهدي يا مرت عمي وادعيلها بالرحمة… والله العظيم مش هسيب بتارها.. أنا هقطع سلالتهم كلها، مش هسيب حد فيهم عايش… هاخد بتارها صدقيني.”
نظرت نادية إليه بدموع غزيرة، وهتفت بغضب:
“وائل… لازم تقتله… لازم تقتله وتخلي قلب أخته يتحرق عليه. هو السبب في كل اللي حصل ده… هو وأخته العقربة… كانوا شؤم علينا… لازم يموت يا إلياس!”
تنهد إلياس مرة أخرى، وقبل يديها، واردف بضيق:
“هيموت يا حاجة… أي حد شارك في موت شيرين صدقيني، مش هسيبه مهما حصل.”
ألقى إلياس كلماته، ثم غادر. وبعد فترة، كانت رقية تقف في مكانها، تصرخ بشدة، بينما تشاهد المنزل يحترق. وصلت أفنان إلى مكان الحريق، واقتربت منها، ورددت بصدمة:
“رقية… إيه اللي حصل؟ وائل؟”
صرخت رقية بنبرة يائسة:
“وائل جوه يا أفنان… أخويا جوه، بيموت! أخويا بيموت، أنقذيه بالله عليك!”
ولكن قبل أن تكمل رقية كلامها، قاطعهم صوت سيارة الشرطة. نزل الضابط واقترب من أفنان قائلاً:
“أنتي مطلوب القبض عليكي.”
نظرت أفنان إليه بصدمة، وهتفت بنبرة مرتبكة:
“نعم؟ ليه؟ أنا عملت إيه؟ هو إيه اللي بتقوله ده يا فندم؟ في قضية إيه طيب؟”
أجاب الضابط بجدية:
“قتل… وصلنا معلومات إنكِ السبب في موت الحاج رشيد ومراته.”
نظرت رقية إليه بصدمة، وهتفت بسرعة:
“حج رشيد ومراته؟! أفنان، أبويا وأمي ماتوا… ماتوا! اتكلمي ليه ساكتة كده هما ماتوا؟”
نظرت أفنان إلى رقية بدموع، ثم حاولت أن تتحدث لكن الضابط أشار للعسكري أن يأخذها بعيداً. فصرخت أفنان وهي تبكي مرددة:
“والله ما عملت حاجة… جسمًا بالله ما عملت أي حاجة.”
كانت تصرخ ببكاء مرير بينما أخذها رجال الشرطة في السيارة. نظرت رقية إليها بدموع، وفجأة انتفضت عندما سمعت صوت إلياس يردف بسخرية:
“فيه واحدة محترمة برده تهرب من بيت جوزها كده.”
التفتت رقية بصدمة، لتجد إلياس أمامها. حاولت الركض، لكنه سحبها إليه، قائلاً بسخرية:
“عيب… مينفعش تهربي من جوزك يا مرتي الحلوة… وصحيح، اترحمى على أفنان، علشان اللي خدوه دول مش بوليس… دول رجالت. ودلوقتي بدأ وقت الحساب بينا.”
رواية الغرفة المغلقة الفصل الرابع 4 - بقلم نور الشامي
كانت تقف في وسط تلك الغرفة المعتمة تصرخ بشدة وتطرق على الباب بعنف، وكأنها تتشبث بآخر أمل في النجاة.
تردد بصوت مختنق بالبكاء:
يارب. أنا مالي بكل ده؟ ساعدني يارب وخرجني من اهنيه … بالله عليكم حد يفتح الباب.. حرام عليكم انتوا بتعملوا فيا اكده ليه.
كانت تصرخ أفنان بشدة ولكن صرخاتها تلاشت في الصمت المطبق، وكأن الجدران نفسها تتجاهل استغاثتها. فـ جلست على الأرض منهارة، ودموعها تنهمر بغزارة.
ولكن قبل أن يُقطع سكون الغرفة فجأة، ظهر صوت مخيف اخترق أذنيها. كان صوت زئير قوي… زئير أسد جائع.
فـ انتفضت أفنان من مكانها، وقلبها يكاد يتوقف من الخوف. وبدأت تلتفت حولها بارتباك بحثًا عن مصدر الصوت، حتى وقع بصرها على باب حديدي يظهر من بعيد، وكأن الغرفة تخبئ أسرارها المروعة.
وبدأ الباب يُفتح تدريجيًا، ببطء يوحي بأن ما وراءه هو الجحيم بعينه. فـ رأت عيون الأسد… عيون جائعة تترصدها، تتوهج برغبة متوحشة، تنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض عليها..
فـ تراجعت للخلف بخطوات متعثرة… وصوت صرخاتها يمزق الأجواء مردده:
افتحولي الباب! بالله عليكم حد يخرجني من اهنيه ! سامعني؟! فيه حد سامعني.. خرجوني بالله عليكم.
كانت تصرخ أفنان بشده ولكن لا مجيب، لا شيء سوى صوت الحديد الثقيل الذي ينذر بقرب النهاية… فـ تسارعت أنفاسها، ودموعها تسابق الزمن، وهي تشعر أن حياتها كلها تنتهي هنا وكأنها في فيلم رعب مخيف.
فـ تمتمت بصوت مرتجف، بالكاد يُسمع وسط شهقاتها:
خلاص… أنا هموت اهنيه … يارب، ساعدني… والله أنا عمري ما أذيت حد. ساعدني، يارب… بالله عليكم خرجوني ابوس يدكم.. حد يخرجني يا عالم.
لقت أفنان كلماتها وكان الباب الحديدي يُفتح أكثر فأكثر، والأسد يزأر بصوت يصم الآذان، يتقدم ببطء لكنه مليء بالعزم، كأنه يستمتع ببث الرعب في قلبها. لم تجد أفنان ملاذًا سوى التراجع للخلف حتى التصقت بجدار الغرفة البارد، وكأنها تحاول الهروب إلى عالم آخر بعيدًا عن هذا الكابوس.
وبينما كانت تستعد للأسوأ، فجأة، ومن العدم، انفتح باب الغرفة بقوة، وامتدت يد قوية لتجذبها للخارج. كان إلياس.. يهرع لإنقاذها في اللحظة الأخيرة.
عندما أغلق الباب الحديدي بسرعة، حاجزًا الأسد خلفه، بينما كانت أفنان تنهار بين ذراعيه. كانت ترتجف وهي تتشبث به وكأنه طوق النجاة الوحيد، و تبكي بلا توقف.
فـ همس لها بصوت منخفض لكنه واثق:
هششش.. اهدي خلاص.. مفيش حاجه دلوجتي انتي في امان.
لكن رغم كلماته المطمئنة، لم تستطع أفنان نسيان تلك العيون المتوحشة التي كادت تلتهمها. كانت الغرفة المغلقة قد تركت بصمتها عليها، وكأنها ستظل تطاردها في كل مرة تُغمض فيها عيناها.
وسرعان ما انتبهت أفنان إلى صوت إلياس، فابتعدت عنه بسرعة وهي تنظر إليه بعينين حمراوين من كثرة البكاء والخوف.
و تمتمت بصوت مرتجف، يكاد يعكس عجزها وغضبها:
ليه؟! انت بتعمل اكده ليه عاد ؟ ليه دايمًا بتحاول تأذي كل ال حواليك؟ حتى مش بتموتهم وترحمهم! أنت بتكون مبسوط وأنت بتشوفهم خايفين ومرعوبين اكده ؟ انا جسمي بيقشعر منك جسما بالله كل ما اشوفك … أنت مستحيل تكون إنسان، أكيد شيطان… أنا مش فاهمة ليه كل ال بتعمله ده! حرام عليك، ليه.
ولكنها لم تُكمل كلماتها. و في لحظة، سحبها إلياس إليه بقوة فارتطم رأسها بصدره، بينما رد بصوت بارد خالي من أي مشاعر:
يا بنتي، انتي كنتي هتموتي من شوية… لولا إني أنقذتك وخرجتك من الأوضة في الوجت المناسب. مفيش عندك حاجة اسمها ‘شكرًا ايد.
نظرت إليه أفنان بغضب مشتعل وجاءت لترد عليه، لكن فجأة، تجمدت مكانها و غرست رأسها بين أحضانه تلقائيًا عندما دوّى صوت زئير الأسد مجددًا… حاولت أن تحتمي به رغم كرهها له، لكنها لم تتحمل الضغط النفسي والخوف الشديد.
وقبل أن ينطق إلياس بحرف، شعر بتراخي جسدها بين ذراعيه وفقدت وعيها تمامًا.
فتنهد بضيق، وحدّث نفسه بحدة:
اصل أنا ناجص وجع دماغ… بنت مدلعة، وفرفورة، خايفة من صوت أسد؟! يلا معلش، تستاهل. ولسه أصلًا مشافتش حاجة مني.
أنهى الياس كلماته وحملها بين ذراعيه بخفة ثم توجه إلى غرفته، ووضعها على الفراش، ووقف ينظر إليها بضيق وكأن وجودها نفسه عبء عليه.
لكن وسط أفكاره الغاضبة، قاطع شروده صوت الخادمة التي دخلت لتخبره مردده:
ألياس بيه… وليد بيه وصل تحت هو ومدام زينة.
ارتسمت ابتسامة على شفتيه، وكأن ذكر الاسم أشعل بداخله شيئًا مختلفًا. و استدار سريعًا وخرج من الغرفة دون أن ينظر خلفه، تاركًا أفنان غارقة في غيابها.
وبعد فترة، وصل إلياس إلى أحد المنازل الكبيرة، ليكسر هدوء المكان صوت خطوات صغيرة تركض نحوه.
ما إن فتح الباب حتى قفزت طفلة صغيرة بين ذراعيه، تعانقه بحب وتردد بسعادة:
بابا… واحشتني جوي!
ابتسم إلياس، وربت على خصلات شعرها الناعمة قائلاً:
انتي كمان والله واحشتيني جوي.. اي الجمال دا.
وقبل أن يكمل الياس كلامه اقترب وليد مبتسماً من الخلف وعلق مازحاً:
لا أنا زعلان جوي… أكده تنسيني خالص وأنا ال جاي مخصوص علشانك. يلا هاتي، حضن كبير!
ضحكت الصغيرة بخجل قبل أن تقفز في أحضان وليد الذي رفعها عالياً، يداعبها بابتسامة عريضة.
وبعد لحظات، كان إلياس يقف وحيداً في غرفة كبيرة داخل المنزل. الجدران بدت متشققة والأثاث متناثر ومكسور، بينما لفتت أنظاره آثار دماء باهتة على الأرض والجدران، وكأنها تروي قصة مأساوية مضت منذ زمن.
عيناه توقفتا على صورة معلقة في منتصف الحائط. اقترب منها ببطء وحدق فيها مطولاً، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة حزينة.
كانت الصورة لفتاة ذات ملامح بريئة، تخطف القلوب بجمالها. تنهد إلياس بعمق، وبدت على وجهه آثار الذكريات الثقيلة، قبل أن يقطع شروده صوت وليد، الذي دخل الغرفة قائلاً بضيق:
ها يا ابن عمتي… ناوي علي أي؟ لسه منسيتش طول الفتره دي؟ أنا جولتلك نجتلهم يا إلياس.
استدار إلياس نحوه بعينين مشتعلتين، وصاح بحدة:
الجتل رحمه ليهم…و أنا مستحيل أرحمهم بالساهل اكده. وائل لسه عايش اصلا وأنا مش هريحه! لازم يتعذب… على كل حاجه عملها في حياته هو ورقيه.. الاتنين هوريهم العذاب الوان.. هخليهم يندموا انهم عرفوني من الاصل.
تنهد وليد بحسرة، واقترب منه محاولاً التهدئة، لكنه لم يستطع كتم غضبه واردف بعصبية:
مينفعش تفضل اكده طول عمرك… تنتجم من كل حاجه. وأفنان ملهاش ذنب! هي حتى محاولتش تجتل شيرين الله يرحمها. سيبها تمشي أو سفرها من البلد. لكن وائل ورقية لازم يموتوا! أنت مستني إيه بعد كل ده؟ كفاية انتجام، يا إلياس.
صرخ إلياس بغضب، وكأن الكلمات أشعلت جمرة الألم في داخله مرددا:
كفاية؟! هما مكنوش كفاية ال عملوه في نسمه! وائل الحيوان اعتدى عليها، وبعدين هو واخته الزبالة جتلوها! جتلوا مرتي بكل دم بارد يا وليد ، وبتجولي كفاية؟! أنا مستحيل أسيبهم، والله ما هسيبهم مهما حوصل! وأفنان الغبية ال فاكراني شيطان مش عارفه هما عملوا إي…اصلا رقيه نفسها كانت السبب في دخول ابوا افنان السجن لحد ما مات فيه….و أنا…انا مش جادر أنسى شكل نسمه وهي مجتولة قدامي … هدومها متقطعة، مرميه على الأرض. ورقية بعدها جاية تواسيني كأنها مش السبب، وأخوها الحقير خطب بنت عمي كمان… كأنوا عايشين حياة طبيعية بعد كل ده. مستحيل أرحمهم، مستحيل!
اقترب وليد منه بخطوات مترددة، قبل أن يمد ذراعيه ويحتضنه، قائلاً بهدوء يشوبه الحزن:
طيب… استهدي بالله، ومتعصبش نفسك. أهدي، يا إلياس.
لقي وليد كلماته بحزن لكن ملامح إلياس ظلت متجمدة، وعيناه معلقتان بالصورة، وكأنهما تعيدان له شريطاً من الوجع الذي لا ينتهي.
وفي صباح يوم جديد، كانت أفنان تقف أمام القصر، تنظر إليه بدهشة، بينما يعم المكان حركة نشطة للخدم الذين كانوا ينتقلون من مكان لآخر.
اقتربت من إحدى الخادمات، وهي تتمتم:
هو في إي؟ انتوا سايبني أمشي اكده عادي؟ محدش حابسني ليه؟
ابتسمت الخادمة بحذر واردفت:
إلياس بيه جال اننا لازم ننفذ أي أوامر تطلبيها يا هانم.
وقبل أن تكمل كلامها، صمتت فجأة وهي تحدق خلف أفنان. فـ التفتت أفنان لترى إلياس يقف أمامهما، نظراته ثابتة وملامحه غامضة. فشعرت بالارتباك لكنها رفعت رأسها متحدية:
إنت عايز إي بالضبط؟ بتخطط لإي؟ أكيد هتجتلني… وفين رقية؟ حرام عليك، إنت وديتها فين؟ ده بيت مرتك صوح؟ مرتك التانية ال عندك منها بنت.. انا عارفه كل حاجه علي فكره.
بدت كلماتها كالسهم الذي أصاب إلياس، إذ ظهر الغضب في عينيه. واقترب منها بخطوات سريعة، وصوته مليء بالحدة مرددا:
مين جالك إن بنتي من مرتي دي ال بتتكلمي عنها ؟ بنتي من رقية… هي أم البنت ال بتتكلمي عليها دي.
تراجعت أفنان بصدمة، عيناها تبحثان عن تفسير في ملامحه. لكن صوت باب القصر المفتوح شتت انتباهها.
و فجأة، دفعت إلياس بعيدًا عنها وركضت نحو الخارج بأقصى سرعتها، غير مكترثة بنداءاته المتكررة.
وما إن وصلت إلى البوابة حتى وقفت في وسط الطريق دون أن تنتبه إلى السيارة المسرعة القادمة نحوها.
خرجت صرخة مدوية من إلياس عندما اصطدمت السيارة بها وألقتها أرضًا. فـ هرع نحوها بوجه مليء بالذعر، لكنها كانت فاقدة الوعي.
وفي وقت لاحق، وقف إلياس في المستشفى، ينظر إلى الطبيب الذي أنهى فحصه قائلاً:
الحالة مستقرة. عندها خدوش وكسر بسيط في القدم، لكن… فقدت الذاكرة. الإصابة أثرت على الرأس، ومش معروف إذا كانت الذاكرة هترجع إمتى.
القي الطبيب كلماته وترك المكان، فدخل إلياس الغرفة بخطوات مثقلة. وجلس بجوارها، ينظر إليها بتعب مرددا:
حمد لله على سلامتك… حاسة بأي دلوجتي؟
فتحت أفنان عينيها ببطء، نظرت إليه بارتباك وسألت بصوت ضعيف:
إنت مين؟
لم يستطع إلياس الرد فورًا، لكنه لم يملك سوى التنهد بإحباط.
فجأة، قاطعه صوت أنثوي حاد قادم من خلفه:
جوزك… دا إلياس جوزك!
التفت إلياس بسرعة وانفزع من مكانه عندما وجدها تنظر امامه. وفجأه ويتبع….
رواية الغرفة المغلقة الفصل الخامس 5 - بقلم نور الشامي
وقف إلياس مصدومًا وعيناه معلقتان على السيدة الجالسة بجانب أفنان، تتحدث بابتسامة وهدوء وكأن الأمر طبيعي تمامًا مرددة:
لأ يا جلبي، إنتي بس حوصلك حادثة بسيطة اكده وإلياس جابك المستشفى. وإنتي وهو متجوزين بجالكم خمس سنين، بس يمكن إنتي ناسية بسبب الحادثة ال حوصلتلك.
نظرت أفنان إليها بتوتر وعدم تصديق يكسو ملامحها وهتفت:
طيب… وإنتي مين؟ إحنا عندنا ولاد ولا لسه؟
تنهد إلياس بضيق وهمّ ليتحدث، و لكن قاطعته السيدة بسرعة ولهفة:
طبعًا يا حبيبتي، عندكم بنت زي الجمر ما شاء الله عليها ربنا يحفظها ليكم يارب وأنا ابجي أم.
اتسعت عينا إلياس من الصدمة، وكأنه تلقى صفعة مفاجئة. لم يستطع أن يتحمل أكثر من ذلك، فأشار للسيدة بالخروج فورًا.
وبعد دقائق، كان يقف أمامها، ملامحه مشتعلة بالغضب وصوته يرتفع شيئًا فشيئًا مرددًا:
إزاي يعني؟! إي الكلام ال بتجوليه ده؟! إحنا اكده بنكدب عليها… يا حجة بالله عليكي كفاية. أنا أصلًا مش فاهم إنتي بتخططي لإي عاد، بس ال بتعمليه ده غلط.
نظرت السيدة إليه بضيق، ولكن كلماتها خرجت بحزم:
ال بعمله ده هو الصوح! حفيدتي لازم يكون ليها أم، وأفنان هي ال هتكون أمها. وإن شاء الله مش هترجعلها الذاكرة، وهنجولها إنكم انفصلتوا بسبب أي حاجة غلط مثلا هي عملتها. وبعدين ترجعوا تتجوزوا من أول وجديد، عادي جدًا. وإنت وعدتني، يوم ما بنتي نسمة ماتت، إنك مش هترفضلي طلب. كفاية إني خسرت بنتي… مش عايزة أخسر حفيدتي كمان يا إلياس.
وقبل أن تنهي السيدة حديثها، قاطعها إلياس بصوت يملؤه الغضب واردف:
إزاي يعني؟! إنتي عايزاني أخليها تعيش في وهم وحياة مش بتاعتها أصلا…. وكمان أتجوزها بالكدب؟! وبعدين دي أكتر واحدة بتكرهني.. وأنا كمان بكرهها! دي صاحبة رقية المقرّبة، يا حجة سميرة فكري في ال انتي بتجوليه بالله عليك.
تنهدت سميرة وردت بحدة، دون أن تهتز لكلماته:
أفنان غير رقية، وأنا عارفة إنها بنت كويسة. دي الوحيدة ال هأمنها عليك وعلى حفيدتي. وإنت وعدتني، ومش هقبل أي اعتراض. من النهارده، أفنان هي ال هتكون معاك وانتهينا بجا علي اكده.
ألقت سميرة كلماتها وغادرت بخطوات حاسمة، تاركة إلياس يصرخ بغضب لا يستطيع احتواءه، صرخات تملأ المكان لكنها لا تجد من يسمعها.
وفي المساء، وفي إحدى المستشفيات الخاصة بالأمراض النفسية، وقفت رقية في غرفة فارغة لا تحتوي إلا على فراش وحيد، وهي تصرخ بجنون:
يا ناس… حد يخرجني من اهنيه… حرام عليكم! بتعملوا فيا اكده ليه؟! إلياس، بالله عليك، خرجني… خرجني من اهنيه ابوس يدك.
تكمل رقية كلماتها حتى دخلت سيدة غريبة الغرفة، فـ تراجعت رقية للخلف وهي تهتف بتوتر:
انتوا عايزين مني إي؟ ابعدي عني! أوعي تلمسيني! والله العظيم هصرخ وألمّ عليكي الناس كلها! سيبوني في حالي بجا، حرام عليكم.
ولم تتمكن رقية من إنهاء حديثها إذ قاطعها دخول وائل، الذي ركض نحوها ليحتضنها بحماس مرددًا:
رقية… واحشتيني جووي. متخافيش، أنا معاك اهه.
نظرت رقية إليه بدموع… قبل أن تهتف بلهفة:
إنت لسه عايش؟! الحمد لله… الحمد لله! أنا كنت خايفة عليك جوي. بالله عليك يا وائل خرجني من اهنيه.. بالله عليك.
ألقى وائل نظرة حذرة حوله، ثم اقترب منها أكثر وهمس بصوت منخفض:
صدّجيني كل ال بعمله ده علشان مصلحتنا إحنا الاتنين. سامحيني بالله عليكي.. أنا اسف.
نظرت رقية إليه بدهشة، وقبل أن تستوعب كلماته، شهقت فجأة حين غرس وائل سكينًا في أسفل بطنها. ووقعت على الأرض وهي تحدق فيه بصدمة، لم تصدق ما حدث حتى فقدت وعيها.
وفي صباح اليوم التالي…
كان إلياس يجلس على طاولة الطعام مع عائلته، شارداً بنظراته التي تجوب الوجوه حتى قاطعت شروده زينة التي تحدثت بضيق:
أنا مش موافجة على ال بيوحصل ده و شايفة إنه حرام عليكم. ليه الظلم ده كله.
نظر الجميع إلى زينة باستغراب وخصوصًا وليد، الذي رد بحدة:
وانتي مالك؟ تعرفي هما عملوا إي أصلاً علشان تتكلمي اكده.. ولا هو أي كلام وخلاص.
ردّت زينة بغضب:
لا معرفش، بس مهما عملوا، ميستاهلوش ال بيحصل فيهم… أي الافترا دا كله هو أي احنا مجرمين يعني.
وقبل أن تكمل زينة كلامها، قاطعتها نادية بغضب مرددة:
زينة! مدام متعرفيش، يبجى متتكلميش. بنتي ماتت بسببهم غير ال عملوه وانتي متعرفيش عنه حاجه ، وانتي جاية دلوجتي تدافعي عنهم بكل سهوله.
نظرت زينة إليها بضيق، وقبل أن ترد، دخل الحارس فجأة، متوجهًا نحو إلياس وهو يلهث مردفًا:
إلياس بيه… بنت حضرتك مش موجودة في البيت. اختفت! وكمان أفنان هانم اختفت من المستشفى!
نهض إلياس من مكانه، وقد ارتسمت الصدمة على وجهه.
اردف الياس بصدمه :“بتجول ايه ياولد المركوب انت !!”
ابتلع الحارس لعابه برعب مرددًا:
“يالياس بيه اني معارفش ده حوصل ازاي اا..”
قاطعه الياس منقضًا عليه ممسكًا إياه من تلابيب قميصه واخذ يهزه بعصبية وهو على وشك فقدان عقله:
“يعني ايه اختفو ! وانتوا كنتوا بتعملو ايه ! نايمين على ودانكم ”
صرخ بكلمته الأخيرة جاعلاً الحارس يشعر أن نهايته وشيكة على يد ذلك الماثل أمامه بهيئته الشيطانية تلك…
الحارس برعب:
“يا الياس بيه احنا منعرفش ايه ال حوصل اختفو فجأه يابيه ”
التفت يدي الياس حول عنق الحارس بقوة ليصارع الحارس للتنفس محاولًا الفكاك، تدخل الجميع محاولين جذب إلياس بعيدًا عن ذلك الحارس.
قام وليد بسحب إلياس بعيدًا عن الحارس بقوة مقيدًا حركته صارخًا بقوة:
“اهدي ياالياس ، اهدي عشان نعرف نفكر ”
الياس بغضب محاولًا الفكاك:
“هملني ياوووليد هملني ”
وليد بعصبية:
“مش ههملك غير لما تهدي وعشان نعرف نفكر ونتصرف ”
نفض إلياس جسده من قبضة وليد يمرر أنامله في خصلات شعره يجذبها للخلف بقوة بجسد ينتفض من شدة الغضب.
التفت للحارس الذي كان يلتقط أنفاسه بصعوبة ناظرًا إليه بعينان مشتعلة بالغضب مرددًا:
“فرغلي كاميرات المستشفى وكاميرات البيت ساعة واحدة بس واعرف مكانهم سااامع ”
أومأ الحارس برعب مرددًا:
“أمرك ياالياس بيه ”
أنهى الحارس كلماته ليفر هاربًا من أمام ذلك الوحش الواقف أمامه.
وقف إلياس يجوب بعينيه في المكان قبل أن ينتفض راكضًا نحو الخارج وخلفه وليد يحاول اللحاق به.
في مكان آخر…
كانت أفنان فاقدة للوعي على تلك الأرض القاسية الباردة وبجوارها تلك الصغيرة النائمة لا تشعر بشيء.
فتحت عينها ببطء تزامناً مع انفتاح باب الغرفة لترمش في محاولة منها لوضوح الرؤية. ظلت على تلك الحالة بضع ثوانٍ حتى اتضحت الرؤية أمامها لتقع عيناها على ذلك الرجل الذي كان يتقدم نحوها بخطوات متمهلة.
جلس القرفصاء أمامها لتقطب حاجبيها ناظرة إليه بتفحص لتزداد عقدة حاجبيها بعد أن شعرت بذلك الألم الشديد في رأسها.
اردفت أفنان بألم:
“انت مين ؟”
اتسعت ابتسامة الجالس أمامها بخبث مرددًا:
“جوزك ”
نظرت إليه بعينان متسعة بعدم تصديق:
“انت كداب اني معرفكش جوزي هو ..”
صمتت تتذكر اسمه يحاول عقلها تذكر اسمه ولكن لا تستطيع، دقائق حتى تذكرت حديث تلك المرأة لتردد ناظرة إليه بحدة:
“الياس هو جوزي ”
انتفض الماثل أمامها بتوتر ويتبع….
رواية الغرفة المغلقة الفصل السادس 6 - بقلم نور الشامي
وقف وائل أمام أفنان، ملامحه بدأت تفقد هدوءها السابق، وتسلل التوتر إلى صوته وهو يرد:
“إلياس مش جوزك يا أفنان، ودي الحقيقة ال لازم تصدجيها… الوجت هيكشفلك كل حاجة.. بلاش تخلي حد يكدب عليكي”
حاولت أفنان أن تنهض رغم الألم في رأسها، لكنها شعرت بالدوار يجتاح جسدها، فأمسكت بالجدار لتستعيد توازنها. نظرت إلى الطفلة النائمة بجانبها، وشيء غامض في داخلها دفعها لحمايتها مرددة:
“إنت كداب… عايز مني إي؟ وليه أنا موجوده اهنيه ؟ والبنت دي بنت مين عاد ؟”
اردفت أفنان بصوت مختلط بالغضب والخوف. فاقترب وائل منها وصوته هذه المرة أكثر حدة واردف:
“كل الأسئلة دي ملهاش لازمه دلوجتي. ركزي على إنك تعيشي وتنقذي نفسك لأنك لو فضلتي تعاندي مش هتخرجي من اهنيه عايشه..انا لسه عامل احتران للعشره ال بينا غير اكده مش هخرج اهنيه عايشه ولا البنت كمان”
نظرت أفنان إليه بغضب وصرخت بحزم، غير آبهة بتهديداته:
“اجتلني عادي بس مش هصدج كلامك برده.. انت اكيد بتكره جوزي علشان اكده عايز تعمل فيا حاجه”
نظر وائل إليها بصمت، ثم اقترب من الطفلة ووضع يده على كتفها الصغير وهتف:
“لو رفضتي تساعديني… مش هتكون هي في أمان.. دي بنت الياس”
تراجعت أفنان خطوة إلى الخلف بصدمه عندما علمت أنها ابنتها مثلما اوهمها الياس وقلبها ينبض بجنون، لكنها كانت تعرف أن استسلامها لن يكون حلاً. وفي لحظة خاطفة، وبينما كان الرجل منشغلاً بإغلاق باب الغرفة، التقطت أفنان قطعة حديد صغيرة كانت ملقاة على الأرض… تقدمت نحو الرجل بخطوات حذرة، وقبل أن يدير وجهه إليها، ضربته بقوة على رأسه.
فسقط على الأرض فاقدًا الوعي، وصوت سقوطه جعل الطفلة تستيقظ باكية. فركضت أفنان نحو الطفلة، رفعتها بين ذراعيها وهي تحاول تهدئتها. ثم توجهت نحو الباب، فتحت بحذر، وقلبها ينبض بالرهبة من المجهول الذي ينتظرها في الخارج.
وفي مكان آخر… كان إلياس يراقب تسجيلات الكاميرات مع وليد. عينيه مشتعلة بالغضب والقلق، حتى توقفت الصورة عند لقطة تظهر أفنان تُجر من المستشفى من قبل رجل غريب. التفت إلى وليد قائلاً بصوت يشوبه القلق:
“لازم نلاجيهم بسرعة… قبل ما يكون فات الأوان.. وائل.. جسما بالله العظيم لهجتله”
وضع وليد يده على كتف إلياس قائلاً:
“هنلاجيهم يا إلياس، مهما حوصل… وائل عايز ينتجم منك علشان اكده خطف البنت الصغيره.. بس ليه خطف افنان مش فاهم”
تجمد إلياس في مكانه للحظات، وكأن فكرة خطرت في باله، قبل أن يلتفت إلى وليد قائلاً:
“رقيه… رقيه اكيد مش في المستشفي.. يبجي وايل لعب علينا تاني”
خرج إلياس مسرعًا، وداخل عقله كان هناك شيء واحد فقط إنقاذ أفنان والطفلة بأي ثمن.
وبعد فتره كان إلياس على وشك الخروج من البيت، ووجهه يحمل علامات التوتر والقلق. لكنه توقف فجأة عندما رأى باب المنزل يفتح بعنف، ودخلت أفنان وهي تحمل الطفلة بين ذراعيها، تلهث وكأنها كانت تركض بلا توقف…
فتجمد إلياس في مكانه وعينيه متسعتان من الصدمة. لم يتوقع رؤيتها… وبالتأكيد ليس بهذا الشكل. وقبل أن يتمكن من نطق كلمة، ألقت أفنان الطفلة في حضن نادية، ثم ركضت نحو إلياس.. وألقت ذراعيها حوله بقوة، جسدها يرتجف وهي تهمس بصوت مكسور:
“والحمد لله… الحمد لله إني لجيتك! كنت خايفة جووي… كنت فاكرة إني مش هجدر أوصل اهنيه”
حاول إلياس أن يتماسك، لكنه شعر بشيء غريب يتحرك بداخله. للحظة نسيت عيناه نظرات أهله المصدومة حولهما، ووجد نفسه يضع يده بحذر على كتفها مرددا:
“أفنان… إنتي بخير؟ حد أذاكي او عملك حاجه… جوليلي خرجتي ازاى”
رفعت أفنان وجهها إليه، عيناها الواسعتان تلمعان بالدموع، ولم تفكر كثيرًا قبل أن تقول:
“أنا كنت خايفة عليك… وخايفة على بنتنا! اوعدني… اوعدني إنك مش هتسبني تاني بالله عليك يا الياس. الراجل دا كان بيجول انك مش جوزي بس انا مصدجتوش… انا مصظجاك انت.. هو اكيد عدوك مستحيل اصدجه”
ألقت أفنان كلماتها التي كانت مثل سكين يغرس في صدر الياس الذي حاول أن يحتفظ بتماسكه، خاصة وأن الجميع ينظر إليه بوجوه متسائلة، لكن صوته خرج متقطعًا:
“أفنان، اهدي… أنا موجود اهه محدش هيجدر يعملكم اي حاجه تاني”
أمسكت أفنان يده بشدة، وكأنها تتشبث به بكل قوتها ورددت بصوت منخفض:
“أنا آسفة لو كنت زعلتك في أي وجت… بس أنا محتاجالك دلوجتي.. متسبنيش بالله عليك يا الياس”
اختلطت مشاعر إلياس بين الحيرة والذنب. كان يعلم أنها تعيش في كذبة كبيرة، لكنه لم يستطع أن يبتعد عنها. فـ ابتلع ريقه بصعوبة، ثم هتف بصوت متوتر:
“طيب… تعالي، ندخل جوه. نتكلم بهدوء وترتاحي كمان.. انتي لسه تعبانه”
نظرت أفنان إلى الطفلة، ثم إلى نادية التي كانت تحملها واردفت بنبرة أشبه بالرجاء:
“هي بخير؟ بنتنا كويسة؟”
كاد إلياس ينفجر من التوتر، لكنه تمالك نفسه وأشار برأسه بالإيجاب مرددا:
“أيوة، كويسة. متخافيش.. مرت عمي هتهتم بيها”
كانت نادية تنظر إليه بدهشة واضحة، لكنها لم تقل شيئًا، واكتفت بمراقبة المشهد حتى انتبهت إلى وليد، الذي كان يقف بجانبها، فتمتمت بصوت خافت:
“إي اللعبة دي يا وليد.. انتوا بتعملوا اي عاد انا مش فاهمه حاجه.. مرت مين وبنت مين؟!”
أدار وليد وجهه نحو ناديه واردفت بصوت خافت:
“مش وجته يا حجه… هفهمك كل حاجه بعدين”
ألقى وليد كلماته وذهب.
وفي مساء يوم جديد كان يقف الياس امام قبر نسمه حيث كانت السماء ملبدة بالغيوم، وكأنها تعكس ما بداخله من حزن وضيق. وقف إلياس أمام القبر.. عيناه مثبتتان على اسمها المنقوش على الحجر البارد. أحكم قبضته على حزمة من الورود البيضاء، وصدره يعلو ويهبط وكأن الهواء نفسه يثقل عليه. ثم جلس القرفصاء أمام القبر، ووضع الورود عليه بهدوء، ثم مرر أصابعه على الحروف المنقوشة، صوته يخرج متحشرجًا:
“سامحيني يا نسمة… سامحيني إني معرفتش أحميكي، وإني لحد دلوجتي مش جادر أصدج إنك مش موجودة”
صمت الياس للحظة، وكأن الكلمات تخونه. أخذ نفسًا عميقًا، ثم تابع بصوت مكسور:
“عارف إنك كنتي أقوى مني بكتير…. كنتي عارفة كل حاجة عني ، حتى الحاجات ال مخبيها جوايا. ودايمًا كنتي معايا… لحد آخر لحظة في حياتك”
توقف الياس قليلاً ودمعة ثقيلة انسابت على وجنته. ثم تابع بصوت يشوبه الغضب والقهر مرددا:
“رقية… وائل… هما السبب في كل حاجة. جتلوا ضحكتك، جتلوا أحلامنا، جتلوا حتى الأمان ال كنت حاسه معاكي. بس أوعدك يا نسمة… أوعدك إنهم مش هيهربوا من ال عملوه.. جسما بالله لهخليهم يندموا في كل نفس يتنفسوه.. هما لسه مشافوش مني اي حاجه.. كل ال عملته فيهم مش هيجي واحد في الميه من ال هعملوا بعد اكده”
ألقى الياس كلماته ثم أخذ حفنة من التراب بين يديه، وكأنها رابط بينه وبين الماضي الذي فقده، وقال بهمس:
“لو تعرفي إني كل يوم بنام وأنا شايل وجعك جوا جلبي… وكل يوم بحاول أصبر نفسي إني هلاجيهم، وهخليهم يدفعوا الثمن. بس الحقيقة… الحقيقة إني تايه، تايه من يوم ما سيبتيني.. انا مبجيتش عارف اعمل اي ولا استحمل كل ال بيوحصل دا… كل حاجع بتروح مني ومش عارف ليه اكده ولا اي ذنبي”
أنهى الياس كلماته ثم رفع رأسه للسماء، وكأنها تحمل الأجوبة التي يبحث عنها. ثم استدار ليضع يديه على الأرض بجانب القبر وصوته صار أضعف لكنه مليء بالندم وهتف:
“نسمة، بنتك محتاجه ليا وأنا مش عارف أعمل إي…مبجيتش عارف اتعامل معاها … بس هحاول… هحاول عشانها، علشان مضيعش كل حاجه أكتر من كده سامحيني لو كنت ضعيف، سامحيني لو كنت خذلتك بالله عليكي.. انتي اكيد سمعاني…سامحيني”
ظل الياس جالسًا هناك لدقائق، قبل أن تنهض قدماه بثقل وكأنه يحمل على كتفيه جبالًا من الذكريات والوعود. وبينما كان يبتعد، همس لنفسه بصوت لا يسمعه أحد مردفًا:
“الرحمة مش مكانها اهنيه … الحساب لسه جدام.. انا صوح.. كل الناس دي متستاهلش الرحمه.. محدش منهم يستاهل اني ارحمه”
وفي مكان آخر في المنزل كان الليل هادئًا، والبيت غارقًا في السكون، إلا من صوت خطوات وليد المتثاقلة وهو يدخل الغرفة.. أغلق الباب بهدوء وعيناه تبحثان عن زينة التي كانت تجلس على حافة السرير تعقد ذراعيها أمام صدرها وكأنها تبني حاجزًا بينها وبينه. فـ اقترب وليد منها بحذر، لكن ملامحه تحمل مزيجًا من الحيرة والضيق وجلس بجانبها ثم مد يده ليلامس كتفها برفق قائلاً بصوت منخفض:
“زينة… مالك؟ ليه كل ده انا مش فاهم في اي عاد؟!”
تراجعت زينة خطوة إلى الوراء، ناظرة إليه بنظرة قاسية ومليئة بالعتاب مردده:
“مالك؟! انت تسألني أنا؟ ولا بتسأل نفسك على ال بيحصل حوالينا؟ وليه كل الناس اهنيه عايشين في كدب وظلم؟”
تنهد وليد، وحاول أن يمسك يدها، لكنها سحبتها بسرعة وكأنها لا تريد أي تواصل معه. فاردف بصوت يحاول أن يكون هادئًا وهتف:
“إنتي فاهمه كل حاجه غلط والله.. زينة. مش كل حاجة زي ما إنتي شايفاها.. اكيد احنا مش بالظلم دا علشان تعمل اكده في الناس من غير سبب”
ولم ينهي وليد حديثه حتي قاطعت زينة كلامه بنبرة مشتعلة مردده:
“يعني إي مش زي ما أنا شايفاها؟ انا شايفة بعيني ظلم وافترا، وبعدين انت متوقع مني إي بجا ان شاء الله.. اني اتفرج عليكم واسكت؟ ولا أشارك في ال بيحصل؟”
تنهد وليد بضيق ونهض ثم اقترب منها أكثر، محاولًا تهدئتها، ووضع يده على وجهها بحنان:
“زينة… أنا بحاول أحميكي. في حاجات لو عرفتيها هتوجعك أكتر والله… والله انتي ما فاهمه اي حاجه.. الناس دي مش زي ما انتي فاكره.. رقيه ووليد اسوء اتنين ممكن تشوفيهم في حياتك.. انتي متعرفيش اي حاجه كفايه بجا بالله عليك”
يحاول وليد ان يجعلها تهدا قليلا ويشرح لها الامر بدون ان يفصح عن الحقيقه ولكن زينة أبعدت يده بعنف، ونهضت واقفة أمامه ونظراتها غاضبة وملتهبة مردده:
“انت بتجول اكده لأنك جزء من الظلم ده.. وليد! أنا مش جادرة أفهم ليه كل ده بيوحصل. وائل ورقية… هما بشر برضو، مهما عملوا، مين فينا من حقه يحكم عليهم بالطريجة دي.. هو انتوا عينتوا نفسكم جلادين ولا اي انتوا كلكم شبه بعض”
نظر وليد اليها بصدمه شعر بالغضب يتصاعد بداخله فـ قبض على يديه بقوة، ثم اردف بحدة:
“زينة، مش كل حاجة ينفع تتحكي. صدطيني، في حاجات لو عرفتيها مش هتجدري تتقبليها. بلاش تدافعي عن ناس متعرفيش هم عملوا إيه”
رفعت زينة حاجبها بسخرية واضحة قائلة:
“ولو حتى! في قانون يحكم بينهم وبينكم. مش هتاخدوا بتاركم بأيدكم… مش بظلم الناس بالشكل ده. وأنا مش هفضل ساكتة وأشوفكوا بتعملوا كده”
انفجر وليد غاضبًا وصوته ارتفع أكثر قائلا:
“زينة، متحطيش نفسك في مكان مش مكانك! صدجيني، مفيش حد مظلوم اهنبه غيرنا! وال بتدافعي عنهم دول…”
توقف وليد فجأة، وكأن الكلمات علقت في حلقه. حاول أن يسيطر على أعصابه، لكنه لم يستطع إنهاء جملته. فصرخت زينة في وجهه مردده:
“إي؟! ليه مش جادر تجول؟ عشان عارف إنك غلطان؟ عارف إن كل ده ظلم.. عارف انك ظالم زيك زي الياس بالظبط؟”
صمت وليد للحظة، ثم نظر إليها بنظرة تحمل كل الألم والخذلان. واردف بصوت منخفض لكنه مشحون بالانفعال:
“أنا مش بتكلم مع واحدة مش عايزة تفهم. لو فاكرة إنك على حق، يبجى تمام. بس بلاش تلومي غير نفسك بعدين يا مدام زينه”
ألقى وليد تركها وخرج من الغرفة، صافعا الباب خلفه بقوة كافية لجعل الغرفة ترتج. فوقفت زينة في مكانها، تتنفس بسرعة من شدة الغضب، لكن جزءًا صغيرًا من قلبها شعر بالانكسار وهي تسمع خطواته تبتعد.
وبعد فتره بسيطه كان الليل قد أرخى سدوله وغرفه الياس مضاءة بضوء خافت يعكس ظلالًا متراقصة على الجدران حيث كان إلياس يقف بجانب النافذة، ينظر إلى الخارج بشرود. وصوت خطوات رفيف الناعمة قطع الصمت. فـ التفت إليها ليجدها تتقدم نحوه بابتسامة خجولة، ترتدي رداءً حريريًا بسيطًا يزيد من أنوثتها. فأردفت رفيف بصوت ناعم:
“إلياس… مالك سرحان اكده ليه؟! مش عايزني أتكلم معاك ولا إي انت دايما ساكت”
أدار إلياس رأسه ببطء، محاولًا الحفاظ هدوءه مرددا:
“لع… مش اكده. أنا بس عندي شوية حاجات أفكر فيها مهمة”
اقتربت رفيف منه أكثر، وعيناها مليئتان بالحيرة والاهتمام وهتفت:
“طيب… أنا اهنيه علشانك. جولي في إي؟ يمكن أطدر أساعدك.”
تنهد إلياس وحاول أن يبتعد خطوة للخلف، لكنه وجدها تقف أمامه مباشرة، تضع يدها على صدره بحركة عفوية مردده:
“إلياس… إحنا متجوزين، ليه الحاجز ده بينا؟ أنا مش فاهمة انت بتبعد عني ليه عاد”
تجمد إلياس للحظة ثم أزاح يدها بلطف، محاولًا أن يتجنب النظر في عينيها:
“رفيف… الموضوع مش اكده. أنا بس محتاج شوية وجت… ومش عايز نضغط على بعض.. انتي تعبانه لسه وحوصل مشاكل كتير الفتره ال فاتت فعايزك ترتاحي انتي كمان”
نظرت رفيف إليه بحيرة وإصرار وخطت خطوة أقرب ثم همست:
“طيب خلينا نبدأ من جديد. مش المفروض خالص نبجى بعاد عن بعض اكده، إلياس”
ابتلع إلياس ريقه بصعوبة، محاولًا السيطرة على توتره ثم أدار وجهه بعيدًا وقال بنبرة حازمة لكن لطيفة:
“رفيف… الموضوع أكبر من اكده. إحنا مش محتاجين نستعجل. خليني أخرج دلوجتي علشان عندي شغل مهم جوي”
أمسكت رفيف بيده واردفت برجاء:
“ليه يا إلياس؟ أنا مش فاهمة… إنت بتبعد عني ليه ما لو فيه حاجه فهمني”
سحب إلياس يده منها برفق، ونظر إليها نظرة مليئة بالأسف مرددا:
“رفيف، صدجيني… أنا مش عايز أجرحك، بس لازم تفهمي إني مش جادر أكون قريب بالطريجة دي. أنا محتاج شوية وجت، وانتي كمان محتاجه وجت كبير.. افهميني بالله عليكي”
ألقى إلياس كلماته ثم استدار بسرعة وخرج من الغرفة، تاركًا رفيف تقف وحدها تحاول استيعاب كلماته. ولكن انصدمت فتح الباب فجأة، وظهرت رقية بخطوات سريعة عيناها تومضان بالغضب. ثم ابتسمت بسخريه واخرجت هذا السكين من حقيبتها مردده:
“جاه وجت الحساب يا صاحبتي الحلوه”
رواية الغرفة المغلقة الفصل السابع 7 - بقلم نور الشامي
كانت أفنان تصرخ بجنون وتتراجع للخلف حتى اصطدمت بالحائط. عيناها متسعتان بذهول، أنفاسها متقطعة، وهي تشير بيدها المرتعشة إلى الفراغ أمامها وتردد بصوت مرتجف:
"رقية… كانت أهني.. أنا شفتها كانت واقفة أهني، بس مالها؟ ليه كانت بتبصلي كده؟!"
لم تنهِ أفنان كلماتها حتى انفتح الباب بقوة، ودخل إلياس بسرعة. نظر إليها بدهشة، ثم إلى السكين التي كانت تمسكها بيده. فـ هرع نحوها وأمسك بمعصمها برفق محاولًا تهدئتها مرددًا:
"أفنان، هدي نفسك… إيه اللي حاصل؟"
كان إلياس يتحدث وعينا أفنان لا تزالان تبحثان في المكان بجنون، وكأنها تتوقع ظهور رقية من العدم. ثم هتفت بصوت مختنق بالبكاء:
"شفتها… إلياس.. رقية كانت أهني… كانت واقفة قدامي.. بس كانت غريبة.. كأنها مش هي… وشها كان شاحب… وكانت ماسكة سكينة!"
تجمد إلياس للحظة، ثم أسرع ليضع يديه على كتفيها محاولًا تهدئتها وردد بهدوء مصطنع:
"أفنان.. رقية مسافرة بره مصر… أكيد اللي شفتيه ده تخيلات! يمكن تعبتي، أو وحشتك فـ دماغك صورتلك إنها قدامك بس رقية مش موجودة أهني أصلاً."
صرخت أفنان وهي تبكي مرددة:
"لأ… مش تخيلات.. أنا متأكدة! كانت أهني. كانت بتبصلي بطريقة غريبة، وإيديها كان فيها سكينة صدقني يا إلياس."
ارتبك إلياس للحظة، لكن سرعان ما تماسك وابتسم ابتسامة هادئة ليهدئها واردف بصوت هادئ:
"يمكن ضغط الأيام اللي فاتت مأثر عليكي… خلينا نهدى، وأنا هفضل جنبك متخافيش أنا معاكي أهه."
لم ترد أفنان، فقط حدقت فيه بعينين زائغتين، ثم سمحت له بأخذ السكين من يدها. جلست على طرف السرير وهي لا تزال تحاول استيعاب ما رأته. أما إلياس فقد وقف أمامها للحظات، ينظر إليها نظرة معقدة قبل أن يشيح بوجهه بعيدًا يخفي شيئًا خلف عينين غامضتين.
وفي مساء يوم جديد في الإسكندرية، كان إلياس يقف في شرفته في أحد بيوته الخاصة المطلة على البحر. عيناه شاخصتان في الأفق كأنه يبحث عن إجابة بين الأمواج المتلاطمة. كان الليل قد غلّف المدينة بسكونه، لكن داخله كان عاصفًا. فكر في كلمات أفنان المرتبكة، في خوفها، وفي تصديقها الأعمى له، وفي الكذبة التي أصبح محاصرًا بها.
ثم أغلق عينيه للحظة، لكن صوت خطوات خلفه جعله يلتفت بحذر. كان وليد يقف هناك، ملامحه مشدودة وكأن لديه ما هو أخطر ليقوله، مرددًا:
"إلياس… لازم تاخد قرار بسرعة. أفنان لازم تعرف كل حاجة في أسرع وقت قبل ما الأمور تخرج عن السيطرة أكتر من كده."
نظر إليه إلياس بحدة ثم أردف بصوت منخفض:
"مش دلوقتي يا وليد. أي كلمة غلط ممكن تبوظ كل حاجة… وأفنان مش جاهزة. أنا جايبها أهني علشان تغير جو وكل اللي يهمني دلوقتي إن نفسيتها تتحسن وبس وبعدها هتبقى جاهزة تسمع كل حاجة."
ألقى إلياس كلماته، لكن وليد لم يتراجع، بل اقترب أكثر وردد بحزم:
"وأنت؟ أنت جاهز؟ جاهز تشوف نظرة الكره في عينيها لما تعرف إنك كنت بتخدعها طول الوقت ده؟!"
نظر إلياس إليه بضيق وشعر وكأن قبضته تنغلق على الهواء، ثم استدار ينظر للبحر مجددًا. الحقيقة بالنسبة له كانت مثل سيف مسلط على رقبته، لكنه لم يكن مستعدًا بعد لمواجهة نتائجه، أو بالأحرى مواجهة أفنان التي بدأ يكن لها بعض مشاعر الحب.
وفي الغرفة المجاورة، كانت أفنان جالسة، عيناها على الطفلة النائمة بجانبها. يدها مرتجفة وهي تلمس شعر الصغيرة برفق، وكأنها تحاول التمسك بالحقيقة الوحيدة التي بدت أكيدة في حياتها الآن. لكنها لم تستطع أن تتجاهل الشك الذي بدأ يتسلل إلى قلبها، فتمتمت بصوت بالكاد يُسمع:
"ليه كلهم بيكدبوا؟ وليه أنا حاسة إن كل حاجة حواليا مش صح.. أكيد إلياس مخبي عني حاجة كبيرة قوي بس إيه هي.. هو ليه دايماً متوتر كده وبيحاول يهرب مني.. حتى نظراته بحس إنه بيهرب بنظراته إنه يبصلي.. لأ. أكيد فيه حاجة غلط بس هي إيه.. إيه اللي مخبيه عني بس؟"
وفي مساء يوم جديد في الصعيد، كانت رقية تقف بجانب وائل على بعد مسافة قصيرة من منزل إلياس. عينها تراقب الطريق بترقب، والهواء البارد يهب من حولهم. حتى التفتت إلى وائل وأردفت بصوت حاسم:
"إلياس ووليد أكيد على وصول دلوقتي… راجعين من إسكندرية. ومرات عمي في البيت لوحدها لازم نغتنم الفرصة… لازم نولع في قلوبهم زي ما ولعوا في أهالينا.. لازم يحسوا بكل اللي هما عملوه فينا يا وائل."
نظر إليها وائل وأردف بضيق:
"رقية.. لازم ناخد بالنا كويس قوي إحنا نبدأ بحذر جاهزة."
رمقت رقية نظرة أخيرة إلى البيت قبل أن تتابع بحزم:
"جاهزة. وأول خطوة هي حرق قلبه على مرات عمو الـ بيحبها قوي وبيعتبرها زي أمه."
ألقت رقية كلماتها، ثم حركت يدها في الهواء كأنها تشير إلى بداية المعركة. بدأ وائل في التحرك، يحدق في الجدران المحيطة بمنزل إلياس. ثم تحركت رقية نحو المنزل، ووائل يتبعها، وعيونهم تتفحص المكان من حولهم. كانت أيديهم تتحرك بحذر لتنفيذ خطتهم.
ومع مرور الوقت، بدأ وائل في إشعال النار بالقرب من الجدران الخارجية للمنزل، وألسنة اللهب بدأت تنتشر تدريجيًا. سرعان ما لفتت الأنظار أضواء النار تعكس على الجدران المظلمة، مما أثار الفزع في المكان. والدخان الكثيف بدأ يلتف حول المكان حتى التهمت النيران في جميع أجزاء البيت. تجمع أهل البلد حول الحريق في حالة من الذهول والفوضى، وهم يحاول بعضهم إطفاء النيران بينما يتدافع البعض الآخر من أجل النجاة من هذه النيران التي بدأت تأكل الأخضر واليابس. ووصلت الإسعاف والمطافي أيضًا فورًا.
وبعد لحظات، توقفت سيارة إلياس ووليد أمام المدخل وهم ينظرون باستغراب. حتى خرجا بسرعة من السيارة، ووقفا في ذهول وعيونهما لا تصدق ما يحدث أمامهم. كان الدخان يملأ الأجواء ورائحة الحريق تغطي المكان. وما زال إلياس يقف في حالة صدمة، لكن سرعان ما بدأ يركض نحو البيت، وهو يردد باسم زوجة عمه. ولكن وقفت الشرطي وأهل البلد أمامه حتى يمنعوه من الدخول.
وأما عم وليد، فكان يحاول تنظيم الوضع وهو يصرخ في الجموع ليبتعدوا عن المكان. بينما إلياس وفرق الإنقاذ تحاول إخماد الحريق. وبعد دقائق مرت عليهم كسنوات، خرج المسعفون وهم يحملون الجثث والمصابين الخاصة بالحرس والخادمين الذي لم ينجُ منهم أحد تقريبًا. حتى ظهرت زوجة عمه متسطحة على هذه النقالة، ثم تبعها جثتان أخريان. فوقف إلياس مرددًا بصدمة:
"لأ… لأ.. مش ممكن.. كل ده كابوس أنا متأكد.. ده كابوس… كل ده كابوس."
همس إلياس بهذه الكلمات وهو يشاهد الجثث وعيناه مليئتان بالدموع والذهول. ووليد يقف بجواره يصرخ بشدة وزينة تحاول تهدئته. أما عند رقية، فكانت تقف من مكان بعيد قليلًا وسط الجموع متخفية هي وشقيقها وتراقب المشهد بهدوء وعيونها مشتعلة بفرح غير ظاهر رغم الفوضى من حولها. كانت تتابع كل شيء كأنما هو حلم تحقق لها.
بينما كانت الأضواء الصفراء لعربات الإسعاف تتقاطع مع الظلام الحالك في الأفق، والدخان ما زال يملأ الجو من حولهم، وفرق الإنقاذ تحاول إخماد الحريق الذي دمر جزءًا كبيرًا من منزل إلياس. في تلك اللحظات، بدأ المسعفون في نقل الجثث إلى سيارات الإسعاف. كانوا يمرون بجانب رقية ووائل اللذين كانا يقفان في زاوية مظلمة، يراقبان الحدث عن كثب. ورقيه تنظر بتركيز تام إلى النقالات التي كانت تخرج من المنزل المحترق. لحظة بلحظة، كان قلبها ينبض أسرع من قبل.
وكلما مرت جثة من أمامها كانت عينها تتحقق منها. لكن فجأة توقفت عيناها على الجثتين اللتين كانتا تقتربان منها على نقالة الإسعاف. كانتا مغطاتين بالكامل، لكن ما أثارها كان الوجه الذي ظهر من تحت الغطاء… عيناهما… حتى لو كانتا مغلقتين، فهي تعرفهما جيدًا. هذه الوجوه التي طالما حلمت بعودتها، لكنها لم تكن تتوقع أن ترى هذا المشهد أبدًا.
فأردفت بصوت منخفض، تكاد لا تسمعها نفسها:
"لأ… لأ… دي… دي مش ممكن يكونوا هما."
ألقت رقية كلماتها، وبجانبها وائل الذي يقف بجانبها. لم يتحمل هو الآخر حتى هتف بصوت مرتعش:
"أبوي… وأمي؟"
كانت رقية في حالة صدمة تامة وقلبها يتسارع، حتى عقلها لا يستطيع تصديق ما تراه عيناها. فكيف حدث هذا؟ وإلياس هو من قتلهم؟ هي رأتهم بنفسها وهم يخرجون جثثهم المتفحمة من منزلهم القديم. لكن الحقيقة التي كانت أمامها الآن كانت أكبر من أن تستوعبها. والحقيقة أن إلياس قد أخفاهم في بيته طوال هذه الفترة. خدعها كـ عادته السيئة. لم تتحمل رقية أكثر من ذلك، وفجأة أُغشي عليها. فبدأ ينتبه البعض إليها، وبالتحديد أفنان التي رأت وائل وهو يحملها. فأردفت بصدمة:
"رقية؟!"
رواية الغرفة المغلقة الفصل الثامن 8 - بقلم نور الشامي
في منزل مهجور بأطراف الصعيد.. كان الظلام يلف الجدران كأنه حارس للأسرار.
استيقظت رقية ببطء.. وملامحها غارقة في الألم والصدمة، بينما كان وائل يجلس بجانبها عينيه تراقبان الأرجاء بحذر، ويده تربت على كتفها ليهدئه.
"رقية… لازم نفوق. مفيش وجت للضعف دلوجتي.. جووم."
رفعت رقية عينيها نحوه.. والدموع تتلألأ في مقلتيها.. ثم قالت بصوت مختنق:
"شوفتهم يا وائل… شوفت أبوي وأمي بعيني. كانوا جدامي… بس إزاي؟! هما ماتوا… إحنا شوفناهم وهم بيطلعوهم جثث من البيت الجديم."
حاول وائل أن يخفي اضطرابه، لكنه لم ينجح. رد بصوت متردد:
"مش عارف أجولك إي.. بس الأكيد إننا اتجرينا في لعبة كبيرة جوي… إلياس… خدعنا كلنا كعادته."
تجمدت ملامح رقية للحظة.. ثم اشتعلت عيناها بالغضب، وهتفت بصوت متحشرج:
"إلياس! لازم يدفع التمن ماينفعش يفضل يلعب بينا زي العرايس اكده… لازم أوجفه، وبنفسي."
لم تنهِ رقيه كلماتها حتي قطع حديثهما صوت خطوات ثقيلة تقترب من الباب.. تبعه صوت طرقات خافتة. تبادلا نظرات القلق.. ثم أشار وائل إليها بأن تصمت واقترب بحذر من الباب ووضع أذنه عليه ليستمع.
"افتح… أنا صبري."
تردد وائل للحظة.. ثم فتح الباب ببطء ليجد صبري.. أحد الحراس الذين يعملون مع إلياس، يقف هناك. وجهه بدا شاحبا وعيناه تتحركان بحذر.. وكأنه يخشى أن يراه أحد.
"لازم تتحركوا حالًا… إلياس بيه شاكك إنكم اهنيه. أنا سيبت الحراسة والبوليس وجيت أجولكم."
نظرت إليه رقية بعينين مشتعلة بالغضب، وهتفت بسخرية:
"إنت حارس عند إلياس… ليه تساعدنا دلوجتي؟ انا مستحيل أمن لاي حد من عنده."
تلعثم صبري للحظة. ثم اردف بتردد:
"مش مهم تصدجيني ولا لع.. المهم إنكم تهربوا قبل ما حد يوصل ليكم.. أنا مليش مصلحة صدجوني بس انتوا صعبانين علي."
نظر وائل اليه ولم يقتنع كثيرا بحديث صبري… فأمسك بيد رقية وسحبها للخلف قائلاً بحزم:
"مينفعش نثق فيه… ممكن يكون فخ."
قطع حديثهم صوت آخر بعيد لكنه يقترب بسرعة، كأن هناك مجموعة تتحرك نحوهم. فنظر صبري إليهما بعجلة مرددا:
"دلوجتي بجولكم اهربوا! لو عايزين تعيشوا، مفيش وجت للنقاش.. لو حد شافكم هيجتلكم والله."
رمقت رقية نظرة أخيرة إليه قبل أن تهمس لوائل:
"مهما كان، لازم نمشي من اهنيع دلوجتي… لو فخ.. هندبر نفسنا.. يلا."
أمسك وائل بيدها وبدأ يتحرك نحو الباب الخلفي، بينما صبري أشار لهما بالطريق الآمن قائلاً:
"اهربوا من الناحية دي… وهشوف هصرفهم عنكم ازاي."
تحركا الاثنين بخطوات حذرة بين الظلام، بينما صبري عاد للخارج، محاولًا إيقاف أي شخص قد يكون في طريقهم.
***
وفي يوم جديد مشحون بالحزن والغضب.. وصلت سيارة إلياس إلى المنزل المحترق. ترجل منها برفقة أفنان ووليد وزينة بينما كانت الصدمة واضحة على وجوههم.
حيث بقي إلياس للحظات واقفًا أمام الحطام، عيناه تتفحصان آثار النار التي التهمت كل شيء. الجدران المتفحمة والسقف المنهار كانوا شهودًا صامتين على الكارثة التي حلت.
فتقدم الياس بخطوات بطيئة حتى دخل الي المنزل. قبضته مشدودة وصوته خرج مليئا بالغضب المكبوت:
"كل ده… بسببهم.. كل حاجه حوصلت في حياتي غلط بسببهم."
نظرت أفنان إليه ولم تفهم قصده.. لكنها شعرت بثقل الكلمات واقتربت منه بحذر مردده بصوت قلق:
"تجصد مين يا إلياس؟ مين ال عمل اكده؟"
صمت الياس للحظة وكأن الكلمات كانت معلقة في حلقه.. ثم استدار بحدة ليواجهها وعينيه مليئتان بالغضب والمرارة:
"رقية… ووائل.. هما ال عملوا اكده.. هما ال جتلوا مرت عمي."
تراجعت أفنان خطوة للخلف و عيناها تتسعان بذهول وهي تهتف بصوت مرتعش:
"رقية؟! أنت… أنت بتجول اي عاد.. ازاي يعني مستحيل."
أشاح الياس بوجهه عنها للحظة، وكأن المواجهة كانت أصعب مما توقع ثم التفت إليها مجددًا واردف بحدة:
"أيوه… رقيه ووائل.. هما ال عملوا اكده. حرقوا البيت… وجتلوا مرت عمي… وكل ال كانوا اهنه."
نظرت افنان اليه بصدمه وكأن هذه كـ صفعة على وجهها.. ثم استندت على الحائط المحترق بجانبها وهي تهمس بصوت مختنق:
"بس… بس أنت جولت إنها مش اهنيه جولت إنها مش موجوده اصلا.. كنت بتضحك عليا؟ ليه كدبت عليا."
نظر وليد بضيق ثم اقترب منها محاولة لتهدئة الموقف ووضع يده على كتف إلياس مرددا بحذر:
"الياس… مش وجته دلوجتي. إحنا لازم نفكر في الخطوة الجاية بدل ما نضيع وجتنا في الكلام."
نظر الياس إلى وليد بعينين مشتعلتين واردف بغضب:
"الخطوة الجاية؟.. الخطوة الجاية هي التار! أنا مش هرتاح إلا لما أدمرهم زي ما دمروني.. هاخد بتاري منهم كلهم… مفيش عزا… مفيش حد هيعيط اهنيه. العزا هيكون لما آخد بتاري… لما أشوفهم هما ال بيتحرقوا جدامي.. ابعت الكل علي البيت التاني وجيب العمال والمهندسين علشان يصلحوا البيت دا.. عايزه يبجي احسن من الاول مليون مره… ومن دلوجتي اي حد هيوجف جدامي مش هرحمه."
ألقى إلياس كلماته وذهب وترك أفنان التي مازالت تقف مكانها، دموعها تملأ عينيها، لكن بداخلها كان هناك صراع أكبر. كلمات إلياس أصابتها بصدمة، لكنها في نفس الوقت أيقظت في داخلها إحساسًا بالخطر والخوف والشك في كل شئ يحدث حواليها.
***
وفي المساء في قصر إلياس الياس الجديد بعد منتصف الليل… كان الليل هادئا إلا من صوت الرياح التي تصطدم بالنوافذ، وكأنها تحاول كسر سكون المنزل الكبير.
فـ جلست افنان في الصالة الواسعة و عيناها تنظران إلى الفراغ وقلبها غارق في دوامة من الأفكار. لم تستطع النوم بعد كلمات إلياس في المنزل المحترق. شعرت وكأن الأرض بدأت تهتز تحت قدميها.
وفجأة، سمعت صوت الباب الأمامي يُفتح بعنف فـ التفتت سريعًا، ورأت إلياس يدخل مترنحا. كانت ثيابه غير مرتبة ورائحة الكحول تفوح منه. فتقدمت نحوه بخطوات مترددة واردفت بصوت منخفض:
"إلياس… إنت كنت فين عاد؟!"
ضحك إلياس ضحكة مائلة للسخرية وهو يتكئ على الباب ليمنع نفسه من السقوط مرددا:
"كنت… بحتفل… بحتفل بخراب حياتي وموت مرت عمي.. بحتفل بكل المصايب ال حوصلتلي في حياتي."
نظرت إليه بصدمة وعيناها مليئتان بالاستنكار وهتفت:
"تحتفل بإي؟ أنت سايب الدنيا كلها مقلوبة، الناس بتدور عليك، وأنا اهنيه جاعدة مش فاهمة أي حاجة وانت بتجول بتحتفل."
اقترب منها إلياس ببطء، وعيناه الزائغتان تحاولان التركيز عليها ثم مد يده ليشير إليها مرددا:
"إنتي دايما اكده… بتفضلي تسألي، وتفتشي، وتحكمي! مش كفاية إني جاعد بحاول أحميكي من كل ده.. مش كفايه انك. من ضمن الاسباب لكل ال حوصل دا اصلا.. انتي بتدخلي في كل حاجه ليه."
تراجعت أفنان خطوة للخلف، لكنها لم تستطع إخفاء ارتعاش صوتها واردفت:
"تحميني من إي يا إلياس؟ وانا السبب في اي عاد."
ابتسم بسخرية وهو يميل نحوها:
"لسه هتجعدي تسألي تاني برده.. كفايه."
نظرت افنان إليه بعينين متسعتين.. ولم تفهم ما يقصده. حاولت أن تتمالك نفسها، لكن صوته قطع أفكارها مرددا:
"رقية… ووائل… كل حاجة كانت ماشية تمام، لحد ما انتي طلعتيهم من المكان دا. انتي ال خلتيهم يعملوا كل دا."
لم ينهِ الياس كلماته و فجأة اقترب منها أكثر ولمست يداه كتفيها فحاولت التراجع، لكنه أمسك بها بحزم وعينيه رغم حالت السكر كانوا مليئتين بمزيج من الغضب والضعف.
"إلياس، سيبني."
لم يستمع الياس اليها ورفع يده ليلمس وجهها و عيناه تحدقان بها وكأنه يبحث عن شيء ما داخلها حتي تمتم بصوت متحشرج:
"إنتي الوحيدة ال لسه موجودة… الوحيدة ال بتحسسيني بالذنب ناحيتها.. انا مبجيتش عارف اكرهك ولا احبك ولا انتجم منك ولا احميكي… مبجيتش عارف اعمل اي."
نظرت أفنان اليه بتزتر حاولت أن تدفعه بعيدًا، لكنه كان أقوى منها، وأقرب مما توقعت. فهمس بجانب أذنها:
"مش عايزك تتكلمي ولا تجولي اي حاجه."
ألقى إلياس كلماته وهو يقترب أكثر فشعرت بحرارة أنفاسه على بشرتها و فتجمدت مكانها، بينما يده الأخرى انزلقت من كتفها إلى خصرها. حاولت أن تقاوم، لكن جزءًا منها شعر بالضعف أمامه.
"إلياس… إنت مش في وعيك، سيبني… مش بالطريجة دي."
نظر الياس اليها بعينين زائغتين، لكنه هذه المرة بدا وكأنه يحاول أن يقرأ مشاعرها واردف:
"يمكن… أنا عمري ما كنت في وعيي معاكي. دايمًا إنتي ال بتخليني أفقد السيطرة علي نفسي.. وعلي كل حاجه.. انا دا مش طبعي… مش عايز ابجي ضعيف اكده جدام اي حد."
ألقى إلياس كلماته واقترب منها أكثر ووجهه كان على بُعد أنفاس منها فـ شعرت بشيء يشتعل بداخلها… مزيج من الخوف والغضب والانجذاب الذي لم تستطع تفسيره. ولكن هذا زوجها علي حسب تفكيرها وهذا الانجذاب طبيعي جدا.
وفجأة تركها الياس وخطى بضع خطوات للخلف وأمسك رأسه بيده كما لو أنه يحاول أن يوقف صراعا داخليًا و جلس على أقرب كرسي وهو يدفن وجهه بين يديه مرددا:
"أنا مش كويس يا أفنان… مش كويس خالص ومش عارف اعمل اي."
تقدمت افنلن نحوه ببطء وقلبها ينبض بقوة شعرت بشيء مختلف، وكأن إلياس الذي تراه الآن ليس الرجل الذي تعرفه. ووضعت يدها على كتفه مردده بهدوء:
"محتاج توجف كل ده، إلياس. الكره… الانتجام… الشرب… هتدمر نفسك قبل ما تدمر أي حد تاني.. حرام عليك نفسك والله العظيم.. صدجني انا خايفه عليك."
رفع إلياس رأسه لينظر إليها، وعيناه كانتا تلمعان بشيء لم تره من قبل. لكنه لم يقل شيئًا. فقط، بقي ينظر إليها وكأنه يبحث عن مخرج من الفوضى التي صنعها بنفسه.
ثم فجأة اقترب منها اكثر فـ شعرت بيديه تحيطان بها، وسحبها نحوه. حاولت أن تقاوم قليلا لكن ضعفت أمام تلك النظرة التي جمعت بين الألم والرغبة. كان لديها شعور أن ما يحدث خطأ… لكن جزءًا منها لم يستطع التراجع ولا مقاومته.
فـ همس بجانب أذنها وصوته كان مليئًا بالضعف والانكسار مرددا:
"مش عايز أفكر دلوجتي في اي حاجه ولا عايز اتكلم."
نظرت افنان اليه بتوتر وشعرت بشيء يشتعل داخلها… لم تدرك متى توقفت عن المقاومة. فـ اقترب منها أكثر، ولامست شفتاه شفتيها برفق، وكأن العالم توقف للحظة. كان يطلب شيئًا أكثر من مجرد القرب… كان يبحث عن الخلاص من كل هذا الصراع الذي يدور بداخله.
والنظرات بينهما أصبحت أقرب حتي المشاعر المتراكمة انفجرت دفعة واحدة. الوقت بدا وكأنه تباطأ.. والمكان من حولهما تلاشى تمامًا. لم تكن هناك كلمات.. فقط أحاسيس متشابكة بينهما.
فـ سحبها معه بخطوات بطيئة إلى الفراش القريب و عيناه لم تفارقا وجهها. وكأنها كانت كل ما تبقى له في هذا العالم. وبكل هدوء، تركا المسافة بينهما تختفي.. واستسلمت أفنان للحظة.. وسمحت لنفسها أن تنسى كل شيء، تمامًا كما أراد هو. ولكنها لم تعلم انه ارتكب اكبر خطأ في حياته الان.
***
وفي صباح يوم جديد كانت الشمس بالكاد بدأت ترسل أول خيوطها إلى الأفق معلنة عن صباح جديد. في الغرفة الواسعة حيث كان إلياس مستغرقًا في النوم بينما المكان يحيط به هدوء ثقيل وكأن الليل لا يريد أن يغادر.
لكن فجأة انفتح الباب بعنف ودخل وليد بخطوات متوترة و ملامحه تحمل مزيجًا من التوتر والخوف. و اقترب بسرعة من الفراش مرددا بحده:
"إلياس! اصحى.. يلا اصحي بسرعه."
تقلّب إلياس في مكانه قليلًا قبل أن يفتح عينيه بتكاسل، واردف بنبرة غاضبة:
"إي ال صحاك بدري اكده؟ في إيي يا وليد؟"
اقترب وليد أكثر، وصوته مليء بالذعر واردف:
"مش لاجيهم.. مش موجودين."
حدق فيه إلياس بارتباك ثم جلس على السرير ببطء وهو يحاول أن يستوعب:
"مين ال مش لاجيهم؟ بتتكلم عن مين عاد؟"
تردد وليد للحظة.. لكنه واردف بصوت خافت:
"مش موجودين بجولك نهائي."
تجمدت ملامح إلياس للحظات ثم نهض من السرير فجأة، وكأنه تلقى صفعة أيقظته بالكامل وهتف:
"بتجول إي؟ مش موجوين يعني إي؟ فتشتوا في كل مكان.. حوصلهم حاجه جصدك."
هز وليد رأسه بسرعة مرددا:
"فتشنا في كل مكان يا إلياس، هما هربوا."
وقف إلياس للحظة، محاولًا استيعاب ما يحدث قبل أن يخطو بخطوات سريعة نحو وليد مرددا:
"هربوا؟! إزاي؟ إزاي محدش خد باله.. وراحوا فين عاد.. وليه اصلا يهربوا."
نظر وليد اليه بضيق مرددا:
"سمعت شغالة الصبح بتتكلم إنها شافت أفنان وزينة بيتكلموا بالليل… وزينة كانت بتجول لأفنان إنها مش مرتك وإنها هنا بسبب فقدان الذاكرة. بعدها… محدش شافهم.. افنان عرفت كل حاجه.. وسابونا نهائي يا الياس."
نظر الياس اليه بصدمه وفجأه.
رواية الغرفة المغلقة الفصل التاسع 9 - بقلم نور الشامي
في شقة صغيرة تطل على البحر، جلست أفنان تحتسي كوباً من الشاي الساخن، بينما كانت تراقب ابنتها الصغيرة تلعب بدميتها. فجأة، ركضت الطفلة نحوها واحتضنتها بقوة.
"ماما، زينة هتيجي امتى؟ هي اتأخرت أوي."
ابتسمت أفنان ومررت يدها في شعر الطفلة الناعم. "زينة قالت إنها هتتأخر شوية، بس متخافيش، نص ساعة بالكتير وهتلاقيها هنا."
ضحكت الصغيرة بسعادة وبدأت تلعب بأصابع أمها. "ماما، هو بابا هيجي امتى؟ كل يوم تقوليلي بكرة. هو مش بيجي ليه؟ أنا عايزة أشوفه على الحقيقة مش في الصور. هو يعني بابا مش بيحبني؟"
نظرت أفنان إليها بحزن وربتت على رأسها بحنان. "لأ يا حبيبتي، بابا بيحبك قوي. بذمتك فيه حد ميحبكيش؟ أي حد يعرفك بيحبك على طول يا زينة. بس هو بابا عنده شغل مهم ومسافر بعيد."
عقدت الطفلة شفتيها بتفكير ثم همست. "طيب امتى يعني؟ أنا عايزة أشوفه. هو في الصعيد؟ هي الصعيد دي فين؟ أنا عايزة أروحه."
تجمدت يد أفنان للحظة، لكنها سرعان ما استجمعت نفسها، وأجابت بهدوء. "لأ يا حبيبتي، دي بعيدة قوي. أوعي تروحي لوحدك."
في تلك اللحظة، رن جرس الباب. قفزت الطفلة بحماس وركضت نحو المدخل. "زينة جات! زينة جات!"
نهضت أفنان بتوجس. فبرغم كل هذه السنوات، لم تكن قادرة على الشعور بالأمان المطلق. لكنها سرعان ما هدأت عندما فتحت الباب ورأت زينة تقف أمامها، تحمل كيساً من المخبوزات في يد وحقيبتها في اليد الأخرى، وابتسامتها المعتادة تزين وجهها.
"جبت لكم حاجات حلوة قوي من اللي بتحبوها."
صرخت الطفلة بسعادة وألقت بنفسها في أحضان زينة، التي ضحكت واحتضنتها بحب.
وبعد فترة، كانت أفنان تتأمل صديقتها التي تغيرت كثيراً منذ هروبها. زينة لم تعد تلك الفتاة المفعمة بالحياة كما كانت من قبل. ألقت بجسدها على الأريكة بتنهيدة طويلة، وردفت أفنان: "هما كويسين؟ عرفتي حاجة عنهم؟"
تغيرت ملامح زينة للحظة. "من وقت ما سمعت إن وائل ورقيه اتحبسوا، وأنا مسمعتش عنهم حاجة تانية. بس اللي أعرفه إن محاكمتهم الأخيرة كانت من كذا شهر واتثبت عليهم حكم الإعدام. معرفش بقى إيه اللي لبسهم قضية إيه. بس تقريباً وليد هو اللي اتصرف عشان إلياس كان عايز يقتلهم. ووليد مش عايز يبقى فيه دم تاني. وهم في جميع الحالات هيتعدموا، يعني هيموتوا."
نظرت أفنان إليها بحزن وأومأت برأسها، لكنها لم تستطع التخلص من ذلك الشعور الثقيل في صدرها. "يا ريت يكون كده بقى هادي، ونسي الانتقام والقتل وكل اللي هو كان فيه ده. البنت واحشتني قوي يا زينة. أنا كنت زي أمها وبعتبرها بنتي والله. يارب تكون كويسة."
ألقت أفنان كلماتها بحزن.
وبعد فترة، في القاهرة، أمام بوابة قصر فخم، توقفت سيارة سوداء ونزل منها وليد، الذي عدل سترته الجلدية وهو يتجه نحو الداخل بخطوات ثابتة. دخل مباشرة إلى المكتب الواسع، حيث كان إلياس يجلس على الأريكة الجلدية ممسكاً بكأس المشروب دون أن يشربه، ينظر إلى نقطة ما في الفراغ وكأنه يطارد ذكرى بعيدة.
"من زمان مجيناش عن القاهرة، مش كده؟ في الأول كنا بنيجي كل أسبوع تقريباً."
رفع إلياس عينيه ببطء نحو وليد وزفر ببطء. "أنا جاي عشانها. يمكن ألاقيها هنا، مع إن معتقدش. نفسي أعرف كل ده حصل امتى. أنا حبيتها الحب ده كله امتى وإزاي. أنا قدرت أدمر أي حد وقف قصادي، وهي الوحيدة اللي قدرت تدمرني يا وليد. أفنان انتصرت عليا."
ابتسم وليد بسخرية وهو يسحب كرسيه ويجلس أمامه يتأمله. "البعيد عن العين بعيد عن القلب. وعشان هي بعدت بدون سابق إنذار حصل كل ده، خصوصاً إن ضميرك بيأنيبك. أنت استسلمت وضعفت قدامها ولمستها، وهي ما كانتش مرتك أصلاً. كل ده خلى نسيانها صعب."
نظر إلياس إليه بضيق ولم يرد. فقط وضع الكأس على الطاولة ونهض متجهاً نحو النافذة، يراقب أضواء المدينة التي لم تهدأ للحظة. حتى ردد بهدوء: "وأنت؟ زينة وحشتك صح؟! ليه حاسس دايماً في عيونك الغضب منها أكتر من الحب، مع إن أنا عارف إنك محبيتش حد غيرها."
تنهد وليد بضيق. "عشان أنا مكنتش أستاهل منها كل ده."
أخرج وليد سيجارته وتابع. "أربع سنين وأنا بحاول أقنع نفسي إن الموضوع انتهى وإنها خلاص. مدام سابتني هي حرة، براحتها. بس مقدرتش. لا قدرت أهرب من حبي ليها، ولا قدرت أبطل تفكير فيها. ولا أقدر أعمل أي حاجة غير إني اشتغل وبس. مش عارف مين فينا دمر التاني، بس زينة دمرتني أكتر."
نظر إلياس إليه أخيراً، وكأن كلماته أصابته في مقتل، لكنه لم يعلق. فقط جلس على حافة المكتب مسنداً يديه إليه بصمت.
حتى فتح أحد الحراس الباب فجأة وأردف بقلق: "يا فندم، فيه مشكلة تانية كبيرة في الأوتيل."
قطب إلياس جبينه ونهض فوراً. سأله وليد بحدة: "مشكلة إيه عاد؟ إيه حكاية مشاكل الأوتيل دي؟ إيه اللي بيحصل بالظبط؟"
الحارس: "حريق في واحد من الأجنحة، والعمال بيقولوا إنه مش مجرد حادث، واضح إنه حد عمله عن قصد."
نظر إلياس إلى وليد، الذي نهض الأخير مستعداً وهو يلتقط مفاتيح سيارته. "يلا بسرعة، خلينا نشوف إيه اللي بيحصل بالظبط."
ألقى وليد كلماته، خرج الاثنان بسرعة من القصر.
وفي المساء، في أحد الفنادق الكبيرة، وسط ضجيج الموظفين في الممر الطويل، كانت أفنان تمسك بعربة خدمة الغرف تدفعها بصمت، بينما عقلها مشغول. منذ أن بدأت العمل هنا، وهي تحاول إبقاء رأسها منخفضاً، تتجنب الأسئلة، وتتأكد من أن لا أحد يلاحظها أكثر من اللازم.
في دفعة باب أحد المكاتب، وهي تردد: "يا بيه، كل حاجة جاهزة. أنا مش فاهمة ليه كل اللي بيحصل ده. يعني مشكلة حصلت في الجناح، إحنا مالنا؟"
نظر المدير إليها بضيق. "دي إجراءات لازم الكل يعملها. أصلاً أصحاب الفندق الجديد وصلوا. صعيدة زيك، يمكن تكوني عارفاهم. إلياس بيه ووليد بيه."
ولم ينتهِ المدير من كلماته حتى وقع كل شيء بيد أفنان، التي تجمدت مكانها وتوقفت يدها عن الحركة، وكأن الهواء من حولها أصبح أثقل. "إلياس؟ إلياس هنا؟"
ألقت أفنان كلماتها، وفجأة دفعت العربة بعيداً عنها، سحبت مريول العمل وألقته في أقرب زاوية، ثم اندفعت إلى أحد المخارج الجانبية المؤدية إلى ساحة انتظار السيارات. لم تلتفت خلفها، حتى لم تسمع صراخ المدير الذي طلب من حراس الأمن الإمساك بها فوراً. لكن كاميرات المراقبة كانت تسجل كل شيء.
وبعد فترة، في غرفة الأمن في الفندق، وقف إلياس ووليد أمام شاشة المراقبة، بجانب أحد موظفي الأمن، يعيد تشغيل التسجيل الذي التقط لحظة هروب أفنان.
"بص يا بيه، هي دي البنت اللي كانت في الدور ده لحظة الحريق."
تنهد إلياس بضيق وهو يحاول التركيز أكثر، مردداً: "وقف الفيديو كده. حاول توضح وش البنت شوية، مش ظاهر ليها."
وقف الحارس المشهد وهو يحاول توضيح الوجه، ولكن بدون جدوى. فانتبه إليها وهي تركض من الخلف وشعرها الطويل المتناثر.
التفت وليد إليه بقلق: "إلياس، فيه إيه عاد؟"
كان يحدق إلياس في الشاشة، مردداً بضيق: "ألغوا الشرطي. وشوفي مين البنت دي وامسكيها. عايزها تبات في الحبس النهاردة. لازم تتحاسب. وشوفوا أي حد ساعدها أو كان معاها يتمسك. أكيد البنت دي تبع حد من المنافسين لينا عايز يبوظ سمعة الأوتيل. أصل إحنا ناقصين حوارات."
ألقى إلياس كلماته وذهب هو ووليد.
وفي شقة أفنان، دفعت التي الباب بقوة خلفها، ثم أسندت ظهرها إليه وهي تلهث بشدة. وضعت يدها على صدرها تحاول تهدئة أنفاسها المتلاحقة. وصرخت: "زينة! زينة!"
نظرت زينة، التي كانت تضع بعض الطعام على الطاولة، والتفتت إليها بسرعة عندما انتبهت لملامحها الشاحبة وعينيها الممتلئتين بالذعر. وهتفت: "إيه يا أفنان؟ مالك؟ إنتي إيه اللي حصل لك؟ كان فيه حد كان بيجري وراكي؟"
حاولت أفنان التقاط أنفاسها، مرددة بذعر: "إلياس... زينة، إلياس ووليد موجودين هنا."
اتسعت عينا زينة بصدمة. "هنا فين؟ إنتي شوفتيهم؟ هما فين يا أفنان؟ شوفتيهم فين؟"
هتفت أفنان بذعر: "أنا كنت في الأوتيل... كنت شغالة زي كل يوم. وفجأة سمعت اسمه. المدير قال إن إلياس ووليد هما اشتروا الفندق يا زينة. هما أصحاب المكان اللي شغالة فيه دلوقتي. هنعمل إيه؟ إزاي ظهر فجأة كده؟ لو عرف إن عنده بنت هياخدها مني، ومش هيسامحني إني مخبية عليه طول السنين دي. بس أنا مش هفضل مستنية كده. لازم نمشي، لازم نسيب المكان ده فوراً."
قالت زينة بتوتر: "يمكن ميعرفوش مكاننا يا أفنان."
ولم تنهِ زينة كلماتها حتى قاطعتها أفنان وهي تصرخ بانفعال وتهز رأسها بقوة، مردفة: "وإيه يضمنلي!؟ أنا مش هفضل مستنية أشوفه هيعرف ولا لأ! إنتي عارفة لو عرف إني هنا هيعمل إيه! إحنا لازم نمشي بأي طريقة. هنجمع هدومنا ونمشي من هنا حالاً. هنروح أي مكان تاني، أي مكان بعيد عنه."
نظرت زينة إليها بدموع وأردفت: "إحنا هنفضل نهرب لحد امتى يا أفنان؟ هنفضل نجري من مكان لمكان كده لمتى؟"
نظرت أفنان إليها بعجز وعيناها تلمعان بالدموع، ثم همست بصوت مختنق: "لحد ما يجي اليوم اللي يمسكونا فيه. بس أكيد اليوم ده مش النهاردة. يلا يا زينة."
وفي تلك اللحظة، رن جرس الباب. فتجمدت أفنان مكانها وعيناها اتسعتا برعب. ونظرت إلى زينة بصدمة: "إلياس؟ أكيد إلياس."
ألقت أفنان كلماتها وهي تبحث بعينيها عن ابنتها. ولكن الجرس رن مرة أخرى، ثم تحول إلى طرق عنيف وصوت رجالي صارم جاء من خلف الباب، مردفاً: "افتحوا الباب، شرطة."
وفي صباح اليوم التالي، في قسم الشرطة، كان يجلس إلياس ووليد في مكتب الضابط، الذي طرق بأصابعه على سطح مكتبه وهو يردد بنبرة رسمية: "المتهمة في التحقيقات الأولية أنكرت علاقتها بالحريق، لكن تصرفها وهروبها المريب بيأكد إن عندها حاجة تخبيها. عموماً، زي ما طلبتوا، هنجيبها تشوفوها بنفسكم."
أشار الضابط بيده إلى أحد العناصر بالخارج. وبعد لحظات قليلة، فُتح الباب ودخلت أفنان. كانت خطواتها مترددة ووجهها شاحباً، لكن رغم ذلك، رفعت رأسها ببطء، وكأنها تحاول استجماع شجاعتها.
أما إلياس، فبمجرد أن وقعت عيناه عليها، تجمد في مكانه وهو يحدق بها وكأن الزمن توقف للحظات. واتسعت عيناه بذهول. بدا صوته يخرج ضعيفاً كأنه همسة بالكاد تُسمع، مردداً بصدمة: "أفنان؟!"
رواية الغرفة المغلقة الفصل العاشر 10 - بقلم نور الشامي
وقفت أفنان أمام القسم وانفاسها متلاحقة وعقلها مشوش.
بينما كانت عيناها مسمرة على إلياس، لم تستطع السيطرة على رعشة جسدها.
لكن ما اشتعل داخلها لم يكن خوفًا، بل غضبًا وقهرًا متراكمًا تفجر أخيرًا.
أما عن إلياس، فما زال يقف أمامها بوجهه العابس ونبرته المتحجرة.
يتحدث وكأنه المظلوم الوحيد، وكأنها هي التي خانت وخدعت.
ثم اقترب خطوة، لكن قبل أن ينطق، انفجرت فيه بصوت مرتجف غاضب مرددة:
"إنت إزاي عندك وش تحاسبني؟! إيه البجاحة اللي انت فيها دي… أنا مش فاهمة انت كده طبيعي يعني.. انت إنسان طبيعي زينا.. ليك عين تيجي تتكلم وتحاسبني وتعلي صوتك كمان!"
نظر إلياس إليها بضيق، متفاجئًا بصراخها وبالنار المشتعلة في عينيها.
لكنه لم يعلق، مما زاد من غضبها أكثر.
مشيرة إليه بانهيار:
"انت ضحكت عليا، استغليت فقداني للذاكرة وعملت معايا علاقة وأنا مش مرتك أصلا… كنت بحاول أصدق إنك مش كده… لكن طلعت أبشع مما توقعت…. انت استغليتني… حياتك كلها قتل ودبح وموت وبعد كل ده جاي تحاسبني؟!"
زم إلياس فكه وعيناه أصبحتا بحرًا من العواصف.
لكنه لم يرد فورًا، كان يحاول أن يسيطر على غضبه ويزن كلماته.
لكن أفنان لم تمنحه الفرصة للتبرير وتابعت ببكاء:
"أنا كنت فاقدة الذاكرة، كنت تايهة.. ضايعة وإنت استغليت ده لمصلحتك.. كنت بتحاول تاخد بتارك وتنتقم من رقيه وأفنان.. دخلت في لعبة أنا أصلا معرفش عنها أي حاجة… انت ظلمتني وبت عليا وخدعتني وعملت فيا اللي مافيش إنسان طبيعي يعمله… بس طبعًا دا طبعك.. انت الشيطان صح.. شيطان الصعيد اللي كل بيخاف منه."
نظر إلياس إليها بحزن يهمس بصوت منخفض لكنه حاد مرددًا:
"أنا استغليتك؟.. أنا عمري ما استغليتك يا أفنان.. أيوه ظلمتك كتير جوي بس والله عمري ما استغليتك.. ويوم اللي حصل بينا اللي حصل ده.. أنا كنت شارب وإنتي كنتي بتحاولي تقربي مني وأنا ماكنتش في وعيي عشان أقدر أمنعك.. أنا عارف إن ده مش مبرر… بس جسمًا بالله العظيم أنا كل لحظة كانت بتمر عليا فيها كنت بحس إني بموت من تعذيب الضمير.. وبعد ما اختفيتي متعرفيش أنا عشت إزاي أنا كنت بدور عليكي وأنا بسأل نفسي في كل لحظة هي ماتت؟ ولا اتخطفت؟ ولا حصلها إيه."
نظرت أفنان إليه بعصبية وجاءت لتتحدث، ولكن فجأة تجمدت مكانها عندما استمعت لصراخ ابنتها وهي تركض إليها مرددة بلهفة:
"ماما.. ماما."
نظرت أفنان إلى الجهة الأخرى وهي ترى ابنتها الممسكة بيد زينة.
فنظرت وليد بصدمة مردفًا:
"زينة… يا حراس، بسرعة هاتوها."
ابتعدت أفنان عن إلياس وحاولت أن تركض وهي تردد:
"امشي يا زينة.. خدي البنت وامشي بسرعة دلوقتي يلا."
ألقت أفنان كلماتها وجاءت لتذهب، ولكن في الجهة الأخرى ركضت الصغيرة نحو أفنان بلهفة.
صوتها المرتجف يناديها:
"ماما… ماما."
ونظرت الصغيرة إلى زينة بضيق وأفلتت يدها الصغيرة من قبضتها وانطلقت نحو الطريق.
فصرخت أفنان بجنون وقدماها تحاولان اللحاق بها وهي ترى هذه السيارة تقترب منها.
لكن الوقت كان أسرع منها وارتفع صوت صرير الفرامل ثم ارتطم جسد الصغيرة بالأرض بقوة.
فنظر الجميع بصدمة إلى جسد الطفلة الملقى على الإسفلت.
ولكن صوت أفنان أفاق الجميع من صدمته وهي تردد:
"بنتي.. كيان… لا.. لا بنت."
ركضت أفنان بجنون وجاءت لتجثو على ركبتيها بجانب الطفلة.
ويدها المرتعشة امتدت إلى جسدها الهش والدماء تسيل على جبينها.
بينما كان يقف إلياس في مكانه… متحجرًا وعيناه مسمرة على المشهد.
على الصغيرة الغارقة في دمائها وعلى أفنان التي تبكي بجنون وهي تهز جسدها الصغير.
لكن الكلمات التي خرجت من فم أفنان مزقت كيانه تمامًا عندما هتفت:
"إلياس.. الحق بنتك يا إلياس.. البنت بتموت."
نظر إلياس إليها بذهول وأنفاسه توقفت.
وكأن كل شيء داخله تحطم في لحظة واحدة وهو يهمس:
"بنتي؟!"
ألغى إلياس كلماته وركض نحوها بجنون وسقط على ركبتيه بجانب الصغيرة.
ويده امتدت إليها ثم خرج صوته متحشرجًا:
"افتحي عيونك.. بالله عليكِ افتحي عيونك."
حاول الياس كثيرًا أن يجعلها تتحدث ولكن بدون جدوى.
فجمدت وركض بسرعة إلى سيارته مسرعًا إلى المستشفى.
***
وفي صباح يوم جديد، كان يقف إلياس في الممر ويده مشدودة على خصلات شعره.
وعيناه محمرتان من السهر والقلق.
وكاد الغضب أن يفجر في صدره مثل بركان على وشك الانفجار.
أما في الداخل وراء باب الغرفة الزجاجي، كانت ترقد كيان على السرير الأبيض.
وأنابيب الأجهزة تحيط بها.
لم يكن إلياس قادرًا على الاقتراب أكثر.
كان يشعر أن قلبه سينفجر لو نظر إليها لثانية إضافية.
لكن الغضب بدا الحل الوحيد للهروب من الشعور بالعجز.
فاستدار بعنف يبحث عن أفنان.
وبمجرد أن رآها واقفة عند النافذة ظهرها إليه، اقتحم المسافة بينهما وصاح بصوت غاضب:
"إزاي جدرتي تخبي عني إن عندي بنت؟! إزاي حرمتيها مني كل السنين دي؟!"
استدارت أفنان ببطء ونظرت إليه بغضب مردفة:
"أهه شوفت.. أول ما ظهرت في حياتنا تاني.. بنتي بتموت… بنتي بتموت بسببك يا إلياس.. عرفت كنت مخبية ليه.. كنت عايزة أبعد عن حياتك اللي مليانة موت وقتل."
إلياس بغضب:
"يعني ده مبرر تخبي عني؟! مبرر تحرميها مني.. انتي مجنونة ولا إيه بالظبط.. مش من حقك تعملي كده.. مش من حقك أصلاً تحرميني من بنتي."
رفعت أفنان يدها وأشارت نحو الغرفة وهتفت:
"شايفها؟ شايف بنتي مرمية هناك بين الحياة والموت؟! إنت جيت حياتنا فـ حصل إيه؟! كارثة، مصيبة.. دم.. ده اللي بيحصل أول ما تقرب يا إلياس… كان لازم أخبيها عنك… كان لازم تبقى بعيد عنها… إنت خراب يا إلياس وجودك كارثة، وأنا دفعت التمن، وبنتي بتدفع التمن كمان معايا.. تمن انتقامك الأعمى اللي دمر الكل!"
تراجع خطوة، وكأن كلماتها دفعته إلى الخلف وقلبه ينبض بجنون.
لكن قبل أن يرد، جاء صوت الممرضة وهي ترد:
"البنت صحت والحالة الحمد لله شبه مستقرة."
***
وفي المساء في ممر المستشفى البارد، وقف وليد بجوار النافذة.
كان وجهه متجهما وأصابعه تنقر على زجاج النافذة في توتر واضح.
لم يكن بحاجة إلى النظر خلفه ليشعر بوجود زينة.
فقد سمع خطواتها تقترب ببطء حتى وقفت على بعد خطوات منه.
ظلت تراقبه للحظات قبل أن تهمس بصوت خافت:
"وليد."
لم يلتفت إليها، ظل صامتًا، وكأن صوته لم يصله.
لكنها تابعت بجرأة:
"مش هتجول حاجة؟ هتفضل ساكت كده كتير؟"
أغمض وليد عينيه للحظة وكأنه يحاول كبح غضبه.
ثم التفت إليها ببطء.
عيناه كانتا بحرًا من الغضب والخيبة وهو يرد بنبرة قاسية:
"أجول إيه يا زينة؟ إنك خونتي ثقتي؟ إنك كنتي السبب في اللي حصل؟ طيب أفنان إلياس كدب عليها.. أنا بحاول أعمل معاكي إيه؟"
شعرت زينة بوخز كلماته كالسكاكين.
لكنها رفعت ذقنها بعناد رغم اهتزاز أنفاسها واردفت:
"أنا.. أنا كنت بحاول أحميها كنت خايفة عليها كنت فاكرة إن ده الصح…"
ضحك وليد بسخرية مرددًا:
"الصح؟! الصح إنك تخبي عني حاجات كان لازم أعرفها؟ الصح إنك تاخدي قرارات مصيرية عن ناس غيرك؟ أنتي خونتيني يا زينة."
تراجعت زينة خطوة للخلف وعيناها تلمعان بدموع لم ترد أن تسقطها.
لكنها لم تجد ما تدافع به عن نفسها.
الحقيقة كانت واضحة أمامها.
فهمست:
"أنا آسفة… آسفة."
نظر إليها للحظة، وكأنه يبحث عن الصدق في ملامحها.
ثم زفر بعمق وقال بصوت هادئ:
"الأسف مش هيرجع اللي حصل. وزي ما أنتي كنتي شايفة إنك بتحميها، أنا كمان لازم أحمي نفسي… منك."
ولم ينهي وليد كلماته حتى قاطعه ركض الممرضين إلى غرفة كيان.
فركض بسرعة أيضًا.
***
وبعد فترة داخل العناية المركزة، كان الجميع متسمرًا في أماكنهم وأنفاسهم محبوسة.
بينما الأطباء يحاولون إنعاش قلب كيان.
وصوت الجهاز يطلق إنذارًا مستمرًا والطبيب يضغط على صدر الطفلة في محاولة يائسة لإنقاذها.
أما عن أفنان، فكانت تراقب المشهد بعيون تائهة.
وإلياس يقف بجوارها… وجهه متحجر لكنه مليء بالرجاء.
وليد يضع يده على رأسه في توتر.
بينما زينة تقف خلفه تنتظر أي شيء ليطمئنها.
حتى خرج الطبيب واردف بحزن:
"أوقفنا الإنعاش… مفيش استجابة… البقاء لله."
صرخت أفنان بأنهيار قائلة:
"لا.. بنتي لا بنتي لسه عايشة."
انهارت على ركبتيها وهي تبكي بجنون.
بينما إلياس سقط بجانبها وعيناه ممتلئتان بالدموع.
وليد ضرب الحائط بقبضته في غضب، وزينة غطت وجهها بيديها وهي تنتحب.
ثم فجأة، وسط بكاء الجميع وصوت الجهاز الثابت، دوى صوت قوي في الغرفة مرددًا:
"كــــــااااااااااااااااات!"
ثم ظهر صوت آخر من خلف الكاميرات وهو يردد:
"مشهد جامد يا جماعة برافو خلصنا تصوير الحلقة الأخيرة."
فجأة، بدأ الجميع يتحرك.
وتوقفت أفنان عن البكاء ومسحت دموعها بسرعة.
ثم التفتت نحو إلياس وهي تضحك:
"إيه رأيك في أدائي؟ كنت مقنعة صح.. قول صح متتكسفش أنا مراتك برده.. أحلى حاجة إني مراتك في الحقيقة والمسلسل."
ابتسم وهو يمسح دموعه المصطنعة واحتضنها وهو يردد:
"برافو عليكي أحلى ممثلة في العالم كله."
أما كيان التي كانت ممددة على السرير فتحت عينيها وجلست وهي تضحك:
"إيه رأيكم في تمثيلي؟ حسيتوني ميتة بجد؟"
أما عن وليد الذي كان ما زال واضعًا يده على الحائط، استدار إلى زينة قائلاً:
"إيه الجمال ده."
ابتسمت زينة باحراج.
وبدأت الكاميرات تغلق والمخرج دخل إلى الغرفة بابتسامة:
"يا جماعة، انتهينا ده كان آخر مشهد في المسلسل، برافو عليكم كلكم."
تحرك الجميع بارتياح وبدأوا في المزاح مع بعضهم.
بينما بدأ طاقم العمل في تفكيك المعدات.
أما عن إلياس الذي اتضح أن اسمه الحقيقي "أدهم"، التفت إلى أفنان أو "نور" وقال بمكر:
"خلاص بقى نرجع البيت؟ ولا عايزة تعيشي في دراما طول الوقت.. إيه رأيك نفصل ونسافر نغير جو."
ابتسمت نور وهي تردد:
"ياريت عشان بجد تعبت أوي في المسلسل ده."
أما وليد، أو "عمر" في الحقيقة، وضع يده حول كتف زينة أو "ريم".
قائلاً:
"وأنا بقا هستغل الفرصة دي ونحتفل بخطوبتنا بجد، مش تمثيل عشان من وقت ما اتخطبنا واحنا في شغل."
ابتسمت ريم باحراج.
ونظر إلياس أو أدهم باسمه الحقيقي إلى أفنان مرددًا بابتسامة:
"على فكرة نسيت أقولك.. أنا بحبك أوي."
ضحك الجميع بينما خرجوا من موقع التصوير والأضواء تطفأ واحدة تلو الأخرى.
الكاميرا تتحرك ببطء نحو كرسي فارغ في موقع التصوير، ثم تنطفئ الشاشة… لتنتهي القصة الحقيقية.