كان وصف الرعب والترهيب وصفًا بديهيًا لمن يحكي حكاية لفيلم مخيف حضرة قبل النوم، أو لقصة استوقفته في أحد المنتديات المعروفة عن القصص الأكثر واقعية في العالم. لكن هل جرب أحد أن يصف شعوره عند حضور الموت عند النظر في عيني عزرائيل في وحشة الظلام الحالك؟ هل جربت الركوع رهبة وعجز أمام الشيطان؟ هي جربت. جسدها كله الآن يضخ عرقًا، أو موتًا. ترتجف، ترتجف وكأنها تحتضر.
تشعر بغصة حادة كالعلقم، مريرة ولاذعة كالصدى، تقف في منتصف حلقها يصعب عليها أن تزدرد ريقها في حضور راهبها. بينما أنفاسها تتلاشى بوجل، وكأنها سجينة في صندوق مظلم بلا منفذ. جالسة على عقبيها أسفله، يدها تعصر تحت حذائه القوي، تكتم تأوهها وهي تنظر إليه بخوف. والدموع تتجمع في مقلتاها بغزارة وتهبط واحدة تلو الأخرى بضعف. ضعفًا بأن يرحمها ويشفق عليها، ولأن يدها تكاد تكسر تحت حذائه.
وهو يتابع عصرها وكأنها عقب سيجارة فرغ منه للتو. بصوتٍ خفيض سألها وعيناه تنهال منها قسوة وبغض: "بتعملي إيه هنا؟ انطقي." نزلت دموعها وهي تقول بصوتٍ متقطع: "أيدي... سيب إيدي هتكسر." لم يراف بها، بل اتكأ أكثر، فصرخت مجيبة بصعوبة: "بدور على طقم الألماظ... ولقيت العقد في الدرج وخدته... قاطعها وهو يرفع حذاءه عن يدها ويسحبها من شعرها، يكاد يقتلع جذوره، رافعًا وجهها في مواجهة نظراته البغيضة:
"يعني إنتي اللي سرقة نسخة مفتاح الأوضة من سلسلة المفاتيح؟ قالت بنبرة تضاهيه بغضًا: "وإنت اللي سرقة طقم الألماظ." نفضها عنه بقرف قائلًا بتكبد: "دي أقل حاجة أخدها بعد المصاريف اللي صرفتها عليكي إنتي وأخواتك." عقبت مستنكرة: "مصاريف؟! لمعت عينا عثمان بالقسوة، فأضافت هي بنبرةٍ مزدرية:
"أنا فاكرة إن حمزة بدأ يشتغل وهو عنده اتناشر سنة، وده لأنه مكنش عارف يسعف ماما إزاي ويجبلها بقية العلاج اللي إنت استخسرت تمنه فيها وبقيت تجيب نصه تقريبًا بالعند." التوت زاوية شفتي عثمان بابتسامة باردة، فقالت هي بهدوء الصقيع: "مع إنك في الوقت ده كان معاك تسعفها وتوديها أحسن المستشفيات، لكنك أهملت فيها. كنت بتعجل بموتها بالبطيء." في وسط عتمة الغرفة والضوء الخافت الذي يكاد ينير جزءًا من وجوههم، أخبرها بكرهٍ
ينبع من عيناه القاسية: "تعرفي إن فيكي شبه كبير منها." سألته بفتور: "عشان كده كرهتني؟ بدون تردد أجاب بجفاء: "أنا كرهتك من قبل ما أشوفك." وكأنه ألقاها برصاصة سامة لم تقتلها، لكنها جعلتها تتجرع مرارة الموت. تابع عثمان بعينان تشعان قتامة مخيفة: "كنتي لعنة. وجودك بوظ كل حاجة. عجزني وخلاني أرجع أكمل في علاقة باعها من البداية." أدبر بظهره بجسد يتشنج بعصبية، فقالت شهد بعينين حمراوين غير مستوعبتان بعد: "مش مصدقة...
حبك ليها يخليك تكره بنتك، يخليك تبيع مراتك وابنك، يخليك تدمرني سبعة وعشرين سنة وتسببلي عاهة مستديمة." هتفت بغضب مكتوم: "إزاي أصلًا بتحب وانت جواك الشر والغل ده كله؟ نظر لها عثمان نظرة من المفترض أن ترعبه، لكن غضبها كان أكبر وعتابها إليه كان أقوى من أن تصمت أمامه: "طب وأنا ذنبي إيه؟ ذنب أنا وأخواتي إيه؟ أطرقت برأسها وهي تلعق شفتيها والدموع تنهمر من مقلتاها بغزارة:
"يمكن ماما غلطت إنها كملت في وضع زي ده وكان اختيارها، لكن إحنا أي هو ذنبنا في القصة دي؟ محدش بيختار أهله. وأنا وأخواتي مخترنالكش ولا اخترنا تضحيتك ليك، التضحية اللي بسببها بندفع تمنها لحد دلوقتي." نظرت إليه بعيونٍ مُندية بالدموع، وبقلبٍ مقهور قالت:
"كنت مجبور تعيش معاها تمام، خونتها مع صاحبتها يبقى أكيد لقيت فيها اللي ملقتهوش في كريمة. كلها حاجات ممكن تحصل وتنتهي بالطلاق، حتى لو أجبروك تكمل معاها. مش ذنبي ولا ذنب أخواتي ولا ذنبها إنها حبيتك، عشان تعمل فينا كل ده." قالت بنظرة نافرة من قصةٍ متعفنة النوايا: "مش ذنبنا إن إلهام بصت لمستوى أعلى وسبتك، ولا ذنبنا إنك اكتشفت في الآخر إنك خسران. خسرتها وخسرت نفسك وخسرتنا معاها."
لم يجد عثمان ردًا أمام هجوم كلماتها، فانصاع لها مقتضبًا. فتابعت شهد بابتسامةٍ متحسرة: "أنا عارفة إن خسارتنا مش فارقة معاك، ومش مهم خالص نكرهك أو نحبك. أهم حاجة تدوس علينا وتكفرنا." ثم أسرستلت بحيرة من تلك القسوة: "بس ليه؟ يعني في الآخر هتوصل لإيه؟ إحنا مش أعدائك، المفروض إننا ولادك." أشاح عثمان بوجهه. فقالت شهد بتكبدٍ يشوبه مذلة الحياة: "جربت مرة تسألنا إحنا محتاجين إيه؟
غير الفلوس اللي كنا بناخدها منك بالإكراه. حمزة ليه كان بيهرب من المدرسة؟ ليه كان بيبات برا البيت بالأيام والشهور؟ وليه كان بيرجع مدروخ بالليل ومش قادر يسند طوله؟ من كتر القرف اللي كان بيشربه." أسدلت أهدابها متذكرة تلك الأيام البشعة بأحداثها، عندما كان أخيها في سن المراهقة وخضع لتلك الممنوعات مع صحبة السوء، مجربًا أنواعًا كثيرة من السموم. لا تعرف كيف اقتلع حمزة عنها وابتعد عن أصدقاؤه وعدل عن هذا الطريق.
تتذكر فقط اليوم الذي أتى به ليلاً بملابس مبللة من آثار الأمطار، دلف حينها إلى الحمام بدل ملابسه، توضأ وصلى وسجد لوقتٍ طويل يبكي. وعندما سألته وقتها أخبرها أنه كان على وشك أن يرتكب ذنبًا كبير، لكنه تراجع ونجاه الله في الوقت المناسب. أضافت شهد بوجع: "وجه وقت على كيان مكانتش بتخرج فيه من أوضتها شهور. جربت تفسر نظرتها ليك؟
زار الاكتئاب كيان أكثر من مرة في فترة المراهقة والجامعة على مراحل متباعدة، وفكرة الانتحار كانت تحوم حولها دومًا، لولا تراقب شهد لها لكانت استسلمت كيان لأحد نوبات الضعف وتركت شيطانها يقودها للجحيم. تابعت شهد الحديث وكأنها تمضغ الحصى قبل أن تقذفه عليه: "طب أنا فكرت مرة فيا. كرهك ليا وكلامك الوحش عني ومعايا هز قد إيه ثقتي في نفسي. بقيت كل يوم أقف قدام المراية أبص على نفسي وأقول: هوانا بابا ليه بيكرهني أوي كده؟
بابا ليه بيتمنالي الموت؟ نزلت دموعها وهي تضيف بوهن: "من قبل ما ودني اليمين تتصاب، وألبس السماعة، وأنا كنت حاسة إني مش زي أي بنت. حاسة نفسي وحشة ومنبوذة، بس بسبب نظراتك وكلامك ليا." مسحت دموعها بظهر يدها قائلة: "بيقولوا دايماً إن البنت حبيبة أبوها، وبيكون أقرب حد ليها أكتر من أمها. في مرة في المدرسة الأستاذة كانت بتوقف الطلاب وبتسألهم إيه هو الأب في حياتكم."
"والإجابات كانت مختلفة من طالب للتاني، في اللي قال سند، وأمان، وحماية. ولما جه الدور عليا لقيتني بقولها بكل عفوية ولصغر سني: كابوس." اهتزت حدقتا عثمان. فتابعت شهد تتجرع الألم ببطء: "الأب في حياتي هو كابوس. لو زارني مرة ما أحبش أشوفه تاني. ولو الكابوس اتكرر في حياتي أكتر من مرة، ده معناه إن الموت بيزورني كل دقيقة وكل ثانية." بللت شفتيها وهي تأخذ أنفاسها بصعوبة:
"يمكن كلامي وجعك، بس إنت مقدمتش ليا غير الوجع. عمرك في يوم حضنتني يابا؟ طبطبت عليا؟ قالت بصوتٍ لا معالم له من كثرة الأوجاع: "سألتني مالك؟ إيه اللي وجعك؟ إيه اللي تعبك؟ إحنا التلاتة كنا محتاجينلك أوي في كل مرحلة من عمرنا. كنا مستنينك تفوق من وهمك وترجع تلمنا حواليك بجد، مش مجرد إنك تعايشنا في شقة وتدينا قرشين." فهزت رأسها بنزق قائلة بتهدج:
"لكن إنت معملتش كده، ففات أوان إننا نستناك، ومبقاش فارق معانا أصلًا. إنت بنيت سور بينا، وإحنا ساعدناك بعد كده إنك تعليه." عندما توقفت عن الحديث بدأت تنهت وصدرها يعلو ويهبط بأنفاسٍ مضطربة، والوجع ينخر في جوف الفؤاد. بينما قال عثمان بصوتٍ خالٍ من الرحمة: "مرفعة حلوة عجبتني، بس مدخلتش ذمتي بنكلة." اقترب منها وفرد كفه أمامها بسطوة، أمرًا بترهيب: "هاتي العقد والمفتاح، وأنا هكون رحيم بيكي وهعديلك كل اللي سمعته ولي عملتيه."
رفضت وهي تضع قبضة يدها خلف ظهرها: "أنا مش هديلك العقد، أنا هاخد العقد وبقية الطقم." كبلها عثمان بيداه بقوة قائلًا بغضب: "يبقى عايزة تموتي؟ وحشك الضرب وقلة القيمة، زيك زي اللي جابتك مكانتش بتمشي غير بكده." كانت تحاول الفرار من بين يديه وهي تقول بعنفًا: "دي حاجاتي وملكيش أي حق إنك تسرقها مني." هتف عثمان ببغض: "ولا وبقا ليكي حق يا بنت كريمة! لا وجاية تحاسبيني وتسرقيني كمان! هاتي العقد يا بنت ****."
سحب العقد من بين قبضتها بصعوبة، ثم ألقاها خارج الغرفة بعد عدة دفعات: "الأوضة دي متتدخليهاش تاني، اخرجي برا، برا يا بنت الكلب." أغلق الباب في وجهها. فشعرت في تلك اللحظة وكأنها جثة مجمدة ملقاه في أحد الخزائن تنتظر تصريح الدفن. فعلمت أنها لم تُنبذ مرة واحدة لسوء توقيتها لنزولها الدنيا بين والدين أوشكا على الطلاق، فربطت هي العلاقة بوجودها غير المرحب به، فكانت لعنة كما أخبرها الآن، لعنة تستحق النبذ طوال عمرها.
لم يحرك حديثها مشاعره، بل لم يرى وجعها المثخن بجراح الماضي، وكأنها كانت ضبابية بأوجاعها ودموعها كانت ضبابية أمام عيناه الكارهة. *** حانت منه نظرة عليها فوجدها تنام بجواره، تلف جسدها العاري بالغطاء، غارقة في نومٍ عميق بعد ليلة أمس العاصفة بالحب والحميمية المتبادلة بينهما. لانت شفتاه في ابتسامة صافية رائقة وهو ينظر لسقف الغرفة، مفكرًا في أحداث ليلة أمس بتفاصيلها.
كانت كقطعة هُلام ذائبة تحت حرارة أفعاله، تلين مع قبلة تذوب مع همسة، تئن باسمه بين الحين والآخر حتى لا يتركها لضعفها. جسدها كان مغويًا، همسها كان متغنج، تأوهاتها كانت تطرب جسده المحموم في حضرتها. اشتعل بأفعالها، جن بقربها، فكان ينسى أحيانًا أنها المرة الأولى لها. كان همجيًا في قبلاته، شرسًا في لمساته، وقحًا في همساته. ورغم ذلك كان يروقها، كان واضحًا أنها تحبه في كل حالاته وتتقبلها بترحاب.
ذاب في قطعة من الجنة بين ذراعيها. كانت جميلة فاتنة، قدّها الأنثوي شديد النعومة غض، معطرة بالورد، إنها امرأة معجونة بالورد هكذا يراها. لم يتوقع أن تنتهي الليلة وهي ترتاح في أحضانه عارية بعد جولة طويلة منهكة من ممارسة الحب بينهما لأول مرة. أين كانت تلك الصغيرة أمام عينيه؟ منذ عامين فقط كان يظن أنه سيسلمها لزوجها بنفسه. كان غبيًا حينها، فمن سيحظى بالمدللة سواه؟ هي امرأته وابنته وحبيبته.
هي النصف الذي كان يبحث عنه في بيوت الأغراب ونسي أن يفتش في بيت عمه عنه. لكنه وجدها الآن وأصبحت في أحضانه، فعليه البدء من جديد، وقبلها يمزق تلك الصفحة التي تنغص حياتهما معًا. سمع تأوهًا بجواره وتقلبها على جانبها، واضعة كفها على صدره العاري. فخفق قلبه وازدرد ريقه والرغبة تلح من جديد. لم تكتفِ، بل بدأت تتحسس صدره وهي تئن بتعب: "سلطان بس... ابتسم سلطان وهو يمسك يدها بين قبضتيه بامتلاك:
"أنا جيت جمبك، إنتي اللي جايبة إيدك عندي." فتحت داليدا عينيها الناعستين تنظر إليه بألقٍ حميمي لم ينطفئ منذ ليلة أمس. عضت على شفتها وهي تنظر إلى صدره العاري ثم لجسدها أسفل الغطاء. فشهقت وهي تختبئ تحت الغطاء، محاولة إلا تتذكر جنونهما ليلة أمس. ففعل مثلها وهو يضحك، ثم ضمها إلى صدره هامسًا بجوار أذنها: "صباحية مباركة يا عروستي."
قبل عنقها ثم وجنتيها الاثنين، ثم سحق شفتيها في قبلة طويلة وعميقة، جعلتها تغمض عينيها مستجيبة له بضعف وجسدها يعرف سلطانه، يسلم الرايا دون ذرة مقاومة. أحاطت عنقه بيدها مداعبة شعره بأصابعها بدلال، وهو يلتهمها بأسنانِه وشفتيه. ضحكة داليدا وهي تحاول أن تتخلص من هذا الإعصار الجارف الذي يسحبها إليه دون إرادة منها. ضحكتها وتملصها منه لم يدوم إلا ثواني، ووجدته يشرف عليها بجسده الرجولي الضخم هامسًا بشقاوة:
"ما تيجي نلعب عريس وعروسة تاني، أنا حبيت اللعبة أوي." عضت على شفتيها وفلتت ضحكة رنانة من بينهما. ففقد صبره أمام أنوثتها الباذخة وافتتن أمام نظرة عيناها الضاحكة، فمال عليها يرتشف من حمرة شفتيها رشفة تلو الأخرى حتى ثمل منتشيًا في أحضانها. *** كانت ترتدي قميصًا حريريًا طويلًا يزين بالريش الناعم من عند الكتف وشريطٍ يحيط خصرها النحيل. تطلق شعرها المندي قليلًا خلف ظهرها بانسيابية.
كانت شهية هذا الصباح، متوردة بروحٍ متوهجة بالحب. تقف هكذا تعد الفطور وعلى ثغرها ابتسامة رائعة تعبر عن روعة مشاعرها بعد ما حدث بينهما. الأمر أشبه بحلم وردي جميل تتمنى ألا تستيقظ منه أبدًا. حانت منها نظرة على باب المطبخ فوجدته يدلف إليها وهو يرتدي طاقمًا رياضيًا أنيقًا ويضع المنشفة حول عنقه بإهمال، وخصلات شعره تقطر ماءً. اقتربت منه داليدا بعفوية، ووقفت على أطراف أصابعها، ثم سحبت المنشفة وجففت بها شعره وهي تقول بعفوية:
"كده هتبرد على فكرة." سحبها من خصرها والصقها في جسده قائلًا بمزاح: "طب نشفي كويس لحسن أنا مناعتي ضعيفة." ضحكت وهي تنظر إلى جسده الضخم بشك. وكأنه قرأ ما سطّر في عينيها، فقال ببراءة: "المناعة ملهاش دعوة بحجم الجسم." قالت بوجنتين متوردتين: "بس إنت مناعتك كويسة." بنظرةٍ عابثة أخبرها وهو يميل على وجهها: "مين قالك؟ ده مناعتي ضعيفة أوي بالذات قصاد الحاجة الحلوة." دفعته في صدره وهي تبتعد عنه بخجل:
"بطل بقا، وتعالى اعمل معايا الفطار." "ومالوا؟ عروسة ولازم تدلع." أتى رده سريعًا وهو يرفعها بخفة بين يديه واضعًا إياها على رخامة المطبخ. شهقة داليدا بصدمة: "بتعمل إيه ياسلطان؟ "هعملك الفطار، خليكي هنا." قالها وهو يطبع قبلة سطحية على شفتيها، ثم أخذ ثمرة خيار ووضعها في يدها قائلًا: "وخدي دي اتسلي فيها لحد ما أخلص." ضحكت وهي تقضم من الخيارة سائلة بشك: "متأكد إنك هتعرف تعملنا فطار؟ قال سلطان وهو يقوم بفتح
الخبز ووضع الجبنة بداخله: "مش هغلب يعني، رغفين سايحين في جبنة تركي وكوبايتين شاي. عايزة حاجة تانية؟ هزت رأسها بابتسامة شهية: "لا كده تمام أوي." ركز فيما يفعله، فبدأت هي تمضغ الخيار وهي تتابعه بعينيها. ثم بعد لحظات نادته بدلال: "سلطن... كان رده همهمات خشنة. فتابعت داليدا: "إنت إجازة النهاردة مش كده؟ نظر لها بعد أن وضع الخبز بالجبنة في الميكرويف: "المفروض أنزل كمان ساعة." مطت شفتيها قائلة:
"لا خد إجازة النهاردة، وخرجني بالله عليك." اقترب سلطان منها ووقف أمامها قائلًا وهو يلف خصلة من شعرها المندي حول إصبعه: "أنا افتكرت عاوزاني آخد إجازة عشان نقعد مع بعض أكتر." "ما إحنا برضو لما نخرج هنبقى مع بعض. سلطن أنا زهقانة وعايزة أخرج." قالتها وهي تئن بدلال. سألها سلطان: "وعايزة تخرجي فين بقا يادودا؟ هتفت بابتسامة متوهجة وعينين براقتين: "مركب في البحر، نقضي فيها اليوم، إيه رأيك؟ "موافق، بس نفطر الأول."
قالها وهو يتجه إلى الميكرويف، ثم أخرج طبق الخبز بالجبن ووضعه أمامها. "إيه حكاية الريش ده؟ ضحكت داليدا وهي تعبث بريشات الناعمة على كتفها، قائلة بعفوية شهية: "إيه رأيك؟ كنت هموت وألبسه في قمصان نوم كتير أوي عجبتني ومكنتش عارفة هلبسها إمتى." لمعت عيناه بألق النشوة، فقال بوقاحة: "اديكي هتلبسيهم، عايز أتفرج عليهم كلهم. ما تيجي نعمل بروفة، وأهو أقولك مين فيهم أحلى من التاني." قالت داليدا بحرج: "لما نرجع من الخروجة الأول."
"طب يلا بينا." "خلصت." "أسهل وأسرع فطار." أشار على الطبق بجوارها. فمسكت لقمة من الخبز وأكلتها فقالت هي تمضغها بصعوبة وعلى عجلة: "مم... سخنة أوي بس طعمها حلو، تجرب؟ نظر إلى جانب ثغرها الملطخ بنقطة جبنة صفراء ذائبة شهية للجائع. لم يقاوم كثيرًا، فباغتها مائلًا عليها في لحظة، وامتصها بلسانه وشفتيه بشهوانية جعلت داليدا تجفل وتتوقف عن المضغ. رفع سلطان عيناه إليها مدعي البراءة وهو يتلذذ في طعم الجبنة على لسانه: "مم...
الجبنة سايحة أوي." عضت على شفتيها وهي تبتلع اللقمة بصعوبة وقلبها يخفق بجنون. *** كان يبحر بهما المركب في زُرقة المياه، كان المنظر خلاب سلبها من الوهلة الأولى. وضعت يدها في الماء وحركتها بسعادة وهي تنظر إلى سلطان الجالس بجوارها يتأملها تارة، وتارة أخرى يتأمل المكان من حوله، والابتسامة تزين محياه. ابتسمت داليدا بسعادة وهي تتمتع بالنظر إلى الطبيعة كذلك، حيث امتداد البحر من حولهما وبعض المراكب مصفوفة في نقطة بعيدة.
الهواء المنعش الممزوج برائحة البحر المالح، زرقة السماء الصافية المنعكسة على البحر، جو مبهج جعلها تقف مبهورة أمام إبداع الخالق. "مبسوطة يادودا؟ سألها سلطان وهو ينظر لها، فكانت متأنقة بثوبٍ ربيعي جميل والحجاب ملتف حول وجهها بجمال زادها نضجًا وبهاءً. اتسعت ابتسامة داليدا حتى شملت وجهها وهي تقول بعفوية: "أوي أوي ياسلطان. مش أول مرة نركب مركب سوا، فاكر لما كنت بقعد أزن عليك في الأعياد عشان أركبها؟
أومأ برأسه وهو يمُط شفتيه مستهجنًا: "فاكر وفاكر إنك في مرة روحتِ من ورايا وركبتيها مع بنات أصحابك." ضحكة بلؤم قائلة: "قلبك أسود لسه فاكر. الكلام ده كان من تلات سنين." لم تلن ملامحه عندما قال: "ولو بعد عشر سنين هفضل فاكر. يومها رجعتي هدومك كلها ماية." قالت داليدا بتذكر وهي تعقد حاجبيها بأسى: "اختل التوازن بتاعنا على المركب، تلاتة من صحابي واقفة مرة واحدة عشان يغيروا مكانهم، هوب... لقينا نفسنا كلنا في الماية."
زم شفتيه معقبًا: "من عملكم سلط عليكم." أضافت عيناها بشقاوة قائلة: "ده عشان روحت من وراك بس. واضح إنك كنت بتدعي عليا." "طول عمرك عنيدة وتعباني." خبط سلطان على ركبته بخفة وهو ينظر للمركب الذي يوليهم ظهره. فقالت داليدا بجدية: "لا بس الكلام ده كان من تلات سنين ياسلطن. أنا دلوقتي عقلت وبقيت أسمع الكلام." عقب بنبرةٍ واهية: "بكرة نشوف. المواقف هي اللي بتبين، وبالذات معاكي إنتي." هتفت داليدا بثرثرة لذيذة:
"ما هو إنت برضو غريب. ليه مرة واحدة كده قولتلي مفيش ركوب مركب ومفيش روحة للبحر؟ كان لازم تفهمني عشان أعذرك وأسمع كلامك." لكزها في كتفها قائلًا بتسلط: "تسمعي الكلام غصب عنك، مش هبررلك أنا كل حاجة." ضحكت داليدا مصرة: "لا بجد، ليه مرة واحدة قولتلي مفيش روحة للبحر تاني؟ لوى شفته مستهجنًا: "عشان المشاكل اللي بعملها بسبب حضرتك. ولا ناسيه إن أي عركة كانت بتحصلي بسبب معاليكي." قالت بابتسامة عذبة:
"مش ناسيه، بس إنت كنت بتضربهم من أول بصة." هتف باستنكار: "لا استنى لما يبحلق فيكي." هزت رأسها بنفي موضحة: "مش القصد بس ممكن تكون نظرة بريئة." عقب بسخرية لاذعة: "مفيش راجل بيبص لواحدة نظرة بريئة، إلا لو كانت الست الوالدة هتفرق." ضحكت بعذوبة وهي تنظر للبحر الممتد أمامهم: "مش مصدقة إن بعد دا كله اتجوزنا." "ولا أنا." رد بحيرة ناظرًا لأبعد نقطة تبصرها عيناه. نظرت إليه بتساؤل: "أوعى تكون ندمان."
نظر لعيناها التي تلمع كالحجر الأسود تحت شمس المغيب: "أخاف إنتي اللي تكوني ندمانة بعد اللي حصل بينا امبارح." تخضبت وجنتيها فقالت بإنكار: "أكيد مش باين عليا الندم، بدليل إني طلبت نخرج النهاردة ونغير جو." عقب بدهاء: "لو مش ندمانة، تبقي مبسوطة." "إنت ليه مصمم تحرجني ياسلطان؟ ازداد احمرار وجنتيها، فشاحت بوجهها بعيدًا عن محور عيناه. فمسك كفها قائلًا بجدية وعيناه تجوبان على ملامحها وعيناها بتأنٍ:
"عايز أعرف إنتي عايزاني زي ما أنا عايزك ولا لأ." رمشت بعينيها جافلة: "عندك شك في ده؟ هز رأسه بصلابة: "مفيش حاجة عملتيها تثبت ليا العكس." غامت عيناها بالحزن وهي تنظر إليه بدهشة تشعر بأنها تعود معه لنقطة الصفر من جديد. فقال سلطان بعد لحظة بصرامة: "بلاش البصة دي ياداليدا، أنا عايز نحط نقطة ونبدأ من أول السطر. قولتي إيه؟ "قولت ياما إنت غبي يا إما بتتغابى." نداها بحزم: "داليدا... فقالت بتبرمٍ خافت وهي ترمقه شزرًا:
"إزاي مش فاهم يعني كل ده؟ معقول هسلم لك من غير ما أكون واثقة ومُتأكدة إني هكمل معاك للآخر؟ أنا كمان عايزة أبدأ معاك من جديد وننسى اللي فات." سألها بشك: "متأكدة؟ أومأت برأسها بعنفوان: "مُتأكدة مية في المية إني عايزة أفضل معاك العمر كله. عايزة أفضل معاك لحد ما أشيب." ابتسم سلطان فقالت هي بدلال: "قولي صحيح لما أبقى عجوزة، هتفضل تحبني؟ برم سلطان شفتيه مستنكرًا:
"مش عارف بصراحة، بس أكيد أنا هبقى قفة في شوال فرق خمسطاشر سنة برضو." انكمشت ملامحها بضجر: "إيه التشاؤم ده؟ ضحك سلطان وهو يلف ذراعه حول عنقها بقوة ويضمها إليه هكذا: "خلاص افردي وشك ده، هفضل أحبك حتى لو بقيتي مركبة طقم سنان. حلو كده؟ سعلت داليدا وهي تحاول أن تتخلص من ذراعه: "هتخنقني ياسلطان." حل سلطان وثاقه عن عنقها قائلًا بجزع: "إنتي بسكوتة كده ليه؟ انشفي كده، هتتخنقِ من حضن؟ برمت داليدا شفتيها ممتعضة:
"إنت بتسمي ده حضن؟ ده أنا نفسي راح." ابتسم سلطان بسخرية وهو يشد الوشاح ليغطي بشرة عنقها الظاهرة: "عدلي الطرحة دي، مش بطوليها ليه؟ عدلت حجابها قائلة بعفوية: "هي الموضة كده." رمقها سلطان بامتعاض قائلًا: "يبقى اسمي موضة بقا مش حجاب. فكري تلبسي الخمار أحسن، أو النقاب هيبقي أحلى." رمشت بعينيها بعدم تصديق: "النقاب؟! إنت بتتغير ولا إيه؟ أومأ برأسه وعيناه تبث شعورًا حميميًا في نفسها: "مش عايز حد يشوفك غيري."
ابتسمت بخلاء متدَللة: "محدش بيشوفني غيرك، ومش بخرج غير معاك." هربت من عيناه وهي تثرثر بجذل: "قولي ياسلطان لما أبقى عجوزة، هتخرجني كده وهتجبلي الأكل اللي بحبه؟ تبسم سلطان قائلًا بعينان تفيضان عشقًا: "هعملك اللي إنتي عايزاه من دلوقتي، مش لازم لما تعجزي. المهم تفضلي في حضني." تسارع نبض قلبها فوضعت يدها على صدره النابض بقوة في حضرتها، وقالت بتغنج: "وأنا عايزة أفضل في حضنك العمر كله. إيه رأيك؟
سحبها لاحتضانه برفق وضمها إلى صدره بضعف هامسًا بعاطفة جياشة بالقرب من أذنها: "رأيي إني بحبك... بحبك أوي يا دودا." أغمضت عينيها وجسدها ينصهر بين ذراعيه القويتين وقلبها يتجاوب مع خفقات قلبه العالية أسفل أذنيها. والبحر والنسيم وشمس المغيب جميعهم يشاركا قلبها لحظة موثقة بروعة الحب. إنها التكامل التي كانت تبحث عنه سابقًا وأخيرًا حظت به مع شخصٍ لم يمر على المخيلة يومًا ولو بالخطأ.
إنها طلاسم الحياة، واختيارات القدر، فلم يكن يومًا على الحب سلطان، وليس كذلك على النسيان حاكم. إنها الحياة وطلاسمها المعقدة. *** تطلعت إلى يدها بعينين باردتين، فقد ربطت كفها بضمادة طبية تساعد في تخفيف الكدمة الزرقاء التي نتجت عنها أمس بعد أن دعست أسفل حذاء والدها بتجبر دون ذرة رحمة منه. اتكأت على موضع الألم وهي تغمض عينيها بقوة. هذا الوجع لا يضاهي وجع قلبها وروحها الملتاعة بالأحزان.
كم هو مؤلم البوح لمن خلى قلبه من الإنسانية، لمن مات شعور الأبوة بداخله، لمن ظن أنه لن يدفع فاتورة ظلمه وتجبره يومًا. لو كانت تشكو لجماد لكان رحمها بصمته وقدم المواساة بنفس الصمت. أحيانًا يكون في الصمت رحمة، في الصمت غاية. نجد في الصمت أنفسنا، نعترف بالأخطاء ونكتشف الحلول، إذ طال الصمت، في الصمت مؤازرة لا يدركها إلا من اعتنق الصمت بصبر. شعرت بيدٍ حانية تلامس ضمادة يدها وتعانقها بحنان.
ففتحت عينيها الباردتين وعطره كشف عنه، وخفق قلبها قبل أن تبصره بنظراتها. "عاصم... همست باسمه وهي ترمش عدة مرات وكأنها تُنعش جزءًا بداخلها قد مات ليلة أمس. "مالك ياشـهـد... ومال إيدك؟ وكأن صوته بلسمٌ يداوي جراحها. تركت يدها بين راحته، وكأنهما يجلسان بقلب المطعم على أحد الطاولات الشاغرة والمنعزلة قليلًا، ولأنهما كانا صباحًا، فكان عدد الزبائن أقل. قالت وهي تهرب من محور عينيه: "وقعت عليها امبارح بليل." سألها بحاجبٍ معقود:
"إزاي؟ عضت على باطن شفتيها وهي تخبره: "صُحيت أشرب الفجر واتكعبلت، فوقعت عليها." قلب في كفها برفق: "وحصلها حاجة؟ أجابت بفتور: "كدمة بسيطة." أسرع عيناه بنظرة ثاقبة: "مُتأكدة إن هو ده بس اللي حصل؟ عنيكي بتقول غير كده." تدرك كم هو صعب أن أحكي لك عن أسراري، ممن أشكو لك يا عاصم؟ من والدي، ماذا أخبرك عنه أكثر مما أخبرتك به؟ يكفي أن أخبرك بأن أبي طامع في مالك، فهل يجب أن أخبرك أيضًا بسنوات شقائي معه؟
هل عليَّ أن أبوح لك بحرماني من أقل الحقوق كابنة؟ هل أفصح عن أمر إصابة أذني اليمنى وأخبرك عن تفاصيل الحادث وأن السبب هي زوجة عمك، عمتي أساسًا هي عشيقة والدي سرًا، وقد خانت أمي وغدرت بها يومًا تحت مسمى الصداقة؟ أم أخبرك أنني رغم حبي لك أحاول أن أصل لها عن طريقك لأنتقم؟ قالت بهدوءٍ ميت: "حصلت مشكلة بيني وبين بابا... وشدينا مع بعض شوية." انكمشت ملامحه عابسًا: "بسبب... قالت مقتضبة: "طقم الألماظ." تافف عاصم قائلًا بضيق:
"ما خلصنا من القصة دي ياشهد. قولتلك إني هعوضك بس لما نتجوز. أي لازمتها تفتحي الموضوع ده تاني معاه؟ لمعت عيناها الباردة: "لأني لقيت العقد في أوضته." هز رأسه مستفسرًا: "وبعدين؟ لوت شفتيها مستهجنة: "زعق معايا وطردني من أوضته." سألها بتعجب: "لدرجادي؟ أومات برأسها بأسى ويدها المصابة مازالت بين راحتيه: "علاقتنا من زمان كده... عمرها ما كانت عادية... على طول في بين حروب مش بتنتهي." مسد على يدها بحنان قائلًا:
"بكرة ينتهي كل ده لما نتجوز، وهعوضك عن كل حاجة." سألته بشك: "تفتكر؟ ابتسم ابتسامة عميقة جذابة وهو يخبره بعطف: "مش هتكلم كتير عن نفسي. بكرة لما نتجوز هتعرفي. إحنا هنكون عوض لبعض ياشهد." وكأنه عانق روحها الباردة بعدة كلمات، فشعرت بدفء الحب يتسلل إليها عبر تلك العيون النافذة بحب وحنان العالم. فأضاف عاصم ويداه تمسد على كفها المصاب، وعيناه تبث عدة مشاعر هي كل ما تحتاج إليه الآن:
"أنا شايف فيكي أهلي وحياتي ياشـهـد. إنتي دنيا جديدة عايز أعيشها. وإنتي كمان لازم تشوفيني حبيبك وسندك وأخوكي وأبوكي وكل حاجة ليكي في الدنيا. ولا إيه ياست الحُسن؟ جميل هذا الشعور، لكنه مخيف. سحبت يدها وهي تقول بحياء: "أكيد. تحب تفطر معايا؟ أومأ برأسه بهدوء: "ومالوا؟ نفطر ونروح مشوارنا." لاحت علامات الاستفهام على محياها: "مشوار إيه ده؟ أخبرها ببساطة وعيناه لا تحيد عنها: "شقتك. مش المفروض تشوفي شقتك وتقولي رأيك فيها؟
عشان مهندس الديكور يبدأ يشتغل ويشوف حبا تعملي إيه فيها." فغرّت شفتيها قائلة بتعجب: "شقتي؟! أنا كنت فاكرة إنك هتعيش في بيت العيلة." وضح عاصم بهدوء: "بيت العيلة هيفضل مفتوح هنروح ونيجي عليه طبعًا. بس الشقة لينا هتكون خصوصية أكتر عشان نبقى براحتنا من غير إزعاج. ولا إيه؟ احمرت وجنتيها وعضت على شفتيها جراء هذا التلميح العابث، فغمغمت بحرج: "مم... واشتريتها إمتى الشقة؟
رأته ينظر لشفتيها الحمراوين للحظات بجرأة لم تعهدها عليه من قبل، ثم أجابها: "من فترة قصيرة. المهم هتيجي معايا تشوفيها ولا لأ؟ نظرت لسطح الطاولة بتردد: "هقول لحمزة عشان يجي معايا." بنظرةٍ جادة أخبرها بخشونة: "واضح إنك ناسيه إننا كتبنا الكتاب من كام يوم." اهتزت حدقتاها بتردد: "مش ناسيه بـ... قاطعه وهو يلتهماها بنظراتٍ مبهمة: "لا ناسيه، بس أنا هفكرك متقلقيش." رمشت عدة مرات بوجل: "مش فاهمة الجملة دي. تقصد إيه؟ أسدل
أهدابه وهو يقول بهدوء: "أقصد إني جعان. هتفطريني ولا نفطر برا؟ لوت شفتيها باستياء: "على أساس إنك بتاكل برا، هقوم أحضرلك الفطار بنفسي." عندما نهضت مبتعدة عنه، زفر زفرة الظَمأ، وما أصعب الظَمأ إلى الهوى. *** أدار المفتاح في الباب ومن ثم فتحه مشيرًا لها بابتسامة رائعة: "سمي ياست الحُسن، وادخلي برجلك اليمين شقتك." أومات برأسها مبتسمة ومن ثم خطت بقدمها اليمنى باسم الله.
تطلعت في زوايا الشقة الفارغة، فكان موقعها رائعًا، قريبًا من البحر، تراه من شرفة منزلها على بعد مساحة. شاسعة الشقة ومساحتها منظمة بشكلٍ رائع وفخم، تؤهل لعمل ديكور عصري كما تشاء. بدأ عاصم يعرفها على كل ركنٍ بالشقة والغرف الموجودة بها، وكانت معه مأخوذة بانبهار، فتلك كانت شقة أحلامها بمساحتها وموقعها القريب من البحر. رسمت معها الأحلام في كل ركنٍ بها.
وجودها هنا وتلك الأحلام التي تطرقت إلى عقلها جعلتها تنسى ليلة أمس بأحداثها المريرة. "إيه رأيك؟ عجبتك الشقة؟ أخبرته بابتسامة جميلة: "عجبتني أوي ياعاصم... حلوة أوي... مفهاش غلطة." "لا فيها غلطة... أخبرها على مضض وهو يطلع على الحوائط البيضاء حولهم. نظرت إليه فاسترسل: "هتاخد وقت على ما تجهز... ممكن أربع شهور على الأقل." قالت شهد بلا مبالاة: "وإيه المشكلة؟ نستنى." هز عاصم رأسه بنظرة حازمة:
"لا أنا مش بقولك كده عشان تقوليلي نستنى. إحنا هنتجوز آخر الشهر ده، وده كلام مفهوش نقاش." سألته متخصرة: "وهنعيش فين بقا؟ أجاب بجذل: "هنعيش في الشارع." عقدت حاجباها، فضحك عاصم مضيفًا بعبث: "ما إنتي اللي سؤالك غريب. كده كده قدامنا إجازة طويلة بعد الجواز." "قصدك شهر العسل." رمشت بعينيها بحياء لذيذ في عيناه. فأكد وهو يقترب منها محيطًا إياها بذراعيه: "إنتي ونصيبك بقا... شهر اتنين تلاته...
نفضل في إجازة لحد ما الشقة تخلص. أهم حاجة نتجوز آخر الشهر ده، ومفيش تأخير ولا يوم واحد. ولا يوم واحد تاني هتبعدي عن حضني." انهارت أعصابها أمام تلك الكلمات، بينما يديه تحتوي خصرها بشوق. قالت شهد وهي تحاول الفرار منه ومن مشاعرها: "عاصم أبعد شوية." قربها عاصم منه أكثر، فبقت أجسادهما ملتصقة في بعضها بحميمية مفرطة: "أبعد إزاي؟ أنا حالف أفكّرك إننا اتجوزنا، لحسن شكلك ناسيه." قالت وهي تزدرد ريقها: "مش ناسيه... أنا فاكرة."
مالى عليها يشم عبيرها الطيب، وجوار عنقها، ثم أجابها: "فاكرة إيه بالظبط؟ "إنك بقيت جوزي." زادت وتيرة أنفاسها وتحرك صدرها علوًا وهبوطًا باضطراب أمام عيناه المشتهية. "وأي كمان؟ سارت يداه على ظهرها، فارتجفت بين ذراعيه، وكم كانت رجفتها العذراء تثير مشاعره الرجولية نحوها أكثر من ذي قبل. جلجل صوتها وسط طيات الضعف: "عاصم احترم نفسك... وابعد شوية." قربها أكثر منه وضمها بقوة، وعندما مالى على شفتيها، أبعدت وجهها وهي تقول بزعر:
"عـاصـ... اختفى آخر حرفٍ من اسمه بين ثنايا شفتيها بعد أن عانقها بشوق. عناق دافئ لزج غريب، يبث شيئًا في الروح وكأنه يُنعشها. هذه أول قبلة تتلقاها في حياتها، كم كانت رائعة، شديد السخونة، مزيج بين الحب والحنان، قبلة من رجلٍ سخي المشاعر، حنون، محب بالفطرة. سارت شفتيه على وجنتيها يقبلها ويتكئ عليها بشفتيه، مداعبًا بحنان. فابتسمت وقلبها يخفق على أوتار الهوى. مد يده وسحب رباط شعرها وتخلل نعومته بأصابعه، مخبرها
وهو يشم عطر شعرها الزكي: "بحب شعرك أوي ياشـهـد." مالى يشم عنقها رائحتها الطيبة التي تسكر حواسه. كان عطرها مزيجًا من رائحة البحر وعطر الزهور، طيب زكي خفيف على الأنف، لكن أثره كالوشم يطبع في الذهن ولا يُنسى. قبل ثغرها قبلة سطحية، ثم بدأ يتحسس وجنتيها الناعمتين بأصابعه برقة كلمات الورد، قائلًا وهو ينظر لعسليتها البراقة المذعنة إليه بكل جوارحها:
"إنتي أجمل واحدة شفتها عيني، والست الوحيدة اللي أتمناها قلبي. إنتي يا ست الحُسن والجمال، إنتي اللي أتمناها قلبي. وأخيرًا وصلك وبقيتي حلالي... مراتي." ضاعت في الغزل الصريح، فأغمضت عينيها ويداه تحتوي وجهها الجميل. وعطره الرجولي وأنفاسه الساخنة تتخلل لرئتيها، فتخلق فوضى العشق، وما أجمل منها فوضى. فوضى تحتاج لأن تفعلها فترتاح وتشعر بلذة الحب وثمل الهوى.
ثملة هي الآن بين يديه، مشاعرها وقلبها في حالة سُكر، كل ذرة بها تطالب بالدفء، بالحب، بدلال. تطالب بعاصم، بملامح متشبعة بالعشق. أخبرها وعيناه تطوف على وجهها المشع جمالًا خجلًا: "خطفتيني من أول يوم شفتك فيه، من أول يوم وقعت عيني في عيونك، وأنا اتشقلب حالي. عملتي إيه فيا ياشـهـد؟ إيه سرك؟ "لو عرفته مش هيكون سر." قالتها وهي بين يديه، تحلق في عالم غير العالم، عالم هادئ جميل وردي بمذاق الشهد. همس ساحقًا شفتيها بمشاعر ثائرة:
"مصيري أعرف كل حاجة، ومن بين شفايفك دوله تحكيلي." أعطاها قبلة كانت تتوق لها منذ بداية الحديث، وكأنها اشتاقت لهذا الدفء من جديد، دفء يبث بها الحياة، وكم هي بحاجة لمن يشعرها بالحياة والذات بها. عانقته عنقه بكفها الصغير الرقيق، فطوق هو خصره بها، رافعًا إياها لمستواه حتى يتعمق أكثر في قبلاتها الشهية، مذاقها كالشهد، حلوة وشهية وطرية الملمس. بعد لحظات أطلق سراح شفتيها بصعوبة بعد أن طلبت القليل من الهواء.
لمست كاحلها الأرض، فوقت تأخذ أنفاسها المسلوبة، لاهثة بقوة بين ذراعيه، بوجنتين حمراوين كشعلتين متوهجتين، وعينين خلابتين كنجمتين متلألتين. "عـاصـم... نادته بشفتين حمراوين ومتورمتين قليلًا من طوفان قبلاته عليهما. نظر إليها لاهثة ببطء، ويداه تحسس خصرها بتولة، فقالت وهي تشعر بخطٍ من الصقيع يتخلل عمودها الفقري: "احضنيني ياعاصم... احضنيني... وقف مشدوهًا لثوانٍ أمام هذا الطلب.
نعم استجابت للقبلات واستكانت بين يديه، لكنه هو من بادَر بهذا، وأخذت وقتها حتى استجابت معه. لذلك طلبها أسمر قليلًا وصوتها الراجي أجفله لوهلة، فهذا الحلم الذي لم يتطرق إليه أبدًا. أن تتوق (شهد) لعناقه، يصبح الواقع حلمًا يجب اقتناصه. لذا كان الرد هو عناق حانٍ يحتويها بمعنى الكلمة، يدفئها، يطمئنها، ويريحها من معمعة الحياة، كما كان يعانقها عندما كانا يرقصا على أوتار البيانو.
وهي أدمنت هذا القرب ووجدت ملاذها بين ذراعيه، فلم لا تأخذ القليل من تلك المشاعر التي تتوق إليها منذ زمن بعيد. عندما ضمها إلى أحضانه وربت على كتفها بحنان أبوي تلقائي، بدأت تترقرق الدموع في عينيها، ولم تمنع شهقة بكاء تسللت من بين شفتيها الحمراء. وكأنها لم تكن تحتاج إلا لهذا كي تنفجر دون توقف. كان رائعًا متفهمًا، لم يخرجها من أحضانه ويبدأ وصلة الأسئلة، بل تركها.
تركها تفرغ أوجاعها ودموعها على قميصه في أحضانه، وكان هذا أقصى طموحه معها، أن تكشف هذا الجانب الموجوع الضعيف داخلها إليه، وتبوح له. تركها لدقائق تفرغ أوجاعها ودموعها، بينما صدره تضخم بمشاعر سوداوية هائجة بالغضب، شاجنة بعد رؤيتها منفطرة القلب حزنًا بهذا الشكل المأساوي. ربت على ظهرها وهو يهدئها: "اهدي ياحبيبتي... مفيش حاجة تستاهل الدموع دي كلها. اهدي وخلينا نتكلم."
رفعت وجهها إلى عيناه وهي تمسح دموعها بضعف، لم تحبذ وجوده هنا أمام عيني عاصم. سألها وهو يرفع كفها المصاب أمام أعينهما: "هو اللي عمل كده في إيدك ياشـهـد، صح؟ غافلها بالسؤال، فوقفت متسمرة للحظات تنظر إليه بوجل، وكأنها طفلة تخشى أن تفشي أسرار بيتها للأغراب. سألها وهو يلامس وجنتها بحنان: "خايفة من إيه ياشهد؟ أنا جوزك ياحبيبتي، أقرب حد ليكي. لو محكتيش ليا أنا هتحكي لمين بس؟
وكأنه يحاكي طفلة يجاريها في الحديث حتى تفصح عن مبتغاه، ليست ساذجة، لماذا يعاملها كساذجة؟ إن أرادت البوح ستبوح، وإن لم ترد لن تفعل، وحتى لو استعمل معها القوة. لكن لِم العناد؟ هي تضعف الآن أمام نظراته وكلماته، فبدأت تحكي بالفعل أحداث ليلة أمس، حديث والدها، قسوته عليها دون أن تتطرق لقصة إلهام.
أيضًا أفصحت، لم يكرهها والدها، لأنها ربطت علاقة زواج منتهية الصلاحية، ربطتها مدى الحياة، فكانت النتيجة أذنيها وعمرها وشقاء ثلاثتهم عمرًا بأكمله، لم تحكي له عن تفاصيل إصابة أذنيها، بل لم تطرق للموضوع أصلًا. حكت فقط أشياء بسيطة واحتفظت بالباقية في صندوقها المظلم. أوغر صدره غضبًا وغيظًا، وهو يسألها: "وبعد كل اللي بتحكيه ده بتماطلي في معاد الفرح؟ نظرت إليه بصمت، فتابع بضراوة: "إزاي عايزاني أسيبك معاه بعد اللي حكتهولي؟
ده ممكن يأذيكي." رمشت شهد بعينيها عدة مرات، ثم قالت بهدوء يتوارى خلفه القهر: "مش لدرجادي، وبعدين أنا عشت معاه سبعة وعشرين سنة، مش هتيجي على شهر كمان." تحدث عاصم بتسرع: "إحنا ممكن نتجوز خلال اليومين دول، ونشتري شقة جاهزة، ونخلي دي لحد ما تفرشيها على ذوقك." ابتسمت بذهول قائلة: "عـاصـم... إنت كده هتندم إني قوللتلك." بنظرة نافذة جادة أفصح: "إنتي محكتيش كل حاجة ياشهد. أنا متأكد إن في حاجات تانية أكتر من اللي حكيتيه."
أسدلت أهدابها هاربة من عيناه، فأومأ برأسه متفهمًا بصبر: "بس أنا مش هضغط عليكي. هتحكيلي برضو وبمزاجك." لوت شفتيها بتبرم: "الثقة الزايدة دي بتضيع صاحبها." أخبرها بثقة: "معاكي إنتي في محلها." نظرت لعيناه قليلًا، فسألها هو بجدية: "قولتي إيه؟ هزت رأسها بجدية تضاهيه، حاسمة الأمر برفضٍ قاطع: "قولت لا طبعًا. آخر الشهر مش بعيد. مش مستاهلة كل الخوف ده، أنا كويسة. وبعدين في الآخر ده أبوي، مش عزرائيل."
كاذبة. كيف تبثِ الطمأنينة إليه وقلبك يعتنق الخوف كل دقيقة وكل ثانية في كنف عثمان الدسوقي؟ سبعة وعشرون عامًا من المذلة والمهانة والوجع، وتدعي أنكِ بخير؟ كاذبة. كاذبة. أسدلت أهدابها وهي تمسح دموعها الجافة على خدها قائلة بمرحٍ زائف: "كفاية نكد بقا، أنا تعبت. مش المفروض أقولك عايزة أعمل إيه في شقتنا." مسكته من يده وسحبته إلى أحد الزوايا، مشيرة إلى الجدران والأشياء التي تود فعلها هنا وهناك.
ظل ينظر إليها بصمتٍ مبهم، عازم النية على إيقاف تلك المهزلة، فلم تعد حرة الآن، أصبحت زوجته، عرضٌ وكرامته، وعلى والدها أن يتعامل من الآن وصاعدًا على هذا النحو. *** خطى بخطواتٍ مستقيمة تشع رجولة وهيبة صالة الشقة، وعيناه الصقريتان تطلع في زوايا تلك الشقة الفخمة والمكان المرموق القابعة به. عكس الشقة التي تمكث بها شهد مع شقيقيها، كانت أقل في المستوى بمراحل. سؤال يطرح نفسه الآن، هل والدهما بهذا القدر من الدونية؟
ما الذي يدفع الأب أن يحرم أولاده من حياةٍ مُرفهة بإمكانه أن يوفرها لهم بسهولة؟ بخيل مثلًا؟ ديكور الشقة، وفرشها، وموقعها، وملابسه الفخمة، وسيارته الفارهة، جميعها أشياء تكشف بأنه رجلٌ سخي على نفسه. لكن ماذا عن أبنائه؟ لماذا ينبذهم بهذا الشكل؟ "اتفضل يامعلم عاصم، سي عثمان مستنيك جوا." قالتهَا مُهجة وهي تشير على أحد غرف الجلوس. أومأ عاصم برأسه بملامحٍ متصلبة وهو يدلف إلى الغرفة بخطواتٍ مستقيمة.
عندما أبصره عثمان، نهض مرحبًا به بحرارة، مشيرًا على المقعد بجواره قائلًا: "أهلاً أهلاً يامعلم عاصم، نورتنا يا راجل. قعد واقف ليه." سأله عثمان بحفاوة زائفة: "تشرب إيه؟ أجيبلك قهوة ولا عصير؟ رد عاصم وهو يحل زر سترته: "قهوة كويس." أمر عثمان بصوتٍ جهوري: "القهوة يامُهجة." أعطاه كامل تركيزه وهو يضيق عيناه بشك: "خير؟ طلبت تشوفني، تكونش شهد زعلتك، فجاي تشتكيلي منها؟ لاح على وجه عاصم تعبير غريب وهو يحدجه به.
فأضاف عثمان بجفاء: "أنا عارفها نكدية زي اللي جابتها. أمها برضه فضلت ورايا لحد ما كرهتني في صنف الحريم." دون ذرة مرح عقب عاصم: "مش باين إنك كرهته، بدليل إنك متجوز." أكد عثمان بابتسامة بذيئة المعاني: "ماهو ده اللي إنت هتعمله بعد سنة واحدة من الجواز. هتجوز مرة واتنين وتلاتة، ماهو واحدة بس مش كفاية، بالذات لو نكدية وزنانة." جاش الغضب في صدره، لكنه تحلى بالصبر، قائلًا بتحفظ: "شهد ست الستات، هي عندي بستات الدنيا دي كلها."
وكان الإجابة لم ترضِ والده، فقال بتبرم: "والله؟ طيب بما إنكم زي سمنة على عسل أوي كده، إيه سبب زيارتك ليا؟ سحب عاصم نفسًا طويلًا، ثم نظر إليه بجدية قائلًا بحزم: "اسمع ياحمايا. بنتك دلوقتي مبقتش بنتك، بس بقت مراتي كمان. كرامتها من كرامتي. ولو حد داس لها على طرف وزعلها، كأنه زعلني أنا وبالجامد كمان." جفل عثمان وجحظت عيناه قائلًا بدهشة: "وإنت جاي تسمعني الكلام ده ليـ... قاطعه عاصم بحزمٍ شديد الخطورة:
"إنت عارف أنا جاي أسمعك الكلام ده ليه." زاد اتساع عينا عثمان جراء هذا الهجوم، فتابع عاصم قائلًا بمروءة: "اللي عملته فيها امبارح وصلني، وهي لا كانت غلطانة وقتها ولا تستحق تضرب. أصلًا مش من الرجولة إنك تستقوى على حد ضعيف، بالذات لو واحدة ست، حتى لو الست دي تبقى بنتك، هي برضو مأجرمتش عشان تعمل اللي عملته." أهانه عثمان وهو يرمقه شزرًا: "وإنت بقا اللي جاي تعلمني الرجولة؟
حل الصمت لثوانٍ، وعاصم ينظر إليه بصدمة تمتزج بالخطر، خطر مما تفوه به، وربما يدفع ثمن تهوره غاليًا. "لا حول ولا قوة إلا بالله. لولا إنك أبوها واحترام سنك، مكنتش استنيتك لما كملت الكلمة." ازدرد عثمان ريقه بتخوف. فقال عاصم بوجهٍ هارب غضبًا، رغم أن صوته لم يعلو عن الطبيعي:
"عيب تقلل من نفسك كده. عيب الجملة اللي قولتها دي، لو عملنا قعدة عرفي هتدفع عمرك قصادها. عيب، إنت مش قاعد مع عيل صغير، إنت قاعد مع عاصم الصاوي. عاصم الصاوي اللي قعد مع ناس لو تعرف أساميهم شعرك يشيب. مكنش في حد فيهم يستجرأ يرفضلي طلب." شعر عثمان بالاختناق وسط هذا التهديد الصريح، فاسترسل عاصم وهو يقول بنبرةٍ صارمة واعدة:
"بنتك ضيفة عندك الكام يوم اللي فاضلين، تعاملها بما يرضي الله، أو متعملهاش خالص، المهم تبعد عنها وإيدك متترفعش عليها. ومتفكرش إنها لو حصلت تاني هاجي آخد وادي معاك كده في الكلام. لا ساعتها هتصرف... تصرف مش هيعجبك، وهخسرك كتير أوي. تمام ياحمايا... ولا إيه؟ هاج الغضب في حدقتي عثمان فجأة، فهَدده قائلًا: "إنت مفكر إن كتب الكتاب ده خلاك تملكها؟ أنا ممكن أطلقها منك دلوقتي. أنا ميتلويش دراعي."
"صدقني ولا أنا. جرب كده تبعدها عني، وساعتها... ثم جاشت مراجلة بالوعيد وهو يسترسل بصلابة: "خلي الكلام مفتوح لحد هنا. أصل اللي بيتكلم عمره ما بيعمل. وأنا طول عمري بعمل من غير كلام كتير." انتصب عاصم واقفًا أمامه بطوله الشامخ المهيب، قائلًا بترفعٍ صلب: "ياريت تحفظ الكلمتين اللي لسه قايلهم لك." نظر له عثمان بغيظ. فأضاف عاصم بخشونة:
"كرامة بنتك من كرامتي. ولو مستها، يبقى إنت كده بتعاديني. وأنا اللي بيعاديني مش بيشوف النور." خرج من الغرفة بعد أن ألقى آخر تهديدٍ صريح في وجهه، وكأن عينيه الصقريتين مستعرتان بالوعيد. وعيد أن استهون به خصمه، سيبدأ في عد الخسائر القادمة، الأضرار الجسيمة. *** كانت منعزلة في مكانها الخاص (الشرفة...
جالسة على المقعد، تضع السماعة في أذنيها وتسند بمرفقيها على السور، وعيناها غائرتين شاردتين في مكانٍ بعيد، تستمع للحنٍ مميز الإيقاع، معبرًا عن الحب والغرور. هذا الغرور الذي ينتابنا عندما نظن أننا امتلكنا الحب وأصحابه، ومع أول اصطدام تقتلنا الحقيقة، تذبحنا الأقاويل، فنقف أمام المرآة بوجه المهرج الذي أبدع في إضحاك الناس عليه، وليس معه. شاردة هي في عالمها، ضائعة في دهاليز الأفكار، تختنق في صندوق الحكايات الوردية.
عاشت حياتها بأكملها تتنقل بين الكتب على أمل أن تجد فارسها في واحدٍ منهم. كانت من الموهومات في البحث عن البطل المثالي بين الصفحات، للأسف لم تجد فارسها بينهم، ولم تقع في حبهم لمجرد أنهم يحملون كل سيمات الوسامة المطلقة، ولم تفضل أن تكون القسوة دليل الحب لديهم. لماذا في الروايات تكون القسوة دليل الحب والكمال هو المظهر الخارجي؟ لماذا لا نهتم بتجميل الجوهر الداخلي، فهو الذي يستحق إظهاره للقراء؟ إنها متناقضة حد اللعنة.
ماذا عن قصتها هي؟ أول انجذاب لها كان في عيناه الهمجيتين الساخرتين، ثم لرجولته الفتية، إلى وسامة تقسم أنها رأتها يومًا بين سطور الروايات. أم دليل الحب في قصتها فهو مفقود، فإن قصتها فاترة. فاترة جدًا، فتور يؤلم قلبها على تلك المشاعر التي تكنها له وحده. لماذا هو فاتر معها؟ لماذا لا يحبها؟ ولماذا يريد الزواج منها لمجرد أنها عروس مناسبة؟ تكره الزيجات المعتمدة على نظريات ثاقبة. تعشق فطرة الحب المؤلفة بين قلوب الأحبة.
إنها تعشق الجنون، رغم أنها لم تعتنقه يومًا، إلا أن قصة والديها كانت مولعة بالحب المتبادل بينهما. عاشا معًا على هدف واحد وهو تقديس علاقتهما والحفاظ على هذا الحب. كانت ترى والدتها في عين والدها كلما سمع أغنية قديمة أو ديوان شعرٍ لأحد الأدباء الكبار. كانت عيناه تتلألأ كالالعاب النارية عندما يراها تضحك، تتحدث، تتناقش، تغني.
وإن بكت دمعت عيناه معها، وإن غضبت منه، تنقلب الدنيا في عيناه ولا يهدأ إلا عندما يراضيها ويطيب خاطرها. لذلك كان ما بينهما أقوى من أن ينتهي بالموت، فرحلت أمها حزنًا على فراق والدها بعد سنوات من المثابرة بدونه، رحلت. فلماذا لا تتمنى رجلاً كوالدها يدللها حبًا ويهيم بها عشقًا؟ من ارتوت بالحب منذ الصغر لن تقبل بقطرة منه، هذا ليس عدلًا؟
سحبت السماعات من أذنيها وألقتها جانبًا وهي تأخذ أنفاسها بضجر، فقد ثقل صدرها وازداد صداع رأسها من كثرة التفكير. من يوم أن عادت معهم وهي في دوامة من الأفكار المتلاحقة، مازالت لم تعطي قرارها النهائي في طلب الزواج. ويبدو أنها حتى الآن عاجزة عن فعله. تنحنح رجولي أوقف سيل الأفكار داخلها. اقتحم خلوتها ببساطة، وحمل مقعدًا ووضعه جوار مقعدها، جالسًا بجوارها بصمتٍ دون أن ينطق بحرفٍ واحد. جيد... هذا جيد. لم ينقصها إلا وجوده.
فيؤثر عليها عاطفيًا من مجرد نظرة من عسليتاه الضاريتين. خطيرة عيناه ووسيم هو بكل ما تحمله الكلمة من معنى، عابث، وهي تكره العبث، لكن منه يشبه قصيدة من الغزل. أغمضت عينيها بقوة، هل يجب أن تلعن قلبها الآن أم الحب الذي استوطنه قسرًا؟ من منا قادر على أن يحزم مشاعره ويمضي دون تأثر بالحب؟ لماذا يكبلنا الحب إلى هذا الحد ولا قدرة لنا على المواجهة؟ وكأنه انزعج من ضجيج أفكارها فسألها عابسًا: "بتفكري في إيه ياقمراية؟
حانت منها ابتسامة صغيرة منكسرة المعاني. سألها حمزة وهو ينظر لجانب وجهها: "من ساعة ما رجعنا وإنتي متغيرة معايا. هو موضوع الجواز ده هيبعدنا عن بعض ولا إيه؟ ازدادت الابتسامة وجعًا: "وإحنا من إمتى كنا قريبين ياحمزة؟ ها هو يتجرأ كالعادة ويمد يده ماسكًا ذقنه، ليدير وجهها إليه: "مالك ياقمر؟ إيه اللي عملته مضايقك أوي كده؟ اهتزت حدقتاها وهي تنظر إلى يده الدافئة، هل بشرتها؟ فقال حمزة وهو يمرر إبهامه على ذقنها بعفوية:
"إنتي مش موافقة عليا. لو مش موافقة قولي عادي مش هزعل. مش هتجوزك جبر خواطر يعني." أبعدت يده عنها برفق وهي تقول بتبرم: "قول الكلام ده لنفسك." "يعني إيه؟ مش فاهم." لاح التعجب على محياه. فقالت بضجرٍ من بين أسنانها: "يعني ليه عايز تجوزني؟ أخبرها حمزة وهو ينظر لبنيتها: "قولتلك إنك عجبتني، ومناسبة ليا، وكفاية إنك بنت خالتي." تاففت بجزع: "مش ده اللي عايزة أسمعه منك." برم شفتيه بعدم فهم: "أمال عايزة تسمعي إيه؟ دبت الغيرة
في قلبها فقالت بلوعة: "إنت لسه بتحب خطيبتك صح؟ وأكيد عايز تجوزني عشان تغيظها." أومأ حمزة برأسه ضاحكًا بهزل: "إنتي بتقولي فيها دي هتتغاظ أوي، بالذات لما تشوف القمر اللي أنا اخترته." صاحت بعنف: "أنا مش بهزر ياحمزة." بصوتٍ باردٍ أجاب: "أنا بقا بهزر عشان ده مش كلام ناس عاقلة." لم تعقب، بل عقدت ساعديها أمام صدرها. فأضاف حمزة بهدوء: "إيه المشكلة يعني إن كنت خاطب قبلك؟ كنت بخونك معاها مثلًا؟
دي حاجة حصلت قبل ما أعرفك، مالكيش حق تحاسبني عليها." أومات برأسها بصمتٍ كئيب. فقال حمزة بمناغشة: "زي ما أنا محسبتكيش على أشيف كده... ياترى هتعزميه على فرحنا؟ ما هو ابن عمك برضو." قالت قمر بتمرد: "أنا معنديش عمام. بابا وحيد وملوش إخوات." أومأ برأسه بفتور سائلًا: "وإيه حكاية أشرف ده؟ زفرت قائلة بضيق: "كنت بشتغل... ارتاحت." هز رأسه مجددًا بزهو: "أحلى راحة. يعني إنتي عمرك ما حبيتي قبلي؟
ارتجف قلبها وكأنه أصابه بماس كهربائي جعلها تجفل للحظات وهي تنظر لعسليتاه المغرورتان: "قبلك؟! يعني ده كلام معناه إني بحبك." قالته بزمجرة: "أكيد، ماهو أنا أتحب برضو... ولا إيه؟ زمجرت قمر بنفي: "مش ولا... أنا كمان لو هوافق عليك ده لأنك ابن خالي محترم ومؤدب و... أوقفه حمزة هازئًا: "هش!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!