الفصل 9 | من 41 فصل

رواية الحب اولا الفصل التاسع 9 - بقلم دهب عطية

المشاهدات
23
كلمة
20,185
وقت القراءة
101 د
التقدم في الرواية 22%
حجم الخط: 18

تلتوي على الفراش بوجع. أتتها النوبة. صراع مع الماضي، من قسوة وجفاء وظلم واحد تلو الآخر. في الماضي تجرعته كالماء كل ساعة وكل يوم. الهواء ينسحب من بين رئتيها، وكأنها تشعر بوالدها يقبض على عنقها بقوة كما كان يفعل عندما يثور عليها غاضباً. جسدها يتعرق، رأسها ستنفجر من شدة الصداع، قلبها يؤلمها بشدة، وجسدها كله في حالة تشنج رهيب.

لم تاتِها هذه النوبة منذ سنوات. سنوات عديدة تعتكف الهدوء والسلام، الوجهة الباردة للحياة، حتى تحافظ على نفسها من هذه النوبات شديدة القسوة على جسدها. تتسارع الأفكار داخلها أكثر من اللازم، تهلك عقلاً يعاني دون مبالغة. صدرها يضيق، تختنق، والماضي يلاحقها.

في السابق، وفي أحد الأيام، وصلت لسن الخامسة عشر، وكان سناً يلائم المواجهة بنسبة لها. وقتها دخلت على أمها الغرفة، وكانت أمها تصارع الموت على الفراش لسنوات من شدة الحسرة والقهر والذل التي ذاقته على يد زوجها، والعذاب الذي رآه أولادها الثلاثة على يديه، من ضرب لظلم لتعنيف لشتائم لإهانة لحياة أشبه بسجن مشدد شديدة البرودة والجفاء. دخلت شهد إلى أمها والدموع تبلل وجنتيها، سألتها بانفعال:

"أنا عايزة أعرف هو بيكرهنا أوي كدا ليه؟ وليه بيعملني كده؟ أنا حاسة إني مش بنته، هو أبويا فعلاً ولا إنتي بتضحكي عليا؟ لم ترد أمها، بل ظلت تنظر إليها بعجز. فقالت شهد بتشنج وهي تبكي أكثر: "ساكتة ليه؟ ردي. لو كنتي بتحبينا، كنتي طلقتي منه وخدتينا معاكي، وبعيدنا عن هنا. ليه قبلتي الإهانة؟ ورضيتي لينا بالذل؟ ليه يا ماما؟ لم تكن تتحمل عتاب ابنتها، فهي تجلد نفسها لسنوات، نادمة على عمر ضاع في المحاولات والآمال الكاذبة.

"عندك حق، كله ده بسببي. حقكم عليا، سامحيني يا شهد. أنا فاضل بيني وبين الموت خطوة." جلست شهد على حافة الفراش وقالت بغصة مختنقة: "متقوليش كده. أنا بحبك يا ماما، ومليش في الدنيا غيرك. بس فهميني، إيه اللي يخلي الست تقدم التنازلات دي كلها؟ قالت كريمة بمرارة: "الحب." نظرت لها شهد بعدم فهم. "إيه؟ فتابعت والدتها مرارة الكلمات كالعلقم في حلقها:

"ساعات بنتنازل عشان بنحب، وبنسامح في حقنا وبنغفر عشان بنحب. وبنشوف إن الحب أولى وأهم حاجة بينا. بس مع الوقت، بيتحول الحب لعنة، لعنة بتتحول لكره، والكره بيبقى ندم، والندم بيوصل للمرض، والمرض يعني موت. وأنا قربت من الموت." كانت شهد غير مستوعبة بعض كلمات أمها. فمسكت أمها يدها قائلة بضعف: "اوعي تقدمي تنازلات، حتى لو بتحبي. اوعي يا شهد." سحبت شهد يدها وهي تسأل أمها بغصة مريرة: "ليه بيكرهنا؟ وليه مش بيطقني؟

وطالما مش بيحبك زي ما بتقولي، ليه كمل؟ قالت والدتها بصعوبة: "انتي اللي خلتيه يكمل. انتي اللي عجزتيه، وبعدتيه عن الست اللي حبها." انتفضت شهد بصدمة: "أنا إزاي يا ماما؟ ومين الست دي؟ قالت والدتها بعيون دامعة: "إلهام. واحدة اسمها إلهام. كانت جارتنا زمان، وكانت صاحبتي، كان سري معاها. وكنت بدخلها بيتي أأكلها وأشربها وأساير معاها. كنت بعملها زي أختي الصغيرة." ثم أخذت نفساً متعباً، متابعة سرد القصة منذ البداية:

"أبوكي من يومه قاسي، لكن عمره ما مد إيده عليا ولا طول لسانه. لكن لما شافها وقرب منها، ووقعته في شبكها، اتغير. اتغير أوي. حصلت مشاكل كتير بسببها. خانة العيش والملح. بعد ما اتأكدت إنه حبها ومستعد ينفذ كل طلباتها، كان أول طلب منها إنه يطلقني ويرميني في الشارع." ابتسمت بسخرية مريرة، متابعة:

"وأبوكي مقالش لأ. آه، مقالش لأ. أصله حبها. حبها أكتر مني ومن ابنه اللي كان لسه تلات سنين. مصعبتش عليه رغم إني كنت حامل فيكي ساعتها، وعلى وش ولاده." مسحت دمعة فارّة من عينيها: "الناس اتدخلت بينا، وأبويا الله يرحمه حاول يصلح بينا. كان راجل كبير ورجله والقبر. كان خايف اتبهدل من بعضه بالعيلين اللي رجعوا له بيهم. ده غير كلام الناس اللي مبيرحمش." قالت بابتسامة موجوعة:

"أبوكي متهزش، ورمى عليا اليمين. يومها وقعت من طولي. وجت ساعة والده، وجيتي الدنيا. ساعتها الناس كلت وشه: مراتك جابت بنت هترميها في الشارع. لم عرضك وعيالك، وتقي الله. عيالك محتاجينك." نزلت دموع والدتها، فلم تمسحها، وتابعت بقهر كبير، فقد وقع عليها ظلم كبير ضرب كرامتها وكبرياؤها عرض الحائط. "قال لهم ساعتها إنه بيحب واحدة وعايز يتجوزها. قالوا له اتجوز، الشرع حلالك أربعة. ومراتك ملهاش دعوة طالما هتعدل ما بينهم."

"قدام بصة أبويا وكلام الرجالة، اتكتمت. كان مغلوب على أمري، ومكنتش عايزة أطلق. خفت عليكم من البهدلة." تابعت بنفسٍ متحشرج: "ساعتها راح لها وطلب إيدها. رفضته وطردته من بيتها. وقالت له: أنا مدخلش على ضرة، يا أنا يا هي. ولأنه قد كلمة قصاد الرجالة، مقدرش يرجع فيها. ورجعني تاني على ذمته. وعاش معايا غصب عنه. معاملة وحشة وإهانة وضرب. وكل ما كنت أشتكي لحد من قرايبي، يقولوا لي: عيشي واسكتي عشان خاطر عيالك." مسحت شهد

دموعها وهي تسأل أمه بحسرة: "وانتي شايفة إنك كده ضحيتي عشانا؟ انتي رميتينا ورميتي نفسك في النار. ده مش حب، ده مرض خبيث. إذاكي وأذانا. ولسه بيكمل علينا." ثم سألتها بكره: "وياترى بقى الست دي فين دلوقتي؟ لسه مكملة في خراب بيتنا؟ أكيد لسه بتقويه علينا." هزت أمها رأسها وقالت: "إلهام اتجوزت يا شهد. اتجوزت ابن تاجر دهب كبير أوي، وخلفت منه كمان. اللي عارفينها كويس، جم وبلغوني. إلهام خرجت من حياتنا، بس مخرجتش من قلب أبوكي."

زمجرت شهد بكره شديد: "اللي زي ده معندوش قلب. مش فاهمة، حبيته إزاي؟ قالت أمها بوهن: "في حاجات مكتوبة، لازم تحصل. حتى لو ندمنا عليها بعد كده. كان لازم تحصل." تتردد جملة أمها الأخيرة في أذنيها، تقصف داخلها كالرعد، فتبكي وتنهار، ويزداد وجعها. فتظل تتلوى وكأنها أصيبت بمسٍ لا علاج له. من يصدق أنها هكذا منذ ثلاثة أيام؟

تغلق الباب على نفسها، تنام كثيراً بغرض الهروب. تذهب للحمام عند الضرورة ثم تعود وتغلق الباب عليها. لم تأكل إلا القليل بإصرار شديد من حمزة وكيان، وأحياناً قمر، والذين لم يتوقفوا عن السؤال بقلق عن الحالة التي وصلت إليها. لكنها لا تجيب. تكره تلك النوبة، التي تنقلب لاكتئاب حاد وانعزال عن العالم بأكمله. تكره الضعف، وتلك النوبة تجعلها هزيلة ضعيفة، تفقدها صبرها وقوتها وأهدافها.

قد أغلقت هاتفها وتركت خلود تفتح المطعم وتباشر العمل مع الفتيات وتهتم بكل شيء. يأتي عاصم للمطعم يومياً ولا يجدها، ويسأل خلود عنها فتخبره أنها متعبة وأخذت فترة راحة، ثم ستعود قريباً. يتصل بها كثيراً، لكن الهاتف دوماً مغلق. قلبه مشغول عليها وعقله ليس على ما يرام، فقد أصبح هو أيضاً مشوشاً من ابتعادها المفاجئ والذي لا يعرف له سبباً. لو كان يملك من الجرأة قدر أكبر من ذلك لآتى لمنزلها وطمأن عليها بنفسه، لكن مع الأسف، هو مقيد، وهي قاسية عليه، تحرق قلبه بنار مستعارة.

في اليوم الرابع صباحاً، في تمام التاسعة، استيقظت من النوم وهي تشعر أنها كرهت هذا الفراش وحيطان غرفتها الباهتة. كرهت الظلام ورائحة الغرفة المكتومة. فاتجهت إلى النافذة وفتحتها، فلفح وجهها الهواء والشمس داعبت عينيها. فسألت نفسها بدهشة: كيف تحملت الحياة دون نسمة هواء وشعاع شمس لمدة ثلاثة أيام؟

كفاها انعزال وبكاء وغضب. يجب أن تعود لعهدها وتلقي كل شيء خلف ظهرها. ستتابع عملها في المطعم وستنهي الوليمة المتفق عليها، والتي تقاضت جزءاً من أجرها. ستنهي كل شيء وستحذف أحداث الشهر السابق والمشاعر الغبية التي كانت تلاحقها وقتذاك. ستنسى وتسير كما تريد، دون الالتفات لأي رجل مهما كان. خرجت شهد من غرفتها، فوجدت قمر تنظف غرفة الصالون. فقالت شهد بتجهم: "بتعملي إيه يا قمر؟

رفعت قمر عينيها بدهشة، فهي لم تسمع صوتها منذ ثلاثة أيام. يبدو أنها أفضل الآن، فقد عاد وجهها للحياة بعد أن كان شاحباً شحوب الأموات، وقد عادت عيناها إلى طبيعتهما بعد أن كانتا حمراوين من شدة البكاء المستمر. لكنها فقدت وزنها بشكل ملحوظ، مما جعلها هزيلة، توجع قلب من يراها. "انتي مش جاية هنا خدامة. سيبي اللي في إيدك ده." هزت قمر كتفها متحيرة: "ليه بتقولي كده؟ آهو أي حاجة بدل قعدتي دي." قالت شهد بملامح جامدة:

"أنا جعانة أوي. هحضر فطار. تفطري معايا." ابتسمت قمر قائلة بمزاح: "سبقتك والله. بس أنا طفسة، ممكن قاعدة معاكي وأفتح نفسك على الأكل." بادلتها شهد الابتسامة بمكر: "وأنا استغلالية وهقولك تعالي ساعديني." "يسلام، انتي تأمري." لحقت بها قمر بتودد. عندما وقفا الفتيات معاً في المطبخ، كانت قمر تقطع الطماطم جانباً، بينما شهد تدحرج البيض في المقلاة. قالت قمر بابتسامة حنونة: "الحمد لله بقيتي أحسن من الأول." أومأت شهد بفتور:

"آه، الحمد لله." تساءلت قمر بفضول: "بس انتي كان إيه اللي تعبك أوي كده؟ ردت شهد على مضض: "مشاكل في الشغل." اتسعت عينا قمر وقالت مستنكرة: "شغل إيه اللي يخليكي تعملي في نفسك كده؟ انتي مشوفتيش نفسك ولا إيه؟ دا إخواتك كان هيموتوا من الخوف عليكي." ثم أضافت بعدم رضا: "لأ بجد يا شهد انتي غلطانة. بلاش تاخدي كل حاجة على صدرك كده، ده انتي تروحي فيها." رمشت شهد بعينيها عدة مرات، ثم استدارت لها قائلة:

"الأعمار بيد الله. قطعتي الطماطم؟ "آآه خدي." أعطتها قمر الطبق، فتابعت شهد ما تفعله. حتى سألت قمر بعد لحظات: "إيه رأيك في القعدة معانا؟ ابتسمت قمر مجيبة بملل: "كويسة. لكن الصراحة أنا زهقت وعايزة أرجع. وكل ما أكلم خالي يتحجج ويقول لي إنه مش فاضي." أفرغت شهد محتوى المقلاة في طبق وهي تقول بملاطفة:

"مصيرك هترجعي ياستي، وأديكي قاعدة معانا شوية. وبعدين أنا فوقت لك خالص، يعني هنرغي كتير ونخرج كمان. وفرجك على إسكندرية حتة حتة. ها، إيه رأيك؟ ازدادت ابتسامة قمر حتى شملت وجهها، ثم صرحت بمحبة: "تعرفي إني حبيتك من أول ما شفتك." أدعت شهد الغرور: "عارفة. مش أول حد يقول لي كده. واضح إني أتحب." أكدت قمر بود: "أوي والله. ربنا يحميكي، ويفرح قلبك." شعرت شهد بالحنين لأمها فقالت: "فكرتيني بماما. كنت دايماً تدعي لي الدعوتين دول."

ثم حملت صينية الإفطار: "يلا بينا نفطر." وضعت شهد صنية الإفطار على السفرة وقالت بمرح: "أحلى حاجة إن البيت هادي وكله في شغل، وأنا إجازة كمان. يعني هنرغي براحتنا، وهتحكي لي عنك أكتر. يلا، بسم الله."

جلست شهد وكذلك قمر. ثم غمست شهد اللقمة في الجبنة ووضعتها في فمها. وكانت أول لقمة تشعر بمذاقها. ورغم أنها كانت تأكل لقيمات صغيرة بإلحاح من شقيقيها، إلا أنها لم تستطعم مذاقهما أبداً. ربما تأثير الحزن والبقعة السوء التي وقعت بها لثلاثة أيام متتالية.

بعد ثلاث ساعات، قد اغتسلت شهد وغيرت ملابسها ببجامة أنيقة، ثم ربطت شعرها بضفيرة قصيرة ترتاح على ظهرها. جلست مع قمر أمام التلفاز، وهي تمسك هاتفها تفتحه قليلاً، تتفحصه شبكة التواصل الاجتماعي. فوجدت أن هناك عدد كبير من الطلبات التي أتتها ولم تجب عليها. وهناك من حظرها لعدم مصداقيتها وسوء الخدمة. أغلقت الهاتف وألقته جوارها بغضب. فسألتها قمر برفق: "مالك يا شهد؟ بترزعي التليفون كده ليه؟ قالت شهد مقتضبة:

"مفهوش حاجة عدلة. كلها حاجات تحرق الدم." أنارت شاشة الهاتف، فخفق قلبها دون أن تلتقط عيناها اسمه. مسكت الهاتف وظلت تنظر إليه بحيرة، أم أن تجيب أو تهرب كما فعلت الأيام السابقة. كانت تتابع قمر ما يحدث بحاجب مرفوع. ثم لم تلبث أن قالت: "هتفضلي تسيبي تليفونك يرن كتير؟ ماتردي." نظرت لها شهد ثم للهاتف. لذا اقترحت قمر بدهاء: "تحبي أرد مكانك، وأقول للي بيتصل إنك نايمة؟ هزت شهد رأسها وهي تنهض من مكانها:

"لأ، أنا هرد. شوية وجاية." أومات وهي تراها تدلف لغرفتها. فعادت لمتابعة التلفاز متنهدة بملل. في منتصف الغرفة وقفت مشدودة الأعصاب، وبدون ترهل أكثر، فتحت الخط وهي تسحب نفساً عميقاً: "الو... سلام عليكم." "شـهـد." اللهفة في صوته جعلت قلبها يختلج بين أضلعها. تسمرت مكانها للحظات وتلجمت، غير مدركة من أين تبدأ. فقال عاصم بصوت حنون يبث الدفء والطمأنينة لجسدها المنهار: "شهد، انتي كويسة؟ قفلة تليفونك ليه؟ ومش بتيجي المطعم ليه؟

خلود بتقول إنك تعبانة. عندك إيه يا شهد؟ طمنيني." ظلت متسمرة مكانها بقلب يخفق باضطراب، في محاولة منها لإيجاد رداً مناسباً ومقاطعاً: "شوية برد... أنا كويسة. شكراً على السؤال يا أستاذ عاصم." "أستاذ... رددها بعدم فهم. ثم لم يلبث إلا وأخذ نفساً خشن قائلاً بحزم: "شهد، أنا عايز أتكلم معاكي. ينفع تنزلي لي؟ سألته بعينين متسعتين: "نتكلم في إيه؟ ثواني ثواني، هو يعني إيه تنزلي لي؟ رد رداً قاطعاً:

"يعني تنزلي لي يا شهد. أنا واقف تحت." فغرت شفتيها مستنكرة: "واقف تحت؟! إيه اللي بتعمله ده؟ نظر أمامه مقطباً بعينين متجهمتين ليقول: "انتي اللي عملتي مش أنا. عايزاني أعمل إيه وأنا مش عارف أوصلك. وبقالي تلات أيام بلف حوالين نفسي. انتي اختفيتي فجأة، زي ما ظهرتي فجأة." اشتعل صدرها وهي تقول بتشنج: "معناه إيه كلامك؟ ساحرة أنا ولا إيه؟

عاصم روح لو سمحت، أنا مش هنزل. حمزة زمانه جاي، مش عايزة مشاكل. وبعدين أنا بنت عمتي قاعدة معايا، أسيبها إزاي وأنا نازلة؟ هتف عاصم بصلابة: "اتصرفي يا شهد، لازم أشوفك دلوقتي." سارت في الغرفة بخطواتهائجة: "بلاش تحكمات. قولتلك مش هنزل." "يبقا هطلع لك أنا." قالها بتهور. فصاحت متأوهة بغضب: "عاااصم! تمتم هو من بين أسنانه: "يحرق عاااصم! يا أطلع لك يا تنزلي، اختاري." قالت بانزعاج شديد:

"ده مش كلام ناس عاقلة. إحنا مش صغيرين على الكلام ده." هتف عاصم هاكماً: "قولي الكلام ده لنفسك يا اللي بتهربي وبتختفي." "أنا حرة." من بين أسنانها المطبقة قالتها بانفعال شديد، مما جعله يقول ساخراً: "وعشان انتي حرة تعملي فيا كده." خفق قلبها فجأة، لذا تاوهت باسمه قائلة برجاء: "عاصم." لم يتنازل بل أصر بصلابة قائلاً: "اختاري، يا أطلع لك، يا تنزلي. المهم أشوفك." ظلا صامتاً لدقائق، كل ما بينهما أنفاس غاضبة وأخرى مضطربة.

حتى قالت شهد بانهزام: "خمس دقايق وهنزل لك." سحبت شهد سترة بيضاء تصل لفوق الركبة، ارتدتها فوق بجامتها. ثم التقطت مفاتيح الشقة وخرجت من الغرفة. استقبلتها قمر واقفة بتعجب: "لابسة كده ليه؟ انتي سقعانة ولا إيه؟ اهتزت حدقتاها ورمشت عدة مرات وهي تخبرها بتلعثم: "هنزل أجيب لبن من عند البقال." "بس فيه لبن في التلاجة." قالتها قمر بحاجب معقود. تلجلجت شهد قليلاً: "آه صح. بس في نوع معين حلو أوي، بحب أجيبه." اقترحت قمر بلطف:

"تحبي أجي معاكي؟ "لأ، لأ. خليكي، أنا مش هتأخر. دقايق وجاية." اتجهت شهد سريعاً إلى باب الشقة وأغلقت خلفها. ثم وضعت يدها على صدرها متنفسة الصعداء. بالأسفل كان يقف عاصم بانتظارها، يقف على غير هدى، متضخم الصدر، بينما النفس في صدره قد تحول إلى آتون مشتعل يغلي. شوقاً إليها وقلقاً عليها، وكأنه قد وقع تحت تأثير تعويذة معقدة لا نجاة منها ولا أمل في فكاك طلاسمها.

بدأ قلبها يخفق بهستيريا كأرنب مذعور وهي تخرج من باب العمارة، لتجده يقف أمام سيارته ينفث من سيجارته بشراهة في انتظارها. وعندما التقت أعينهما ببعضها، سريعاً مرت عيناه على جسدها بنظرة متفحصة، ثم لم تلبث أن تجهمت ملامحه، وهو يلقي السيجارة أرضاً داعساً عليها بحذائه. أمام عيناه المكتسحة، ارتبكت بشدة، واقتربت بوجل. حتى وقفت أمامه محتقنة الوجه وبنظرات عنيفة، ضامة ساعديها أمام صدرها. "اديني نزلت زي ما انت عايز. خير يا عاصم؟

راقب العنفوان على ملامحها المستاءة والحزن المحمل بين بؤرة عينيها، وجسدها الهزيل، حتى عينيها فقدت صفاء عسليتها، فأصبحت أشد قتامة وحزناً. "انتي بتهربي مني ليه يا شهد؟ تاففت بصوت عالٍ وهي تدير وجهها: "إيه اللي هيخليني أهرب؟ قولت لك كنت تعبانة." قال عاصم بحزم: "وليه قفلتي تليفونك؟ ردت بضيق أكبر: "عشان مش قادرة أتكلم." تافف وهو يستغفر في سره، ثم عاد لعينيها غاضباً: "أنا مش عايز أتكلم. أنا كنت عايز أطمن عليكي." قالت بجمود:

"واديك اطمنت، أنا كويسة." شعر بالحنق من ردها البارد، فقال بأنفاس متهدجة: "بصي، أنا هسألك سؤال، وتجاوبيني بصراحة." فكت ساعديها منتظرة السؤال بثبات. فسألها عاصم بعينين تكتسحان كلماته: "انتي تعرفي مرات عمي؟ اتقابلتوا قبل كده؟ بلعت ريقها وهي تسأله بوجل: "ليه بتقول كده؟ تضخم صدره بمشاعر سوداوية قائلاً بغتامة:

"عشان وشك اصفر أول ما شفتيها وفضلتِ مبرقة شوية، وبعدين خدتي بالك بسرعة ومشيتي. وبعدها قفلتي على نفسك. ومعرفتش أوصلك." تحولت عينيها إلى كورتين من الجليد العسلي، فقالت بنزق: "مفيش حاجة بيني وبينها. أنا معرفهاش. أنا صدعت فجأة ومشيت. وبعد كده الصداع قلب بدور برد. دي كل الحكاية." لم يرد، بل ظل ينظر لعيناها بصمت، والغضب أبى أن يستباح. لذا قالت شهد بصلابة:

"وحبي أطمنك إني هكون موجودة يوم السنوية. الفلوس اللي خدتها هدفعها أجرة للبنات اللي هيجوا معايا." نظر لها بضيق، وهز رأسه بابتسامة ساخرة مرة: "وانتي فاكرة إني جاي هنا عشان السنوية والفلوس؟ انتي قلبتي عليا كده ليه؟ فيه إيه؟ أنا مش فاهم." صاحت شهد تلك المرة بقسوة على قلبها وقلبه: "لازم تفهم، إن كل اللي بينا شغل، مش أكتر."

أرجع رأسه للخلف جافلاً، بينما السهم السام اخترق صدره. فتبادلا النظرات لبرهة، حتى أبعد عاصم عيناه عنها قائلاً بتجهم: "تمام. الرسالة وصلت." "حمزة." تفوهت بها شهد بعد أن انتبهت لسيارة حمزة التي صفت جانباً وخرج منها، وقد انتبه لوجودها هي وعاصم، مما جعل حمزة يتقدم منهما بحاجب مرفوع ووجه مكفهر سائلاً بعد أن وقف بينهما: "إيه اللي موقفك كده؟ ثم نظر لعاصم بعينين مشتعلتين غير متهاونتين: "خير يا معلم عاصم. في حاجة؟

نظر عاصم لحمزة ثم لشهد، التي وقع قلبها أرضاً بخوف، شاعرة بالأرض تدور بها بعد هذا الموقف المحرج. في منتصف صالة المنزل، كان يقف حمزة في مواجهة أخته، بينما تقف قمر بينهما على بعد ثلاثة خطوات تتابع ما يحدث بدهشة. صاح حمزة بغيرة بعسليتين مشتعلتين: "أنا عايز أفهم، إيه اللي كان موقفك تحت مع عاصم؟ واقفين سوا ليه؟ إيه بينك وبينه؟ هزت شهد رأسها باستياء ثم عادت إليه قائلة بهدوء: "هيكون بيني وبينه إيه؟ ممكن تديني فرصة أشرح لك."

وضع يده في خصره يهدأ من أنفاسه المتلاحقة بغضب: "اتنيلي اشرحي." مررت قمر عينيها عليه باشمئزاز وتدخلت في الحوار معترضة منه: "إيه الأسلوب المعفن ده؟ ماتكلم مع أختك عدل." نظر لها حمزة بقوة وهتف بصرامة: "اتقلي. اتقلي انتي كمان. دورك جاي." فغرت قمر شفتيها ذاهلة: "اسم الله. ليه بقى إن شاء الله؟ لم يرد عليها، بل عاد لأخته وما زال في حالة اهتياج لا مرد له: "أنا سامعاك، اتكلمي."

رمشت باهدابها عدة مرات ثم بللت شفتيها وقالت بهدوء، مراقبة لتغيرات ملامحه: "في بينا شغل. هو كان مكلفني بشغلانة." مرر حمزة يده على وجهه بنفاد صبر متمتماً: "آه شغلانة. أنا معرفش عنها حاجة أصلاً. طب كملي، إيه هي الشغلانة؟ قالت بتلعثم وهي تهرب من عيناه الغاضبة:

"جدته بتعمل سنوية جده كل سنة. بتعمل وليمة وبتعزم فيها الناس الغلابة. وهو كلمني عشان أطبخ في اليوم ده. وروحت قبلت جدته واتفقت معاها، وخدت منها عربون كمان. أجرة البنات اللي هيشتغلوا معايا." جفل بصدمة وبدأ يعد على أصابعه ما حدث من خلف ظهره بمنتهى الانفعال: "روحتي بيتهم، واتفقتي معاهم، وخدتي فلوس، وكل ده من ورا ضهري. كنت هتقولي لي إمتى يا شهد؟ "كنت هقول لك والله في أقرب وقت."

قالتها وهي ترفع سبابتها مبررة. ابتسم حمزة ساخراً بغضب: "اللي هو إمتى؟ لما تخلصي خالص، مش كده؟ أدعت شهد الثبات وهي تهز رأسها: "مانت مكنتش هتوافق يا حمزة، وبصراحة المصلحة دي فيها قرشين حلوين." رفع حاجبه بشك أكبر: "آه مصلحة. ومن إمتى شهد بتحسبها كده؟ أكدت شهد مستنكرة: "في الشغل بحسبها كده. ولعلمك أنا مينفعش أرجع في كلامي. أنا اديت للست كلمة، وخدت منها فلوس." برق حمزة بعينيه صارخاً:

"لأ، هترجعي في كلمتك والفلوس هترجع. عشان متعمليش حاجة من ورايا تاني." دبت شهد بقدميها راجية: "لأ يا حمزة، ونبي متصغرنيش." احتد عليها صارخاً: "مين فينا اللي صغر التاني؟ أنا ولا انتي؟ كانت ستبكي وهي ترجوه: "يا حمزة افهمني." قاطعها بصرامة: "خلصنا ياشهد، مش هتروحي. ولا هتدخلي بيتهم تاني." قالت بنبرة مجهدة: "قولت لك مش هبقى لوحدي، فيه أكتر من خمس بنات هيكونوا معايا. ياحمزة حرام عليك، متقطعش رزقي ورزقهم."

اندهش من الإلحاح المستمر، فعقب متعجباً: "الله؟ انتي ملهوفة أوي على الشغلانة دي كدا ليه؟ كانت في أوج الهدوء وهي تجيب بسلاسة: "لأني خدت مبلغ يعتبر كبير وصرفته أجرة للبنات، ومش معقول هاخده منهم وأرجعهم. حرام عليك." تافف حمزة وهو يميل بوجهه للناحية الأخرى: "انتي بتعجزيني يا شهد." هزت شهد رأسها قائلة بصدق: "والله ما قصد. بس دي الحقيقة. خلود اتفقت معاهم امبارح، وخدت مني الفلوس وودتها لهم. أنا مش كدابة."

برق حمزة بعينيه غضباً كلما تذكر وقوفها مع هذا العاصم: "وبتاع إيه يجيلك لحد هنا؟ بتاع إيه؟ وضعت شهد يدها على رأسها لبرهة بتعب من كثرة الجدال معه، ثم أجابته بعد ذلك باختصار شديد: "لأني بطلت آجي المطعم، وهو عايز يعرف. هاجي زي ما اتفقت مع جدته ولا غيرت رأيي." ضيق حمزة عينيه وهو يشعر بشيء مريب: "أنا شامم ريحة كذب. فيه حاجة غلط." لم ترد شهد، بل فضلت الصمت، فهي تعبت من كثرة الجدال. فنظر حمزة لقمر الواقفة

بينهما عن بعد تتابع بصمت: "وانتي سبتيها ليه تنزل؟ تكونيش بداري عليها؟ جفلت قمر بصدمة وهي ترتعد للخلف خطوة. فهدر حمزة بعصبية عليها هي الأخرى: "ماتردي. ساكتة ليه؟ فارة الدماء في عروق قمر، فلوحت بيدها إليه متشنجة: "بتجعّر كده ليه؟ ما براحة." اتسعت عينا حمزة مردداً الكلمة: "أنا بجعر؟ ابتسمت شهد واخفضت وجهها. فنظر لها حمزة بحنق: "انتي بتضحكي يا شهد." أومات شهد وهي تنظر لعينا أخيها بمرح: "عندها حق يا حمزة."

"عندها حق. كسر حوقها." ثم نظر لقمر بملامح مكفهرة قائلاً بتحذير: "انتي يابت انتي لمي لسانك عشان أنا على آخري منك." قربت قمر رأسها منه بحدة: "إيه بت دي؟ اسمي قمر." قرب هو أيضاً رأسه منها قائلاً بسماجة: "أمر بستر يا أختي، مش مبلوعة. اسمك مش نازل من زور. كله نفاق وكذب." أبعدت رأسها للخلف وهي تدعي الضحك بحنق: "هاها. خفيف الدم أوي. ضحكتني." تافف حمزة بندم وهو يضرب يداً بالأخرى:

"والله أنا غلطان. كنت سبتك ليهم، كان زمان صورتك دلوقتي معروضة في صفحة الحوادث." هتفت قمر بشراسة: "بعد الشر عليا. إن شاء الله انت... لوى حمزة شفتيه ونظر لها بغرور: "عيب في حقي الدعوة دي، عشان إحنا رجالة أوي. وبعدين أنا بخطف، متخطفش." كانت تلك المرة تقف شهد بينهما عن بعد خطوة واحدة تتابع ما يحدث بعدم فهم، مما دفعها للسؤال: "إيه؟ انتوا بتقولوا إيه؟ حوادث إيه وخطف إيه؟

نظر لاخته ثم عاد لقمر التي احمر وجهها بغضب شديد، بينما تنظر إليه شزراً: "ده حوار قديم كده بيني وبين قمر أية." ثم ألقى نظرة أخيرة على قمر وابتعد. فسألته شهد مهتمة: "رايح فين يا حمزة؟ رد بوجوم دون النظر إليها: "هتزفت أعمل قهوة." اقترحت شهد بحنية: "استنى أعملهالك." تابع حمزة خطواته للمطبخ قائلاً بتهكم: "مش عايز منك حاجة. وقطمي معايا ها؟ عشان تبقي تخبي عليا وتستهيفيني كويس." نادته شهد بأسى: "يا حمزة اسمع."

لم يرد عليها، بل دخل المطبخ متجاهلاً. فقال قمر وهي تجلس على الأريكة بضيق: "سيبك منه، أخوكي ده مجنون ولسانه متبري منه." أومات شهد برأسها مضيفة بمحبة: "بس طيب وبيخاف علينا." في تلك الأوقات، تحت باب الشقة وهلت عليهم بشقاوتها المعتادة: "ساموو عليكووووو." لم ترد قمر وشهد، بل ظلت ملامحهما واجمة وأعينهما حانقة. فاقتربت كيان منهما وتوسطت أحد المقاعد متأوهة بتعب وهي تقول: "كان يوم متعب أوي. شهد طبختي إيه عشان أنا جعانة."

لم ترد عليها شهد، بل مطت شفتيها بضيق. فنظرت كيان لقمر ووجهت الحديث لها: "طب ردي انتي يا بنت عمتي. فيه أكل ولا هنقضيها معلبات؟ لم ترد كذلك قمر، بل أشاحت بوجهها متأففة. فصاحت كيان بغضب: "فيه إيه يا جدعان؟ ليه قاعدت المطلقين دي؟ ماتردوا عليا. هو أبويا هنا؟ وأنا ماخدتش بالي من عربيته؟ أخبرتها قمر بوجوم: "حمزة اللي هنا، ولسه شادد مع شهد بالكلام." توسعت عينا كيان بحسرة: "ينهار كحلي! يعني هو مضايق؟ أومات قمر مؤكدة:

"على آخره." كانت ستبكي وهي تسأل أختها بحسرة: "عملتي إيه يا شهد؟ حرام عليكي، ده أنا كنت عايزاه في موضوع مهم أوي." سألتها شهد بضيق: "موضوع إيه ده؟ همست كيان لهن: "أصلي راحة حفلة." توسعت عينا شهد وتشدقت: "نعم؟ حفلة إيه؟ إحنا من إمتى بنروح حفلات؟ ده إحنا بنروح أفراح بالعافية." "اديكي قولتي بنروح أفراح بالعافية. الحفلة دي بقى على شرف المحامي سليم الجندي، اللي شغالة عنده." ثم تابعت بزهو وعينين تلمعان بحماسية:

"أصلاً كسبنا قضية كبيرة أوي، وراجل صاحب القضية عامل حفلة وعزمني أنا والأستاذ سليم، وأنا هموت وروح." برمت شهد شفتيها مصرحة: "اتنيلي تروحي فين؟ ده كان هيبلعني لما لقاني واقفة مع عاصم تحت." هتفت كيان مبتهجة: "الله؟ هو عاصم كان هنا؟ ردت شهد بارتباك: "كان جاي في شغل." علقت كيان بغمزة ماكرة: "من إمتى في بينكم شغل؟ بقيتي بتخبي وتداري ها؟ وكاننا مش أخواتك." تاففت شهد بتململ:

"بعدين بعدين هبقى أحكيلك. المهم انسي حوار الحفلة ده." هتفت كيان بأنين متوسلة: "لأ ونبي أنا لازم أروح. أنا هموت وأشوف الحفلات دي على الطبيعية. أنا طول عمري بشوفهم في المسلسلات يا شهد." ثم استأنفت حديثها بانتشاء: "تعالي نتخيل إني روحت الحفلة دي، وقابلت فارس أحلامي، وأول ما شافني قال: هي دي اللي هتحدى العالم عشانها." استلمت قمر دفة الحديث قائلة باستهانة: "يتحدى العالم؟ إيه الأوفر ده؟ ما ييجي يتقدم لك ونخلص." مطت

كيان شفتيها بقرف وعقبت: "اسكتي انتي يا جاهلة. ده عشان مش بتتابعي مسلسلات. معندكيش حس مرهف." قلبت قمر شفتيها مغمغمة: "مرهف؟ ربنا يشفيكي." ثم مالت على شهد ناصحة إياه بتوجس: "أقسم بالله خايفة على عقلك منهم. حصني نفسك. واحدة عايشة دور السندريلا، والتاني بيتعارك مع دبان وشه." زفرة كيان متذكرة: "يا أي! فكرتوني. هجبهاله إزاي؟ احتلت نظرات شهد عليها: "تجيبي إيه؟ اتلمي يا كيان، مفيش حفلات ولا زفت." نهضت كيان وأوشكت

على البكاء وهي تقول: "يوه بقا متكسروش بخاطري. أنا هموت وروح. بس معنديش دريس حلو يليق على المكان اللي هنروحوا." تطوعت قمر قائلة: "أنا عندي فستان حلو أوي، ممكن أسلفهولك." نظرت كيان لجسد قمر بغيرة وقالت بقرف: "لأ طبعاً. انتي أملى مني، فمش هينفع." ارتفع حاجبي قمر بصدمة ونظرت لشهد التي كبحت ضحكتها بيدها مطرقة برأسها أرضاً.

ففي الحقيقة أجسادهما تختلف، فقمر طويلة القامة نحيفة الجسد كعارضات الأزياء الفاتنات، أم كيان فهي قصيرة القامة عنها، قدّها مكتنز أكثر منه بقليل. إشارة قمر على نفسها بعد استيعاب: "أنا اللي مليانة برضه." أومات كيان ببرود: "عندك اعتراض؟ نهضت قمر من مكانها بترفع، بتلك البجامة الأنيقة التي تبرز نحافة جسدها: "مش هدخل في نقاش مع واحدة عامية." هاجت كيان واقفة تنوي العراك: "مين دي اللي عامية؟ لأ، بقولك إيه، ده أنا شرشوحة." وقفت

شهد وتدخلت بينهما بحزم: "ماتهدي يا كيان. اسكتي يا قمر. إيه هتمسكوا في بعض؟ هتفت قمر بضيق شديد: "انتي مش شايفة ردها ياشهد؟ مع إنها مغلطتش. أنا قولت أساعـدها." هدرت كيان بغل: "مستغنية عن خدماتك يا حلوة. يبتاعة البقلاااااوة." دفعت شهد أختها للخلف قليلاً: "اعقلي يا كيان." قالت قمر ببرود: "أنا هروح أطفح شوية مية أبلع بيهم البوقين الحامضين دول." برقة عينا كيان غضباً: "بصي، بتقول على كلامي حمضان إزاي." حاولت إبعاد أختها

عن طريقها وهي تقول بشراسة: "سيبيني ياشهد، مش هضربها، هجبها من شعرها بس." "ماتعقلي بقا يا مجنونة. خلاص مشيت." دفعتها شهد بقوة فوقعت كيان على الأريكة خلفها. تاففت كيان مستغفرة وهي تلحم مجدداً: "أنا لازم أروح الحفلة. ونبي ياشهد اتصرفي." "هعمل إيه يعني؟ "غطي عليا." صاحت شهد محذرة: "كياااان." ألحّت كيان وهي تربت على صدرها برجاء: "هي ساعة زمن واحدة مش هتأخر والله العظيم. ونبي ياشهد غطي عليا المرة دي بس." قالت شهد بتردد:

"هتعملي لي مشاكل مع حمزة وابوكي. كفاية حوار النهاردة." قالت بابتزاز عاطفي متوسلة: "ونبي... ونبي... ونبي ياشهد غطي عليا المرة دي. ورحمة أمك يا شيخة وغلوتها عندك." نظرت لها شهد بصمت، ثم قالت بتردد: "سبيني أفكر." أومات كيان براسها محاولة استعطاف قلبها: "فكري بس بالله عليكي ماتكسري بخاطري. أنا عايزة أروح الحفلة دي أوي." دخلت المطبخ بملامح متهكمة. فرأت حمزة يقف عند الموقد يمسح سطحه بتافف. فاقتربت منه على مهل تسأله:

"فيه إيه؟ وقعت إيه؟ رد وهو منشغل بتنظيف سطح الموقد: "القهوة فارت. موتوا بعض ولا لسه؟ مطت قمر شفتيها قائلة ببراءة: "هي اللي قرشت ملحتي من أول يوم. زيك بالظبط." نظر لها حمزة وتشدق بغرور: "مفيش حد زيي. وبعدين دي غيرة بنات، متخصنيش." "طب وسع أما أعملك القهوة." أشارت له قمر بأن يتنحى جانباً. فامتنع حمزة هاكماً: "مستغني عن خدماتك. أنا هعملها من تاني." "طب هات ياحمزة، ربنا يهديك."

سحبت منه الركوة بجزع، ثم اتجهت إلى الحوض لتغسلها وتعد القهوة من جديد. فنظر لها حمزة ساخراً: "انتي بتتعاملي مع ابن خالك؟ مالك؟ اتجهت قمر إلى الموقد وقلبت شفتيها ممتعضة: "مالك انت." بابتسامة جانبية سألها بخبث: "انتي اللي مالك بتنكشيني ليه؟ تكوني معجبة." مالت بوجهها إليه مشدوهة: "معجبة بيك انت؟ دي أبوخ نكتة سمعتها." ابتسمت بسماجة. اغتاظ من ردها فقال بسخط: "الله. ده انتي بتقلي مني بقا." مطت شفتيها قاصفة:

"مش القصد. بس أنا شايفة إني أخ." ضحك حمزة وأجابها بصراحة: "وأنا شايفك واحد صاحبي." اغتاظت منه بشدة واحمر وجهها فقالت وهي تضع معلقة البن في الركوة: "ظريف أوي." ثم سألته باقتضاب: "سادة. ولا زيادة؟ شاملها بنظرة ذات مغزى: "أحبها على الريحة." أومات برأسها وهي تضع الركوة أخيراً على عين الموقد. ثم وقفت تراقبها، وبين الحين والآخر ثم تنظر لحمزة بحنق مخمر بالقرف.

فسند حمزة على حرف الرخامة وسحب من طبق الفاكهة المجاور ثمرة تفاح. ثم أخذ منها قضمها ومضغها أمام بنيتها الحانقة: "منورة ياقمراية." تنهدت بقلة صبر: "بنورك." بنظرة مستفزة عزم عليها: "تاخدي تفاح؟ عقدت ساعديها بحدة: "مش عايزة." مضغ التفاح على مهل: "مش هديكي أصلاً." عندما رأته يأكل تذكرت سبب مجيئها إلى هنا، فقالت وهي تتجه إلى المبرد: "نسيت أشرب." مالت قليلاً.

فنظر حمزة إليها بطريقة وقحة. وعندما استدارت إليه فجأة، التقطت موضع عيناه، التي عادت إلى بنيتها بنظرة باردة وكأنه لم يفعل شيئاً. أغلقت قمر باب المبرد بقوة. ثم اتجهت إليه تنظر إليه بعينين متفاجئتين مما رأت: "إيه ده. بقا... هز حمزة حاجباه بعدم فهم: "إيه بقا؟ جزت على أسنانها محذرة: "عينك ياحمزة." ابتسم بشقاوة غامزاً: "إيه عجباك." واجهته بجرأة: "انت بتبص فين؟ استنكر وهو يزيد من استفزازها: "مش واخد بالي بصيت فين."

زفرت بضيق وهي تعود إلى الركوة بوجهاً محمر خجلاً وحنقاً. فابتسم حمزة متلذذاً باستفزازها. فعدما يراها تنولد داخله رغبة سخيفة لإثارة حنقها. فزاد إحراجها قائلاً وهو يعدل ياقة قميصه بزهو: "أنا بقول نوسع الهدوم شوية عشان معاكِ رجالة. واخده بالك؟ رجالة اوووي." ارتبكت أكثر وهي تصب القهوة في الفنجان: "حط في عينك حصوة ملح واحترم نفسك." مط حمزة شفتيها ساخراً: "جملة ملهاش علاقة بالنص خالص. انتي اتوترتي ولا إيه؟

اوعي تكوني بتكسفي زي البنات. ده أنا لسه بقول إنك شبه واحد صاحبي. بجح." وضعت الفنجان على الرخامة جواره متمتمة بضيق: "انت مستفز. أنا غلطانة إني بعملك قهوة. طفحتها." ارتفع حاجبه ذاهلاً: "إيه طفحتها دي؟ ماتلمي نفسك يازفتة انتي." قالت بتبرم: "بن آدم قليل الأدب." اقترب منها خطوة هاتفاً بغضب عارم: "تحبي أوريكي قلة الأدب اللي على حق." اهتزت حدقتاها قليلاً لكنها هتفت بشجاعة: "هتضربني ولا إيه؟ بعينين شاخصتين عليها قال بجسارة:

"أنا مبضربش حريم. بس ممكن بنظرة أكرهك في نفسك." أوشكت على البكاء وهي تسأله بعصبية: "انت بتكرهني كدا ليه؟ أنا عملت لك إيه؟ تافف بملل وهو يمد يده لطبق الفاكهة ثم أخذ منه تفاحة ووضعها في يدها قائلاً بفظاظة: "انتي هتقلبيها دراما. خدي التفاحة دي ومشِ من هنا. سبيني أشرب القهوة على روقان." اتكات على التفاحة بين قبضتها ثم هتفت بشراسة: "مش عايزة منك حاجة." مسك ذراعها قبل أن تبتعد: "انتي رايحة فين؟ سحبت

ذراعها من بين يديه بعنف: "هروح أقعد مع شهد في حاجة." اقترح حمزة بصوت مرح: "طب ماتخليكي معايا. اهو ندردش مع بعض. هو أنا مش ابن خالك ولا إيه؟ مطت شفتيها وكأنها تشم رائحة فأر ميت ثم قالت على هذا الوضع: "الكلام معاك بيقفلني منك أكتر. فبلاش أحسن." استدارت راحلة وقد نست التفاحة بين يدها. فقال حمزة من خلفها بغلاظة: "وانا هتحايل عليكي. روحي اقعدي مع اللي يعجبك. تطولي أصلاً تكلمي معايا؟ ثم تذكر التفاحة فامرها بشكل طفولي:

"هاتي التفاحة بتاعتي. خسارة فيكي." استدارت إليه وألقت عليه نظرة حانقة ثم رمت التفاحة نحوه بقوة: "اتهني بيها." التقط حمزة التفاحة بمهارة قبل أن تضرب وجهه فتمتم بغضب: "يا جزمة." ثم مسك فنجان القهوة مغمغماً بضيق: "ناقص أنا. قال قمر قال. أمر بستر." كانت صباح اليوم مختلفاً بالنسبة لها. طوال الطريق داخل سيارة (بشير.) تنظر من النافذة بشرود، عقلها يألف قصصاً متنوعة عند الاصطدام الآتي من ملاك السرايا. (إلهام..) (عاصم..)

وباقي أفراد العائلة التي لم تتعرف عليهم بعض، قلبها يختلج في صدرها بعنف. كانت تود الانسحاب ورفض طلب المرأة، لكنها تكره الانحناء. الانحناء أمام صورتها في المرآة يكسرها، يسخر منها، ينبذها كما نبذها والدها طوال حياتها. اليوم يجب أن تكون أقوى مما سبق. ستواجه مخاوفها، وتفعل ما طُلب منها دون تقهقر. وفي نهاية هذا عملها، ومهما تصادفنا مع ماضينا، يظل كعملة ولى زمن تعاملها. وحتى الاحتفاظ بها يُعد لا شيء، والماضي لن يعود عهده مهما صادفنا خلسةً.

أوقف بشير السيارة خارج سرايا المماليك كما تشبهها من أول يوم وقعت عينيها عليها. فهذا البيت ليس فقط لأنه ضخم وثمين، بل لأنه عريق الفخامة كتراث المماليك. له كنية، له روح، له صيت. يكفي التحف الموضوعة في كل ركن ولوحات التاريخية المعلقة على الحوائط. من الوهلة الأولى ظنت أنها دخلت معرضاً فنياً قديم التراث، إلى أن اكتشفت أن الجدة (نصرة..) مولعة بالتحف الأثرية والفن الرفيع. ولا تفوت قطعة جديدة من بازار (حكيم)

. ودائماً عاصم يهديها ما تحب. علمت هذا في خلال الحديث الذي دار بينهما في اليوم المشؤوم. أحبت كثيراً جلستهما، وشعرت بالألفة والدفء، لكن التعاسة تلاحقها أينما ذهبت. فتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، وتنتهي مشاعرها بلطمة كبرى، جعلتها ترقد على الفراش لمدة ثلاثة أيام تناجي الموت.

ترجلت من السيارة وسارت للداخل متخطية البوابة الحديدية بعد أن سمح لهم الحارس. أتت هي والفتيات اللواتي سيقمن بالطهي معها كمية الطعام الكبرى التي ستحضرها. وكذلك أتى (بشير..) حتى يقوم بإدخال أغراضهما الخاصة بالطهي في مطبخ آل الصاوي. استقبلتهم (نصرة) بابتسامة بشوشة وهي ترتاح على مقعدها المتحرك. "أهلاً وسهلاً، نورتوا المكان. جاية في معادك مظبوط يا شهد." اكتفت شهد بابتسامة بسيطة. فقالت السيدة مقترحة بلطف:

"الساعة لسه ستة. أحضر لكم فطار." امتنعت شهد بابتسامة رقيقة: "لأ، إحنا مش بنفطر دلوقتي. شوية كده بعد ما نحضر." ثم وجهت حديثها للبنات من خلفها: "مش كده يا بنات؟ أومأت الفتيات بهدوء. فنظرت لها نصرة بعتاب: "اخص عليكي. سيبيهم يفطروا وبعدين يشوفوا شغلهم. متبقيش بخيلة. مصيري أزورك في مطعمك." توسعت البسمة حتى ظهر صفاء أسنانها البيضاء. فقالت بشهقة ناعمة: "يا خبر!

تنوريني ياحاجة. بس والله إحنا مش بنفطر دلوقتي. وصدقيني أنا مش شادة عليهم. إحنا كلنا بنفطر في وقت معين. ممكن بس تعرفيني المطبخ فين، عشان نشوف شغلنا؟ تاففت نصرة مستاءة: "صعبة أوي ياشهد. ماشي، براحتك. تعالوا ورايا." تحركت نصرة بمعقدها نحو أحد الزوايا وتحرك خلفها الجميع. أما شهد فتصلبت مكانها بعد أن داهمت عسليتها عينين صقريتين تنظر لها من أعلى السلم الممتد بسطوة. بغضب؟ بعتاب؟

هذا الوسيم شامخ الطول وسيم الملامح من النوع الذي تخشاه بشدة ويجذبك بنظرة. رسمة عيناه كالصقر، مهيباً. والمهيب دوماً يكن المرء حريصاً في غرامة. أسبلت أهدابها وقلبها جن بين أضلعها. الرحمة حتى رجفة خائنة أصابتها عند رؤيته. لماذا هو مهيباً ومؤثراً عليها بهذا الشكل؟ تكره تلك المشاعر التي تنتمي إليه وحده. بدأت تحرك ساقيها بخطى مستقيمة باتجاه الزاوية التي اتجه إليها الجميع، لكنه أوقفها بعد خطوتين، وقد تسمرت

هي مكانها توليه ظهرها: "شــهــد." (اشتقت لمناداتك لي بتلك الطريقة.) اتسعت عينيها بصدمة. همساً داخلياً أصابها في مقتلها. هل اشتاقت فعلاً أم أنه وسواس؟ استدارت إليه تواجه عينين راسختين أمام نظراتها المهتزة قليلاً: "خير، في حاجة يا أستاذ عاصم؟

جز على أسنانه بغيظ ووقف أمامها. وهيهات عند القرب، الأمر يزداد تعقيداً. عبق عطرها المسكر داعب أنفه، فأغمض عينيه لثانية رغم الغضب البادي عليه. توترت شهد من تلك الحركة، فرجعت خطوة وارجعت خصلة من غرتها بتوتر خلف أذنها، ثم أعادت السؤال بوجل: "خير، في حاجة؟ عاد إليها بملامح صلبة ونظرات راسخة تأسرها عمداً، فتشقها ظلماً: "يوم ما جيت لك تحت البيت، أخوكي جه و... قالت بهدوء: "محصلش حاجة، الموضوع عدى."

أومأ برأسه وهو يجدها تغلق الأحاديث بينهما، فقال مقتضباً: "كويس. عرفتي تتصرفي." أومات براسها: "أيوا." جرت عيناه عليها في لحظة خاطفة من أول ثوبها الربيعي المحتشم الطويل، حتى شعرها الأسود الناعم القصير والذي جمعته في كعكة أنيقة مع الغرة المنسابة بدلال تخفي الجبهة البيضاء، وحول أذنيها خصلات ناعمة متناثرة. قد انتبه أخيراً لماذا تجعلهم بهذا الشكل الفوضوي. كي تخفي السماعة الطبية عن الأعين. المه قلبه لأجلها، فسألها تلقائياً

وقلبه يحترق في موضعه: "انتي كويسة؟ نظرت إليه بحيرة، ومع ذلك ردت بعفوية: "الحمد لله. وانت كويس؟ هز رأسه بنفي: "لأ." فارتجف قلبها وعيناها الصافية تتفحصه بقلق: "ليه كده؟ زفر وهو يرفع رأسه للأعلى: "وبتسألي كمان. أمرك عجيب." همسة إليه بصوت ضعيف مفعم بمشاعر جديدة تخصه وحده: "عاصم." نظر لها بشوق وقد ذاب قلبه مع همسها، فسألته بنفس البحة المتعبة لأعصابه رغم لذتها: "عايز إيه بالظبط؟

نظر لها عاصم قليلاً وكاد أن ينطق بما يجثم صدره، لكن اخترق الهدوء صوت أنثوي كخرير القطط من خلفهما: "أكيد عايزك تاخدي بالك من شغلك وتخلصي قبل ما الناس يجوا." سبّة بذيئة خرجت من بين شفتي عاصم، فاتسعت عينا شهد بعدها بصدمة، رغم امتقع وجهها بعد رؤية إلهام وتدخلها في الحديث بمنتهى الوقاحة. اقتربت إلهام منها ووقفت بينهما قائلة بود زائف: "نورتي المكان ياشهد. خسارة المرة اللي فاتت ما قدرتش أتعرف عليكي. أصلك مشيتي بسرعة."

لم تبدِ شهد أية مصافحة ودية، بل هزت رأسها قائلة: "كنت مستعجلة. أهلاً." اغتاظت إلهام من أسلوبها الفظ معها: "أهلاً بيكي. نورتي فيلا صابر الصاوي. حمايا وجوزي يزن." ردت شهد باقتضاب: "آه منورة بأصحابها." وزعت إلهام نظراتها الماكرة عليهما وقالت لعاصم: "هو انت مش عندك شغل يا عاصم ولا إيه؟ نظر لها عاصم نظرة تعبر عن غضبه ورد ببرود: "لأ، إجازة. يوم السنوية باخد إجازة، عشان أقف مع الناس اللي هتخدم على الضيوف."

لم تعقب إلهام، بل عادت إلى شهد تأمرها بتغطرس: "وانتي بقا ياشهد واقفة كده ليه؟ مش وراكي شغل ماتروحي عليه؟ "الهااااااام." صاح بها عاصم بقوة، جعل إلهام تجفل وهي ترجع خطوة للخلف بصدمة قائلة بلؤم: "فيه إيه يا عاصم؟ مش المفروض تخلص شغلها قبل ما الوقت يعدي؟ أومات شهد قائلة بجمود. عندما ابتعدت شهد عنهم، واجه عاصم إلهام بنظرات حادة وهتف بصرامة محذراً:

"اسمعي. البيت ده مش بتاعك لوحدك. أنا اللي بأمر وأنهي فيه. انتي تدخلي في اللي ليكي فيه، زي ابنك، جوزك اللي هو عمي. أي حاجة تانية في البيت ده تخصني أنا. سااامعه؟ لم تهتز إلهام، بل لوت شفتيها بتبرم: "واضح إنها مش مجرد طباخة بنسبالك." رد عاصم الرد القاطع قبل أن يبتعد: "كويس إنك فهمتي. وعلى أثاثه، اتعاملي معاها."

عندما ابتعد عاصم خارجاً من باب البيت حيث الورشة، اتجهت إلهام إلى السلم تصعده بخطوات متشنجة، بينما الهاتف على أذنيها. وعندما أجاب المتصل، هاجت عليه صارخة: "انتي فين يا غبية؟ تجيلي دلوقتي حالاً. تلبسي أحسن حاجة عندك وتيجي. بسرعاااااه." أغلقت الهاتف بعنف وهي تغمغم بمنتهى الغل: "انت اللي بتأمر وتنهي فيه. يومك أسود يامسعد، لم أشوفك يوم أسود ياسبع البرمبة. هو اللي بيأمر وبيـنهي. وأنا... أنااااا إيه."

أصبحت الساعة تشير للثانية ظهراً، ثماني ساعات من العمل المتواصل وما زال أمامهم الكثير حتى وقت الانتهاء. كانت الجدة نصرة تشرف عليهم كل ساعة تقريباً، وكل مرة تخرج منبهرة، سواء من انضباط العاملات بفضل شهد الحازمة والحريصة على إخراج ماهو أفضل، أو بطعم ورائحة الطعام الشهي، والذي كان يحمل طعم ورائحة مميزة. حتى المذاق يذوب في الفم كالـشهد من اللذة. الغريب أن (شهد)

لا تتبع توابل معينة لتخبر من ينبهر بأكلها أنها لديها الخلطة السرية كما يفعل كل من يشتهر بالطهي. لكن شهد تتبع شغفها، حبها، تسعى دوماً بأن تقدم ما يليق بها وتفخر به أمام نفسها في المرآة. فإن تكن الاحترام والتقدير لذاتك قبل أن تسمعها من الآخرين، فهذا من شيم النجاح. فمن يهتم لآراء الآخرين أولاً يفقد رضاه عن نفسه مع الوقت. أثناء انشغال (شهد) بالطهي، وبعد أن استأذنت الجدة (نصرة)

بأن تستريح قليلاً في غرفتها وتؤدي فريضتها، دخلت إلهام بصحبة أختها تضحك ضحكة مستفزة وهي تقول: "صدقيني أول ما تشوفيها هتحبيها على طول."

رفعت شهد عينيها على إلهام ومن معها. امرأة يافعة الأنوثة والجمال بشعر كستنائي طويل، أنيقة الثياب رغم جرأتها الواضحة في انتقاء ملابسها. كذلك عيناها زرقاويتان كعينا إلهام. بينهما شبه لا ينكر باستثناء لون الشعر وحجم الجسد. ف يبدو أن تلك المرأة التي تقف جوارها تعمل عارضة أو ممثلة، فهي تهتم بشكل جسدها على نحو صريح. أشارت إلهام على شهد قائلة بنبرة غير مقروءة:

"هي دي بقا يا ستي الطباخة الجديدة. عاصم جايبها بنفسه ومهتم بيها أوي." اشتعلت عينا رُفيدة وهي تواجه شهد بنظرات عدائية، استقبلتها شهد بهدوء ظاهري، فهي لا تعرف هوايتها بعد. عندما رأت إلهام تبادل النظرات يزداد خطورة، ألقت آخر شرارة نار في حديثها: "أحب أعرفك ياشهد، دي روفيدة أختي ومرات عاصم الصاوي." احتاج الأمر لدقيقتين حتى تستوعب الصفة التي تمتلكها تلك المرأة الكستنائية الشعر، مغوية القوام، شبيهة إلهام. زوجة من؟

وكأن إلهام قرأت أفكارها، فانتشلتها من الحيرة مؤكدة: "مرات عاصم روفيدة. سلمي عليها. واقفة كده ليه؟ مدت شهد يدها لها قائلة بقوة تحسد عليها وبسمة مغتصبة خرجت من تحت شفتيها متحجرة: "أهلاً يامدام روفيدة. تحبي أعمل حاجة معينة للضيوف؟ لم تصافحها رُفيدة، بل تركت كفها معلقة وهي تخبرها ببرود: "الحاجة الوحيدة اللي أتمناها، إنك تخلصي شغلك بسرعة، عشان تلحقي تروحي."

سحبت شهد يدها، شاعرة بالغضب والحرج في آن واحد. فقد فهمت مغزى حديثها، لكنها لم تعتب عليها. عليها أن تعتب وتصب كامل غضبها على من يسير واثق الخطى نحوها، مولعاً بمقابلتها وملحّاً في التحدث معها عبر الهاتف، وكأنه أعذب لم يسبق له الزواج. جزت على أسنانها وهي تتركهما وتعود لعملها، بينما خلود تنظر لما يحدث بعدم رضا. أما إلهام، فنظرت إلى أختها بمكر، فبادلتها الأخرى بغيرة وهي تنظر نحو شهد بغضب أسود. فمن تلك التي لا تضاهيه جمالاً وفتوناً، ويقع بها عاصم؟

لن يحدث، ولن تسمح له، حتى أن اضطرت لإذلال نفسها إليه من جديد. وقفت جوار شجرة بقلب الحديقة، وردة على اتصال شقيقها الذي يستشيط غضباً بسبب ذهابها لهذا البيت ومتابعة العمل به رغم رفضه. ظلت تخبره برفق قائلة بهمس: "يا حبيبي أهدى، اسمعني بس." قد كان عاصم على وشك الاقتراب منها، لكن عند تلك الجملة توقف عابس الوجه. فشعرت شهد أثناء المكالمة أنها تحت المراقبة، لذا استدارت إليه. وعندما أبصرته اشتعلت عيناها وهي تغلق

الهاتف مع أخيها قائلة: "هكلمك تاني ياحمزة. هكلمك تاني." لانت ملامح عاصم وتنفس بارتياح دون أن تلاحظ. وضعت شهد الهاتف في جيبها وألقت نظرة باردة عليه وكادت أن ترحل. لكنه أوقفها بذراع ممتد أمامها، جعلها تتراجع خطوتين تنظر إليه بشراسة، تلك الشراسة والتوهج في عسليتها، يذكرها باليوم الذي غضب منه لمجرد أنه نسبها إليه. ماذا فعلت لتنظر إليه بكل هذا الغضب؟ "عايز إيه؟ صوتها الحاد الفظ أكد أن هناك ما يسوء: "إيه يا شهد مالك؟

عقدت ذراعيها أمام صدرها وعيناها تشتعلان: "وبتسأل كمان؟ لأ، ولا حاجة. سلمتك." "شهد، أنا مبحبش الطريقة دي." احتدمت نظرات عاصم بشكل مخيف محذراً. ومع ذلك لم تهابه، بل قالت بسخط: "وأنا مالي؟ تحب ولا تكره. دي حاجة تخص مراتك." تذوقت الكلمة مشدوهاً: "مراتي؟! أومات براسها وهي ترمقه بعينيها كالسهام الحادة: "آه روفيدة. معقول مش فاكر إنك متجوز؟ ضيق عاصم عينيه في خط مستقيم سائلاً: "مين قال لك إني متجوز روفيدة؟

بمنتهى البرود أجابت: "هي قالت لي." هز رأسه بتساؤل: "هي جت؟ قطبت شهد ما بين حاجبيها بعدم فهم. فـقال عاصم موضحاً: "أنا فعلاً كنت متجوزها بس طلقتها من فترة. من قبل حتى ما أشوفك بشهور." رمشت بعينيها عدة مرات بعدم استيعاب، ثم سألت باستنكار: "ولما هو كده، ليه ما قلت لي؟ رد بوجوم وهو يأسر عينيها: "انتي مكنتيش مهتمة تسألي عن أي حاجة تخصني. رغم إني اديتك الفرصة." تاففت بغضب. فقال عاصم بحنان مراضياً إياها:

"ممكن تهدي. قولت لك مش متجوز." نظرت إليه بوجه ممتقع: "أنا مش مضايقة." ابتسم عاصم قائلاً بعبث: "تحبي تشوفي نفسك في المراية عاملة إزاي؟ فكت ترابط ساعديها وهي ترجع خصلاتها خلف أذنيها واجمة: "أنا بس مبحبش حد يكذب عليا." رد عاصم بثبات: "بس أنا مكدبتش. انتي اللي مسألتش." اتسعت عينا شهد بتعجب: "ودي حاجة تستنى سؤال؟ نظر لها عاصم بقوة وسألها باستفهام: "يعني انت عندك مشكلة إني مطلق؟ ولا عندك مشكلة إني ما طلعتش متجوز؟

"الاتنين. كنت أتمنى أكون أول واحدة في حياتك." قالتها بعفوية وهي تنظر أمامه بانزعاج. فـتهللت أسارير وجه عاصم. وضحك قائلاً برضا تام: "الله أكبر. وإيه كمان؟ احمر وجهها واسبلت أهدابها وهي توبخ نفسها على هذا الرد الغبي. فـبررت بـ: "انت فهمت غلط. أنا قصدي... "قصدك إيه؟ أنا سامع."

عندما توقفت العبارة على لسانها، دفعها عاصم للمتابعة وهو يحاول أن يجاريها في الحديث. فاخيراً تكلمت من أرهق قلبه وعقله طوال الفترة السابقة في بعدها. نظرت له شهد وتوترت قليلاً لتقول برقة بصوتها الموسيقي الرائع: "ممكن ما تبصليش كده. ابعد عينك دي." "حاضر أهوه. قصدك إيه بقا؟

نظر للجهة الأخرى وهو مصر على أن تتابع حديثها. فعند تلك الحركة، فلتت منها ضحكة تقطر شهداً من ثغرها الوردي. مما جعل عيناه تعود إليها ويضيع في سحر الابتسامة معقباً:

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...