شعرت بالهواء يتسلل من بين أصابع قدميها. ابتسمت بارتياح وهي تحرك كاحلها بعد أن تخلصت من الجبيرة وانتهت فترة العلاج. وقفت على قدميها وخطت عدة خطوات أمام الطبيب الذي يسألها مجددًا: “حاسة بأي وجع؟
هزت رأسها بالنفي وهي ترفع عينيها إلى سلطان. الذي استقبل النظرة بحب وابتسامة صغيرة تشق شفتيه الغليظة. نظرة صريحة تخبرها ببساطة أنه اشتاق لتلك العفرتة. اشتاق لحركاتها وعفويتها هنا وهناك. كان فترة صعبة عليه بأن يراها تتحرك بصعوبة وبمساعدة. أسبلت أهدابها بخجلًا، وما زالت كلمات اعترافه تتردد في أذانها مداعبة قلبها بشكل أو بآخر. لم يكن واعياً بما قال. إنه حتى في الصباح لم يتحدث في الأمر أو يتذكره. هل كان يحلم بها؟
يهيم بها عشقاً في الحلم؟ وماذا عن الواقع يشن الخصام والبعد بينهما؟ غريب أمرك يا ابن عمي. وقلبي أغرب منك فعلًا. فما زال يبحث عن الهوى بنهم كالعمى دون أن يبصر حقيقة ما يريد. بعد أن انتهى الفحص واطمئن عليها، خرجا معًا من المشفى يدًا بيد. وأثناء خروجهما أخبرها بحزم: “حمدًا لله على سلامتك. يا رب نبطل عفرتة وناخد بالنا من نفسنا. كفاية شهر بحاله في الجبس.” قالت داليدا مبتسمة وهي تدخل خصلة هاربة أسفل حجابها:
“حرمت خلاص، دا كان شهر دمه تقيل أوي. وتعبت. كانت أهلك معايا.” رفع سلطان حاجبًا وقال بخشونة: “أهلي دول يبقوا أهلك كمان. وأنا أبقى جوزك. فملوش لازمة خالص الكلام العبيط ده. أهم حاجة تاخدي بالك من نفسك. اتفقنا.” استقلت داليدا سيارة بنصف نقل ملكًا له يستخدمها في نقل الموبيليا لزبائن خارج منطقة الساحة. “اتفقنا. إحنا مروحين صح؟ استقل مقعد القيادة قائلًا: “مش بالظبط.” تهللت أساريرها بالفرح متوقعة: “هتفسحني؟ هز رأسه بالنفي:
“لا.” زالت البهجة بتدريج عن وجهها، فسألته بفتور: “امال إيه؟ قال سلطان وهو يدير محرك السيارة: “هنروح بيتكم.” انعقد حاجباها متعجبة: “بيتنا؟! أومأ برأسه بملامح صُنعت من الفولاذ الصلب. بينما انكمشت ملامحها بخوف وخفق قلبها بوجع. ولم تصدق أنها تشعر بكم هذا الوجع والاختناق لمجرد أنه نوى أن يطلقها وينهي ما بينهما. شحب وجهها أمام عينيه الثاقبة وهي تسأله بضعف دب في أوصالها سريعًا: “هو أنا عملتلك حاجة ياسلطان؟
انت لسه زعلان مني؟ لانت ملامحه قليلًا فقال بهدوء: “مفيش زعل ولا حاجة. أنا عايزك تشوفي أهلك. إحنا من ساعة ما اتجوزنا وانتي مروحتيش زورتيهم ولا مرة. ولا حتى طلبتي.” نهتت بوجع يعتمل صدرها: “ولا هما جم. حتى وأنا مكسورة ومتجبسة محدش جه. وأنا كمان مش عايزة أروح في حتة. أنا عايزة أروح.” ناداها سلطان بنفاذ صبر: “داليدا.” نظرت إليه بعناد. فـعلاً وجهه تعبير غريب مسترسلًا:
“أبوكي تعبان. تعبان وبقالو أكتر من أسبوعين. راقد في سريره.” ارتسمت الصدمة على وجهها بتدريج وجحظت عيناها لوهلة بعدم تصديق: “انت بتقول إيه؟ سلطان انت بتقول كده عشان أروح معاك صح؟ هتف بمنتهى القسوة: “من امتى بكذب أو بهزر في المرض والموت؟ اكبري شوية. كفاية استهتار. استهتارك وصل بنا لهنا.” ترقترقت عيناها بالدموع سريعًا وازداد شحوب وجهها بوجل متمتمة: “يعني بابا تعبان؟ بقاله أسبوعين. أسبوعين وانت مش راضي تقولي؟
ولا حتى ماما.” قال سلطان بخفوت: “هو حلّفنا منقولش.” صرخت داليدا فجأة ومعها انسكبت عباراتها تجري على وجنتيها الباردة: “يعني إيه حلّفكم؟ يعني إيه؟ “ممكن تهدي؟ أهدي ياداليدا.” حاول سلطان مسكها لكنها أبعدتها قائلة بهيستيرية: “أنا عايزة أروح بيتنا.” نزلت الدموع الحارة على وجنتيها. الندم الحقيقي تجلى عن كثب وعرف الطريق لعيناها المتفاخرة سابقًا بخطيئتها. “أنا عايزة أشوفه. عايزة أشوفه ياسلطان. واديني ليه ونبي. واديني ليه.”
انطلقت السيارة دون كلمة أخرى. بعد لحظات وصلت أمام باب شقة والديها. فبلعت ريقها وما زال وجهها شاحبًا وعيناها حمراوان من كثرة البكاء. أحاط سلطان بذراعه القوي منكبيها من الخلف وتعلق كفه بكتفها وهزها قائلًا: “اجمدي شوية. بلاش تفولي على الراجل بعياطك ده. شوية تعب بسيط.” قالت داليدا وهي تجفف دموعها بالمنديل: “انت ليه مش عايز تقولي عنده إيه؟ بابا عمره ما اشتكى من حاجة.” ربت سلطان على كتفها وهو يقول بملاطفة:
“أبوكي كويس ياداليدا بس نفسيته مدمرة بسبب بعدك عنه. وعشان عاقبك وعاقب نفسه قبلك بأنه ميروحش يزورك حتى وانتي مجبسة.” نظرت له داليدا بدهشة. فأضاف سلطان بنظرة نافذة: “افتكرتيها سهلة عليه. بس هو من ساعتها تعبان.” ثم استرسل ببعض المرح: “أنا قولت لما يشوفك جايلُه بنفسك وواقفة على رجلك. لا وكمان جايه تصلحيه وتراضيه قلبه هيحن ويرضى عنك.” تمتمت داليدا بضعف: “تفتكر هيرضى يسامحني؟ “لو حس إنك فعلًا ندمانة ليه لا.”
قالها سلطان ثم بعدها طرق على الباب وانتظر. ثم بعد ثوانٍ فتحت (سهير) والدتها الباب واتفاجئت بوجودهما خصوصًا برؤية داليدا متعافية وتقف على قدميها الاثنين. صاحت بقلب الأم وهي تجذبها لأحضانها بلوعة: “داليدا. داليدا ياحبيبتي الحمد لله إنك بقيتي كويسة. الحمد لله ياحبيبتي. فكيتي الجبس امتى؟ قالت داليدا بلهفة وهي تبحث عن أبيها في الأرجاء: “لسه النهاردة. هو بابا فين ياماما. بابا فين؟ قالت سهير بعتاب وهي تبتعد عن الباب:
“جوا. برضو سلطان قالك ليه كده يابني؟ أغلق سلطان الباب خلفه وكان ينوي الرد لكن داليدا سبقته ونظرت لأمها بعتاب: “انتي مكنتيش عايزاني أعرف بابا فين؟ “بابا. بابا.” دخلت إلى غرفته ركضًا فوجدته جالسًا على الفراش بتعب وقد ظهر الشيب عليه والغلب وفقد الكثير من وزنه في شهور قليلة تحديدًا الفترة اللي مرت على زواجها من سلطان. لم تصدق أنه أبوها!
نزلت دموعها أكثر وركضت لعنده بأقصى سرعتها وألقت نفسها في أحضانه. فضمها ناصف إليه بشوق وقد ترقرق الدمع في عيناه. وتركها تفرغ أوجاعها ودموعها في أحضانه. كما كانت تفعلها وهي صغيرة. تخطئ وتعود. تذنب وتعود. وفي كل عودة لها لا تقر بذنبها ولا تلفظ أسفًا ولا تطلب مغفرة من أحد. تربت مدللة وعاشت مدللة وكبرت وترعرعت أميرة مدللة لا تتحمل مسؤولية ولا تتحمل ذنبًا ولا تصلح خطأ اقترفته يداها. فلماذا يلومها وهو سبب إفسادها؟
لكنه واثق أن الأيام كفيلة بتهذيبها وأن الزواج والمسؤولية والعيش مع رجل كسلطان كفيل بأن يجعل الأميرة المدللة زوجة مسؤولة ومتحملة أعباء الحياة. قبلت داليدا كفه وهي تقول بتهدج: “حقك عليا يا بابا متزعلش مني. أنا آسفة. آسفة على كل حاجة وصلتكم لكده. صدقني ندمانة. ولو رجع بيا الزمن عمري ما هكسر كلمتك تاني. عمري.” قبل والدها وجنتيها وهو يقول باشتياق: “وحشتيني ياداليدا. كنت خايف أموت قبل ما أشوفكم.” قالت داليدا بعتاب:
“متقولش كده. أنا لو حصلك حاجة أنا أروح فيها.” التوى ثغر ناصف قائلًا بوهن: “هاخد زمني وزمن غيري خلاص ياداليدا.” قالت داليدا بحنق شديد: “لا مش خلاص. انت لسه شباب. ولو سهير منكّدة عليك أوي كده. شاور بس وأنا أجوّزك واحدة من صحباتي. دول كلهم هيموتوا عليك.” دخلت والدتها بصحبة سلطان وقالت بغضب: “شوف البت جايه تخرب عليا إزاي. مين دا اللي يتجوز؟ دا أنا كنت كملت لك عليه. قال يتجوز قال. سامع ياسلطان؟
نظرت لسلطان فابتسم هو بخبث قائلًا: “سامع يامرات عمي. أنا مع داليدا بصراحة. وأهو بدل ما عمي يختار واحدة من صحباتها يختار اتنين. واحدة ليا وليه.” احتقن وجه داليدا وقالت بغيرة: “إيه ليك وليه دي؟ هو إحنا بنفرق هنا؟ رقص سلطان حاجباه الاثنان قائلًا باستفزاز: “شوفي وشها جاب ألوان إزاي. جبت لك حقك.” “طول عمرها كيادة. بس وحشتني.” قالتها والدتها وهي تتقدم منها وتجذبها لأحضانها من جديد. فبادلتها داليدا
العناق وقبلت كتفيها قائلة: “وانتي كمان ياماما. وحشتيني أوي أوي.” بينما قال ناصف بامتنان لابن أخيه: “كتر خيرك يا سلطان يابني. أنا كان نفسي أشوفها أوي. أنا حاسس إن مكنش هيطلع عليا النهار لو ما شوفتهاش النهارده.” شهقة داليدا بلوم: “بعد الشر عليك يابابا.” قال سلطان بمودة: “متقولش كده ياعمي. ربنا يبارك لنا فيك.” ثم استأنف الحديث قائلًا:
“على العموم. أنا كده كده ناوي أسبها معاكم كام يوم. لأني مسافر القاهرة عندي شغل هناك واحتمال أقعد أسبوعين.” نزل الخبر على داليدا كالصاعقة فـقالت مبهوتة: “أسبوعين؟ أسبوعين بحالهم؟ أخبرها سلطان بهدوء: “أيوه ياداليدا. شغل. يمكن الموضوع أول مرة من ساعة ما اتجوزنا يحصل. بس انتي عارفة قبل الجواز إني ساعات كتير كنت بسافر عشان شغلي.” قالت بوجهاً باهت: “آه عارفه.” بينما قالت والدتها بتفهم:
“وماله يابني سيبها ياحبيبي وروح شوف مصلحتك. هي معانا لحد ما ترجع.” أومأ سلطان برأسه سائلًا عمه بقلق: “يعني خلاص ياعمي صافي يلّبن؟ انعقد حاجبا ناصف واجما: “خايف من إيه ياسلطان؟ دي بنتي معقول هأذي بنتي؟ قال سلطان باحترام: “لا العفو ياعمي دا انت أبوها وأحن عليها مني. بس أنا بطمن.” “أطمن. داليدا في عيني لحد ما ترجع من السفر. انت مسافر امتى؟ سأله ناصف بهدوء: “على الفجر كده إن شاء الله.” هتفت داليدا سريعًا بلهفة:
“طب قضي معانا اليوم. نتغدى سوا ونقعد شوية. وبعدين نام لك هنا ساعتين قبل الفجر.” اعترض سلطان: “دا اللي هيحصل إن شاء الله بس لما أروح.” أمره ناصف بنظرة حازمة: “وليه يابني تروح وترجع؟ هو ده مش بيتك ولا إيه؟ ثم نظر لزوجته وابنته قائلًا بأمر: “حضري الغدى ياسهير. وانتي ياداليدا روحي ساعديها.”
خرجت سهير وخلفها داليدا التي رمقت سلطان بعتاب. فهو لم يخبرها عن سفره خلال تلك الأيام الماضية. وكأنها غريبة عنه بل ويخبرها قبل رحيله بساعات. ونعمة الأزواج والله!! “انت فعلًا مسافر ياسلطان ولا بتقولها كده وخلاص؟ انتشله سؤال عمه عن شروده بها. فنظر إليه مؤكدًا: “مسافر والله ياعمي طلبية شغل.” جلس سلطان على المقعد أمامه بينما استفسر ناصف بتردد: “انت مرتاح ياسلطان مع داليدا ولا فيه بينكم مشاكل؟
قولي يابني وريحني. لو كده نصلح الغلطة دي وكل واحد يروح لحاله.” ارتسم الإزعاج على وجه سلطان فزمجر قائلًا: “جرى إيه ياعمي يعني أنا بصلح بينكم؟ عشان تخرب عليا؟ قال ناصف بالنفي موضحًا: “مش القصد يابني. بس أنا حاسس إني ورطتك في الجوازة دي.” بنظرة قوية ونبرة حاسمة أخبره: “أنا اللي اخترت ياعمي. وداليدا بقت مراتي. ومفيش قوة في الدنيا تقدر تبعدني عنها. إلا لو هي اختارت. دي بقى تبقى حاجة تانية.” سأله ناصف باستفهام:
“أفهم من كلامك إنك مرتاح معاها. وعايز تكمل؟ أخبره سلطان بوضوح: “هي إجابة واحدة ياعمي. لو مكنتش مرتاح إيه اللي هيخليني أكمل؟ نظر له ناصف بفخر وقال بامتنان: “ربنا يسعدكم يابني. انت عارف ياسلطان إني مش هتمنى لبنتي أحسن منك. دا انت ابن أخويا ابني اللي عارفه ومربيه على إيدي.” لانت ملامح سلطان فقال بملاطفة: “طبعًا ياعمي عارف. ربنا يقومك بسلامة. ويباركلنا فيك.”
عادت أدراجها إلى المطبخ بعد أن سمعت حديثهما كاملًا. ولم تشعر بلذة الفرح بعد حديث سلطان. ربما لأنها تعرف أنها كذبة كبيرة يتقنها ببراعة أمام الجميع. إنه ليس سعيد وأن المشاكل كثرت والفجوات ازدادت اتساعًا وعمقًا بينهما حتى بات الاقتراب خطر والبعد أمان!! عندما وقفت جوار والدتها سألته بهدوء: “سألتي سلطان عايز قهوة ولا شاي؟ قالت داليدا بعينين شاردتين: “عايز شاي.”
همت أمها بإعداد كوب الشاي لكنها انتبهت لشرود ابنتها وشحوب وجهها بل وللدموع التي سالت من عينيها مجددًا فسألتها بقلق: “مالك ياداليدا. ليه الدموع دي؟ مسحت داليدا دموعها قائلة: “مفيش حاجة. باين عيني وجعاني شوية.” سألتها أمها وهي تضع يدها على كتفها: “هو انتي مش مبسوطة مع سلطان ياداليدا؟ اوعي يكون بيضربك ولا بيقل أدبه عليكي؟ قالت داليدا بالنفي: “إيه اللي بتقولي دا ياماما؟ لا طبعًا سلطان محترم وبيراعي ربنا فيا.”
قالت والدتها بعينين تلمع بالرضا والحمد: “والله ياداليدا ما هيهمّلك راجل جدع ومحترم زي سلطان. سيبك من سبب جوازك منه. كده كده كان من نصيبك ومقسومين لبعض. دا النصيب غلاب يا بنتي.” أومأت برأسها وهي تهم بمساعدة أمها في تحضير الطعام على السفرة بالخارج. “أيوه ياماما. غلاب النصيب. غلاب.” …………………………………………………………….. وضع الطعام والتف الجميع حول الطاولة. جلسا والديها بالقرب من بعضهما وهي وزوجها كذلك يتجاورا في المقاعد. قد أعدت
(سهير) سفرة مليئة بالطعام الشهي كل ما لذ وطاب موجود عليها. رحبت سهير بهما قائلة بحفاوة وهي تضع نصف الدجاجة المحمرة في طبق سلطان: “ما تاكل ياسلطان ياحبيبي مكسوف من إيه. ادي لجوزك جلاش ياداليدا اكليه يابنتي. شكله تعبان. وخاسس.” وضعت داليدا قطعة من الجلاش في طبقه غامزة له دون تعليق. فقال والدها بخبث لأمها وهو يقلب في طبقه: “شكل بنتك مقضياها جبن وبيض.” ابتسم سلطان وهو يمضغ الطعام ناظرًا إليها بطرف عينيه. فامتعضت
شفتي داليدا قائلة ببراءة: “هو اللي ملوش في المكرونة. بذمتك يابابا في حد مبيحبش المكرونة. ما حضرتك بتاكلها.” قال والدها بتقريع مبطن: “يعني معلقتين تلاتة. وبعدين أمك بتلجأ ليه لما تكون خلاص زهقت من الطبيخ. انتي بقا ما شاء الله. متعرفيش من الطبيخ غيرها. من حبك فيها.” قالت داليدا وهي تأكل بنهم لذيذ في عينين عاشقتين تراقبها في الخفاء: “لازم يحبها طالما أنا بحبها. مش انت حبيت أكلات كتير عشان خاطر ماما.”
أكد ناصف وهو ينظر إلى زوجته التي ابتسمت بخجل وحب: “حصل. وامك كمان نفس الكلام ومش في الأكل بس. في كل حاجة. هي حبت حاجات كتير بسببي وأنا حبيت حاجات أكتر عشانها.” قالت سهير بابتسامة ودودة: “بكرة تفهم وتتعلم يا ناصف. هما لسه عرسان جداد. بكرة ياما هيشوفوا ويتعلموا. أهم حاجة يفضلوا إيدهم في إيد بعض دايما.” صمت الجميع وبعد دقائق مدت داليدا يدها بمعلقة من السلطة إلى فم سلطان قائلة بشقاوة يهيم قلبه بها عشقًا:
“دوق السلطة دي أحلى من الأكل كله.” ضحك والديها معًا ونظروا لبعضهما. فقال سلطان بابتسامة لعوبة: “اكيد انتي اللي عملاها.” أكدت بغرور: “طبعًا.” أخذها منها على مهلًا وعيناه أسيرة لسوداويتاها اللامعة بالشقاوة. “تسلم إيدك.” تورّدت وجنتيها بخجل من نظراته الجريئة فعادت تشغل عقلها بطعام مجددًا. بينما قال سلطان وهو ينهض: “الحمد لله.” اعترض والدها قائلًا له: “إيه ياسلطان انت لحقت تاكل. اقعد يابني كمل أكلك.”
قبل أن يبتعد قال بحرج: “الحمد لله والله ياعمي شبعت. سفرة دايمة. تسلم إيدك ياحماتي.” ابتسمت سهير بود. وعندما ابتعد قالت لابنتها بهمس: “قومي ياداليدا ورا جوزك بالفوطة.” لوحت داليدا بيدها معترضة وهي منشغلة في طعامها: “بآكل ياماما. باكل.” لكزتها أمها هامسة من بين أسنانها: “اديله الفوطة وارجعي كملي أكلك. ميصحش كده.”
نهضت داليدا بضيق وبوجنتين منتفختين من تكور الطعام بهما. وقفت عند باب الحمام المغلق بملل تنتظر خروجه وهي تسلي فمها بقطعة من الجلاش بين يديها تقضم منها على مهل. فتح سلطان الباب ورفع عيناه أمامه فـتفاجئ بوجودها. فعقب باستهجان: “مش تكحي. في حد يقف كده؟ قالت وهي تقضم من قطعة الجلاش: “مستنية أديك الفوطة. زي ما قالوا لي.” زم شفتيه وهو يأخذ المنشفة منها: “يعني معملتهاش من نفسك؟ قالت داليدا ببلادة: “وحياتك مفكرتش فيها أصلا.”
قال سلطان ممتعضًا: “من الأدب والذوق إنك تعملي كده.” رقصت داليدا حاجباها ساخرة: “على أساس إنك أول مرة تدخل بيتنا يعني. دا انت كنت بتدخل تجيبها من الدولاب ياسلطان.” سألها سلطان بلؤم: “هي إيه دي بالظبط؟ قالت داليدا ببراءة: “الفوطة. هتكون إيه يعني.” حك في رأسه قائلًا بمراوغة: “آه أصل. دماغي راحت لبعيد.” قالت داليدا ببرود: “عشان انت للأسف مش سالك.” ابتسم ببلادة: “طب اعملي شاي.” رفضت بعد أن أنهت قطعة الجلاش:
“لا أنا لسه باكل ومشبعتش.” تافف سلطان قائلًا بملل: “علقي عليه وروحي كملي أكل. وبعدين انتي من امتى بتشبعي. اللي هيجنني لحد دلوقتي بتودي الأكل ده كله فين؟ رفعت كفها في وجهه قائلة بتخوف: “الله أكبر في عينك. هتنقّلي عليا ولا إيه؟ آه أكيد متغاظ عشان كل أما تاكل أكلة دسمة تروح الـ "جموت" وتشيل حديد.” سألها ببرود: “وانتي؟ “أنا باكل خمستاشر مرة في اليوم إني أزيد جرام أبداً.”
قالتها داليدا بتغنج أغاظه منها. لذا قال سلطان بوقاحة يفوز بها دومًا أمامها: “ومين قالك إنك مبتزديش؟ انت بتزيدي في أماكن معينة. أماكن هتجنن أمي.” شهقت بدهشة وعضت على شفتيها لم تتوقع تصريحة الجريء فقالت قبل أن ترحل بوجه متورد غاضب: “يا قليل الأدب. ابعد.” بعد رحيلها تخلل شعره بأصابعه متمتمًا وهو ينظر للسقف: “الصبر يا رب. الصبر.”
كيف لرجل مثله أن يقاوم فتنة متحركة من الأنوثة النابضة بالحياة والجمال والشقاوة والدلال كل هذا الوقت بل ومطلوب منه المقاومة للنهاية؟ كيف وهي بنظرة واحدة قادرة على إشعاله؟ أدعي الصلابة وقلبي في حبك رخوٍ؟ يا من أوقعتني في الهوى وتركت لي العناء، كن رحيمًا بي وخلصني من هواك!
تشاركا الجلسة معًا أمام التلفاز وظلا هو ووالدها يتحدثان في أشياء عدة عن العمل وأهم الأحداث في شارع الساحة. والعائلة وظروف المعيشة الحالية. ثم بعدها شاهدا الأربعة معًا فيلمًا من الطراز القديم وعندما انتهى انتهت السهرة معه ودلف كل منهم غرفته. وقد رتبت والدتها غرفتها الخاصة حتى تبيت هي وسلطان بها حتى طلوع الفجر وقت سفره. دلفت داليدا برفقته لغرفتها وأغلقت الباب خلفهما ورفعت عيناها السوداء على أرجاء الغرفة تنظر إليها بابتسامة واهية تجمع بين الحزن والاشتياق لحياة العزوبية ودلال الأهل. لماذا تعجلت على الزواج والحب في العشرين من عمرها؟
كان بإمكانها أن تعيش حرة لسبعة عشر عامًا أخرى. تدرس أو تعمل أي شيء تريده لن يعترض والدها عليه وقتها. لكنها بغباؤها المعتاد والعناد دخلت إلى حياة الكبار بسرعة البرق إلى معمعة من المسؤوليات والتزامات مرهقة. كان عطرها الجوري يملأ الغرفة وكأنها لم تفارقها لأشهر طويلة؟
غرفة أنثوية بحتة. الألوان عصرية ورائعة الديكور والفرش مناسب لشخصية متمردة تهوى التغيير. تقسم أنها بدلت فرش غرفتها أكثر من مرة. فمنذ ثلاثة أعوام صنع لها غرفة متكاملة بمواصفات خاصة كما طلبت منه وقد فرحت بها جدًا. يبدو أنها بدلتها عندما رأت تصميم أفضل وأكثر عصرية. “مش هي دي أوضة النوم اللي عملتهالك من تلات سنين؟ قالت داليدا وهي تتجه إلى مرآة الزينة: “انت لسه فاكر؟
دا أنا بدلتها مع واحدة صاحبتي وخدت مكانها أوضة النوم دي من معرض الموبيليا بتاع أخوها.” لم يعقب سلطان فمسكت الفرشاة وبدأت تمشط شعرها الأسود الحر على ظهرها. ثم قالت ببعض الندم: “بس تصدق بعد ما بعتها ندمت. اكتشفت اللي انت عملتهالي عمله كانت أحلى. شكل ومضمون. وأنا شكل وبس.” سألها وهو يجلس على حافة الفراش: “ومغيرتهاش ليه بقا؟ قالت وهي تضع الفرشاة وتستدير إليها: “كنت ناوية بس بعدها على طول اتجوزنا. فملحقتش.”
استلقى سلطان على الفراش بـجسده الضخم بتعب شديد ولأن حجم الفراش صغير لم تبقى مساحة لتنام بها. فقالت معترضة وهي تضع يديها بخصرها: “يسلام! ولما انت تنام كده. أنا أنام فين؟ قال سلطان بغلاظة جافة: “وأنا أعملك إيه؟ عايز أنام ساعتين قبل ما أمشي. حد قالك تبيعي أوضة النوم اللي عملتهالك يا شيخة؟ دا السرير كان ينام أربعة.” تمتم بفظاظة وصلت لمسامعها: “اختياراتك كلها زفت حتى في أوضة النوم.” دبت الأرض بقدميها قائلة بتزمر:
“بلاش تخبط معايا بالكلام. وانزاح شوية.” قال سلطان ببرود: “مفيش مكان. ده آخري.” ارتفع حاجبها بضجر: “انت أصلاً اتحركت من مكانك. ما تبعد شوية ياسلطان.” قال بصفاقة: “نامي على الأرض.” “أنا فعلًا هعمل كده. أشبع بالسرير.” قالتها بتبرم وهي تأخذ وسادة من على الفراش. لتجده سريعًا يعتقل خصرها ويجذبها معه على الفراش. فبدأت تتملص من بين يديه معترضة بشدة: “سيبني. سيبني ياسلطان. هنام إزاي كده.” همس سلطان أمام وجهها المحتقن بالغضب:
“هش. أبوكي وأمك هييجوا على صوتنا. هما ساعتين. هما ساعتين ونازل.” نامت في أحضانه على ذراعه المفرود أسفل رأسها. تنام على جنبها وهو كذلك رؤوسهم متجاورة والعيون تشتبك ببعضها تحت الإضاءة الخافتة بألق عاطفي مجنون. همست داليدا بعتاب وهي في أحضانه بهذا الشكل: “ليه مقولتليش إنك مسافر. وإنك جايبني مخصوص عند أهلي عشان تسبني وتمشي؟ مط سلطان شفتيه قائلًا باستنكار:
“إيه الظلم ده. أنا جايبك هنا عشان تراضيهم وتطمني على أبوكي التعبان. وكده كده أنا كنت مسافر. فبدل ما أسيبك لوحدك. قولت أجيبك تقضي اليومين مع أهلك. غلط في إيه أنا؟ قالت بحمائية: “غلط إنك مقولتليش.” سألها بعينين قاسيتين: “يهمك تعرفي أوي؟ ألقت عليه نظرة معاتبة وهي تقول باعتراض: “طبعًا. انت ناسى إنى مراتك.” قال بنبرة غريبة: “مش ناسى ياداليدا. المرة الجاية.”
أسبلت أهدابها وقربهما هذا يشكل داخلها مشاعر غريبة واحتياجات غير بريئة. تشعر بها في أحضانه ومع رائحته الرجولية وبين أنفاسه الساخنة التي تضرب صفحة وجهها دون رافة بقلبها الملتاع عشقًا. أوقفت الأفكار المجنونة والمشاعر الساخنة صوت سلطان الهادئ: “حلوة البجامة دي.” قالت داليدا بارتباك وهي تنظر للمنامة: “دي بتاعتي.” ابتسم قائلًا بمزاح: “افتكرتها بتاعت الجيران.” تثاءبت قائلة بأرق: “أنا هموت وأنام.” انعقد حاجباه قائلًا بفتور:
“طب ما تنامي. أنا ماسكك.” وضعت يدها على عنقه وداعبت شعره من الخلف بأصابعها برقة قائلة بدلال: “احكيلي حدوتة ياسلطان.” أبعد سلطان يدها عنه وهو يزدرد ريقه بصعوبة: “بطلي دلع ونامي.” نظرت لعينيه بضعف أنثوي وهي تشير على خدها بتغنج: “طب ينفع تبوسني هنا؟ نظر لها سلطان بحزم: “نامي ياداليدا. لحسن أجيبلك أبو رجل مسلوخة.” قالت بشفاه مقلوبة: “أنا كبرت على فكرة والحاجات دي معدتش بتخوفني خالص.” همس بصوت خافت مرعب:
“انتي تعرفي إن أبو رجل مسلوخة كبر وبقت عينه زايغة.” نظرت إليه بشك: فتابع بهسهسة مريعة: “بيطلع بالليل بيدور على البنات الحلوين. عارفه أول ما بيشوف واحدة منهم بيعمل فيها إيه؟ انتبهت له كل حواسها: “إيه؟ همس بخفوت شديد: “بيدبحها وبيعمل عليها شوربة كوارع.” علا وجهها تعابير من الاشمئزاز فقالت: “يع كوارع. أنا بقرف من الكوارع أوي.” رفع حاجبه متشدقًا: “هو ده اللي فرق معاكي. انتي هبلة.” قالت داليدا بابتسامة شقية
فتنت قلبه وعقله بها أكثر: “مين يصدق أصلاً إن أبو رجل مسلوخة كبر وبقت عينه زايغة. ده رجله مسلوخة انت عبيط ياسلطان.” هز رأسه متنهدًا بأسى: “دي آخرة اللي يتجوز عيلة.” أغمضت عينيها قائلة بناعس: “قبل ما تمشي ابقى صحيني.”
لم يرد عليها بل ظل مستيقظًا وهي في أحضانه يدعب شعرها الناعم تارة ويشم عطره الجوري تارة أخرى. وعند أذان الفجر ابتعد عنها ناهضًا عن الفراش. ارتدى سترته ثم مال عليها يقبل وجنتيها الإثنين فمالت للجهة الأخرى بانزعاج مهمة. فدثرها هو تحت الغطاء. وخرج من الغرفة بعدها بهدوء. وحينها قابل عمه في الردهة فدعاه عمه لصلاة الفجر في الجامع. وبالفعل بعد أن أنهى فريضة صلاة الفجر استقل سيارته مع عماله في طريقهم للمحافظة الأخرى.
………………………………………………………………………….. دلف من باب الشقة فوجد شقيقتيه تجلسان حول طاولة مستديرة. كلتاهما تنظران للفراغ وهموم العالم ارتسمت فوق وجوههم. ويبدو أن هناك كارثة حدثت بالفعل خصوصًا مع وجود علبة المجوهرات الفارغة أمام شهد والتي تنظر إليها بضياع. ألقى حمزة سلسلة المفاتيح حتى يوقظهما من تلك الغفلة الكئيبة مستفسرًا بعدها بوجوم: “مالكم في إيه؟ أي اللي حصل؟ نظرت له شهد بعسليتان باردتين: “طقم المجوهرات اتسرق.”
سألها بحاجب معقود: “إزاي يعني؟ تنهدت بزفرة ثقيلة على صدرها وأخبرته بشتات: “معرفش. أنا كنت حطاه في العلبة والعلبة كانت في الدولاب. الصبح لقيتها واقعة. وطقم الألماس مش موجود فيها. اختفى.” قال حمزة بأعصاب متشنجة: “متأكدة ياشهد؟ طب دورتي في البيت لا تكوني نسيتي هنا ولا هنا؟ مسحت دمعة فارّة من عينيها: “قلبت الشقة كلها أنا وكيان ملقتهوش.” سألها حمزة وعيناه تدور في الأرجاء وللحظة وقع قلبه بخوف: “أمال فين قمر؟ قالت شهد
وهي تنظر إلى كيان بعتاب: “مشت.” سألها حمزة بصدمة: “يعني إيه مشت؟ ازدردت شهد ريقها قائلة بوجوم: “كيان اتهمتها إن هي اللي سرقته. فزعلت وخدت بعضها ومشت.” نظر حمزة إلى أخته بحدة: “انتي اتجننتي ياكيان. وانتي كنتي فين ياشهد إزاي سبتيها تقولها كده؟ بررت شهد وعقلها مشغول بمصيبتها: “زعقت لأختك طبعًا واعتذرتلها. بس قمر مرضيتش تقعد وصممت تمشي. هعمل إيه يعني.” لوت كيان شفتيها مزدرية:
“والله شكلها هي اللي سرقته. طالما خدت بعضها ومشت كده.” هتف حمزة بحمائية: “لا عايزها تفضل بعد ما سرقته.” نهضت كيان صائحة بغيرة: “انت محروق عليها أوي كده ليه. هيكون مين اللي سرقه يعني؟ واجها حمزة بعينين مشتعلتين بالقسوة: “أبوكي. هيكون مين غيره. ماهو يا أبوكي يا أنا. مفيش حد تالت يستجرأ يعملها. مين الحرامي اللي معاه مفتاح البيت؟ لا وعارف إن فيه طقم ألماس في دولاب شهد. طقم ألماس مابتاع ليلة واحدة في بيتنا.”
هتفت كيان محتده: “وليه متكونش هي؟ هتف حمزة بثقة: “قمر متعملهاش.” قالت كيان بعينين مستهجنة: “إيه الثقة العمياء دي تعرفها منين انت. دي يا دوب قعدت معانا كام شهر.” أرجع حمزة شعره للخلف بعصبية ناقمًا: “مش كفاية بنسبالك صح. أنا بكلم مين واحدة كل الناس بنسبالها كدابين وخاينين. وولاد كلب.” ابتسمت كيان بعصبية: “عشان دي الحقيقة. ولا حبك لقمر نساك نجلاء ولا عملته فيك.” ضرب سطح الطاولة بقبضة يده بقوة صارخًا:
“اخرسي ياكيان. مين قالك إني بحبها.” عقدت ساعديها ولم تهابه بل قالت باستفزاز: “مش محتاجة حد يقولي. أنا شايفة بعيني.” اربد وجهه غضبًا فهتف بها بقسوة: “انتي بتغيري منها. بتغيري من الناس كلها. مش عايزة حد يكون أحسن منك مش كده. وأول ما طقم الألماس اتسرق قولتي تدبسيها فيه عشان تخلصي منها. مش كده ياكيان؟ أغمضت شهد عينيها بألم وهي جالسة مكانها تتابع الحرب الشعواء بصمت موجع. منذ متى وهم يواجهون بعضهما بكل هذه القسوة والنفور؟
منذ متى يستخدمون نقاط الضعف في إيذاء بعضهما؟ منذ متى تحول شجارهم من دفاع إلى ضد؟ نغزة مؤلمة في قلبها أصابتها بعد كلماته فتجمعت الدموع في حدقتاها مؤكدة بقهر: “آه أنا كده. أنا وحشة وزبالة وبغير منها ومن الناس كلها. ولعلمك لو رجعت ياحمزة أنا مش هقعد في البيت ده لحظة واحدة معاها.” نهضت شهد تلك المرة صارخة في أختها كي تتوقف عن الهذيان: “كيااان. إيه اللي بتقولي ده.” جز حمزة على أسنانه وهو يقول بعنف:
“ابقي اعمليها ياكيان وأنا ورحمة أمي ما هخليكي تمشي على رجلك تاني.” ثم نظر لشهد صارخًا بعصبية: “الزفتة التانية ماشية بقالها قد إيه؟ قالت شهد: “يجي من نص ساعة كده. قالت إنها هتركب السوبر جيت.” التقط حمزة مفاتيحه قائلًا لأخته: “أنا هروح أجيبها. دوري تاني يا شهد يمكن تلاقيه.” ثم نظر لكيان مزمجرًا بنفاذ صبر: “وانتي اقسم بالله لو عملتي أي حركة هبلة. مش هسمي عليكي.”
ابتعد عنهن وخرج من الشقة مغلق الباب خلفه بقوة. فنزلت دموع كيان وهي تلقي نفسها على المقعد بعنف: “شايفة أخوكي بيعمل إيه عشانها.” تاففت شهد قائلة بجزع: “هو أخوكي انتي كمان. وبعدين مفيش واحدة محترمة تقول لأخوها همشي وسيب البيت.” أشاحت كيان بوجهها المكفهر بعيدًا. فأضافت شهد بلوم: “ومكنش ينفع تتهميها بالسرقة. أنا وانتي عارفين كويس إنها متعملهاش وإن أبوكي هو اللي خده.” لوت كيان شفتيها بمقت:
“لا اعذريني مكنتش أعرف إن أبويا حرامي كمان.” “بلاش تستبعدي حاجة في زمنا ده. مش هتيجي قد ورث أمنا اللي حرمنا منه.” نهضت شهد عن مقعدها. فسألتها كيان: “رايحة فين؟ قالت شهد بروح باهتة: “لازم أنزل الشغل. خلود كلمتني أكتر من مرة وعاصم كمان.” سألتها كيان بتردد: “هتقوليله؟ هزت شهد رأسها رافضة: “مستحيل. أقوله إيه أبويا سرق طقم الألماس اللي خدته منك هدية امبارح؟! استرسلت بحرج: “أقرب حاجة هيفتكر إنها نصابة وطمعانة فيه.”
سألتها كيان بحيرة: “طب هتعملي إيه؟ “مش عارفه. مش عارفه.” شعرت بأنها في دوامة عنيفة تبتلعها تتخبط داخلها يمينًا ويسارًا بقسوة. لم يقهرها ثمن طقم المجوهرات وتصميم العصري الذي خصصه لها وحدها وبه خطف قلبها من أول نظرة. كلها أشياء اعتادت على أوجاعها. فكل شيء غالي وجميل يضيع من بين يديها والفرح دومًا يتسرب من بين قبضتها. الذي يقهر قلبها الآن هو أن علم عاصم بالأمر ماذا سيكون رد فعله؟ سيظن بها السوء!
…………………………………………………………….. ترجل من السيارة في قلب مواقف حافلات السفر. أغلق الباب خلفه ثم بدأ يتلفت حوله يمينًا ويسارًا باحثًا بعينيه عنها بلهفة. لهفة عرفت الطريق إلى قلبه في بعدها. لماذا يشعر بكل هذا الغضب منها لمجرد أنها تركت البيت ورحلت؟ هل تعني له أكثر من ابنة عمة تبحث عن ميراثها؟ يسألها لنفسه الآن بكل صراحة. لماذا خرج الآن كالمجنون يبحث عنها؟ لماذا يريد أن يعيدها إلى المنزل؟
هل هي المروءة التي تحتم عليه البحث عنها؟ تشعره بأن جزءًا من قلبها استأصل عند رحيلها! أرجع شعره للخلف بعصبية والأفكار تتزاحم في رأسه. اتجه سريعًا إلى شباك التذاكر يسأل عن: “السوبر جيت اللي رايح القاهرة. طلع ولا لسه؟ أخبره الرجل بعملية: “لسه ربع ساعة وهيطلع.”
زفر بارتياح شاعرًا ببعض الأمل في إيجادها قبل أن ترحل. اتجه إلى أحد المقاهي يبحث عنها بعينين مشتعلتين متلهفتين عليها. وبعد دقائق من البحث وجدها تجلس على إحدى الطاولات أمامها كوب من الشاي بالنعناع تنظر إليه بعينين حزينتين لامعتين بدموع ووجهها شاحب بائس. أغمض عيناه لثانية متنفسًا الصعداء وهو يتقدم منها ثم جلس أمامها. فلم تنتبه لوجوده فقد كانت بعالم آخر بعيد كل البعد عنه. سألها وعيناه مثبتتان عليه بقوة: “ليه سبتي البيت؟
رمشت بعينيها عدة مرات وهي تنظر إليه بصدمة وأثناء تحريك أهدابها نزلت دموعها: “حمزة.” سحب من علبة المنديل الموضوعة أمامهما وأعطاها منديلًا قائلًا: “امسحي دموعك. حصل إيه لكل ده؟ قالت وهي تجفف دموعها: “اكيد عرفت. إني سرقت طقم المجوهرات. بس أنا والله مـ…” بتر الجملة قائلًا بقوة: “مش محتاجة تحلفي. أنا عارف إنك متعمليهاش.” ترقرق الدمع في عينيها من جديد قائلة بوهن: “خوفت تصدقهم. أنا مش حرامية يا حمزة.”
مالى على الطاولة قليلًا هامسًا بتفهم حانٍ: “عارف. عارف ياقمر. لو انتي كده يعني. هاجيلك لحد هنا ليه.” قالت قمر بنشيج والدموع تجري على وجنتيها: “مش عارفة ليه كيان قالت كده. أنا هسرقه ليه. ولو سرقته ليه هفضل قاعدة معاهم. أقلها كنت مشيت. حتى شهد حاسسها مصدقة كيان. دا اللي وجعني أكتر وخلاني أمشي.” برر حمزة الأمر وهو في موقف لا يحسد عليه أمامها: “اكيد شهد مش شاكة فيكي ولا واحد في المية حتى. بس اللي حصل لخبطها شوية.”
سحبت قمر منديلًا جديدًا ومسحت دموعها وأنفها الأحمر وهي تقول بوجع: “عارفة. بس سكوتها وجعني. وشككني في نفسي.” ثم استرسلت بابتسامة باهتة: “تعرف أنا لما دخلت الأوضة الم هدومي بقيت أفتش نفسي لا يكون وقع هنا ولا هنا عندي. شكيت في نفسي بسبب نظراتهم.” طمئنها حمزة برفق: “هـنـلاقيه إن شاء الله. هيروح فين يعني. هيكون واقع هنا ولا هنا. أو يمكن يكون خالك خده عشان يحرق دمنا.” انعقد حاجباها بدهشة: “تفتكر؟ قال حمزة ممتعضًا:
“مفيش حد غيره يعملها. ماهو يا أنا اللي عملتها يا هو.” هتفت قمر بحمائية: “انت مستحيل تعمل كده.” “ليه مستحيل؟ ما ممكن أكون أنا اللي خدته. انتي تعرفيني كويس.” قالها وهو يلوي ثغره هازئًا من تلك النظرة الرائعة في بنيتيها. نظرة تقلب كيانه. فهي خاصة، خاصة وملكا له وحده! زاد بريق عينيها وهي تقول بقلب متشبع عشقا حتى النخاع: “أعرفك أكتر من نفسي. اللي زيك لا يسرق ولا يخون ياحمزة.” زادت السخرية السوداء في مقلتاه فقالمستنكرًا:
“ياآه. لدرجة دي الكام شهر اللي قضيتيهم معانا خلوني في عينيكي ملاك بجناحات. انتي على نياتك أوي.” قل بريق عينيها لوهلة. بينما هتفت مستهجنة: “انت ليه مصمم تبوظ صورتك في عيني؟ قال من بين أسنانه: “عشان نظرتك ليا بتخنقني. ودي حاجة أول مرة أقولهالك.” قالت بقلب ولهان: “أنا شايفاك بقلبي. مش زي ما الناس بتشوفك.” احتقر جملتها متحدثًا بواقعية سوداء:
“مش بقولك انتي على نياتك. في حد بقا بيشوف بقلبه دلوقتي. دا إحنا بنشوف بعينينا ونتغش في أقرب الناس لينا. قال شايفاك بقلبي قال.” شعرت بأنه ألقى حجر ثقيل على صدرها فـظلت صامته تنظر إليه. فقال حمزة متابعًا بعد ثوانٍ من الصمت:
“فكرتيني اللي حبيتها وقعدت معاها سنتين خطوبة. قالتلي في الأول أنا مش شايفة غير بقلبي. فلوس العالم متسواش حاجة قصاد حبنا. وكلام من بتاع نص الليل ده. وهوب أول ما الفلوس جت. قالتلي متأخرتش ورايا جوازة مستعجلة.” ضحك حمزة بقوة. ضحكة مذاقها كالصدى في حلقه. بينما سألته قمر بتعجب: “انت بتضحك؟ “عايزاني أعيط؟ سخر وقد تلاشت الضحكة بتدريج عن وجهه. ازداد ثقل الحجر على صدرها وهي تسأله بصعوبة:
“أكيد عيطت لما سبتها. باين إنك كنت بتحبها أوي.” أكد حمزة بقلب ينبض بالوجع الحي: “آه كنت بحبها. كنت بحبها أوي كمان. وهي الوحيدة اللي معاها فكرت في الجواز. إني أعمل عيلة ويبقا ليا عيال منها. هي. هي بس.” ابتسم هازئًا من الحاضر وخباياه: “إحنا من كتر ما كنا مصدقين إن إحنا لبعض ومش هنبعد أبداً. سمينا عيالنا.”
أغمضت قمر عينيها بحرقة وهي تشعر أنها تموت بالبطيء مع كلماته ووصف علاقته العاطفية بأخرى. التقط حمزة كوب الماء من أمامها وشرب منه دفعة واحدة لعله يطفئ براكين صدره التي زاد توهجها على ذكرى الماضي. ثم قال بحزم بعد أن وضع الكوب أمامه: “يلا عشان أروحك.” “تروحني فين؟ نظرت له قمر بعدم فهم. نهض حمزة قائلًا: “بيتنا. هيكون فين؟ كانت جادة في قرار الرحيل لذا نظرت إليه. فقال هو بحزم بعد نظرتها:
“بلاش البصة دي. أنا مش هينفع أسيبك تمشي واللي حصل نحله في بيتنا. وليكي عليا أخلي كيان تعتذرلك. وتبوس راسك كمان.” نهضت قمر من مكانها وهي تنظر للحافلة التي ستسافر من خلالها: “مش مستاهلة كل ده ياحمزة. أنا خلاص مسافرة. هرجع مكان ما جيت.” هتف حمزة بجزع: “قمر اعقلي وتعالي معايا. اعتبريها زي اختك الصغيرة.” قالت بصوت هادئ يشوبه الوجع:
“مش هعتبرها. هي فعلاً أختي الصغيرة وأنا مسامحاها في اللي قالته. بس كفاية كده. أنا طولت عليكم أوي كده كده لازم أرجع القاهرة عشان أشوف حوار المحكمة والمحامي هيقولي إيه.” هتف حمزة معترضًا: “ممكن تعملي كل ده وانتي معانا. ليه تسافري؟ قالت بتصميم: “عشان أنا عايزة كده.” كانت سترحل فمسك يدها يترجاها بعسليتاه كطفل بائس لا يقوى على بعدها: “قمر. خليكي.” قاومت مشاعرها المغرمة به وقالت بتصميم وهي تنظر للحافلة التي امتلأت بالركاب:
“أشوف وشك على خير. أكيد هنتقابل تاني.” لم يترك يدها بل ناداها من جديد: “قمر.” نظرت إليه بقلب ملتاع. فقال هو بعد رضا عن قرارها: “أنا جيت لحد هنا عشانك. عشان أرجعك البيت. انتي ليه مصعبة الموضوع؟ زفرة بعذاب وهي تخبره بكبرياء: “عشان هي صعبة. سيبك من إنهم اتهموني بالسرقة سواء بالكلمة أو بالنظرة. بس في النهاية اتهموني. وده حقهم. لأني مهما كنت غريبة وسطهم. مش بلومهم والله. بس أنا هلوم على نفسي بجد لو رجعت معاك.”
“عشان ملوش لازمة رجوعي. مش هينفع أفضل عايشة معاكم. أقل حاجة عشان موضوع الورث والقضية اللي هرفعها.” “انتي بتقفليها يعني. براحتك. براحتك.” ترك يدها بعصبية. فابتسمت هي برقة وهي تخبره سرًا: “ينفع أقولك حاجة قبل ما أمشي. بس اوعى تفهمها غلط.” سألها عابسًا غاضبًا حانقًا: “قولي.” قالت بابتسامة تتلألأ كالنجوم في سماء قاتمة: “هتوحشني. هتوحشني أوي يا ابن خالي.” ارتجف قلبه رجفة لذيذة. ورغم هذا لم تلن ملامحه وهو يعقب بعتاب:
“لو هوحشك أوي كده مش هتسبيني.” اختلج قلبها بين أضلعها. فقالت بملاطفة: “لازم أسيبك. آهو أريحلك من القهوة الوحشة اللي بتشربها ومش بتعجبك.” “أقولك على سر.” لانت ملامحه عندما هزت رأسها بحرارة لسماع سره. فقال بصدق: “القهوة الوحيدة اللي كنت بستطعمها هي قهوتك.” تهللت أسارير وجهها: “بجد ياحمزة؟ “مع إنها كانت وحشة.” أكد بشفاه مقلوبة بمزاح غليظ. ضحكت وهي تهز رأسها بيأس: “مفيش فايدة فيك. لازم أمشي.” قال حمزة بنبرة غريبة:
“قريب أوي هبقى أجي أزورك.” قالت ببراءة: “بس انت متعرفش العنوان.” قال حمزة بابتسامة تقطر زهوًا: “قولتلك قبل كده. لما أعوز أشوفك هاجيلك.” سألته بحيرة: “من غير ما تعرف العنوان إزاي؟ ازداد تكبر: “ليا طريقتي.” ابتسمت بحزن وهي تمد يدها له: “أشوف وشك على خير ياحمزة.” وضع كفه في يدها واتكأ عليها قائلًا بابتسامة شقية: “مع السلامة ياقمراية.” نظرت له قليلًا وتبادلا النظرات لوهلة. حتى وجدته يسحبها عليه فشهقت لتجده يهمس بالقرب
من أذنيها بغضب مكتوم: “عارفة لو عليا كنت شلتك على كتفي ورميتك في العربية عافية. بس أنا عارف إنك هترجعي. هترجعي قريب عشاني.” كان واثقًا وهو ينظر لعيناها وكأنه يخبرها أنه امتلك أغلى مالديها وستعود لتسترده قريبًا. قال حمزة وهو يترك يدها: “مع السلامة.”
سادي أنت في عشقك وخاضعة أنا لعذابك. فقد أتيت بقلبي لك، وسأعود بدونه معك. استقلت الحافلة جالسة جوار النافذة تنظر إليه من خلف الزجاج وهو ينظر إليها وهو ساند على سيارته ينفث من سيجارته بشراهة ناظرًا لعيناها بقوة. وميض حدقتاه يزداد توهجًا مريعًا مطلع. لكن في عيناها العاشقة هو أوسم رجل في الكون! تحت أشعة الشمس كان وسيما وهو ينفث سيجارته بمنتهى الشراسة اللذيذة. وعيناه من شدة غضبه منها تكاد تبتلعها في جحيم أبدي؟!
معتوه قلبها عندما يحب. معتوه هو ومن يحب. انطلقت الحافلة أمام عيناه فالقى السجارة ودعسها بحذائه ثم نظر لها نظرة أخيرة وهي كذلك. …………………………………………………………………. وقفت أمام باب شقة فخمة في قلب حي سكني راقي. عدلت حقيبة ذراعها واتكأت على جرس الباب منتظرة بأعصاب مشدودة وقلب مذعور. فُتح الباب بعد لحظات وظهرت أمامها (مهجة) التي كانت تمضغ العلكة في فمها بميوعة وهي تنظر إليها ودهشة ارتسمت على ملامحها عندما أبصرتها:
“معقوله. شهد عندنا. ازيك يا شاااهد.” قالت شهد بملامح متبلدة: “بابا جوا.” أتى صوته القوي من الداخل: “مين يابت يا مهجة.” سندت مهجة على حافة الباب بميوعة: “دي شهد بنتك ياسيد الناس. ادخلها.” قالتها وهي تنظر إلى شهد بلؤم. فالقت شهد عليها نظرة باردة من أول رأسها حتى أخمص أقدامها حيث ملابسها الفاضحة. بقميص قصير أحمر داكن يعلوه مئزر حريري. تطلق شعرها حرًا وحمرة شفتيها ملطخة حول ثغرها ويبدو أنها أتت في وقت غير مناسب!
أحمر وجه شهد عند تلك النقطة بحرج وأسبلت أهدابها تنوي المغادرة خصوصًا بعد أن تأخر والدها بالرد فهذا يعني أنها غير مرحب بها هنا. عفوًا منذ متى وهو يرحب بها في حياته أساسًا؟ شعرت بوجع حارق في صدرها وشعرت بغمامة من الدموع على وشك التجمع في مقلتاها. فسحبت نفسًا قويًا وهي تحارب هذا الضعف بصمتها الراقي. كملكة من زمن ولى كان الصمت الراقي جمالًا والخنوع جلالة محببة أشياء متكلفة كانت تخفي خلفها حروب نفسية لا يعلم به إلا الله!!
“دخّليها.” وقبل أن ترحل سمعت صوته القوي يأمر دون أن يرد أمره. دلفت إلى الشقة لأول مرة تنظر إلى الزوايا بعينين باردتين ومهجة تصطحبها لمكانه حتى وقفت أمامه بعد أن أبصرته. جالسًا على الأريكة باسترخاء يشرب من الأرجيلة بمزاج رايق. وبعد تبادل النظرات بينهما سألها هو بعينين ثاقبتين: “خير. في حاجة حصلت؟ لم يكلف نفسه بأن يسمح لها بالجلوس بل سألها وهي واقفة مكانها بمشاعر باردة تماثل نظراتها عليه. قالت شهد
بقوة يشوبها اتهام صريح: “طقم الألماس اللي عاصم جابهولي امبارح. مش لاقياه.” سحب من مبسم الأرجيلة ببطء ومزاج وهو يرمقها بعدم فهم: “طب وأنا مالي. جيالي ليه. ما تسألي اللي في البيت. يكونش أخوكي خده. الطقم غالي واكيد زغلل عينه.” قالت بعصبية مكتومة: “حمزة ميـعملش كده.” أخرج الدخان من فمه بمنتهى اللذة وهو يدعي التفكير: “يبقى كيان. ولا تكنش قمر. ماهو مش هيطلع بينكم.” ألقت اتهامها بقلب مذعور: “انت اللي خدته مش كده؟
برق عثمان بعينيه وبملامح تنذر بالشراسة استفسر: “انتي جايه لحد هنا تتهميني بسرقة يابنت كريمة؟ قالت برجاء وهي ناكسة الرأس: “يابابا لو سمحت. لو سمحت لو الطقم معاك أديهوني. أنا هخده منك أرجعه ليه والله. أنا مش عايزاه خلاص.” مط عثمان شفتيه بجزع: “قولتلك مش معايا. إيه مش مصدقة؟ انعقد حاجباها بعصبية أكبر: “هيكون مع مين. هيكون مين اللي خده غيرك؟ عيل صبره فـتافف قائلًا بضجر:
“دي برضو بتتهمني بسرقة. بسرقة حاجة اختفت من بيتي. مش مكسوفة من نفسك؟ ثم ألقى مبسم الأرجيلة بعنفًا مستهجنًا: “عكرتي مزاجي. الله يعكر مزاجك. غوري من وشي وحلي مشاكلك بعيد عني. دا إيه الصباح الزفت ده.” ارتدت شهد للخلف خطوة. فصاح عثمان مناديًا: “بت يامهجة تعالي رصي الحجر عدل يا بت.” أتت مهجة سريعًا بتغنج: “عيني ياسيد الناس.” ثم انحنت جالسة أسفل قدميه. فمطت شهد شفتيها مزدرية. بينما قالت مهجة بخبث:
“صحيح مبروك الخطوبة ياشهد. لسه عارفه من أبوكي دلوقتي.” لم ترد عليها شهد بل ألقت عليها نظرة محتقرة وغادرت سريعًا دون إلقاء كلمة واحدة. فقالـت مهجة من خلفها بتصنع: “ياشهد طب اقعدي اشربي حاجة.” أوقفها عثمان بوقاحة بعد أن انغلق باب الشقة بقوة: “سيبك منها. كنا بنقول إيه؟ ……………………………………………………………
عندما دخلت الشارع شعرت بأن العيون تترصد لها. كلما رفعت عيناها على أحد بالخطأ تراه ينظر لها بقوة مقيمًا إياها. وكأنهم يرونها لأول مرة. غير مصدقين بعد أن من أجرت المطعم من عاصم الصاوي أصبحت بين ليلة وضحاها خطيبته. ففي غضون أشهر التقت شبكتها عليه؟!
أزعجها جدًا تفسير نظراتهم عليها. وكأنها كثيرة عليه. شعرت بطاقة سلبية وغضب هائل يلتف حولها يخنقها. لكن كالعادة أخفت ما يعتمل بصدرها وسارت بأنف مرفوع بكبرياء كما هي عادتها دومًا أمام كل ما يحاول كسرها والتقليل من شأنها.
عندما دلفت إلى المطعم. كان مزدحم بالكثير وكالعادة الفتيات تستمر في العمل على قدم وساق بمنتهى الجد والتفاني. دلفت شهد إلى المكان وألقت تحية الصباح عليهما. ثم بدأت ترتدي المريول وتعمل بشكل روتيني لكن بملامح متجهمة جراء ما رأته بالخارج وخبر السرقة التي استيقظت عليه صباحًا. كلها أشياء توضح أنها والفرح نقيضان في حرب باردة؟! اقتربت منها خلود تسألها باهتمام: “مالك ياشهد. قلبه وشك كده ليه؟ رفعت عيناها على خلود فوجدت
فتاة من خلفهما تقول بجذل: “مبروك ياشيف. فرحنالك أوي والله.” اغتصبت شهد البسمة قائلة: “ربنا يخليكي يافرح. عقبالك.” قالت فتاة أخرى هائمة بميوعة: “أيوه ادعيلنا ونبي ياشيف. بجوازة حلوة زي دي.” قالت الثالثة بحسرة: “اتنيلي هتلاقي منين زي عاصم الصاوي.” مصمصت الهائمة شفتيها مؤكدة: “على رأيك. هو واحد بس.” صاحت خلود بحزم توقفهن عن الميوعة: “اتلموا منك ليها. إيه هنقضيها رغي؟ كل واحدة تشوف شغلها.”
لوت الفتيات أفوههم باستهجان وتبادلا النظرات قليلاً ثم عادوا لأعمالهم. فعادت خلود تسألها: “مالك يابنتي. قلقتيني.” حركت شهد حدقتاها بملل: “هيكون مالي. اديكي شايفة.” قالت خلود بهمس: “هتاخدي على كلام العيال. دول بنات صغيرة. دا أكبر واحدة فيهم عندها تمنتاشر سنة.” هزت شهد رأسها ساخرة: “مش بس عليهم هما. أنا أول ما دخلت الشارع حسيت إن الناس كلها بتبرقلي.” وضعت خلود يدها على فمها ضاحكة. فابتسمت شهد قائلة بنزق:
“بتضحكي. طب والله أنا قولت أنا عملت مصيبة.” أكدت خلود بمرح وهي ترقص حاجباها بشقاوة: “انتي فعلاً عاملة مصيبة. لما توقعي معلم تقيل في شارع الصاوي. أكبر وأغنى وأشطر صايغ فيكي يا بلد. تبقي عاملة مصيبة. ومصيبة كبيرة كمان بس بالمكسرات.” لوت شفتيها متشدقة: “بالمكسرات؟! تابعت خلود بدهاء:
“أنا مش عارفة انتي مزعلة نفسك ليه. ما تسيبي اللي يطق يموت. هو انتي بتعملي حاجة غلط. كفى الله الشر. دي خطوبة رسمي. فهمي نظمي. عقبال الجواز وتكيدي العواذل.” هزت شهد رأسها بكأبة. فضاقت عينا خلود بشك: “حاسة إن مش ده اللي مزعلك في أي تاني. احكيلي.” هزت شهد رأسها رافضة البوح: “ولا حاجة. كله تمام. سيبيني بس أخلص شغلي وأكملي انتي شغلك. وبشري شغل البنات كده.”
عندما تركتها خلود بدأت تعمل بنشاط وشغف حتى تتناسى أمر طقم المجوهرات ولو قليلاً. لكن للأسف كانت الأفكار تتطاردها أينما هربت منها. ست ساعات كاملة متواصلة في العمل لا تكل أو تمل ولم تسترح ولو قليلاً. قد أنجزت كثيرًا مع الفتيات وانهت معهم معظم الطلبات المتراكمة عليها. لكن ما زال عقلها يدور في زوابع من الأفكار والحلول ولم تجد أكثر من الصراحة مخرجًا لها معه. لذا قررت أن تذهب إليه في محل الصاغة وتخبره بكل شيء دفعة واحدة ويحدث ما يحدث بعدها.
دلفت إلى محل الصاغة الفخم. إنها المرة الثانية التي تدلف إليه. فاول مرة كانت آتية لتعتذر له عن صراخها في وجهه عندما دافع عنها حينها. وكانت منبهرة جدًا بكل قطعة بالمكان. لكن الآن انطفأ بريق الانبهار!
فدلت للمكان دون أن تتلفت حولها وعندما وقفت أمام الصبي رحب بها بحفاوة. فبطبع يعلم بأمر الخطبة كالجميع. وقد أشار له على السلم الذهبي والذي من خلاله تصل لمكتب عاصم. لكن استأذنها فقط أن يعطي خبر له من خلال الهاتف الأرضي. وبالفعل بعد دقيقة سمح لها بالصعود إليه. صعدت على الدرج الأنيق الفخم ككل شيء بالمكان مرتدية ثوب نهاري أنيق يرسم قدها بحياء. شعرها معقود للخلف تتناثر على الجبهة الغرة الجميلة. لم تضع زينة لكن زينة الأمس ما زالت تترك أثرًا على وجهها فتجعله متورد شهيا. أتاه عطرها الأنثوي الطيب إذا به خفيف على أنفه لكن موشم في ذهنه!
رفع عيناه العاشقة عليها خلف مكتبه يراقب اقترابها بقلب مرحب بسيدة الحسن والجمال. “مساء الخير.” قالتها بابتسامة فاترة: “مساء الشهد.” فرد هو بحرارة والعين تلقي القصائد في بؤرة مظلمة لعلها تضيء ويجد الطريق لقلبها. بلعت ريقها وهي تتبادل النظرات معه بصمت فـأشار لها أن تجلس بعد لحظتين: “اقعدي. واقفة ليه.” جلست شهد. وساد الصمت مجددًا فحمحمت قائلة بحرج: “إيه أخبار الشغل.” رد بابتسامة صغيرة: “الحمد لله. وانتي.”
أرجعت خصلة من شعرها للخلف وهي تنظر إليه بعسليتاها اللامعة بالخبايا: “آه كويس أوي.” سألها عاصم وهو يرفع سماعة الهاتف: “تشربي حاجة؟ رفضت بحرج: “لا ملوش لازمة.” فُتح الخط فأمر الصبي بخشونة: “هات واحد لمون يابني. وجبلي معاه فنجان قهوة.” أغلق الهاتف وعاد لها مستفسر: “وشك ليه لونه مخطوف كده؟ في حاجة حصلت.” هزت رأسها بالنفي ثم ابتلعت غصة مسننة بحلقها قائلة بتردد:
“لا ابداً. أنا كنت جايه. أقعد معاك شوية. وأفهم منك. انت….انت اتفقت على إيه مع بابا؟ بنظرة نافذة جادة رمقها: “مش فاهم.” قالت شهد بنفس غير سامحة: “يعني أكيد تقل عليك في الطلبات.” ترفق بها قائلًا: “متشغليش بالك بالحاجات دي.” رفعت حاجبها مصرة: “إزاي يعني أنا لازم أعرف.” قال بصوت تردد صداه بهيمنة على قلبها:
“أبوكي لو طلب إني أدفع مهرك ألماس مش هرفض. عشان أنا شاري وعايزك. وبعدين أنا الحمد لله مقتدر. وابوكي معجزنيش يعني بطلباته. كلها حاجات مقدور عليها. متشغليش بالك. المهم نفرح الفرحة الكبيرة.” قالت بصوت لا معالم له: “أكيد مش دلوقتي. إحنا متفقين. هناخد وقت لحد ما نعرف بعض أكتر.” آسر عيناها وهو يقول بسخرية: “عداكي العيب. لازم نعرف بعض كويس. على الأقل تطمني من ناحيتي.” أبعدت وجهها عن مجال عيناه قائلة بعتاب:
“لو مش مطمنة من ناحيتك مش هوافق على الخطوبة. في فرق من إني مطمنة ليك وفي فرق من إني عايزة أعرفك أكتر.” تلوت زاوية شفتيه في شبه ابتسامة مدركة: “الاتنين زي بعض ياشهد. عايزة تعرفيني أكتر عشان تطمني أكتر.” لم ترد وطال بهما الصمت. فقال عاصم بملاطفة: “يعني هو ده بس اللي كان جايبك. دا أنا قولت إنك وحشتيني.” عادت لعيناه أسيرة الظلام ودفئه الذي يتسرب لها من خلاله: “دا برضو من ضمن الأسباب.” سألها بصوت أجش:
“إيه هو بقا اللي من ضمن الأسباب؟ تلجلجت قائلة: “يعني انت عارف.” “أحب أسمع.” كانت تحت سطوته يهيمن عليها بالحديث والنظرات النافذة. لذا همست بخجل: “عاصـم.” “سمعك كملي. أنا إيه.”
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!