أنهت نطق حروف اسمه لتجده يغرز أظافره برقبة والدها الحبيب، لترى دمائه تتساقط منه أمام عينيها. تفارق روحه الجسد ليتركه هو يخر أرضاً، ناظراً له نظرة رضا عما فعله. فما أصعب من أن ترى الروح تخرج من جسد من أحببت، تقف عاجزاً أمامه لا حول لك ولا قوة.
كان الصمت حليفها في هذا التوقيت، تقف الكلمات كالحجارة من ثقلها على شفتيها. لم تستطع إخراج الكلمات من فمها، فقدت النطق والشعور بمن حولها. تلألأت الدموع في عينيها، شعرت برعشة في جسدها. لم تتحمل الوقوف، فجلست بجانب جثة والدها الحبيب، تلامس خصلات شعره ودماؤه تملأ كفها. هبط "عز" الدرج مسرعاً ليجد "غرام" بانتظاره أمام السيارة الأجرة، ممسكة بهاتف "هدير" لتخبره قائلة: "عز، هدير نسيت تليفونها، استناني أنا هطلع أدهولها."
رفع كف يده وأوقفها عما تريد فعله قائلاً: "هاتي التليفون، خليكي انتي، أنا هطلعهولها." أخرجت "ولاء" رأسها من نافذة السيارة وهي تتأفف، فقد تغلل العرق بجسدها وعلى وجهها، محاولة الحصول على بعضٍ من الهواء النقي. "بسرعة ونبي ياعز عشان خلاص طلعت كتكوتين حمر وأنا قاعد." نظر "شريف" خلفه، فقد كان يجلس بجانب السائق ليقول: "من حلف بغير الله فقد أشرك." "الله يفتح عليك ياشيخ شريف، ربنا يكتر من إيمانك."
أنهت "ولاء" جملتها وهو ينظر إليها من المرآة التي أمامه نظرة سخرية، ثم أردف: "اسمها يكتر من أمثالك مش من إيمانك، وبعدين أنا مش شيخ بس دي حاجات الملحد يعرفها." عادي. نظرت لهما "غرام" متأففة: "ممكن تسكتوا انتوا الاتنين." ثم نظرت أمامها لـ"عز" ممسكة بالهاتف المحمول لتعطيه له: "خد ياعز، بس بالله ما تتأخرش، بسرعة أنتَ شايف الحر هنا عامل ازاي." أخذ منها الهاتف يسرع في خطوته قائلاً: "ماتقلقيش هنزل على طول."
عاد "عز" أدراجه، يقوم بغلق باب المصعد خلفه، ليسمع "حسام" خطوات أقدامه متجهة إلى الباب. ليقبض بقوة بكف يده خصلات من شعر "هدير" ويجلس بجانبها هامساً بأذنها: "لو عايزة 'عز' يعيش ومدبحوش قدامك، اوعي تنطقي بحرف واحد."
انهمرت الدموع منها بغير إرادتها، محاولة جاهدة مسح دموعها من على وجنتيها. لتسمع جرس الباب يرن. ينظر لها "حسام" يطالعها بجدية، ثم يقوم بتحويل لون عيونه إلى اللون الأسود. تشاهد أنيابه تخرج من شفتيه استعداداً لذبح "عز" هو الآخر. فتسمع صوت "عز" مرة أخرى قائلاً: "هدير، أنا عز، نسيت تليفونك مع 'غرام' تحت، جيت أدهولك."
كذب القلق بقلب "عز" من عدم استجابتها، فقد استغرقت وقتًا أطول من المعتاد لفتح الباب. شعر بشيء خاطئ، نظر يميناً ويساراً ليرى إذا كان يوجد أحد بالجوار، ثم أخرج سلاحه الخاص به من الجيب الخلفي لسرواله قائلاً: "هدير لو ما فتحتيش دلوقتي هكسر الباب."
لم يجد أي رد منها، استعد "عز" وعاد خطوات بظهره للخلف لكي يحطم الباب المصفح الذي أمامه. يرفع سلاحه يوجهه إلى القفل، وفي اللحظة الأخيرة تقوم "هدير" بفتح الباب، واضعة المنشفة الخاصة بالاستحمام أعلى رأسها، مرتدية روب أبيض. تحاول تصنع الابتسامة: "هاي ياعز، حصل حاجة؟ تلعثم بكلماته عندما رآها بهذا المنظر مرتدية روب الاستحمام، مد كف يده ينظر بجانبه يتجنب النظر إليها: "أنا افتكرت أن حصلك حاجة، قلقت عليكي."
ابتلعت ريقها تحاول باجتهاد أن تخرج كلماتها بتلقائية: "أنا بس كنت بستحمى، أنتَ عارف الجو حر أوي هنا. جيت على طول أخدت دش." مد لها كف يده وهو ينظر بجانبه يتفادى النظر إليها: "تمام، ده تليفونك عشان أكيد داغر هيتصل بيكي."
نظرت بطرف عينيها بجانبها لـ"حسام" الواقف خلف الباب مباشرةً، شاور لها برأسه بالموافقة لكي تأخذ الهاتف من يده. مدت كف يدها لتأخذ الهاتف منه، فأزاح "حسام" يدها لينزلق منها الهاتف على الأرض بقوة ليتحطم نصفين. نظر "عز" إلى الهاتف الملقى أمامه: "مش تخلي بالك ياهدير."
ابتلعت ريقها وكانت تعلو أنفاسها أكثر، فشعر "عز" بأنه أحرجها. أخذ نفس عميق يصاحبه ابتسامة وانحنى لكى يلتقط الهاتف من على الأرضية ليجده محطمًا، وضعه بجيبه قائلاً: "الظاهر إنه جاب شاشة، هحاول أصلحهولك النهارده. خدي تليفوني دلوقتي عشان لو داغر حب يتصل بيكي." ردت سريعاً: "لا لاء، مالوش لزوم، أنا معايا تليفون بابا، بس لو داغر اتصل بيك قوله إن تليفوني بايظ عشان ما يقلقش عليا." أشار برأسه موافقاً: "تمام، اللي تشوفيه."
هبط "عز" مرة أخرى تاركاً "هدير" لمصيرها المحتوم. أغلقت الباب خلفه، وقبل أن يرمش لها طرف عين، وقف "حسام" أمامها. أخذ يطالعها بنظرات خبيثة وابتسامة صفراء تظهر بجانب شفتيه قائلاً: "شاطرة، هدير بنت عمي طلعت شطورة وبتسمع الكلام." وضع يده على بطنها وأغلق عينيه وهو ينصت لدقات قلب الجنين، مبتسماً ابتسامة تملأ وجهه: "يــــــــاه، ابني أخيراً هشوف ابني." انكمش حاجباها وتعالت نبضات قلبها نبضة تلو الأخرى وهي تنظر له باستغراب،
ثم أكمل هو حديثه: "إيه، مستغربة إني بقولك إنه ابني؟ بس هو ابني ياهدير، وانتي مراتي. انتي من وقت ما اتولدتي وكان دايماً عمي بيوعدني إنك هتبقي ليا، عشان كده انتي واللي في بطنك هتبقوا ملكي." ضغط على أسنانه وأمسك بها من خصلات شعرها ليضرب رأسها بعرض الحائط، فاقدة لوعيها تماماً. ***
هما الآن في السيارة تسير نحو طريق الجيزة، حيث تقع الڤيلا الخاصة بـ"عز". كانت تجلس "ولاء" بجوار النافذة تخرج يدها منها كأنها تحاول أن تمسك الهواء، حيث كانت نسمات الهواء تداعب وجهها الصغير وتجعل خصلات شعرها تطاير وتغلق عينيها مستمتعة بنسمات الهواء البسيطة. ينظر "شريف" إليها عبر مرآة السيارة الخارجية، يبتسم على حركاتها الطفولية وكأنها عصفور صغير يحاول تعلم الطيران. يشرد "شريف" قليلاً وهو يطالعها ليفوق من انخراطه على صوت "غرام"
قائلة: "اطلع على امبابة لو سمحت." توجهت جميع الأعين عليها باستغراب، كل منهم يريد سؤالها لماذا تريد التوجه إلى امبابة، حتى أردف "عز" سائلاً: "عايزة تروحي امبابة ليه ياغرام؟ لتنطق هي قائلة: "معلش ياعز خليني أرجع شقتي القديمة لحد ما تجيب لنا شقة جديدة." لترد "ولاء" مسرعة: "بس الشقة اللي كنا قاعدين فيها أنا وانتي صاحبها أجرها، وأنا لا يمكن أرجع أعيش مع أبويا ومرات أبويا مرة تانية ياغرام." نظرت بجانبها محاولة تهدئتها،
تطبطب على كتفها برفق: "ماتقلقيش ياروح غرام، أنا اتصلت بصاحب الشقة قبل ما نرجع وعرفت إنها ما اتأجرتش ومستنينا نستلمها منه." وضع "عز" كف يده على جبينه، لم يستطع أن يستوعب ما تفعله "غرام" بهِ، وبالرغم من ذلك لم يتفوه بكلمة واحدة. نظر "شريف" له ليجد الحزن يظهر على ملامحه، فلم ينطق بكلمة واحدة ونظر أمامه وبداخله ألف سؤال يحتاج لأجابة. ***
ربما مرور الساعات سريع، فهذه الساعة هي ساعة الغروب. أتى الغروب وقدم معه لفحات الهواء الباردة الذي حرك الأشجار المحيطة بالمزرعة. كانت نسمات الهواء باردة على عكس صباح هذا اليوم، كانت الشمس حارقة. تجلس "شمس" على الأرجوحة تتمايل بها هنا وهناك، شارده بتفكيرها في صدمتها مما أخبرتها بهِ "مارال"، حتى التقطت ريحه تأتي من خلفها. هذه الرائحة تعلمها جيداً، تنهدت بعمق، ساحبة نفساً جاهدت في سحبه، ضاغطة على أسنانها،
تبتلع ريقها قائلة: "أرجوك يا 'ياسين'، فأنا بمزاج سيء اليوم." وفي هذه اللحظة تحديداً، أتى من خلفها وجلس بجوارها، واضعاً بجانبه المشروب الخاص به. أخذ يتمايل بالأرجوحة هنا وهناك بقوة، دفع أكبر. نظر إليها بجانبه وهو يحرك الأرجوحة بشدة: "مالك مكشرة لدرجة إن وشك بقى شبه مشط رجلك؟ ليه؟ قبضت بيديها الاثنتين على الحديدة الخاصة بالأرجوحة خائفة من الوقوع منها قائلة بضجر: "أوقف هذه الأرجوحة، فمن الممكن أن نقع أرضاً."
ابتسم "ياسين" من خوفها. لمجرد الوقوع، فأسند بقدمه على الأرض ليخفف من شدة حركتها: "هــــا.. وقفتها. مش هتقوليلي بقى مالك؟ وقفت واستقامت تستعد للرحيل والابتعاد عنه، فقبض بيده على كف يدها: "اقعدي ياشمس." تنهدت ونظرت لقبضة يده المحكمة على معصم يدها. ليعتلي الغضب ملامح وجهها. نظر "ياسين" لها وترك يدها على الفور، رافعاً يداه الاثنان على مستوى صدره: "سيبتك، اقعدي بقى بدل ما أديكي كف يعدل لك سقف وشك ده."
نظرت له بتهكم. تنهد قائلاً بابتسامة بسيطة: "آسف ياست البنات، اقعدي ووعد مش هسألك حتى إنتي زعلانة ليه، اتفقنا." تنهدت "شمس" تنهيدة بسيطة وجلست بجواره، أرجعت برأسها للخلف واضعة شعرها على مسند الأرجوحة، مغلقة عينيها، تاركة أشعة الشمس البرتقالية في هذا التوقيت تنعكس على بشرتها الصافية. نظر لها "ياسين" بإعجاب شديد، حتى أردف: "شايفة القمر ياشمس؟ بدأت بفتح عينيها ببطء وارتسمت الابتسامة على وجهها قائلة:
"كيف لي أن أرى القمر، فالشمس مازالت بمنتصف السماء." "في دي عندك حق، القمر والشمس ما بيجتمعوش سوا. وبعدين إزاي أسأل على القمر والشمس اللي بتنور الدنيا قاعدة جنبي." أخذ تمرر أصابعها بين خصلاتها المموجه، مضجرة من حديثه. نظر بجانبه ليلتقط المشروب الذي أصبح حديثاً مقرباً لقلبه. يمد كف يده ممسكاً به "لشمس": "خدي اشربي، طري على قلبك في الحر ده." انكمش حاجباها باستغراب تنظر للمشروب بتعجب: "ماهذا؟ رد عليها قائلاً:
"ده الواد رعد بيقول إنه اسمه 'شيري كولا'، مشروب جامد جداً. من وقت ما جربته وأنا مش عارف أبطل." مدت كف يدها لتأخذه منها مترددة، قامت بسؤاله للتأكد: "أهو من المنكرات؟ ابتسم "ياسين" ابتسامة بجانب شفايفه، رافعاً حاجبه: "تؤ تؤ، مش المنكرات." مدت هي يدها لتأخذ المشروب منه، رافعة إياه على فمها لتشرب منه القليل، ليردف "ياسين" قائلاً: "بس من المحرمات." لتبصق هي ما بفمها جرعة واحدة، ليضحك هو عليها قائلاً:
"إنتِ صدقتي والله، ما فيها حاجة دي مجرد كولا عادية عليها حاجة كده بالكريز، مش عارف الواد رعد قالي اسمها إيه، بس بتدي طعم مش أكتر." تمسح بيدها على فمها ثم تطالعه من جديد: "حسناً، هذا يكفي، فلا أريد أن أتذوقها من جديد." يأخذ هو رشفة من الزجاجة قائلاً: "تيجي نلعب لعبة." نظرت له باهتمام سائلة: "وما هذه اللعبة؟ "هقولك، نفترض إن قدامنا جني ومعاكي إنك تطلبي أمنية واحدة بس، هتطلبي إيه؟ نظرت أمامها بتمعن تفكر قليلاً ثم سألته:
"حسناً، فلتجب أنت أولاً." ارتشف رشفة من الزجاجة الخاصة بهِ ووضعها بجانبه واعتدل بجلسته، ينظر لها وشرد بعيونها التي لطالما أحبها، ثم قال بحنان: "هقوله إني أتمنى إنك تبقي مراتي ولو لمدة 24 ساعة بس." نظرت أمامها تتجنب عيناه وهو ينظر لها باهتمام، وأعاد سؤاله من جديد: "هــــا.. وانتي هتطلبي من الجني إيه؟ "الطلاق." أنهت كلمتها بعدما نطقتها سريعاً دون تردد.
ابتسم "ياسين" وارتفع صوت ضحكاته عالياً، لتنظر له هي بابتسامة لطف، فهذه هي المرة الأولى التي ترى فيها ابتسامته العريضة. سرحت قليلاً بابتسامته حتى توقف هو عن الضحك، ليخبرها: "هي بقت كده.. هـــا، بس تعرفي إني لما بصتلك دلوقتي اكتشفت إني بحب كل تفاصيلك الصغيرة." انمحت الابتسامة من على وجهها ببطء، شارده قليلاً قائلة: "حتى غبائي!! "لا، بصراحة غبائك ده تفاصيل كبيرة." ابتسمت ابتسامة تعلو وجهها، ليشرد قليلاً:
"ضحكتك حلوة أوي ياشمس، ما تسمحيش لحد إنه يمحي ضحكتك من على ملامحك في يوم، حتى لو الحد ده كان أنا." كانت تنظر له بثبات وأنفاسها تعلو تدريجياً، ليتمعن بنظراته داخل عينيها التي كساها الخجل والتوتر، قائلاً: "يخربيتك ياست الكل، ده أنا حبيتك." تهز رأسها يميناً ويساراً لتقول: "لا فائدة منك، لن تتغير أبداً، ستظل كما أنت." "شمس، إنتي ليه مش قادرة تفهمي؟
أنا وانتي زي جوز الجزم، فرده واحدة، ما تمشيش. ده أنا من غيرك مش قادر أعيش." ضربت بكف يدها على جبينها قائلة: "أهذا مفهومك عن الحب؟ ماذا تقول أنت، ومن أين أتيت بهذه الجملة؟ وقفت واستقامت لتعطيه ظهرها راحلة، فأوقفتها جملته قائلاً: "طب بلاش جوز الجزم. جميلةً أنتِ كابتسامة راعي غنم وجد معزته الضالة منه منذ شهور." استدارت لتنظر له بعدم فهم، تحدق بعينيها لهُ قائلة: "اتهمتني بالمعزة؟
يعني سايبة ابتسامة راعي الغنم وماسكة في المعزة؟ بصي على المغزى من الجملة، ما تركزيش مع المعزة." أنهى جملته وهو يغمز لها بطرف عينيه بابتسامته الجميلة. حاولت اخفاء ابتسامتها والتحدث بجدية: "ياسين.. يكفي هذا." "إنتِ ولا عاجبك جوز الجزم ولا المعزة، أنا احتترت معاكي بصراحة." رفعت "شمس" يديها باستسلام: "حسناً، لقد استسلمت." أخذت تخطو للأمام، وكان هو يسير بجانبها قائلاً: "شمس، تيجي نتكلم جد شوية."
نظرت له لتجد ملامحه تعتليها الجدية، أشارت بعينيها سائلة: "ماذا بك يا 'ياسين'؟ أهناك خطب ما؟ تنهد وهو يسترسل حديثه: "في حاجات بتحصلي غريبة، والمشكلة إني مش عايز أحكي غير ليكي. هو عادي إني أحكيلك؟ ردت مسرعة: "بالطبع."
تنهد بعمق، ثم أغلق عينيه ببطء، ملامسة رموشه الكثيفة بعضهما البعض، ثم فتح عيناه مرة أخرى، لتجد عيناه تحولت إلى اللون الأحمر، ولكن ليس باللون الأحمر المعتاد، بل أحمر قاتم أشد احمراراً كلون الدماء. طالعته جيداً في بادئ الأمر، تتفحص لون عيناه، مبتسمة وكأنها تعلم بأن هذا ما سيحدث. استغرب "ياسين" كثيراً من فعلها هذا قائلاً: "ـ غريبة!! وما هو الغريب في ذلك؟
"أنا عيني اتغيرت، ما بقتش باللون الأسود ياشمس، أنتِ عارفة ده معناه إيه؟ والمشكلة إني حاسس إنك عارفه وما استغربتيش." قبض كف يده، نظر بجانبه، ثم طالعها من جديد: "ـ إنتي عارفة حاجة أنا مش عارفها صح؟ نفت ما قاله للتو قائلة: "لا، لم أكن أعلم شيئاً بالمرة، فقط كنت متوقعة حدوث ذلك من حديث 'خالة حكيمة'، فأصبح لدينا اثنان من الألفا." أنهت حديثها قائلة: "إنتِ بتقولي إيه؟ أنا لا يمكن أكون ألفا، إيه اللي يخلي واحد زيي يبقى ألفا؟
وليه واثقة إني ممكن أكون ألفا؟ ترددت بحديثها والارتباك يعلو نبرة صوتها: "لا أعلم، ولكن كل ما أعلمه أنك مستذئب قوي يا 'ياسين'، ولكن لا تعلم مدى قوتك بعد. وإذا كنت تريد الفوز بهذه المعركة فيجب عليك وضع يدك بيد عمار، يجب عليكما أن تكونا يداً واحدة حتى نتخلص من العربي نهائياً. هذه المرة هي الفرصة الأخيرة لنا."
وضعت يدها على كف يده تنظر له بعيون راجية. نظر هو للأسفل، ينظر ليدها المتشبثة بكف يده، ابتسم ابتسامة رضا، يطالعها من جديد، لتقول هي: "أريد منك وعداً بأن تفعل كل ما بجهدك لكي تضع يدك بيد عمار." نظر لها كأنه يرتوي من ملامحها، فبالرغم من كرهه لـ"عمار"، فقد وعدها بما تريد، لم يكن يستطيع الرفض أمام نظرات أعينها الراجية. ولكن اشترط شرطاً صغيراً. سألته هي إياه عن شرطه، ليخبرها:
"أنا عارف إنك ما بتحبنيش، مش قصدي بس كحبيب. أنا عارف إنك ما بتحبنيش من أساسه، ومش هلومك. اللي حصل مني طول السنين اللي فاتت حتى لو كان غصب عني ومش بإرادتي، فأكيد هيسبب أثر جوه قلبك المشروخ، مهما حاولت سنين أصلح فيه اللي اتكسر ما بيتصلحش. عشان كده عايزك تسامحيني، أوعديني إنك تسامحيني ياشمس. انسيلي كل اللي فات، بس المرة دي تبقى من قلبك بجد. ممكن دي آخر مرة نقعد فيها مع بعض ومانتكلمش تاني، المعركة فاضل عليها أقل من أيام والعربي مش سهل، والمرة دي أنا مش ناوي أسيبه. المرة دي المعركة هتبقى حاسمة بموتي أو بموته. بس عايز أعرفك شيء، لو فيها موتي يابنت المهدي، مش هخليه يمس شعرة منك. 'يدوس على قبري قبل ما يدوسلك على طرف'."
وضعت هي يدها على فمه مسرعة بلهفة حتى لا يستكمل حديثه، فعند سماعها سيرة موته لم تستطع التحمل، واضعة يدها على فمه. انكمش حاجبه باستغراب، ينظر ليدها المرتعشة التي ما زالت على شفتيه، يرى الخوف في أعينها. استغربت هي مما فعلته للتو، أنزلت يدها من على فمه سريعاً، استدارت لتعطيه ظهرها، تفرك بأصابعها، تضغط على شفتاها بأسنانها بقوة، تتمنى أن تنشق الأرض لكي تبتلعها. يقف هو خلفها هامساً في أذنها بحنان: "خوفتي عليا ياشمس؟
أخذت نفساً عميقاً وكأنها تستجمع شتات نفسها من خلال تنفسها، قائلة: "بالطبع لا، ولكني أكره سيرة الموت، فالموت شيء بشع حتى لو كان موتك أنت الذي لطالما تمنيته طوال عمري." انقبض حاجبه وكلماتها تنزل عليه كالصاعقة تخترق قلبه: "أنا مش فاهمك، إنتي بتتمنيني الموت ولا خايفة عليا منه؟ استدارت تنظر له لتجيب سؤاله: "كنت أتمنى لك الموت يوماً، ولكن الآن لا أتمناه لك ولا لغيرك، وأرجوك دعنا ننهي هذا النقاش السخيف."
رحلت "شمس" وتركته خلفها، رحلت وكأنها تهرب من شيئاً ما، شيئاً لطالما ظنته مستحيلاً، فهذه هي المرة الأولى التي تشعر فيها بالخوف على "ياسين"، فانقبض قلبها لذلك. ***
كان "داغر" يجلس هو وباقي أسرته في الغرفة الخاصة بها، يشتم رائحة فراشها يريد التقاط رائحة جدته مرة أخرى، يحاول جاهداً مراراً وتكراراً ولكن دون جدوى. ينظر كلاً من "ميرا" و"غدير" إلى براوز قديم مزخرف من الأطراف موجود أعلى الحائط، بداخله صورة لجدتهما. تبتلع "ميرا" ريقها ثم تنظر بجانبها لتجد دموع "غدير" تنهمر على وجنتيها، لتضمها داخل صدرها لتهون عليها، ولكن من يهون عليها هي. تترك "غدير" خلفها لتقترب من البراوز خطوة، تتمعن النظر، فقد افتقدت جدتها كثيراً، كاد اشتياقها لجدتها ينهش قلبها، لتجد من يشبك أصابعه ويتشبث بها، تنظر بجانبها لتجده "رعد" يحتضن كف يدها بيده، أشار لها بعينيه قائلاً:
"هي في مكان أحسن كتير دلوقتي ياميرا." "وده اللي مهون عليا يارعد، أني متأكدة إنها في مكان أحسن." "طبعاً مش مامتها، أكيد ماما هتطلع لتيته، إيه الذكاء ده." ترك "رعد" يد "ميرا" حاملاً الطفلة بين ذراعيه: "وانتي بقى طالعة شبههم أوي، تعرفي ده؟ قالت والسعادة تغمرها: "بجد؟ قرص "رعد" بيديه على وجنتيها بحنية: "أكيد." نظر "داغر" بجانبه إلى "ميرا": "ميرا اتصليلي بهدير، أكيد زمانها وصلت دلوقتي." "حاضر ياداغر."
أمسكت "ميرا" الهاتف المحمول الخاص بها محاولة الاتصال بها لتجده مغلقاً: "داغر، فونها مقفول." انقبض قلبه عند سماع جملتها قائلاً: "طيب اتصليلي بعز بسرعة." هاتفته سريعاً وعند سماعه صوته، التقط الهاتف من يد "ميرا" مسرعاً: "تليفون هدير مقفول ليه ياعز؟ أخبره عز بما حدث وأن هاتفه معه الآن حتى يصلحه لها. أغلق الاتصال معه وشعر بالقلق، بالرغم مما قاله له عز، ولكن شعوره أجبره على عدم الارتياح. شرد قليلاً حتى أفاقه "رعد"
من شروده: "مالك ياداغر؟ ما قالك إن الفون اتكسر غصب عنها وهو هيصلحه." ليرد عليه قائلاً: "مش عارف، حاسس بحاجة غريبة. اتصليلي بعمي بسرعة ياميرا." ردت "غدير" قائلة: "أيوه اتصل بـ 'بابا'." هزت رأسها بالنفي: "بس أنا مش معايا رقم أنكل منشاوي ياداغر." نظر له "رعد" وجد القلق ينحت ملامحه، حاول أن يبث الطمأنينة بقلبه قائلاً:
"أطمن، أكيد تعبانة من السفر ونايمة دلوقتي. ماتنساش إنها حامل. لو ما حاولت تتصل بيك على بالليل، هروح لها كلنا." ***
كان الليل قد حل بنسماته المنعشة والأجواء المعتدلة. يجلس هو وحيداً يبحث عنها بكل مكان بالمزرعة، حتى التقط رائحتها. رائحتها مميزة بالنسبة له، يستطيع تمييز رائحتها من بين نساء الأرض جميعاً. وقف أمامها مباشرةً، أخذ يطالعها من جديد، وجدها تحاول التهرب من عينيه، تتجنب النظر إليه بشتى الطرق. تتحرك خطوة يساراً يتحرك خطوة معها، تتحرك جهة اليمين يتحرك معها. تأففت هي ثم أردفت: "ماذا تريد ياعمار؟ "أريدك." "ولكني لا أريدك."
"بتكذبين، إنتي عايزاني زي ما أنا عايزك بالظبط." تأففت قائلة: "من منا الكاذب هنا؟ إذا كان بيننا كاذب فهو أنت، لست أنا." مرر أصابعه بين خصلات شعره بضجر: "أنا فاهم تقصدي إيه ياشمس، بس أنا ما كذبتش عليكي. إنتِ ما صارحتنيش بديانتك، فأنتِ مسيحي وأنا مسلمة، كيف لك ذلك؟ لقد طلبت يدي للزواج وأنت مسيحي، أين عقلك ياعمار؟ رد عليها مسرعاً دون تردد: "مش موجود، عقلي ما كانش موجود، أو، أو كان موجود وإنتي جيتي طيرتيه."
أغمضت عينيها متأففة وتركته خلفها. ليأتي بلحظة يقف أمامها من جديد: "ما تمشيش وأنا بكلمك ياشمس، اسمعيني على الأقل، اديني فرصة أشرح لك، خلينا نسوي أي خلافات ما بينا النهارده." رفع معصم يده وأشار بعينيه لها أن تنظر إليه:
"بصي.. بصي على معصم أيدي، مش هتلاقي صليب. أنا اسمي عمار، ما فيش مسيحي اسمه عمار. أمي وأنا صغير ما كانتش بترضى تاخدني معاها الكنيسة على عكس أخويا واختي. مارال قالتلي إنها قبل ما تيجي كانت أمي أسلمت، وفي الآخر عرفت إنها مش أمي من أساسه، دول مش أهلي. أنا عمري ما روحت كنيسة في يوم وده مش بإرادتي، ده كان غصب عني، ما كانش حد من أهلي بيوافق. كل دي حاجات تدل على إني مسلم. عمري ما حسيت في يوم إني مسيحي، بس في نفس الوقت مش هكذب عليكي، عمري ما دخلت جامع ولا صليت ولا قرأت قرآن. كنت مشتت، أو كنت خايف، مش عارف. بس اللي أعرفه ومتأكد منه إن ديانتي عمرها ما كانت هتبقى عائق لحبي ليكي ياشمس، لأني كنت على أتم استعداد إني أضحي بأي حاجة في سبيل إني أكون معاكي."
انتبهت لحديثه باهتمام زائد: "عايزك تعرفي إن غيرتي عليكي مش شك فيكي أو عدم ثقة. غيرتي عليكي تعرفك إنك تخصيني، إنتِ خط أحمر بالنسبالي ياشمس. أنا عايز أبدأ معاكي صفحة جديدة خالية من المشاكل، مش عايز المشاكل تعرف لنا طريق تاني، اديني فرصة وأوعدك هتغير عشانك المرة دي." عم الصمت الأرجاء ينتظر ردها على ما قاله منذ قليل، فأردفت قائلة: "حسناً، إذا كنت تريد لعلاقتنا فرصة ثانية، أصلح علاقتك بـ 'ياسين'." ضغط على أسنانه
وتمكن الغضب منه بثواني: "تاني، تاني ياشمس؟ قوليلي ليه؟ ليه عايزاني أقرب منه؟ أمسكت بكف يده بعيون دامعة تملؤها الرجاء: "كنت تخبرني منذ لحظات إنك على أتم الاستعداد أن تفعل أي شيء لأجلي، فقط افعل ما أخبرتك به دون أسئلة. ثق بي مثلما وثقت بك. ارجوك يا عمار، فهذا ما أريده منك الآن. دعنا ننهي خلافاتنا جميعاً، ضع يدك بيده لكي نفوز بالمعركة. وأما عن إسلامك فدع هذه المسألة لي. القرار قرارك الآن."
ضغط بأسنه على شفته السفلية، أخذ يفكر وهو يمرر أصابعه بين خصلات شعره، يضع ياسين أمامه فهو يمقت، وبعد تفكير وافق لأجلها أن يتعاونوا معاً. "موافق ياشمس، موافق عشان خاطرك." وافق عمار أخيراً بعد معاناة طويلة أن يضع يده بيد ألد أعدائه، وبنفس اللحظة هو أقرب إليه من نفسه، ولكن لا يعلم بذلك. ياترى إيه اللي هيحصل لما ياسين يحط إيده في إيد عمار ويبقوا إيد واحدة؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!