الفصل 27 | من 41 فصل

رواية الحب اولا الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم دهب عطية

المشاهدات
24
كلمة
17,279
وقت القراءة
87 د
التقدم في الرواية 66%
حجم الخط: 18

تحسست بيدها الفراغ بجوارها على الفراش، فتحت عينيها بصعوبة لترى نفسها تستلقي على الفراش وحدها. استدارت ونظرت للسقف عدة مرات محاولة الاستيقاظ من أحلامها الوردية. كل ليلة تمر هنا هو بمثابة حلم جميل تحياه معه. أربعة أيام مروا على تواجدهما في هذا الكوخ الرائع وسط الطبيعة الخلابة والتي تراها مقتبسة من الجنة لشدة جمالها البديع. كل يوم تنام بين ذراعيه يغمرها بالحب بالحنان بالكلمات والأفعال تغرق في بحر الغرام. سخي هو في حبه

عطاء لدرجة تجعلها تتراجع عن أشياء كثيرة خططت لها سابقاً. أربعة أيام سعادتها فيهما تخطت نسبة السعادة الضئيلة التي عاشتها خلال فترة عمرها السبعة والعشرين. معترفة هي بهذا ولا تنكر سعادتها وحبها، لكنها كالعادة الخوف يجعلها فريسة سهلة للصيد. فدومًا البدايات رائعة، لكن ماذا بعد البدايات؟

نهضت عن الفراش ببطء وهي تحاول أن تطرد أفكارها السوداء وتستعد لصباح يوم جديد بالحب والحياة. خطت على الأرض الخشبية حافية بقميصها الوردي الناعم القصير إلى حيث النافذة المطلة على المنظر الساحر. سحبت لرئتيها أكبر قدر من العبير المنعش والمختلف عن أرضها. لكل وطن رائحة زكية يتميز بها، والغريب فقط عن وطنه من يعرف الفرق. ورغم أنها أحبت جدًا البلد السياحية والمكان المتواجدين به، إلا أن عبير الوطن في الخاطر مهما رأت من مغريات. الوطن يظل وطنًا بالعيوب قبل المميزات، هو الموطن.

ابتسمت بحب بعد أن رأته بعسليتيها يجلس قرب حافة البحيرة يمسك بين يده صنارة الصيد، جالسًا بمنتهى الهدوء والصبر يستمتع بتلك الجلسة بمزاج رايق بعد ليلة حميمية رائعة على الشموع. تورّدت وجنتاها بخجل كلما استعاد عقلها ذكرى ليلة أمس. حينها خرجت متألقة ليلًا في ثوب سهرة أنيق يلائم رقيها الملكي وجمالها المميز. جامعة شعرها في تسريحة جميلة وتضع لمسات من الزينة التي زادتها توهجًا وحلاوة في عين عاشقها الذي ظل واقفًا مكانه بانتظارها بحرارة الأشواق.

عندما رأته أبصرت الاختلاف الذي أضحى في المكان من حوله، أنوارًا خافتة وشموع ساهرة وبلونات حمراء وبيضاء تملأ الأرض وجزءًا من البحيرة. وأميرها يقف أمامها متأنقًا بطاقم كلاسيكي عبارة عن بنطال وقميص أنيقًا متناسقًا، عليه كان وسيمًا لدرجة مهلكة وكأنه يتنافس مع روعة المفاجأة التي أعدها لها. تقدمت منه بخجل وهي تشعر بأن العالم يدور من حولها، فكل شيء يحدث الآن لم يطرق على مخيلتها يومًا، فكيف لها أن تستوعب سريعًا أن كل هذا

لأجلها وملكا لها وحدها. وضعت يدها في يده عندما اقتربت وأصبحت أمامه، لم تجد كلمة تعبر عن سعادتها أو امتنانها لكل ما يفعله لأجلها، لم تجد إلا ابتسامة خاصة تحمل أكثر من تعبير وعينين تلمعان بدموع فرح تأبى تركها وكأنها جزءًا من زينتها اليوم.

رفع عاصم كفها إلى فمه وطبع قبلة حانية طويلة عليه، ومن ثم رفع عيناه إليه قائلاً بوسامة: "جاهزة يا ست الحُسن؟ عقدت حاجبيها وهي لا تفهم شيئًا، حتى رأته يشير إلى هذا الفرس الأسود الواقف جانبًا والتي لم تلاحظه إلا الآن. اتسعت عيناها جراء هذا وقالت بتخوف: "أنا بخاف من الخيل يا عاصم."

"مش وأنا معاكي. تعالي." قالها بمنتهى الثقة والهدوء وهو يمسك يدها متجهًا بها إلى الفرس الشامخ أمامهما والذي يلمع جلدها الأسود تحت الإضاءة بشكل ساحر. صعد هو أولًا على ظهر الخيل بمنتهى الشموخ والثبات، ومن ثم مد يده لها. ترددت كثيرًا في الصعود إليه، فتلك أول تجربة لها في ركوب الخيل!

لكنها بعد ثوانٍ حسمت الأمر ووضعت يدها في يده، ثم رفعت قدمها اليسرى على سير ركاب السرج واندفع جسدها للأعلى وكأنها تحلق، ثم استقلت أخيرًا خلفه على جانبها بسبب الثوب الذي قيد حركتها قليلاً. فتشبثت بخصره الصلب بكلتا يديها بتلقائية وهي تغمض عينيها بخوف وتأخذ أنفاسها بصعوبة، ناظرة كل ثانية للأسفل.

"بصي قدمك. كده هدوخي." قالها عاصم ضاحكًا وهو يمسك باللجام بكلتا يديه، متحركًا بالفرس بخطوات هادئة مراعيًا تجربتها الأولى في ركوب الخيل.

في البداية كان الأمر صعبًا، لكن بعض لحظات بدأت تعتاد على الجو مع نسيم الهواء وصوت خرير المياه الآتي من بحيرة الشلال. وسط الأرض الخضراء والأشجار الشامخة وعبير الطبيعة المنعش الممزوج بعطره الرجولي. تسلل الأمان والدفء إلى قلبها رويدًا رويدًا، فاقتربت أكثر منه وتشبثت أكثر في خصره الصلب مرتاحة برأسها على ظهره. سائلة بصوتها الموسيقي بعد لحظات: "إمتى يا عاصم اتعلمت ركوب الخيل؟ رد عاصم بصوت أجش:

"من زمان. أكتر حاجتين بحبهم الخيل والصيد." ابتسمت ولم تجب، بل ظلت على وضعها تضمه من الخلف برقة ونعومة، يذوب هو معها وتزيد مضخة قلبه قوة أسفل كفها، غافلة هي عن مدى تأثرها القوي عليه. سألها وهو ما زال يقودها بالفرس للمجهول: "إنتي بقا ليه بتخافي منهم؟ زَمّت شفتيها قائلة وهي ترفع رأسها: "وقعت زمان وأنا صغيرة من على الحصان، ورجلي اتكسرت. فبقيت بخاف منهم." تحدث عاصم وهو ينظر أمامه:

"أكيد كنت راكبة غلط أو مش ماسكة في اللجام كويس. بس إيه رأيك دلوقتي لسه خايفة منهم؟ قالت بنبرة مرتاحة: "لو معاك ماشي. لو لوحدي لأ." رفع حاجبه وهو ينظر إليها: "أنا كده هتغر." قالت بنبرة شهية وهي تضحك برقة: "إنت مغرور من يومك مش محتاج." ذاب قلبه وعيناه فتمتم وهو ينظر للأمام مستقبلًا أكبر قدر من هواء الليل البارد. "آه يا ست الحُسن عايزة تتكلي أكل."

ضحكت فبدأ يسرع قليلاً بالفرس، فأصبحت المتعة مكثفة داخلها، فبدأ الهواء يطير خصلات شعرها حول وجهها. تشبثت فيه بقوة صارخة: "عاصم هانقع." أمرها مبتسمًا: "هشش غمضي عينك." فعلت وهي تكاد تمزق قميصه بأظافرها المعلقة به. فوقف فجأة الفرس وتوقف كل شيء جميل. رغم الخوف الضئيل داخلها، إلا أن كل شيء كان ممتعًا وتجربة ركوب الخيل كانت مبهجة ورائعة لقلبها.

فتحت عينيها فرأته يمد لها اللجام كي تمسكه، وعندما فعلت نزل عن الفرس برشاقة، ثم احتوى خصرها بكلتا يديه برقة، منزلها على الأرض، وكل شيء حدث في غضون ثوانٍ. فوجدت نفسها تقف أمام شجرة كبيرة مزينة بفروع من الأنوار الصغيرة المضيئة بشكل ساحر، أسفل ظل الشجرة المنير تقبع طاولة مستديرة حولها مقعدان مقابلين لبعضهما، يقبع فوقهما طعام العشاء، يتوسطهما شمعة على شكل قلب تنصهر ببطء.

ابتسمت شهد ولمعت عيناها بالفرح وهي تنظر إليه بدهشة، فوجدت عيناه تتلاقى بعينيها بحب، ثم تقدم منها وطبع قبلة على وجنتها قائلاً: "إيه رأيك عجبك المكان؟ نظرت إلى عيناه وقالت بحيرة وهي تنظر حولها: "السؤال ده اتكرر أكتر من مرة، وكل مرة مش بلاقي رد يوفي اللي بتعمله عشاني. عاصم، إنت بجد بتحبني لدرجة دي؟ لم تزول الابتسامة عن محياه، لكن انعقد حاجباه قائلاً: "سؤالك ملوش مكان هنا. مينفعش تشكي في ده يا شهد."

بللت شفتيها قائلة بحرج: "مش شك بس مش مستوعبة إن ممكن حد يحبني الحب ده كله؟ ويسعى السعي ده كله عشان يسعدني." تلونت نظرة عيناه بشقاوة فغمز لها: "طب ما إنتي لماحة أهو، أمّال إيه بقى؟ "قولي إزاي ممكن أسعدك؟ " انطلق هذا السؤال دون تخطيط مسبق، مما جعلها تجفل وهي تنظر إليه. لمعت عيناه أكثر، وكان رده عليها رغم البساطة معبرًا عن مشاعره الخاصة لها وحدها. "مش محتاج السؤال ده. أنا لو مش مبسوط معاكي ليه هكمل؟

أنا بقيت أسعد راجل في دنيا يا شهد بعد ما بقيتي مراتي. إنتي اللي قلبي اختارها وعايز أكمل عمري كله معاها." احتوى وجهها بيديه وقربها منه طابع قبلة حنونة على جبينها، مضيفًا وهو يأسر عينيها وقلبها: "سعادتي معاكي إنتي يا حبيبتي. إنتي يا ست الحُسن." مزيج من الضعف والحب والاشتياق والخوف، مزيج مؤلم افتترس قلبها الهش، فجعلها تطلب بلوعة: "احضني يا عاصم."

قالتها باستحياء وعيناها تلمع بدموع، فهز رأسه بنفي وهو يضم جسدها إليه، قاضم شفتيها بتأنٍ وتريث حتى ذابت بين ذراعه كالهلام، وهي تتأوه بتعب ومذاق قبلاته المطعمة بأنفاسه الرجولية الدافئة تتخلل رئتيها، فتفقد معها المتبقي من صوابها. بينما صدره العريض يضغط عليها بقوة، تكاد تشعر بمضخة قلبه القوية تضرب صدرها، فتشعر بالهيمنة الذكورية عليها.

بعد لحظات من مزيج من الدفء والجموح، أطلق سراح شفتيها وهو يلهث وهي معه مسلوبة الأنفاس، تلهث بشفتين منفردتين شديدتي الاحمرار. مسح عاصم على شفتيها بإبهامه ببطء وتروٍ، هامسًا وهو ينهال من مرأى عسليتيها: "بحبك يا شهد." ثم طبع قبلة على وجنتها مكررًا بخفوت: "بحبك."

أخيرًا ضمها إلى صدره، فتعلقت به متنهدة بلوعة وضعف وهي تستمد منه كل ما هو جميل ورائع مثله. لا تعرف كم مر من الوقت، كل ما تعرفه أنها هي من ابتعدت بعد وقت طويل، ونظرت لعيناه قليلاً، ثم رفعت جسدها إلى مستواه وطبعت قبلة على خده معبرة عن الكثير من الشكر والامتنان لوجوده في حياتها، ثم اكتفت.

وبعد لحظات كانا يتشاركان وجبة العشاء على الشموع الساهرة، يتبادلان أطراف الحديث عن أشياء عدة، يضحكان يتحدثان. يداعبها بالكلمات والنظرات، تبادلهما باستحياء لذيذ، ورجفتها ما زالت تفعل به العجب. وبعد ليلة رائعة، عادا معًا إلى الكوخ على ظهر الفرس الأسود بسرعة قصوى، وقد تلاشى حينها خوفها وبقي فقط الاستمتاع بلحظة معه.

عندما وصلا إلى غرفة نومهما، لم تجد كلمات من عاصم إلا عن الحب والدلال فقط. دللها لدرجة تفوق الوصف، فكانت في أحضانه تنصهر بضعف، وجسدها يستجيب لمدللها، فتئن تارة بوجع وتارة أخرى منادية باسمه. وكل مرة يلتقط تاوّهها من بين شفتيها المنفرجة بنهم، مستمتعًا بتلك الحالة التي تخلق بينهما مشاعر متأججة بالحميمية المشتعلة. كانت ليلة مختلفة جميلة على شموع الحب، انصهرت أجسادهما ببعضها، وأنين المتعة كان سيمفونية ليلتهما الخاصة.

لفح وجهها نسيم الهواء المنكه بالطبيعة الخلابة، فعادت من ذكرى ليلة أمس وما زالت واقفة مكانها أمام نافذة الغرفة تنظر إلى عاصم الذي يوليها ظهره، ممسكًا بصنارة الصيد التي اشتدت بين يداه في لحظة، فبدأ يسحب الصنارة للأمام بقوة. وقد انتبهت كل حواسها لهذا المشهد، لتجده بعد لحظات يرفع صنارة الصيد بسمكة كبيرة نسبيًا، وعلى هذا أطلقت شهد صفيرة عالية مشجعة بين شفتيها التي ضمتهما بأصابعها.

التفت عاصم ناظرًا إلى نافذة الغرفة مباشرةً بملامح جافلة، فوجدها تقف هناك تبتسم برقة وتلوح له بيدها بسعادة مطلقة. صفيرة أخرى أمام عينيه، لحنها صاخب يختلف عن رقتها التي يذوب بها كل ليلة. أشار لها بأن تتقدم، فاشارت على قميص نومها الوردي التي ترتديه، ومن ثم رفعت كلتا يديها كعلامة على: "انتظرني عشر دقائق فقط."

جلس عاصم مجددًا أمام البحيرة بانتظارها على أحر من الجمر، وهو يضع الصنارة من جديد، متأملاً المكان بعينين حانيتين ومزاج رايق. لم يتوقع يومًا أن يعيش كل تلك السعادة عن طريق امرأة يشتهي قربها دائمًا ويستلذ صحبتها والحديث معها، فتغني قلبه وقناعته بابتسامة بلمسة بكلمة. إنها سيدة الحُسن التي اختارها قلبه وأسماها.

بعد بضعة دقائق خرجت إليه بثوب ربيعي جميل بأحمالات رفيعة عند الكتف ويصل طوله فوق الركبة، مطلقة شعرها حرًا طليقًا، وغرتها الناعمة تداعب جبهتها. ممسكة في يدها سلة التنزه بها الفطور الذي أعدته له. عندما اقتربت منه قالت برقة: "صباح الخير." بتحية الصباح الخاصة بهما: "صباحك زي الشهد. اتأخرتي عليا." "كنت بحضر الفطار." قالتها وهي تفرش البساط الصغير، ومن ثم أفرغت محتويات السلة بترتيب، سائلة: "أوعى تقول إنك فطرت." أجاب

بنبرة معبرة ونظرة مداعبة: "أكيد مستنيكي. هفطر من غيرك دي تيجي برضو." طرح سؤال وهو يحك في ذقنه: "إيه اللي عملتيه وإنتي واقفة في الشباك ده؟ توهجت وجنتاها وضحكت مع النظر إلى عينيه المنتظرة توضيحًا: "الصفارة وحشة، كنت بشجعك." سألها مجددًا بفضول: "مش وحشة، بس اتعلمتيها منين؟ قالت مبتسمة وهي تدعوه للأكل: "من حمزة. كنا بنتنافس وإحنا صغيرين عن مين أحسن واحد بيصفر، وصفارة بتاعته أعلى." سأله وهو يمضغ الطعام: "ومين كان بيكسب؟

قالت بتوهج، متلذذة في الطعام أو ربما الحديث، لا تعرف: "أكيد حمزة. إنت ملعبتش اللعبة دي قبل كده." غمز عاصم قائلاً بوقاحة: "إحنا لعبنا حاجات تانية أظرف من كده." سألته وهي تضع شريحة من الخيار بفمها: "كنت بتتحدى صحابك بإيه؟ "ما بلاش." ضاقت عيناه بلؤم، فدفعها الفضول تسأله: "لأ احكي عادي، دي طفولة بريئة." "هي مكنتش بريئة خالص." فلتت ضحكة مشاغبة منه، مما جعلها تسأله بفضول أكبر: "إزاي يعني؟ قولي." اندمج في الحديث وهو يتناول

طعام الفطور باستمتاع: "يعني كنا أشقياء شوية وإحنا صغيرين، فكنا لما نحط حد في دماغنا ربنا يتولى برحمته. صواريخ تحت رجله، تعابين في البنطلون." سألته شهد بفضول أنثوي: "وإيه أكتر حاجة كنتوا بتتحدوا بعض بيها؟ رد مختصرًا: "البنات." ألقت عليه نظرة نارية، فقال عاصم بتراجع وهو يضحك: "دي طفولة بريئة يا شهد." مطت شفتيها ممتعضة: "غلس." فتابع هو بحرارة وهو يستعيد معها ذكريات الصبا الكارثية:

"يعني أي بنت كانت بتعجبنا كنا بنكلمها سوا من على نفس التليفون، تقعد يا عيني تلف حوالين نفسها، مش عارفة إحنا اتنين ولا أكتر، بنجنن أمها." غيرت شهد مجرى الحديث سائلة: "عمرك عملت مقلب في حد؟ لمعت عيناه بمشاغبة وهو يخبرها بتذكر:

"مرة في مدرس الفيزيا. كان معايا واحد صاحبي ابن لذينة بيعرف يقلد حلو أوي، المهم كلم المدرس ده على أساس إني واحدة معجبة بيه وكده، ومكالمة ورا مكالمة الموضوع كبر مننا، والمدرس طلق مراته وطلب إيده في التليفون، وبقت مسخرة." انفجرت الضحكات من أفوههم بصدمة، معقبة شهد بذهول: "إنت كنت شقي أوي كده وإنت صغير؟ رد عاصم بمراوغة: "كنت لسه صغير بقا وبتسلى. بس دلوقتي كبرت وبقيت الشقاوة على تقيل، ولا إنتي شايفه إيه؟

قالت شهد بحزم كناظرة مدرسة شديدة التعامل مع المشاغبين أمثاله: "شايفة تسيب وانحلال أخلاقي." أكد عاصم بهزة بسيطة من رأسه: "ومالوا، كملي الانحلال وهاتي بوسة يا حلوة." "عاصم." همست بتمنع. فلم يرضَ برفضها بسحبها من ذراعها حتى اقتربت منه والتهم شفتيها في قبلة ملتهبة بالمشاعر. ثم أطلق سراح شفتيها قائلاً بتلذذ وهو ينهال من مرأى عينيها: "كده وجبة الفطار كملت. تسلم إيدك يا ست الحُسن. امسكي."

أعطاها الصنارة تمسكها، ففعلت وهي تنظر إليه بعدم فهم، لتجده يضع رأسه في حجرها وجسده يمتد مستلقيًا على البساط المفروش أسفلهم، قائلاً وهو ينظر لعيناها: "احكيلي بقا إنتي مصايبك وإنتي صغيرة." ضحكت بخجل وهي تنظر للبحيرة بلونها الزمردي الرائع، مفكرة قليلاً قبل أن تقول:

"مكنش فيه مصايب للدرجة، عادي كنت بس دايمًا بعمل مشاكل مع البنات اللي بتقرب من حمزة. كنت بغير عليه أوي وأنا صغيرة، عايزاه ليا لوحدي، فكنت بضربهم وبيضربوني. وفي مرة اتخانقت مع بنت تخينة بس مش بسبب حمزة بصراحة، بسبب إنها خدت مني سندوتشاتي. فضربتها بالقلم. ولك أن تتخيل عملت إيه فيا." قال عاصم متأففًا بشفقة: "أوف، ضربتك جامد." تاوّهت شهد قائلة وهي تضحك على ذكريات كانت تظنها أسوأ ما قد يمر في حياتها:

"ضربتني دي قعدت عليا. دا أنا كانت روحي بتروح. الكلام ده كان في ابتدائي. وقتها الوحيد اللي شاله من عليا ولد معايا في نفس الصف كان إسمه طارق. طارق ده كان ولد جميل أوي، حنين وطيب، كنا صحاب أوي في فترة ابتدائي. وبعد إعدادي اختفى، وعرفت من مامته إنه سافر لأني كنت باخد دروس مع والده الأستاذ عياد." اظلمت عينا عاصم وانطفأت ملامحه فجأة، سائلاً على نحو مفاجئ: "ويُ ترى لسه بتسألي عليه؟ هزت رأسها بنفي قائلة بفتور:

"لأ بصراحة الدنيا خدتني و بعدها اتلهيت في دراستي وحياتي ومشاكلي مع بابا. أنا حتى نسيت العنوان." قال بنبرة غريبة وصدر يشتعل على نحو غريب: "بس منسيتيش اسمه يا شهد." انعقد حاجباه وبدا عليها الإزعاج من تعقيبه على هذا الأمر التافه: "عادي على فكرة، في حاجات بتفضل معانا غصب عننا بنفضل فاكرينها. ليه قبلت كده يا عاصم؟ أنا معلقتش زيك كده وقلبتها نكد. إنت بتغير؟ مط شفتيه قائلاً بتهكم:

"سؤال في منتهى الغباء. لو مغرتش عليكي إنتي هغير على مين؟ ضحكت على تصريحه قائلة بظفر مغوٍ: "بتغير من طفل! دا آخر مرة شفته كان عنده حداشر سنة. إنت بتهزر! تلقت نظرة قوية من عينيه الصقريتين جعلتها تبتلع الباقي من حديثها قائلة بتقهقر ومزاح: "خلاص خلاص، إحنا نقفل الكلام في الموضوع ده وكفاية كلام في طفولتنا البريئة." رد بوجوم: "يبقى أحسن." قالت فجأة والصنارة تنسحب منها: "إيه ده؟ الصنارة غمزت. شد معايا."

رفع عاصم رأسه عن حجرها مساعدًا على سحب الصنارة، وعندما فعلت خرجت الصنارة فارغة. فلاح الإحباط على وجهها قائلة: "إيه ده بقا؟ دي كلت الطعم وهربت. يا خسارة." رد عاصم برجاحة عقل وهو يعود مرتاحًا برأسه فوق حجرها: "الصيد عبارة عن صبر. لو ركزتي في المكسب الجاي يبقى عمرك ما هتصبري." قالت بشفاه مقلوبة: "ولو خسرت زي دلوقتي؟ رد بحكمة وهو يغمض عيناه: "حاولي تاني، السمك كتير. مش يمكن الصيدة اللي خسرتيها مش مكتوبالك من الأول."

قالت بمناغشة: "بتقول حكم يا معلم عاصم." رد بأسلوب مماثل: "يارب تكون وصلت بس يا معلمة شهد." ضحكت قائلة بصبر: "ومالوا أحاول تاني." ألقت الصنارة متنهدة وهي تنظر للبحيرة، مستعيدة ذكريات الطفولة بشرود، بينما هو يرتاح برأسه فوق حجرها، واسم صديق الطفولة التي تذكرته على حين غرة يعكر صفوه. من هو (طارق عياد؟! ***

دَلفت إلى المكتب بخطى ثابتة، مرتدية طاقمًا كلاسيكيًا أنيقًا من اللون الكحلي، تترك شعرها البندقي حرًا طليقًا خلف كتفها، تضع القليل من الزينة التي لا تخفي جمال ملامحها الرقيقة. دارت حول المكتب ووضعت أحد ملفات القضايا المهمة التي يعملان عليها، ناظرة لعيناه وهي تقول بعملية: "دي الملفات اللي طلبتها يا أستاذ سليم." قال بوجه متجهم دون أن ينظر لعيناها: "تمام. روحي على مكتبك." سألته بحيرة وهي تنظر إلى جانب وجهه الجاف:

"إحنا مش قولنا إننا هنشتغل على القضايا دي سوا؟ أجابها سليم بجفاء: "محتاج أدرسها الأول لوحدي. اتفضلي على مكتبك يا آنسة." رددت الكلمة بذهول وهي ترفع حاجبًا مستنكرًا: "آنسة؟ إنت زعلان بجد بقا؟ إيه اللي حصل لكل ده؟ يعني ياما اتساهل معاك وترضى عني، ياما تتقمص زي العيال." جفل من جملتها، فرمقها بنظرة نارية: "اتقمص زي العيال؟ لوت شفتيها قائلة بتهكم: "دا اللي أنا شايفاه بصراحة." صاح سليم بنفاد صبر: "على مكتبك يا كيان."

صاحت بقوة جبارة مثله: "مش هروح على مكتبي غير لما أفهم إيه الغلط في اللي عملته. اللي يخليك تخصمني المدة دي كلها." احتدت عيناه القاتمة: "إنتي بجد مش عارفة؟ خفق قلبها بخوف، لكنها ردت باستنكار: "أنا بسألك." رد مثلها وعيناه تبتلعها في ظلامها: "وأنا كمان بسألك. ليه وافقتي على ارتباطنا؟ قالت وهي مأسورة بعيناه: "بسيطة يا متر. لإن بحبك." اهتزت حدقتاه بتأثر، لكن سريعًا لوى شفتيه كمًا زمجر بها:

"اللي بيحب حد بيبقى واثق فيه، مش خايف منه ومستني غدره في أي لحظة. وأنا مش بتكلم غير عن اعتراضك على إني أقدم معاد الفرح قبل أخوكي. اللي لسه قدامه أكتر من خمس شهور على ما يجهز شقته." قالت كيان بجدية حاسمة: "اتفقنا كان على أساس كده، مدينا المدة شوية عشان نعرف بعض أكتر." صمت سليم قليلاً ناظرًا لعيناها بقوة قبل أن يقول بحزم:

"أنا مش عايزك تعرفيني قد ما عايزك تثقي فيا وتصدقي إن بحبك. وإني مش شايف حد غيرك، وإن أي حاجة حصلت قبلك ملكيش إنك تعترضي عليها أو تفكريني بيها كل شوية لمجرد إني قربت منك؟ قالت بصوت متهدج مختنق: "وأنا مش عايزك تقرب مني بالطريقة دي، لأن مفيش حاجة بينا شرعي حاليًا." كمه اعتراضها، وكانها تنفر منه بصورة أو بأخرى، لذا كان جادًا وهو يخبرها بصرامة وكبرياء:

"تمام، وأنا مش هقربلك تاني يا كيان. ولا بأي شكل من الأشكال لو ده اللي هيرضيكي وهيّشيل الوساوس من دماغك. اتفضلي على مكتبك." وجدته يتجاهلها عمدًا، مثبتًا عيناه بين الأوراق. زمت شفتيها بغضب وهي تتجه إلى الخارج بخطوات عصبية وقلب يرجف بغضب ولوعة. ألقت جسدها على المقعد وهي تفتح الملفات أمامها بعينين مليئتين بالدموع. ماذا يحدث لها؟ من منذ متى وهي حساسة وغبية و متهورة هكذا؟

إن الحب يدفعها للجنون، والغيرة تفترسها كلما فكرت بعلاقته السابقة مع خطيبته ومشهد القبلات التي رأته حينها، يقتلها الشعور وتفترسها الغيرة والظنون. وتسأل نفسها إلى أي مدى وصلت علاقتهما؟ هل كانت مختصرة على القبلات أم أنها أعمق مما تتوقع؟ اعتصر الألم قلبها بقبضة جليدية قوية، فأغمضت عينيها زافرة وهي تنحني برأسها سانده على يدها، فوجدت صوتًا مألوفًا لها يقول بقلق: "مساء الخير. موكا، إنتي كويسة؟

رفعت رأسها فوجدت نائل يقف أمامها بكامل أناقته وبنظرة مهذبة كأُسلوبه الرقيق. نهضت بدهشة عن مقعدها لتمد يدها مرحبة: "نائل. مساء النور. إيه المفاجأة الحلوة دي؟ بادله نائل المصافحة ثم جلسا معًا حول المكتب. فبدأ نائل يسألها بتعجب: "كنت قريب من هنا فقولت أعدي عليكي. عاملة إيه في الشغل؟ إيه السبب اللي خلاكي ترجعي تاني لمكتب سليم الجندي؟ وليه سبتي خليل الصواح؟ أنا فاكر إنك هنا مؤقتًا."

نَكَست كيان رأسها عاجزة عن الرد عليه، فحتى الآن لم تعلن خطبتها على سليم الجندي إليهما خوفًا من أن تجرح شعور نائل، فقررت الابتعاد دون إخبارهما عن السبب. "يعني لقيت إن الشغل هنا أحسن من مكتب خليل الصواح. فاستقريت هنا." رد نائل بابتسامة صافية: "طبعًا المكان اللي يريحك. المهم تكوني مبسوطة." أشرق وجهها سريعًا، فنائل دومًا مريح في الحديث ويحترم خصوصية الغير.

"طبعًا مبسوطة. وانبسطت أكتر لما شوفتك. قولي بقا عامل إيه وإيه أخبار الشغل؟ بس قبل ده كله تشرب إيه؟ لمعت عينا نائل وهو يرفض بلباقة: "ولا حاجة يا موكا. أنا كنت عايز أفتحك في موضوع مهم." هزت كيان رأسها برصانة دون أن تمحي ابتسامتها: "خير. قول أنا سامعاك." تعرق جبين نائل قليلاً وهو يزدرد ريقه قائلاً دفعة واحدة: "أنا قررت أتجوز." خفق قلبها بخوف، لكنها ادعت اللامبالاة مستفسرة: "بجد؟ ألف مبروك. حد أعرفه؟ رمش نائل عدة

مرات قبل أن يقول بخفوت: "مش هلف ودور عليكي. أنا برتب للكلام ده بقالي فترة واخيراً اتشجعت وقررت أبلغك بيه. أنا بحبك يا كيان من أيام الجامعة. عيني وقلبي مش شايفين حد غيرك. أنا عايز أتزوجك." اتسعت عينا كيان، رغم توقعها بحدوث هذا، إلا أن الأمر على أرض الواقع مربك. جعلها تجفل للحظات معقودة اللسان أمام عينا نائل المنتظرة جوابها. "وياترى السكوت علامة الرضا؟ ولا الهانم بتفكر تقبل؟

اخترق الصمت صوت رجولي خشن يقف عند باب المكتب المفتوح بطوله الشامخ وجسده العضلي وحلته اللامعة ككل شيء به. هادئًا باردًا، لكن عيناه القاتمة المسيطرة على مشاعرها أوضحت الكثير مما يشعر به الآن في هذا الموقف الذي لا تحسد عليه. نهضت كيان عن مقعدها بوجه شاحب وهي تنظر لسليم بصدمة. وفعل نائل، وقف احترامًا له قائلاً بحرج يعافيها هي عن مواجهة رب عملها:

"أنا آسف جداً يا أستاذ سليم، واضح إن اختارت المكان الغلط اللي أفتح فيه مسألة شخصية زي دي." اقترب سليم منه وعيناه القاتمة لا تحيد عن وجهها الشاحب وعينيها المذعورتين. وضع يده على كتف نائل قائلاً بخشونة: "لأ، إنت اخترت المكان الصح. ولازم الآنسة كيان تديك الرد على طلبك." رمقه شزرًا قائلاً بوعيد: "ما تردي. ولا تحبي أرد أنا مكانك؟ بللت كيان شفتيها وهي تقول بتخوف متلعثم: "آآه.. أصـ.. أصل أنا يانائل مخطوبة.. وخطيبيهو.."

أشارت على سليم بإصبع السبابة وهي تبلع ريقها بوجل. احمر وجه نائل بحرج وهو ينظر إلى وجه سليم الحجري ونظراته غير المتهاونة معه. تعرق جبين نائل أكثر من ذي قبل وهو يقول بتلعثم: "أنا آسف، مكنتش أعرف." سأله سليم بنظرة نمر شرس: "ليه هي مقلتلكش قبل كده إنها مخطوبة؟ هز نائل رأسه بنفي قائلاً بصدق: "والله أبدًا. أنا لسه عارف من حضرتك. لو أعرف ليه هاخد الخطوة دي وأحرج نفسي."

وضعت كيان يدها على خدها متمتمة سرًا وهي ترمق نائل شزرًا: (الله يخرب بيتك يا نائل بتسلمني تسليم أهالي) ربت سليم على كتف الشاب بقوة وهو يحاول تمالك أعصابه قائلاً بفظاظة وقلبه يشتعل بنيران الغيرة: "على العموم، اديك خدت الرد على طلبك. شرفتنا."

أوما نائل برأسه بوجوم وهو يغادر دون أن يلقي نظرة وداع عليها. فعلمت وقتها أن صداقتهما انتهت هنا ولن تعود. غامت عيناها بالحزن والشفقة وهي تنظر إلى رحيله بقلب مكسور. ثم رفعت عيناها إلى سليم الذي أمرها بنظرة سوداوية: "ورايا على المكتب."

وقفت في مواجهة عاصفة الغضب التي ستندلع الآن بعد لحظات من الصمت المهيب. كان يقف أمامها في منتصف المكتب ينظر إليها بغضب، وصدره يتضخم بمشاعر سوداوية عنيفة. في تلك اللحظة تحديدًا، كلما فكر في عرض زواجه من هذا الأحمق واعترافه بالحب لها، وعدم قدرتها على الرد، بل وامتناعها عن إخباره بأمر الخطبة، يجن جنونه وتنتابه رغبة شيطانية في تمزيقها إربًا. ظل يلاحق ملامحها بنظرات كالسهام الحادة لبضعة ثوانٍ، إلى أن قال أخيرًا بصوت غريب:

"أنا عايز أفهم إيه السبب اللي خلاكي متعرفيهوش إنك مخطوبة." قالت بخفوت تحت سطوة عيناه الحادة: "مجيش مناسبة." قطب حاجبيه هاتفًا بعنف: "مش هو ده الرد اللي مستنيه؟ قولتي قبل كده إنه بيحبك وإنتي عارفة ده. ليه مقلتلهوش؟ تكونيش خايفة تجرحي مشاعره؟ همست بملامح مرتابة: "بالظبط." جاشت مراجله فصاح زائرًا كالنمر الجريح: "ومشاعري أنا وكرامتي؟ وأنا شايفه بيصرحك بحبه وبيطلب إيدك للجواز؟ مفكرتيش فيها؟ قالت كيان

بتردد وهي ترجع خطوة للخلف: "وأنا كنت أعرف منين إنه هيعمل كده؟ هتف سليم بصوت قاسٍ مزدري وهو يبتسم بعصبية: "ليه كان هيفضل يحبك في السر كتير؟ ما مصيره يقولك على كل حاجة. لو الهانم بس فكرت ولو شوية هتعرف إن خبر الخطوبة هيقطع لسانه وهيبعده عنها. ولا تكونش الهانم جاية على هواها اللي بيحصل؟ ألقى اتهامًا صريحًا، فوقفت أمامه بالمرصاد تخرسه: "إنت آخر واحد تتهمني اتهام زي ده." صرخ سليم في وجهها مؤنبًا إياها:

"دا مش اتهام دي حقيقة. لو كنتي واخدة علاقتنا على محمل الجد كنتي عرفتيه إنك مخطوبة. لكن واضح إنك بتتسلّي." رفعت رأسها بكبرياء تواجهه بنظرة محتقرة: "زي ما إنت كنت بتتسلّى بيها. وبيا." أرجع رأسه للخلف جافلاً عن قدرتها الجبارة في تدوير الأحاديث وإلقاء التهم. قال سليم بعد لحظة صمت كئيبة: "وطالما أنا وحش أوي كده في عينك. وافقتي ليه من الأول؟ عضت على باطن شفتيها، تشعر بالعراء أمامه: "اللي حصل." سألها بنظرة مشتعلة:

"يعني إيه؟ على تنفسها بعصبية، فقالت بهجوم بالغ عما يعتريها نحوه وغير قادرة على البوح به لحساسية الموقف: "يعني أنا شايفة نسخة منه. زي ما سبتها عشان يهديها عشان غيري." أغمض سليم عينيه وأولاها ظهره محاولًا تمالك أعصابه وهو يأخذ أنفاسه بتشنج، قائلاً دون أن ينظر لعيناها المتألمة: "لحد إمتى؟ لحد إمتى هيفضل تفكيرك كده؟ قولتلك قبل كده إني اكتشفت إننا مش مناسبين لبعض، مش شبه بعض." بنظرة نافرة قالت بتهكم:

"وده اكتشفته قبل فرحكم بكام يوم." استدار لها سليم صارخًا في وجهها بعنف: "عايزاني اكتشفه إمتى؟ لما نتجوز ونجيب عيال؟ إنتي بتفكري إزاي؟ ليه بتعذبيني وبتكويني بنفس النار اللي كويتها بيها؟ ليه يا كيان ليه؟ التوى ثغرها بتهكم وقالت باستهجان: "يا حنين وكمان صعبانة عليك. طب ما تروحلها. روح لها واقف ليه صلح غلطتك واتجوزها وطلعني من القصة دي كلها." "إنتي عايزة إيه؟ عايزة إيه افهميني؟

" اندفع نحوها بجسد متشنج، فرجعت للخلف بخوف حتى اصطدم ظهرها بالحائط خلفها، وعندما لم تجد مفرًا بعد أن حاصرها هنا، قالت بعذاب وهي تواجه نظراته المتجهمة: "عايزة أعرف اللي بينكم وصل لحد فين." علت ملامحه الصدمة وهو يسمعها تتابع بلوعة: "كام مرة لمستها وخدتها في حضنك؟ كام مرة بوستها وقولتلها بحبك؟ كام مرة؟ وحبتها إزاي؟ وياترى اللي بتحسه معايا نفس الإحساس اللي كنت بتحسه معاها؟

تبادلا النظرات قليلاً بصدمة، يقف هو مبهوتاً متصلباً مكانه، وتقف هي ترتجف باكية بضعف. قال سليم بعد لحظات وهو يبتعد عنها للخلف خطوتين، واضعًا يده في خصره رافعًا وجهه للأعلى محاولًا كبت غضبه وعصبيته بعيدًا عنها قدر المستطاع: "مفيش حد ملوش تجارب في الحب. بذات لو راجل زيي. ومفيش حد بيعمل اللي إنتي بتعمليه." بصوت خفيض متعب أردف:

"علشان كل اللي حصل ده كان قبل ما أشوفك. وحتى بعد ما ظهرتي في حياتي كنتي مجرد محامية تحت التدريب ومساعدة خاصة ليا. وأول ما مشاعري اتحركت ناحيتك سبتها. يمكن متأخر، ويمكن بدري، بس في الآخر سبتها. أنا مش عارف إيه الجريمة اللي عملتها تخليني أستحق كل الكره ده منك." ثم واجه عينيها بالنظرات قائلاً باتزان:

"ومش عارف ليه شيفاني نسخة منه. أنا مش خاين يا كيان. الحكاية كلها إني انسحبت من علاقة فاشلة وحبيت أبدأ من جديد مع حد مرتاحليه أكتر وشايف نفسي معاه." مسحت دموعها بظهر يدها، فقال سليم وهو يقسو على نفسه قبلها: "أنا مش ندمان إن سبتها يا كيان. بس أنا بدأت أندم إني فكرت أرتبط بيكي." هوى قلبها أرضًا منكسر، تكاد تسمع صوت حطامه، فتصلب جسدها في مكانه يابسًا، وقد علا تعبير الدهشة وجهها. فأضاف سليم باترًا:

"خدي أجازة يا كيان وابعدي. وهستنى قرارك الأخير. يا نكمل يا نبعد خالص. أنا مش هقدر أكمل بالطريقة دي حتى لو كانت روحي فيكي." خفق قلبها المحطم بوجع، ورغم ذلك قالت بكبرياء وهي تمنع دموعها من الهبوط أمامه: "أنا خدت قراري خلاص وشايفة إننا مش هننفع نكمل سوا." بنظرة نافذة توغلت لأوصالها، عقب بصلابة: "أنا مش هاخد قرار في علاقتنا غير لما تهدي." صاحت بانفعال ومعه هبطت دموعها على خدها:

"شايفني بشد في شعري. قولتلَك خلاص مش عايزة." حاولت الهروب من هذا المكتب اللعين، لكنها شعرت بقبضة يده تعجزها عن الهرب، فواجهت عيناه الحانية رغم ظلامها القاسي، فقالت بتشنج: "سبني يا سليم. سبني." فلتت شهقات بكاؤها بضعف عندما ضمها إلى صدره، محتويًا جسدها وقلبها في أحضانه، مربتًا على كتفها بحنان وهو يهمس باختناق: "أهدي يا حبيبتي. هعمل اللي يريحك حتى لو كان اللي هيريحك ده إننا نسيب بعض."

ازداد نحيبها حدة وهي تستقبل العناق دون أن تبادله إياه، فهي تخشى أن تظهر له مدى احتياجها لعناقه، مدى احتياجها له. مدى عذابها ولوعتها أن يتركها بعد أن أخبرها منذ دقائق أنه ندم على هذا الارتباط. ***

دلف إلى البيت عصرًا، فوجدهن يجلسن على الأريكة يشاهدن التلفاز، وكل واحدة منهن شاردة في عالمها. شعر بنغزة قوية في صدره لعدم وجود شهد بينهن، كما اعتاد عند دخوله. البيت ينقصه روحها الطيبة، صوتها الموسيقي الناعم، رقيها الملكي المشع عند نظرة من عينيها.

عندما رأته قمر، امتقع وجهها بقرف وتكتفت ذراعيها بصرامة، مشيحة بوجهها وعيناها بعيدًا عنه، بينما قلبها ملتهب بالشوق. انتبه حمزة إلى حركاتها الطفولية، ما زالت مصممة على موقفها في خصامه حتى بعد كل هذه المدة. أسبوعين كاملين ترفض التحدث إليه، مصممة على الخصام، كلما حاول الحديث تصده وتتركه وتعتكف غرفتها التي كانت غرفة شهد سابقًا. تجلس بها معظم الأوقات، أحيانًا وحدها، وأحيانًا مع كيان التي لم تجد رفيقًا بعد شهد سواها. تقارب الفتاتان من بعضهن كثيرًا في تلك الفترة القصيرة، لم ينكر أنهن ما زلن ناقر ونقير مع بعضهن، لكنه المزيج المميز في صداقتهن حديثة العهد.

وضع حمزة علبة الحلويات أمامهن على الطاولة وانضم إلى تلك الجلسة الكئيبة وهو يستريح على مقعده، سائلاً وهو يوزع النظرات عليهن بتدقيق: "مالكم شايلين طاجن سِتكم كدا ليه؟

زَمّت قمر شفتيها وهي ترمقه بطرف عينيها دون أن تعيره ردًا أو حتى ذرة اهتمام كما اعتاد منها. فأحمر وجه حمزة بحرج وغضب، فهو لم يعتد هذا البعد والخصام، خصوصًا منها. يحترق صدره كبركان ثائر، يشعر برغبة غبية بصفعها بقوة، ثم تقبيلها بشدة، ساحقًا تلك الشفاه الحمراء المستفزة بأسنانه، متلذذًا بتأوهها في أحضانه.

ازدرد ريقه متأثرًا وأظلمت عيناه بالرغبة، بينما قلبها اختلج بين أضلاعه بضطرم من مجرد التخيل. منذ متى يفكر بها بتلك الطريقة الـ... الغير بريئة أبدًا؟ إن مشاعره تتحرك نحوها بسرعة تفوق الوصف، كقطار سريع متهور يسير إلى اللا نهاية، فأقدم كابح التحكم والسيطرة. تنحنح حمزة بحرج وهو ينظر إلى وجه أخته الباهت وعلامات الأسى المرسومة على وجهها بالخط العريض: "مالك يا كيمو... شايلة طاجن سِتِك ليه؟ إنتي زعلانة مع خطيبك؟

خمن حمزة وهو يضيق حدقتاه، فأومأت برأسها وهي تبتسم بسخرية. فلمعت عينا حمزة سائلاً أخته بحمائية: "غلط فيكي؟ رفع إيده عليكي كدا ولا كده؟ هزت كيان رأسها بنفي هاربة من عيناه البراقتين بخجل خوفًا من أن يقرأ المسطور في عينيها عن هذا العناق الذي جمعها بسليم لثوانٍ قليلة قبل أن تدفعه خارجة من المكتب، بل ومن البنية بأكملها بعينين مليئتين بالدموع وقلب مكسور. قالت بصوت متهدج:

"ميقدرش. أنا مش بسكت وإنت عارف كده كويس. مشاكل بايخة. لو في حاجة كبيرة هقولك. بس هي مشكلة تافهة." رمق حمزة أخته بشك سائلاً: "وياترى المشكلة التافهة دي مين فيكم اللي غلطان فيها؟ بللت شفتيها وهي تحني رأسها بتيه: "تقريبًا أنا. أنا اللي بدأت." أوما حمزة برأسه ناصحًا إياها بحكمة: "يبقى تراجعي حساباتك، ولو فعلاً إنتي اللي غلطانة، يبقى لازم تعتذري." ثم نظر نحو قمر قائلاً بسأم: "على الله بس مطلعش زعله وحش زي ناس."

رمقته قمر بطرف عينيها بقرف وظلت مكتفة الذراعين، تأبى الرد عليه ولو بكلمة واحدة، فهي تعلم أنه يستفزها حتى تنفجر في وجهه. نظرت كيان إليهما بحيرة وسألتهما بشك وفضول: "إنتوا شكلكم زعلانين سوا؟ بقالكم كام يوم متغيرين مع بعض ومش بشوفكم قاعدين مع بعض زي الأول. هو إنتوا زعلانين فعلاً؟ أرجع حمزة ظهره للخلف قائلاً وهو ينظر نحو قمر بشقاوة:

"ولا أي حاجة. دا أنا وقمرآية زي السمنة على العسل. دا أنا حتى جايبالها لقمة القاضي. وعامل حسابكم معاها." امتعنت كيان وهي تتنهد عن الأريكة قائلة بكآبة: "لأ أنا مليش نفس. أنا هدخل أريح في أوضتي شوية. زهقت من القعدة هنا."

بعد أن أغلقت كيان باب غرفتها عليها، اتجه حمزة إلى قمر جالسًا بجوارها على الأريكة. رمقته قمر بتحذير، لكنه ابتسم بسماجة وهو يرفع ذراعه واضعًا إياها على حافة ظهر الأريكة خلف رأسها مباشرةً. لوهلة ظنت قمر أنه سيمد يده على جسدها بوقاحة، لذا انكمشت بخوف وارتجف قلبها في لحظة بوجل. فابتسم حمزة باستمتاع سادي وهو ينظر لعيناها قائلاً بابتسامة سمجة: "مساؤؤ عناب. يا قمراية." (مساء الزفت على دماغك)

كانت تتمنى أن تنطق بها، لكن للأسف أخلاقها منعتها في اللحظة الأخيرة. فعضت على باطن شفتيها بغضب دون رد. "أنا جايبلك لقمة القاضي." قالت قمر بنظرات محتقنة بالغضب: "شكرًا. بطلت آكلها. أصلي عاملة ريجيم. والسكريات غلط عليا." "على كده أنا لازم أبعد. مانا من ضمن السكريات برضو." ضحك حمزة بقوة مدعي المرح. فرمقته قمر رافعة شفتيها بتقزز كمن تنظر لفأر ميت. فتوقف حمزة عن الضحك تدريجيًا، متنحنحًا بحرج: "وحشة صح؟

مكانتش عجباني أصلاً." عضت على باطن شفتيها حتى لا تبتسم. فما حدث لا يُغتفر مهما حاول هو التلطيف، فالأمر أصعب من أن يمر مرور الكرام هكذا دون حاكم أو رابط. قال حمزة بضيق وهو يرمق جسدها بنظرة شاملة مدققة بوقاحة قبل أن يقول: "وبعدين إنتي بتعملي ريجيم ليه؟ إنتي عجبتني كده. وبعدين أنا بقا عايزك بطة. يا ريت تزيدي عن كده. هو كله لمصلحتك."

انتهى بغمزة وقحة مشاكسة. فزمت شفتيها، فكل هذا حجة حتى تمتنع عن أكل حلواته. لكنه يفتح مجالاً للحديث بعد خصام دام لأسبوعين دون تبادل كلمة واحدة بينهما. أظلمت عينا قمر وهي تعصر ذاكرتها، متذكرة جسد نجلاء. رغم قصر قامتها التي تتخطاها هي بعدة سنتيمتر، إلى أن جسد نجلاء كان ممتلئًا عنها نوعًا ما، خصوصًا في أماكن مفترقة من أنوثتها البارزة. جزت على أسنانها وهي تنهض بغضب قائلة بعصبية بالغة:

"وأنا مش فارق معايا إنت بتكره إيه وبتحب إيه، لأني هفضل أعمل ريجيم لحد ما أبقى شبه خلة السنان. وبقى دور بقى على البطة اللي تملى عينيك يا بوعين فارغة يا طفس." قالت آخر كلمة باتهام صريح قبل أن تتحرك بسرعة من أمامه، داخلة الغرفة كثور هائج. فغر حمزة شفتيه مصعوقًا مكانه لبرهة، وعندما ذابت الصدمة على محياه، أرجع خصلاته الناعمة المتساقطة على جبينه للخلف، متمتمًا ببلادة: "هو أنا عكيت الدنيا تاني ولا إيه؟

عندما أتى الليل، بدأت تتمايل في نومتها على الفراش بعدم ارتياح، وقلبها يشتعل كأتون حارق كلما تذكرت حديثه عن ذوقه اللعين. أمسكت الدمية الناعمة التي على شكل بقرة، والتي كانت أول هدية يهديها لها. أمسكت الدمية وعضتها بأسنانها بشراسة وهي تنفث عن غضبها داخلها بصرخة مجنونة مكتومة. ثم بعد أن انتهت من وصلة الجنون تلك، ألقت الدمية عرض الحائط بسادية، وهي تقلد صوته بعصبية مفرطة: "عايزك بطة. عايزك بطاية. اهو كله لمصلحتك."

على صوت تنفسها، ومعه بدأ صدرها يعلو ويهبط بتشنج، قائلة بتكبد: "عديم الذوق والإحساس. آه يا ني منك نفسياً، آكلك بأسناني. ليه نفس يتكلم ويهزر بعد اللي عمله؟ بجح. بجح آآآه."

صرخت صرخة مكتومة وهي تنهض عن الفراش متجهة إلى الحمام بخطوات عصبية. وبعد لحظات خرجت من الحمام متجهة إلى الغرفة، فانتبهت إلى الشرفة المفتوحة أبوابها، وهو واقفًا عندها ينفث عن غضبه بتدخين وشرب القهوة المرة. وجدت ساقاها تقودانها إليه. انتبه حمزة لوجودها بجواره، فالتزم الصمت بملامح متصلبة قاسية. ظنت قمر للوهلة الأولى أنه غاضب منها، لكنها بعد لحظات انتبهت أنه يمسك هاتفه بين يديه ويتابع إحدى مباربات كرة القدم لفريقه المفضل. ويبدو من قسمات وجهه المشدودة وعروق عنقه النافرة بعصبية أن فريقه يغرق في الخسائر كالعادة.

أغلق حمزة الهاتف بعد ربع ساعة تقريبًا قضتها بجواره واقفة صامتة خانعة أمام غضبه. رمقه حمزة بطرف عينيه متأملاً وجودها بجواره بعد كل هذه الأيام بدونها، تحرمه لذة صحبتها واهتمامها به. كأم تعطف على صغيرها. نظر أمامه زافرًا بصدر مثقل بالهموم والحزن، إنها أتت في أشد لحظاته غضبًا وتأزمًا. وحتى الحديث الآن سيخرج على هيئة رشاش ناري يصيب وجهها الجميل، فهو غاضب غاضب بشدة، فريقه المفضل خسر. ما هذا الحظ السيئ!

انتبه إلى ما ترتديه في معصمها، هذا السوار الأحمر اللعين بخرزه البراق المستفز. "أنا مش فاهم إنتي لابسة الزفت ده ليه." نظرت إلى السوار ثم لعيناه الحانقة، فابتسمت باستفزاز قائلة بإيجاز: "بتجيب الحظ." بلع ريقه بتجهم قائلاً بوجه مكفهر: "قصدك بتجيب النحس. اللون ده مستفز وإنتي بتتعمدي تظهري بيه قدامي. المفروض الحاجة اللي مبحبهاش متعملهاش." لوت ثغرها هازئة: "وياترى إنت بتعمل كده معايا؟ هتف حمزة بعينين تقدحان شررًا:

"واضح إنك جاية عشان تستفزيني وتكملي عليا." رفعت قمر حاجبها ببلادة: "إنت مضايق أوي كدا ليه؟ هما لو كسبوا يعنيهيدوك الكاس؟ اقترب حمزة منها خطوة خطرة وعيناه تبرقان بالإجرام، فخفق قلبها بخوف، فيبدو أنها تلعب في عداد عمرها حيال ما نطقت به. "تعرفي إيه عن الكورة؟ قالت بتلعثم وهي تهرب من جحيم عينيه المتقدة: "قولتلَك إني مليش في الكورة. ولو ليا في الكورة هطلع أهلاوية زي بابا." جز على أسنانه وتطاير الشرر والوعيد على وجهه:

"الأحسن إن ما يبقاش ليكي في الكورة خالص عشان منحسرش بعض." زفرة وهي ترجع خطوة للخلف تأخذ أنفاسها المسلوبة بعصبية، هاتفه بقلق: "أنا كدا كدا مليش في تعب الأعصاب ووجع القلب. دا إنت متعصب أوي، أعصابك أهدى. هطق." ضرب حمزة على سور الشرفة بيده بتشنج، فحديثها يزيده اشتعالاً أكثر من الخسارة الفادحة التي تلقاها فريقه اليوم. "وإنتي مالك يابنتي متعصب ولا متنيل على دماغي. قمر إنتي جيالي في وقت الشياطين كلها بتتنطط في وشي."

عقدت ذراعيها أمام صدرها مشيحة بعينيها عنه: "مين قالك إني جايلك؟ أنا واقفة أشم شوية هوا. ولا ناسي إننا متخاصمين؟ نفخ حمزة بعصبية بالغة وهو يقول بصفاقة: "مش ناسي. أقولك اشبعي بالبلكونة، أنا داخل أوضتي."

غادر من أمامها بمنتهى العصبية، مما جعلها تجفل متسمرة مكانها بصدمة، ولم تقوِ على الاستدارة إليه، بل ظلت تنظر للشارع المظلم والمباني الشاهقة أمامها بعينين غائرتين بالدموع وقلب متجمد في قبضة جليدية فتاكة، يئن داخلها بالاستسلام والتعب. فلتت شهقة من بين شفتيها المرتجفتين عندما شعرت بيده الحانية تضع على كتفها شالاً من الصوف الناعم، ثم لفه حول منكبيها بحزم قائلاً بوجوم من خلفها:

"خلي الشال ده عليكي عشان متبرديش. ومطوليش عن كده. شوية وادخلي نامي. تصبحي على خير." ثم ابتعد ومعه هاجر قلبها إليه، يقبله آلاف القبل ويركله بعدها بغضب، فهذه المشاعر المتناقضة باتت عدوى أصابتها من بعد معاشرتها له. ***

بعد مرور أسبوع وتحديدًا ليلاً، كانت تجلس على الأريكة أمام التلفاز تقضم في أظافرها، وهي بانتظاره قد تخطى منتصف الليل ولم يعد حتى الآن. زفرت بتعب وهي تنظر للسقف، اشتاقت إليه بجنون، إلى حديثه، لسانه السليط، مزاحه الثقيل، إلى نظرة عينيه الشقية وابتسامته الساخرة. اشتاقت لكل شيء به. اشتاقت لنفسها معه. أضناني العشق أضناني يا معذبي، فأشفق على قلبي ولو قليل.

سمعت رنة المفاتيح في الباب ومن ثم دخوله إليها بهالة مشعة مجنونة، رجلاً مجرمًا بمعنى الكلمة. إجرامًا بريئًا منه، لكن هالته الفجة تدينه بالإجرام والشر والعبث. وكأنه أهلًا لكل ما هو سيء وخطير، رغم صفحته البيضاء. خفق قلبها بلوعة وهي تنهض من مكانها متسمرة بثوب داكن يلتف حول جسدها المنحوت بدلال، تاركة شعرها الغجري ذو الخصلات المتراقصة حرًا طليقًا حتى آخر ظهرها. والبنيتان الكحيلة تبرق بالحب كنجمتين لامعتين في سماء قاتمة. بللت شفتيها وهي

تسأل نفسها للمرة المائة: هل بالغت في ارتداء هذا الثوب؟ خصوصًا أنه توقف مكانه يشملها بنظرة قوية مدققة، غير بريئة أبدًا من عسليتاه الوقحة. "ليه صاحية لحد دلوقتي؟ برمت شفتيها وهي ترفع كوب النسكافيه من على الطاولة إلى فمها مباشرة قائلة ببرود: "كنت بشرب النسكافيه وداخلة أنام." قال ببرود وهو ينظر إليها بشك: "اللي بيشرب نسكافيه بيبقى مربوط على سهر، مش بيشربه وبيدخل ينام؟

أنزلت الكوب عن فمها وهي تبتلع ما بفمها بصعوبة، فقد برد المشروب بعد أن تناست وجوده غارقة في قلقها على السيد المبجل الذي عاد إلى البيت للتو. وعوضًا عن سؤاله: أين كان كل هذا الوقت؟ يبدأ هو بثرثرة مستفزة عن ما يصح شربه ليلاً وما لا. قالت قمر بضيق بالغ: "إنت كنت فين؟ كان سيرد ردًا مستفزًا كالعادة، لكنه لم يفعل، فكان متعبًا ومرهقًا بشدة. "العربية عطلت فكنت بصلحها." أشفق قلبها عليها فقالت بتهكم:

"وطالما هي بايظة أوي كده وكل يومين عند الميكانيكي، ما تبيعها وريح نفسك." "إن شاء الله قريب." رد ردًا مختصرًا هادئًا، جعلها تجعد جبينها بحيرة وهي تطلع إليه من أول رأسه حتى أخمص قدميه. هناك شيء متغير به. أحيانًا تشعر بأنه يهرب من عيناها بحرج، وكأنه يخفي شيئًا يسعى أن لا تعرف عنه الآن على الأقل. لكن ما هو؟ نظر لعيناها كطفل مشتت بائس، ثم قال بعد لحظات: "أنا جعان يا قمر. ينفع تسخنيلي الأكل؟

أومأت برأسها سريعًا بحنان، متناسية لوهلة خصامهما الذي دام لثلاثة أسابيع. "غير هدومك على ما أسخن الأكل." أومأ برأسه وهو يبتعد إلى غرفته. وبعد فترة بدأت تلملم الأطباق التي تناول ما بها. قد افترس الطعام وكأنه لم يأكل منذ أشهر. قد جلست معه على الطاولة، لكنها لم تأكل، وكان حُجتها حينذاك أنها تتبع أحد الحميات الغذائية. فقلب شفتيه وقتها ممتعضًا وهو يتابع الأكل بنهم. حينها سألته متعجبة بعد أن قارب على الشبع:

"إنت كنت جعان أوي كده؟ توقف عن الأكل وهو ينظر لبنيتيها بشوق: "بقالك تلات أسابيع حرماني آكل معاكي وكأنك بتعاقبيني." بدا في تلك اللحظة كصغير يعاتب أمه على خصامها له وامتناعها عن فعل أشياء اعتادها معها. وقتها بلعت غصة مختنقة وهي تحاول التحدث بهدوء: "إنت اللي بترجع وقت الغدا متأخر. بنبقى اتغدينا أنا وكيان. وبعدين في أيام كنا بنفطر فيها سوا." صرح بصدقًا وعيناه تفيضان شيئًا من الاحتياج لها:

"بس كنتي بتبقي قلبه وشك اللقمة مكنتش بتبلع." خفق قلبها متجاوبًا مع حديث طفله بلوعة. هذا الرجل أتى من رحم قلبها ولا مجال لتغيير هذا الشعور داخلها، إنه الشعور الاستثنائي الذي تكنه له من يوم أن وقعت في حبه. "عايز تقول إنك مهتم." أكد حمزة دون مراوغة: "لو مش مهتم ليه هقول كده؟ تعرفي إيه أكتر حاجة وحشاني؟ خفق قلبها باشتياق حار. فهزت رأسها بكبرياء، فتابع هو بابتسامة جذابة: "فنجان قهوة على الريحة. من إيديكي الحلوين."

زَمّت شفتيها بضجر، فتلك لم تكن الإجابة المنتظرة مع خفقات قلبها الحافلة. لكنها حافظت على ابتسامته الرصينة قائلة ببرود: "ومالوا يا بن خالي هعملك فنجان القهوة اللي وحشك."

انتهت من غسيل الأطباق وبدأت في إعداد فنجان القهوة له قبل أن تدلف إلى غرفتها لتكمل ليلة حافلة بوجع القلب على سريرها. شعرت به يدلف إلى المطبخ جالسًا على المقعد أمام الطاولة المستديرة القابعة في منتصف المطبخ. استدارت له بعد أن وضعت الركوة على النار، فشار إليها بعينيه أن تتقدم منه، ففعلت وجلست بالقرب منه واضعة كفها على سطح الطاولة مثله.

مسك حمزة كفها مغطيها بكفه الكبير، ملامسًا أصابعها الطويلة النحيلة البيضاء واحدة تلو الأخرى، وكأنه يرسمهما بلمساته. إصبع الجنية التي تفتنه. "أنا آسف. أنا عارف اللي عملته ضايقك." سحبت يدها من بين قبضته الحانية: "اللي عملته وجعني. وجعني أوي يا حمزة." قالتها وهي تنهض من أمامه، تخفي ضعفها وغيرتها الواضحة وضوح الشمس لعيناه: "قمراية بصيلي." قالها حمزة بعد أن اندفع خلفها وأدارها إليه بمسكة من يده، فتابع

بجدية وهو يأسر بنيتيها: "أي حد. أي حد في مكانها كنت هعمل معاه كده. أقسم بالله ما بكذب عليكي." أومأت قمر برأسها وهي تبلع غصة بكاء تهدد بالافصاح عنها: "في دي عندك حق. أي حد مكانها كنت هتعمل معاه كده. بس الخوف اللي شوفته في عينيك ولهفتك عليها بيقوله عكس كده." انفعل حمزة في لحظة بتجهم: "إنتي بتقولي إيه؟ مفيش حاجة من دي. أنا نسيتها. كل اللي جوايا ناحيتها وجع. وجع وبس." امتقع وجهها والتوى ثغرها بوهن قائلة أمام عيناه:

"لو نسيتها بجد مش هيبقى جواك ناحيتها أي حاجة، حتى لو وجع يا حمزة. حتى لو وجع." جاب حمزة على ملامحها بنظرة قاتمة قبل أن يلفظ بصوت غريب: "إنتي متعرفيش حاجة." قالت بنبرة صقيعية هادئة: "لأ عارفة. شهد حكتلي على كل حاجة عنك وعنها." جفلت حواسه للحظات وهو يتمعن بالنظر إلى الأسى والقهر في حدقتاها اللامعة بالدموع، فاسترسلت قمر بلوعة:

"عارفة إنك كنت بتحبها أوي، وإنها شرطت عليك تكتبلها شقة من شقق أبوك ولما أبوك رفض، سابتك وارتبطت بغيرك." أتى صوته ساخرًا متناقضًا مع مشاعره الآن: "لأ، وإنتي الصادقة ارتبطت بغيري وهي لسه لابسة دبلتي. أنا كنت *…* في الحكاية كلها وعرفت تديني الضربة اللي توقعني متقومنيش." صرح حمزة بضعف استثنائي وهو ينهت بتعب، بينما قلبه يعتصر بقسوة بين أضلعه: "أنا موجوع يا قمر. الوجع اللي جوايا صعب أوصفهولك."

رمشت بعينيها متنازلة عن عبارات حارقة سقطت من حدقتاها باستسلام، فتابع حمزة بقهر الرجال: "وجع راجل اتخان من أكتر إنسانة حبها. ووعدتني كتير إنها هتفضل جمبه وإن الفلوس والمنظرة آخر حاجة تفكر فيها معاه، وإني وجودي أهم من أي حاجة في الدنيا. وإني عمر قلبها ما هيحب حد ولا هيشوف غيري." ابتسم هازئًا وعيناه تتلون بالحزن والخذلان:

"ووعدتني كتير يا قمر. وكان كل ده كذب. فجأة صحيت لقيتها بتعاني مع أول محطة نزلت وسبتني أكمل لوحدي، لا عارف رايح فين ولا هعمل إيه من غيرها." أضاف بغصة مختنقة: "أنا بطلت أحبها. يمكن الحب قلب كره وقرف من نفسي ومن قلبي اللي استرخص ونقى أقل حاجة ومسك فيها بأيده وسنانه."

رآها حمزة تتعذب حرفيًا أمام عيناه كلما تحدث عن أخرى أمامها، وكأنه يجلدها بالكلمات. فصل الخطوة الوحيدة بينهما وعانق وجهها بين يديه، ثم مسح دموعها برفق قائلاً باعتذار حانٍ بصوت يحمل حنان العالم بأسره: "والله ما أقصد أوجعك. أنا بحكيلك على اللي جوايا. لازم تفهمي اللي عملته ده ملوش علاقة بيها هي. والله أي حد مكانها كنت هعمل معاه كده." حاولت قمر نزع نفسها من بين يديه: "ممكن تسيبني عايزة أروح أوضتي. سيبني يا حمزة."

ترك حمزة وجهها واحتوى خصرها بين يديه، مقربًا إياها من جسده حتى التصقت به، فقال بضعف بعد أن تخللت أنفاسها الطيبة رئتيه خلسة: "بالله عليكي لأ. كفاية خصام وبعد. أنا استويت. بلاش تبعدي عني يا قمر. حقك عليا والله ما أصدق أجرحك أو أوجعك بكلامي." نظرت لعسليتاه القريبة جدًا منها وانفاسه التي تتوغل إلى رئتيها بانسيابية ساحرة: "حمزة." همست بها وهي تغمض عينيها بتأثر. بعد أن تحسس خصرها المنحوت اللين بوقاحة، هامسًا وهو

يميل على أذنها بضعف أجش: "عايز المسك يا قمري. عايز آخدك في حضني." ذابت مفاصل أعصابها ولم تقوِ إلا على ندائه بصوتها المحموم: "حـمـزة."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...