برقت عيناها بلمعان غريب، ثم أخرجت صوتًا أشبه بالزفير المكتوم. "أنا لازم أموت عشان أنت تعيش." ضغطت على المكابح مرة أخرى، ولم يبقَ بينها وبين المنحدر سوى متر واحد. اندفع "ياسين" بشكل تلقائي داخل السيارة. "إيه ده! بتعمل إيه يامجنون؟ " صرخت.
اضطربت حقًا في هذه اللحظة، وحاولت الضغط على المكابح بكل ما أوتيت من قوة، لكن الوقت كان قد فات. توقفت السيارة، لكن الإطارات الأمامية كانت معلقة في الهواء، والإطارات الخلفية تلامس المنحدر. كانت بين السماء والأرض. قبضت على المقود بقوة، ورعشة تسري في جسدها. سألته بصوت يختنقه المرارة، ربما ليجد إجابة تريحها: "إيه اللي خلاك تعمل كده؟ ركبت معايا ليه ياياسين؟
طمأنها "ياسين" بنظراته، ولامست يده يدها القابضة على المقود بحنان. قال وعيونهما لا تتفارق، وأعطاها ابتسامة رقيقة قبل أن يقول: "عشان ماقدرتش ياشمس. مش قادر أخسرك. زهقتي من الدنيا وشايفة مشاكلها كبيرة عليكي، وماقدرتيش تقفي في وشها، وقررتي تموتي نفسك." تسارعت أنفاسها، وكتمت بكاءها بالإجبار، راغبة في أن تستمع للمزيد. ابتلع هو غصة مريرة في حلقه وقال بصدق نابع من قلبه:
"عايزة تخلصي من حياتك، معنديش مشكلة، بس خوديني للموت معاكي. ماتسبينيش لوحدي هنا." تأرجحت السيارة ببطء نحو الأسفل. عم الصمت، ولم يأتِ رد منها. تحدث من جديد، ورفع قدمه ببطء، وضغط على قدمها الموضوعة على المكابح برفق: "القرار قرارك ياشمس. يا نعيش سوا، يا نموت سوا." استرسل حديثه، وحاصرها بنظراته الحانية: "لا حياة لي بدونك. أما معًا، أو معًا."
تسارعت أنفاسها، ورأت الموت أمامها. كان المنحدر شديد الارتفاع. تحركت السيارة مرة أخرى إلى الأسفل. لم يتحدث بحرف واحد، فقط طالعها، وطالع تعابير وجهها. كان ردها كالتالي: "يبقى نموت سوا." ابتسم ابتسامة حانية ارتسمت على ثغره، وأشار برأسه بالإجابة، يردد آخر كلماتها، ويضع قدمه على قدمها، ويضغط على المكابح بقوة وهو يقول: "يبقى نموت سوا." *** "منذ شهر مضى"
أطبق الصمت على منزل "الصاوي" بعد قول شمس الذي نجح في سلب انتباه الجميع. أما "ياسين"، فقد داهمه السباق في دقات قلبه. أغمض عينيه وهو يستمع إلى ردها من جديد: "موافقة." صدحت الزغاريط في المنزل مرة أخرى من "زهره". ابتسمت "مشيره" بعد موافقتها هذه. ارتسمت بسمة عريضة على وجه "فريد"، وكأنها بسمة شماتة. طالع "ياسين" بها. تبادل الجميع النظرات، التي قطعها "ياسين" بقوله: "شمس، عايزك جوه."
خرجت كلماته بنبرة حادة. حركت رأسها بالإيجاب، وتبعته بخطواته. تحركت "زهره" لتمنعها من الرحيل خلفه، لكن هناك من أوقفها عن التقدم خطوة واحدة للأمام، وهو "الطبيب". نظر لها نظرة خاوية، وكأنه يخبـرها إذا تحركت خطوة أخرى للأمام، سينقطع بينهما كل شيء. ابتـلعت "زهره" ريقها دون حراك، وهي ترى ابنتها تبتعد عنها. فقال "فريد" وهو يعتدل بجلسته: "أفتكر كده ياخاله، معندكيش مانع على جوازنا." أشار بعينيه على "زهره" التي لا تستطيع كتم
سعادتها التي تغمرها الآن: "وافتكر برضوا إن مامتها موافقة. يبقى على بركة الله، هجيب والدي ووالدتي على الخميس اللي جاي، نقعد ونتفق رسمي." قال كلماته وهو يستعد للنهوض من على مقعده، فألمح بنبرة بها من التهديد ما يكفي: "مع إن والدي، زي ما أنتِ عارفة ياخاله، راجل مهم أوي في البلد، والناس كلها هي اللي بتجيله، حتى لو هو اللي عايزهم. بس نعمل إيه، يلا كله عشان خاطر شمس. هجيبه وأجي."
اتجهت "الخاله" ناحية "فريد"، وقد فهمت تهديده، قائلة: "مابحبش الكلام الملفوف. اللي تفضل تلف حواليه عشان تعرفني معناه. نبرة التهديد اللي في صوتك مش لايقة عليك يا ولدي. عيلة الصاوي مابتتهدش، ولو شمس حباك وعايزاك، ما عليا غير إني أوافق، وما أقفش في طريق سعادتها في يوم." ابتـلع "فريد" ريقه وهو يبرر: "أنا ما قصدتش ياخاله حكيمة، أنا قصدت... فبترت حديثه بحدة، وهي تضرب الأرض بعكازها وتقول:
"قصدك وصل خلاص، وطلبك عرفناه. سيبنا نشاور عقلنا ونفكر، وردنا هيوصلك في الوقت المناسب." استخدمت طريقته الملفوفة لتطرده من منزلها بطريق غير مباشر، ففهم هو وقال بتحدي، بعدما رأت الخاله الإصرار بعينيه: "أنا مستني رأيكم، بس مش هستنى كتير ياخاله." قال كلماته، واتجه ناحية الباب. وفي أثناء خطواته للخارج، سمع صوت شيء يحطم. فظهرت على ثغره ابتسامة رضا لما يشعر به "ياسين" الآن. فجاء "الطبيب" من خلفه، يحثه على الخروج،
ويشير بيده إلى الخارج: "شرفت يا فريد." طالع "فريد" بكبر قائلاً: "عارف." *** أسرعت "الخاله" في خطواتها إلى غرفة الضيوف عند سماعها تحطيم كل ما بها. دقت الباب بعنف، ودقات الباب امتزجت بدقات قلب "ياسين". فقالت بنبرة متوترة: "افتح ياياسين عشان نتفاهم يا ولدي." عم الصمت، ولم يأتِ رد منه. لم يفتح الباب، ولم يحدثها. فاستأذنت شمس من الخاله قائلة: "أرجوكي سيبنا يا خاله." استمعت "الخاله" إلى شمس، ثم نطقت بنبرة تحذيرية
من خلف الباب وهي تردد: "إياك ياياسين تأذيها." وأكملت بقولها بنبرة منخفضة واثقة مما تقول: "مع إني عارفة يا ولدي إنك لا يمكن تأذيها." أشارت برأسها للجميع بالابتعاد، ورحلت. والكل يتتبعها، لا أحد يفهم شيئًا مما يحدث. أما هي، عن "شمس"، فكانت وحيدة معه بداخل الغرفة. تتسارع أنفاسها. ما تراه على وجه "ياسين" ليس بالهين أبدًا. فأخذت تطالعه بصمت، وهو يقول:
"لما سألتك في القطر، كنتي مع فريد. كذبتي عليا، وقولتيلي مافيش حاجة اسمها فريد. كنتي معاه وقتها؟ حتى إجابته على سؤاله حرمته منه. قابلت سؤاله بالصمت، وعذبته بصمتها. فأخذ يردد بحيرة: "طب وعمار نسيته؟ نسيتي ضحى عشانك إزاي؟ نسيتي حبك قد إيه؟ ده ضحى بكل حاجة عشانك، وأنتِ عمرك ما حبتيه."
أتت انفجارها الآن على هيئة بكاء. انخرطت فيه عند سماع اسمه. فنطق بنبرة بعيدة تمامًا عن صوته، تحولت نبرة صوته إلى أخرى تعرفها جيدًا. نبرة بها من الغيرة وحب التملك، نبرة عمار وهو يقول: "حتى يوم المعركة، كنت واقف أنا وياسين. إحنا الاتنين كنا قدامك. إحنا الاتنين كنا مستنيين نشوفك هتتحامي في مين. لقيتك وقتها اتحاميتي في ياسين." دخل حربًا مع نفسه. نعم، هي حرب لم تكن هينة أبدًا. فقبض بكفه على مرفقها بقوة، قائلاً:
"فاكرة اتحاميتي في مين؟ فاكرة روحتي لمين ياشمس؟ لم تخف هذه المرة من نبرة صوته المتغيرة، فقد اعتادت عليها. ترغب في الرد وبشدة، تتمنى أن تدافع عن نفسها باستـماتة. فأخبرته بعكس ما بداخلها: "مش فاكرة. مش فاكرة عشان نسيتك، ونسيت يوم المعركة بكل تفاصيله. فات عشر سنين، عايزني افتكر إزاي؟ ابتـلعت ريقها، تتنهد بعمق، تمسح بكف يدها على وجنتيها من كثرة دموعها. تخرج كلماتها من بين شهقاتها:
"كلكم عشتوا حياتكم، إلا أنا. كل واحد حب واتحب. حتى أنت ياياسين، خطبت وهتتجوز. مشيرة له. مستكثر عليا إني كمان أحب زي ما أنت حبيت. كتير عليا إني أشوف حياتي زيكم." فختمت بما يمزق فؤاده: "أنا بحب فريد، وهتجوزه ياياسين." انتزعت مرفقها من كفه بقوة. يراها تبتعد عنه. فتحدث بما أوقفه، وهو يحاول إخفاء حزنه تحت قناع البرود: "تستاهليه. تستاهلي فريد ياشمس." تركها ورحل، يصفع الباب خلفه. ومازالت هي تقف بالداخل. تجمدت قدماها. تنخرط
في ذكرى حقيقة ما حدث: كان الجميع بمنزل "يزن" ينتظرون استيقاظ "ياسين". فاستأذن "يزن" من الجميع وهو يقول: "البيت بيتك ياخاله طبعاً. بس تسمحيلي أنزل أنا وساره نكمل التحاليل والأشعة اللي جينا القاهرة عشانها." "خد راحتك يا ولدي. أنا كمان هدخل أريح شوية. طول الليل ماغمضتليش عين." ابتسمت "ساره" قبل أن تقول: "هاخد "شمس" معايا ياخاله. إيه رأيك ياشمس تيجي معانا؟ وقبل أن ترفض، قاطعتها الخاله قائلة:
"روحي معاهم ياشمس. ماتسبيش ساره لوحدها يا بتي." تبادلت شمس النظرات المقيته من مشيره، فوافقت وهي تشير برأسها بالإجابة. *** هما الآن هنا على الطريق، حيث القاهرة المزدحمة، والسيارات الكثيرة، وكأنهم في سباق شرس. وبعد كثير من الوقت، وصلا أخيرًا إلى وجهتهم. هبط "يزن" مسرعًا، يفتح باب السيارة بجوار ساره. فابتسمت ساره بدهشة: "إيه الرضا ده كله؟ كل ده عشان تعبانة شوية. أنا على كده بقى هبقى عايزة أتعب على طول." فرد "يزن" بلهفة:
"بعد الشر عليكي من التعب. اطمن بس عليكي، وهتشوفي مني تغيير تاني خالص ياساره." تابعت حديثها وهي تتجه إلى الداخل: "أنا مش عايزك تتغير يايزن. أنا حبيتك بعيوبك قبل مميزاتك. أنت عيوبك في نظري مميزات. ربنا ما يحرمني منك ياساره." "ربنا يخليكم لبعض." ابتسمت "شمس" من خلفهم. دخل الجميع إلى غرفة الأشعة. انتظرتهم "شمس" بالخارج. فلمحت آخر شخص توقعت وجوده هنا، هو أول شخص وقعت عيناها عليه. إنه "فريد". وجدته يقترب منها قائلاً
بنبرة خبيثة: "أخيرًا لقيتك ياشموسـتي. يا شيخة، ده أنتِ لففتيني وراكي القاهرة وضواحيها." "إنتَ عرفت مكاني منين؟ " كان هذا سؤالها وهي تنظر له نظرة مقيته، تعبر عما بداخلها تجاهه. "تؤ تؤ تؤ، ياشموسـتي. ما أحبكيش تكلميني بالنبرة دي. أنتِ ماتعرفيش إن أعرف أجيب النملة من جحرها، مش هعرف أنتِ فين يا قلبي." "قلبي؟ كان حديثه معها صريحًا. فأكمل هو للتأكيد على كلامه: "آه قلبي. وقلبي مش كتير عليكي كمان."
استغربت هي من نظراته ونبرة صوته المتغيرة، على عكس العادة. فقامت تتحرك من أمامه قائلة: "أنا ماشية. أنا مش عارفة أصلًا إيه اللي مخليني واقفة مع واحد زيك." أوقفها هو بعدما قبض على ذراعها بكفه قائلاً: "الظاهر إنك ناسية تليفونك في أسيوط. ما أنتِ لو كنتي شفتي الفيديو اللي بعتهولك، كان زمانك ماسكة فيا بإيدك وسنانك." "أنا ماشوفتش فيديوهات، ومش هشوف." انحنى بجانب أذنها يهمس بقول:
"خلاص، يبقى مصر كلها هتشوف العيلة الكريمة، ويعرفوا حقيقتكم. وحقيقة ياسين الصاوي. تخيلي كده لما الكل يعرف ويشوف سرعته وعنيه اللي بتقلب للون الأحمر، وإزاي اترمى عليه مايه نار مركزة، ومحاولتوش حتى تجيبوه المستشفى." فاسترسل حديثه بنبرة سائلة: "إلا قوليلي صحيح، هو انتوا ما جبتوهوش المستشفى ليه؟ استغربت هذا. هل حقًا علم حقيقته؟ ملامح وجهه يظهر عليها التأكد من كل كلمة سردها الآن. فقالت تفرك بأصابعها بتردد:
"وهنجيبه المستشفى ليه؟ هو بخير ومافيهوش حاجة." ضرب بكف يده وهو يؤكد على حديثها: "بالظبط، ده اللي كنت عايز أقوله. إنه كويس ومافيهوش حاجة بالرغم من الفيديو ده." أعطاها هاتفه وهو يضغط على زر تشغيل الفيديو قائلاً: "شوف سرعته عاملة إزاي، رهيبة يا أخي. لأ، وعرف ينقذك في الوقت المناسب. بطل. بصراحة، أنا شايفه بطل." لم يخفِ عليها التعبير الساخر الذي ارتسم على وجهه:
"بس لو مكانش حضنك. أصل أنا بغير، ما بحبش الست بتاعتي يلمسها غيري." تسارعت دقات قلبها من جديد. شعرت وكأن كل شيء يقف ضدها الآن. فقالت بنبرة منخفضة: "عايز إيه دلوقتي يافريد؟ فقال دون تردد: "عايزك." "قليل الأدب وبجح! " قالتها بتهكم بعدما سيطر عليها الغضب. رافعة يدها لتصفعه على وجنتيه. فقبض بكفه كف يدها قبل أن تصفعه قائلاً ببرود: "إيه ده؟ أنتِ فكرتي إيه؟
طلع تفكيرك شمال. أنا مش وحش أوي كده، مع إني مع غيرك وحش. بس أنتِ غير أي حد. أنا استنيتك السنين دي كلها، ومش مستعد أستنى أكتر من كده. أنا عايزك في الحلال، عشان أنتِ بنت حلال. شوفتي أنا مؤدب إزاي." ترك معصم يدها وهو يبتعد ببطء قائلاً بنبرة تحذيرية:
"فكري كويس، وما ترديش دلوقتي. واعرفي إن مش بس ياسين اللي هيتأذى، ده كل أهلك هيتأذوا معاه. وأولهم الحجة الوالدة. أصل ماينفعش يكون متسترين على كائن مرعب زي ده، ونسيبهم في حالهم كده." فاقت من ذكراها على صوت والدتها وهي تقول: "عملك إيه المؤذي ده؟ قوليلي ياسين إذاكي؟ كسا الحزن تقاسيم وجه "شمس". تركتها خلفها وأغلقت باب غرفتها بإحكام. أمسكت بهاتفها الخلوي، تعيد تشغيل الفيديو من جديد. فأتتها رسالة نصية من ساره عبر الواتساب،
تبعث لها بصورة قائلة: "الصورة دي صورتها لك أنتِ وياسين لما كنتوا نايمين وماسكين إيد بعض. معرفش صورتها ليه، بس حسيت إنك ممكن تحتاجيها في يوم." لم تجب عليها. طالعت الصورة بعيون دامعة. استغرقت وقتًا طويلًا للإجابة، وهي تكتب قائلة: "إحساسك غلط. ما افتكرش إني ممكن أحتاجها في يوم." ***
الأمر أصبح أصعب من كل شيء. إنه الألم الذي يأكل في روحه الآن. وكأنه كلما شعر بأنه يستطيع التحمل، زادت آلامه أضعافًا، حتى تثبت عكس ذلك. ساقته قدماه إلى حيث المكان الذي يشعره بأنه حي يرزق. يجلس على المقعد بجواره "عم نصير". يمد يده بكوب الشاي الساخن له، وهو يقول: "والله زمان ياياسين. وحشتني قعدتك معايا يابني." تحدث "ياسين" وهو يتناول كوب الشاي من يده: "أنت أكتر يا عم نصير. بقالنا سنين مارجعناش نقعد نفس قعدتنا دي سوا."
طالع البحيرة أمامه بماءها الصافي. تستطيع أن ترى السمك الصغير بداخلها من كثرة نقائها. فابتسم، ولكنها ابتسامة حزينة، وكأنه يخرج حزنه بابتسامته، قائلاً: "حاسس إن كل حاجة اتغيرت. مابقاش في حاجة تأثر فيا زي زمان." جملته الأخيرة أدارت كفة الحديث تمامًا، حيث علم "عم نصير" ما بداخله من ألم، فتحدث نافيًا ما قال:
"لأ، كل حاجة زي ما هي. ماتغيرتش ياياسين. البحيرة الصافية لسه صافية، والقمر لسه منور في سماه، ماتغيرش. صفاء وهدوء القرية موجود، ونسمات الهوا اللي بتحرك ورق الشجر. وقلبك بيفرح بيك لسه، بينعش روحك للحظة دي. بس في حاجة واحدة بس هي اللي اتغيرت يا ولدي." ترك "ياسين" مقعده واستقام واقفًا. يتحرك ناحية البحيرة. زين ثغره ابتسامة هادئة، تبعها قوله: "ماتقولش أنا اللي اتغيرت يا عم نصير." اقترب منه، يتكئ على عكازه،
يربت على كتفه برفق: "يبقى أنتَ عارف من غير ما أقول يا ولدي." نبرة "عم نصير" الهادئة وصوته في أذنه جعلت عيناه تلمع بالدموع، وكأنه يريد فقط أن يربت أحد ما عليه حتى ينفجر بالبكاء. لمح "عم نصير" الدموع في مقلتيه هو الآخر، وحدثه بدموع تحت نظراته: "مالك يابني؟ فيك إيه ياياسين؟ حاسس إن جواك وجع يهـد الحيل. احكيلي زي زمان. مش هتلاقي حضن يسيع همك قد حضني يابني."
سمع "ياسين" كلماته، وحينها فقط استطاع البكاء بحرية، كما كان يفعل بالسابق بين أحضانه. حاوطه "عم نصير" بذراعيه، فشعر بدفء قلبه بين أحضانه. أخذ يبكي، تنهمر الدموع من مقلتيه بدون وعي. تركه "عم نصير" يخرج ما بقلبه من حزن على هيئة دموع، حتى شعر بارتياح قلبه. فسأله قائلاً: "قولي ياياسين، بتبكي ليه يا ولدي؟ ابتعد "ياسين" عن أحضانه، يخرج كلماته من بين دموعه: "الشاي. الشاي اللي أنتَ عامله ياعم نصير وحش أوي."
ضربه بخفة على كتفه ضاحكًا: "ما أنا قولت 100 مرة، مابعرفش أعمل شاي." فأخبره "ياسين" بعيون ممزوجة بالدموع، يحاول إخراج ابتسامة بسيطة من بين دموعه: "ولا أنا." فابتسم يقول بصدق نابع من قلبه: "ماتحبسش البكا في عيونك ياياسين." لمعت عيناه أكثر، حيث أثر الألم الذي بداخله ما زال بهما: "أنا تعبان. تعبان أوي يا عم نصير." ***
غادرت "غدير" تسأل عن أقرب ورشة لتصليح العجل. فأدلها أحد ما على أقرب ورشة خارج القرية. وبعد أن تعبت بالبحث عنها، وجدتها أخيرًا. دلفت داخل الورشة، تبحث بعينيها هنا وهناك على أمل أن تجد أحدًا ما بداخلها، ولكن دون جدوى. فوجدت دراجتها بجانب ركن صغير. ابتسمت، تتجه ناحيتها. تنحني وهي تنظر إلى الإطارات، فوجدتها سليمة. ابتسمت بفرحة وهي تستعد للنهوض من جديد. تصطدم به، فانزلقت على الأرضية وهي تتشبث به، تحاول ألا تنزلق، ولكن دون جدوى. فنطق هو قائلاً:
"خلي بالك. خلي بالك يا آنسة. حاسبي. حاسبي." فأخذته معها وانزلقوا هما الاثنان سوياً، وأصبحت فوقه الآن، تطالعه بعيون دامعة: "أنا آسفة والله العظيم، ما كانش قصدي. ما كانش قصدي." قامت من فوقه مسرعة، تنفض ملابسها من جديد. فقال بنبرة متهكمة: "هو كل مرة ما كانش قصدك. حاسس إن أجلي هيبقى على إيدك." قالها "الشاب" وقد انكمش حاجباه بغضب، فأصبحت هي أمامه معاتبة: "إنتَ أصلًا اللي غلطان. كل شوية تطلع في وشي."
وضع المنشفة الصغيرة الخاصة به على كتفه، يحضر لها دراجتها: "وفي الآخر بقيت أنا الغلطان كمان. طيب يا ستي، عجـ ـلتك أهيه." انتزعتها من يده بقوة وهي تقول: "عايز كام؟ هز رأسه باسماً، يرى الغضب بعينيها. فرد قائلاً بهدوء يحاول أن يمتص غضبها: "خليها عليا المرة دي. أنا عجلاتي صحيح، بس أفهم في الواجب. أول مرة دائمًا بتبقى عليا، عشان أبقى أشوفك تاني." تبادل كلاهما النظرات. فقالت بعيون حائرة: "ما أفتكرش إننا هنشوف بعض تاني يا...
فأجاب باسمه دون أن تسأل: "بدر. اسمي بدر." هزت كتفها بعدم اهتمام، تتركه وترحل وهي تقول: "وأنا ماسألتش أصلًا." فأشار هو بيده يراها تبتعد عنه: "من غير تسألي، عارف إنك عايزة تعرفي اسمي." ابتسمت ابتسامة بسيطة وهي تقود دراجتها دون أن تلتفت له قائلة: "عجلاتي صحيح." *** مرت عدة ساعات. وكالعادة، الليل يفرض نفسه على الأجواء. يجلس "بربروس" بعد صلاة العشاء في المنتصف، ومن حوله أطفال الحارة يحفظهم آيات الله، قائلاً بصوته العذب:
"قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ." فردد الأطفال من خلفه: "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ." فقال يتابع: "وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ." فقاطعه "أبو المعاطي" وهو يهرول ممسكًا بكف يده الهاتف المحمول يقول بنفس متقطع: "يا شيخنا.. يا شيخ بربروس، قافل تليفونك ليه بس؟ سأله باستغراب وهو ممسك بسبحته يقلب حباتها: "ماذا دهاك يا رجل؟
ألا ترى، فأنا في جلسة تعليم القرآن الكريم." أجابه "أبو المعاطي" باهتمام امتزج بإلحاحه: "أستاذة مارال عايزة حضرتك. اتصلت كذا مرة، لقيت تليفونك مقفول." حمـحم بربروس، ينظر للأطفال وهو يغادر الجلسة قائلاً: "حسنًا أيها الأطفال، سأترككم لدقائق." أمسك بربروس بالهاتف، يغادر المسجد، فسمعها تقول: "بيدقوس، عايزة أشوفك حالًا." فسألها سؤال مبهم: "أأنتِ بخير؟ "أيوه بخير. أنا مستنياك على أول الشارع. ما تتأخرش."
فأجاب بالموافقة على الفور، تاركًا الأطفال خلفه. *** كانت تنظر لعينيه، منتظرة ردة فعل. أما هو، فكان في عالم آخر. تنتظر إجابة لسؤالها. وعندما لم تجد منه ردًا، كررت سؤالها من جديد: "الأشعة فيها إيه يايزن؟ صمت دون رد. لاحت إلى ذاكرته ذكرى بسيطة، عندما أخبره الطبيب بضرورة إخبارها بحقيقة مرضها اللعين، فيجب عليها البدء بالعلاج في الحال. شعر قلبها الآن بأن هناك شيئًا ما. شيئًا أكثر من مجرد هذيان أو إرهاق. فابتسمت
وهي تبلع ريقها ببطء: "أنا تعبانة يايزن، صح؟ مش.. مش مجرد دوخة وشوية صداع. هو.. هو المرض ده اللي عندي اللي اسمه... قام هو من على الأريكة بعدما وضع كف يده على فمها. تلاقت أعينهما بعدما حاوطت عينيه عيناها، قائلاً ببسمة حانية: "هوش. ماتنطقيش اسمه. إحنا مش هنقول اسمه خالص. ولا أقولك، تعالي نسميه المرض الوحش. حاجة مش حلوة دخلت ما بينا، بس إحنا مهما يحصل ما بينا، اللي داخل ما بينا خارج، صح ياساره؟
إحنا مافيش حاجة ممكن تفرقنا عن بعض، حتى لو المرض الوحش ده." نزلت دموعه وهو يقف أمامها، يستكمل حديثه: "أنا مش هسيبك. هنهزم المرض ده سوا ياساره. زي ما هزمنا كل حاجة سوا، وفضلنا مكملين. تفتكري مرض بسيط زي ده ممكن يهزمنا ويبعدنا عن بعض؟ لم تستطع كبت ألمها الذي بداخلها، فاستدارت تعطيه ظهرها. يكسو الحزن معالم وجهها. فأخبرته بما صدمه: "أنا كنت عارفة يايزن." استغرب مما قالته للتو، فاستدار يقف أمامها بعدما قبض حاجبه باستغراب:
"عارفة؟ "آه. كنت عارفة، أو كنت حاسة، بس بكذب نفسي. مكنتش عايزة أصدق. كان نفسي أكمل حياتي معاك. كنت.. كنت نفسي نتجوز ونجيب منك أطفال ونشيخ سوا. عشان كده كنت بكذب." مسحت بكف يدها أنفها المبتل، تسترسل حديثها: "أصل.. أصل بيقولوا اتفائلوا بالخير تجدوه. وأنا كنت دايما بتفائل إن هكون بخير، ومافيش حاجة. عشان.. عشان أفضل جنبك وأبقى معاك يايزن. بس الظاهر إن ربنا.. ربنا مش رايد."
فقاطعه هو حديثها بلهفة، يغزو الحزن تعابير عينيه قائلاً: "مين قال كده؟ أنتِ هتتعالجي وهتخفي، وهنتجوز، وهجيب منك عيال كتير أوي. هنربيهم سوا. أنا وأنتِ ياساره. أنا وأنتِ سوا."
مسح الدموع من على وجنتيها بلطف، فلم يستطع منع نفسه عنها في هذه اللحظة. أخذ يمسح على ملامحها برفق بظهر يده، ينظر إليها بشوق. على الرغم من أنها أمامه، طالع شفتيها بشوق. فمنع نفسه عنها، بالرغم من رغبته الملحة لفعلها. فطبع قبلة على جبينها، يضمها لصدره بحنان قائلاً بحب: "بحبك ياساره. ده أنتِ الوحيدة اللي حبك عشّش جوه القلب بضمير." *** يجلس معه في غرفة المكتب، ينتظر حديثه. فتردد "فريد" وهو يقول:
"بابا.. بابا، أنا كنت عايزك في موضوع ضروري." انتزع والده نظارته الخاصة بالقراءة، يلقي بها على المكتب. فنصت إليه باهتمام: "وأنا مستني أشوفك هتقول إيه. بقالك ساعة بتقول عايزني ضروري يافريد. ما تنطق." دلفت والدته إلى المكتب، تتبعها الخادمة وهي تقول: "حطي القهوة على المكتب يا وفاء." وضعت الخادمة فنجان القهوة، مغادرة المكتب وهي تقفل الباب من خلفها. فقالت والدته وهي تضع قدمًا على الأخرى، تجلس مقابله:
"ما تقول يافريد، مالك." نبرة برعت في إخراجها وهو متأثرًا يقول: "أنا عايز أتـ ـجوز." ابتسم والده بسمة ساخرة: "وإنت عامل كل ده والقلق اللي إنت فيه ده كله عشان عايز تتـ ـجوز؟ وماله، نجوزك. أنا كتير كنت بقولك إنك خلاص عديت الثلاثين ولازم تتـ ـجوز، وأنت اللي كنت بترفض." طالعته والدته بنظرة شك قائلة: "استنى إنت يادمنهوري. هو إنت ناوي بقى تتـ ـجوز مين؟ أوْعى تقول البنت اللي مغلباك بقالها سنين." "بنت.. بنت مين؟
" كان هذا سؤال والده الذي سأله بعدم فهم. فأجابت والدته بسخرية: "بت كده مش عارفة، في قرية إيه في ضواحي الصعيد." "ماما، أرجوكي اسمها شمس. ما اسمهاش بت. والكتكوته بقى رضيت عليك أخيرًا." قالتها والدته بعدم رضا، وكان الارتباك هو المسيطر على وجه فرد، قائلاً: "ماما، شمس غير كل البنات اللي عرفتهم. هي بس مؤدبة حبتين، عشان كده مكانتش بتوافق عليا. لكن لما اتقدمتلها... بتر والده حديثه: "لما إيه؟ إنت كمان اتقدمتلها؟
"لأ يابابا، ده كان مجرد كلام مش أكتر. بس الاتفاق هيبقى مع حضرتك." "وأنا مش موافق على الجوازة دي." قالها بحزم، وعاد يواصل حديثه: "اسمع يافريد، في حركة تنقلات في الوزارة الأيام دي، وأنا عايز أعزز موقفي. وكنت شوفتلك بنت.. بنت من توبنا، بنت مسؤول كبير في الدولة." رد بانفعال: "طب وأنا؟ فسأله هو الآخر: "إنتَ إيه يافريد؟ فقال بتهكم: "أنا رأيي فين؟
اسمعني يا والدي كويس. أنا الخميس الجاي هااروح وأتفق معاهم على كل شيء، سواء كنت موجود أو لأ. فأنا مش هتـ ـجوز غير شمس. وعلى فكرة يا أمي، شمس مش مجرد بنت من القرية. شمس بنت عيلة كبيرة في الصعيد. لو حابة تيجي معايا تشوفيها، أهلاً وسهلاً. مش حابة، مش هغصب على حد فيكم." ***
مرور الأيام أصبح كمرور الساعات. تمر الأيام سريعًا. أشعة الشمس الذهبية ملأت منزل "الصاوي". يجلس فريد بعد إصرار من "شمس" بموافقتها عليه، بغرفة الضيوف. تجلس الخاله معه، تتفق على كل شيء. تجاورها والدته رغماً عنها، قائلة بتهكم: "مش قبل ما نتفق نشوف العروسة الأول، على الأقل." قالتها بكبر. فردت مشيرة على الفور: "والدتها راحت تنادي عليها. إنتوا شرفتونا النهارده. أنا هاروح أستعجلهم." خرجت على الفور، تصطدم بـ "ياسين" بالخارج.
فسألها بفضول: "مين جوه مع أمي في أوضة الضيوف؟ أدركت على الفور من عينيه بأنه ليس على ما يرام أبدًا. فردت عليه تصطنع الحزن: "ده فريد ومامته جايين عشان يتفقوا على معاد الفرح." زفر بتعب بعدما رمقها بنظرة وضحت ما بداخله. دخل إلى غرفته، يصفع الباب من خلفه. فدخلت مشيره ورائه قائلة بهدوء: "مالك ياياسين؟ مش على بعضك ليه؟ كل ده عشان شمس هتتجوز." "ما ده اللي إحنا عايزينه. عايزنها تبعد عنك عشان تفضل مع عمار. هو مش عمار معاك؟
مش ده كفاية؟ رفع كفه مانعًا أي استرسال منها في الحديث، وقد انفعل بعد قولها وظهر في رده: "أنا مش زعلان عليها. أنا زعلان على نفسي. زعلان على عمار اللي كنت فاكرها إنها بتحبه. طلعت خاينة وغدارة. طلعت بألف وش. بتدور على مصلحتها وبس. عايزة تتجوز وتخلف وتعيش حياتها وتنساني." عاد يكرر كلماته بتردد: "أقصد تنسانا. تنسـ.. تنسانا." ربتت "مشيره" على كتفه برفق:
"من أول ما شوفتها وأنا قولت عليها خاينة وغدارة. شمس ما حبتكش ياياسين، ولا حبت عمار في يوم. بلاش تخسر عمار عشانها. تعالي نرجع ألمانيا، تعالي نبعد عنها." فأشار برأسه بالإيجاب: "هنرجع. أكيد هنرجع بعد ما آخد يزن وساره معايا عشان تتعالج هناك. أنا وعدته إن إني مش هسيبه. يامشيره، ساره طلع عندها كانسر." فأشفقت عليها مشيره قائلة: "حرام، دي لسه صغيرة." فتنهد قائلاً: "عشان كده مش هسيبهم." فردت هي بما يطمئنه:
"وأنا كمان أعرف دكاترة كتير هناك متخصصين. ومش هنسيبها سوا." فقال بامتنان: "أنا مش عارف أقولك إيه. من ساعة ما قابلتك." فبترت هي حديثه: "ما تقولش. أنا مستعدة أعمل عشانك أي شيء. المهم تكون مرتاح ياياسين. أنت وعمار." فجاءت بشرابه المفضل وهي تضعه بزجاجته المفضلة: "اشرب. أنا عارفة إنك بتحب الشيري كولا." فسمع صوت الزغاريد بالخارج مرة أخرى بعدما اتفق الجميع على موعد كتب الكتاب. فتجرع من الزجاجة ما يكفي. ***
لم تذق النوم، وكيف تعرف له طعمًا بعدما تحدد موعد كتب كتابها قريبًا. لو أنها تعرف كلمة أعمق من كلمة "انطفأت"، لكانت قالتها الآن. فهي لم تشعر بانطفاء روحها مثلما تشعر به الآن. بات قلبها فارغًا، كأنها مدينة بلا نوافذ. فخرجت من غرفتها، ترتدي الشال على كتفيها. ساقته قدماها إليه، إلى قبره. في عتمة الليل، تقف أمام اللوح الرخامي، تنهمر دموعها على وجنتيها، قائلة من بين شهقاتها:
"المكان هنا في الضلمة يخوف، بس بوجودك فيه بطمن. بقدر أقول كل اللي جوايا، وأنا عارفة إنه هيفضل سر ما بينا. برمي حمولي وهمومي عليك، حتى وانت مش موجود. اتحملت مني كتير وانت عايش، وتحملت أكتر وانت ميت. عارفة إني قصرت معاك الفترة اللي فاتت، وما كنتش بجيلك زي الأول. بس الفترة اللي فاتت كنت مشغولة بحاجات كتير." فظهر "ياسين" من خلفها يهمس بأذنها بصوت منخفض: "مشغولة بفريد."
انتفضت بمكانها بعدما دب الذعر بقلبها. تسارعت دقات قلبها من كثرة خوفها. التفتت تراه يشرب مشروبه المفضل، وكأنه بحالة من اللاوعي، بالرغم من أنه مشروب "شيري كولا" خالٍ من أي كحول. فمسحت وجنتيها، تضم الشال على كتفها، تحاول تجاوزه هاربة بعيونها منه: "ياسين، باين عليك مش في وعيك. ياريت تروح دلوقتي." كلماتها مبهمة، جعلت الحيرة تظهر على وجهه. ضم حاجبه باستغراب، ينظر لزجاجته:
"بس أنا مش سكران. أنا في وعيي أوي. دي شيري كولا على فكرة." "طب ممكن تروح دلوقتي؟ كان رده حاسمًا وهو يقول لها: "مش لما أعرف الأول إيه اللي جايبك هنا في وقت زي ده، ياعروسة." كان الارتباك هو السائد والمسيطر. فلم يسعفها إلا أن تبرر وجودها هنا بقول: "جيت كنت بدور على حاجة، ولاقيت نفسي هنا. وماشية دلوقتي على طول." تقدمت خطوة للأمام. فوقف أمامها وكأنه سد منيع. فسحبها من مرفقها، يقربها منه، ويربت على رأسها، ويتكلم مطمئنًا
إياها برفق: "أنتِ مش عايزة فريد ياشمس. شمس، لو في حاجة، قوليلي. لو فريد غصبك على حاجة، اتكلمي وأنا هقفله. مش عارف، في حاجة جوايا بتقول إنك مش عايزاه، مع إن كل حاجة بتقول إنك غدارة وبتاعة مصلحتك. شمس، أنا بسمعك. فكري لآخر لحظة. فكري ياشمس. إنتِ فعلاً بتحبي فريد؟
صمتت للحظات. فقربه منها يزيد توترها، وتعلو دقات قلبها. ليست دقات عادية، بل كهرباء تهز جسدها بأكمله. حين اقترب منها، رفعت عينيها تجاه وجهه، وعينيه الصافيتين تدل على نقائهما. تريد إخباره، تريد البوح بالحمل الثقيل الذي تحمله بداخلها. ولكنها فجأة تذكرت تهديد فريد الدائم لها، ومنصب والده المرموق. تغيرت ملامح وجهها فجأة وهي تقول بصوت حازم: "إنت ليه مش قادر تصدق إني بحبه؟ افهم بقى ياياسين. أنا بحب فريد."
قالت آخر ثلاث كلمات ببطء شديد، تصنعت الصدق ببراعة. فصدق هو ما قالته للتو. تركه لترحل. فقال هو ما أوقفها بغضب: "عمار كان عنده حق لما قالي إنك خاينة، وعمرك ما حبيتي حد فينا. أخدتينا لعبة بين إيديكي، وإحنا.. إحنا كنا هنخسر بعض بسببك." شعرت هي ببوادر نوبة جاءته من جديد. فقررت أن تواجه هذه المرة. خرجت عن صمتها وهي تقول: "قالك إمتى إني خاينة وما حبتش حد فيكم؟
آخر مرة شوفت عمار فيها، كنا في الحرب من عشر سنين، وعمركوا ما اتكلمتوا سوا. آخر مرة عمار مات بين إيديك، وده قبره اللي إنت واقف عنده. عمار مات ياياسين، فوء. بص حواليك. بص إنت فين." صاح بوجهه قائلاً، وكأن العالم كله لا يساع صراخه: "اسكتي ياشمس. اسكتي. ماتقوليش إن عمار مات. عمار ما ماتش." فظهر عمار من خلفها، يطالعه وهو يقول:
"مش قولتلك. مش قولتلك هتقولك إني ميت. مش حذرتك منها، وعرفتك قبل كده قد إيه هي بتكرهنا وعايزانا نبعد عن بعض. شمس دي حية فرقت بينا في الأول، وعايزة تفرق بينا في دلوقتي." لاحظت هي شروده، ينظر خلفها. تصب قطرات العرق على جبينه. ابتـلعت ريقها بخوف، ترددت للحظات بعدما لاحظت "شمس" تلك الرعشة بيده. فزادت بحديثها: "لو هو عايش زي ما إنت بتقول، هو فين؟
خليه يظهر. عايزة أشوفه. خليه يبقى قدامي من جديد ياياسين. ياسين، إنت مريض ولازم تتعالج." طالع ياسين عمار قائلاً بتساؤل: "أظهرلها ياعمار. قولها إنك عايش. ما متتش. عرفها إنك زيفت موتك عشان نفضل سوا. قولها إن القبر ده فاضي، وإنه مافيهوش حد، عشان إنت.. إنت عايش، صح ياعمار؟ إنت عايش."
لم يتلقى منه ردًا. وقفت صورة عمار أمامه دون حراك. اقترب منه ببطء، رفع كف يده بأيد مرتعشة، يريد فعل ما نهاه عنه لسنين، وهو أن يلمسه، يضمه إلى صدره. وجد نفسه يلمس سرابًا. تتحرك صورته بين أصابعه، تبخرت صورته في الهواء. يراها تبتعد عنه. أصابه الدهشة مما حدث الآن، فأخذ يصرخ باسمه: "عمار. ماتسبنيش. عمــــــــار."
لم تستطع قدماه تحمله الآن، فأثنى ركبتيه على الأرض. انحنى بظهره، ودموعه تملأ مقلتيه. هرولت هي، تجلس بجواره، تمسد على وجهه، تعيد خصلات شعره للخلف بحنان: "عمار مات ياياسين. مات ومش هيرجع تاني." نظر إلى الأرضية يقول بصوت مبحوح: "اسكتي." "مات من عشر سنين وقت الحرب." "بقولك اسكتي." اقتربت منه أكثر، تضع رأسه بين كفيها برفق: "العربي طلع قلبه بأيده من جسمه، ومات في حضنك ياياسين."
"بقولك اسكتي. اسكتي. اسكتي ياشمس. اسكتي عشان خاطري اسكتي." نظر إلى الأرضية، ومازالت تقترب منه. تنهمر دموعه منه بشراسة. لا يستوعب عقله ما حدث للتو. فاقتربت منه أكثر، تحاوطه بين ذراعيها بحنان. ***
أن شعور الاختناق مميت. أخذ يستنشق الهواء من حوله، كمن حُرم من الأكسجين. الأضواء بكل مكان تزين منزل الصاوي. عدم شعوره بالارتياح يرهب قلبه الحزين. صوت المزمار يعلو بكل مكان. أتى فريد مع والدته من جديد، ينتظر المأذون على أحر من الجمر، بعدما اتفقت معه الخاله بأنه سيكون في بادئ الأمر كتب كتاب فقط، حتى ليلة الزفاف. دخلت ساره على شمس، وجدتها تقف أمام المرآة، لم ترتدي فستانها حتى الآن.
"ساره، أنتِ لسه ما لبستيش ياشمس. ده العريس بره." ابتـلعت ريقها، تتنهد بعمق: "هلبس ياساره." فقالت بلوم: "ولما أنتِ مش عايزاه، وافقتي عليه من الأول ليه؟ ومتمسكة بيه أوي كده ليه؟ حاولت "شمس" إخفاء حزنها برسم بسمة على وجهها، قائلة: "أنا قولت مش عايزاه. بالعكس، أنا هلبس أهو. معلش ياساره، ممكن تسبيني لوحدي شوية عشان اللبس."
أشارت بالإيجاب، وهي تستعد للمغادرة. التقطت شمس بين كفيها فستانها الأبيض، تستطيع شم رائحة الكفن به. كانت تشعر بأن الموت هو خلاصها. ارتدت فستانها، تقف أمام المرآة، تتخيل ياسين يقف من خلفها، يغلق لها سحاب فستانها برفق، بعدما وضع قبلة حانية على جبينها. ابتسمت ابتسامة رضا، تضع يدها على وجنتيها، حتى أفـاقت من شرودها على صوت زهره قائلة: "لسه ما خلصتيش ياشمس؟ الناس مستنية بره."
أشارت برأسها بالموافقة. ينتظر "ياسين" بالخارج، لا يستطيع رؤيتها تزف على غيره. لم يحتمل قلبه ذلك، وخصوصًا بعدما أعلنت زهره عن قدوم العروس. وضع كف يده على أذنه، خرج يهرول بين الحشود، يتذكر كلماتها وهي تخبره بثقة: "أنا بحب فريد، وعايزاه. ابعد عني بقى، كفاية محاولات ياياسين. أنا مش هتجوز غير فريد." فاق من شروده على اتصال هاتفه، فرد على الاتصال بعدما علم بأنها هي. ابتسم قلبه من جديد. ***
هما الآن على حافة المنحدر، بعدما اتفقا أن يتركا الحياة سوياً. ضغط ياسين على المكابح بقوة، يحاوطها بذراعيه، يخبئها بداخله. فانزلقت السيارة على المنحدر بارتفاع هائل. قبض كفه بكفها، عزم على عدم تركها والموت سوياً. فانزلقت السيارة بسرعة هائلة إلى المياه. اصطدمت السيارة بالمياه على ارتفاع شاهق بسرعة مهولة. امتلأت السيارة بالمياه بكل مكان. ففتح كل منهما عينيه تحت الماء، يطالع كل منهما الآخر. مازال ممسكًا بكف يدها، يلبي رغبتها. يراها تحاول كتم أنفاسها أكثر من ذلك. فضرب الباب بقدمه، يحاول إخراجها من السيارة بالقوة.
*** حدث عكس المتوقع. بعدما جاء والد فريد يحضر كتب كتاب ابنه، على الرغم من عدم موافقته. جاء دون حرس. جاء بمفرده مع السائق، يهنئه بزواجه، فهو ابنه الوحيد. رحب الجميع به، وجلس بجانب المأذون ينتظر العروس. يتساءل الجميع الآن: أين العروس الآن؟ كان كل من بالمنزل يتهامس على هروب العروس من يوم زفافها. فقال والد فريد: "هي فين العروسة؟ مش شايفها ليه؟ ارتبك فريد وهو يردد: "أكيد.. أكيد يابابا بتجهز." "كل ده." كان هذا رده.
فقام فريد وهو يقول: "هاروح أشوفها بنفسي." استدار بوجهه للأمام ليجدها أمامه، بجوار ياسين، يحتضن كفها بقوة. أعصابه تتأكل والنيران مشتعلة بداخله. يطالع الجميع بعضهم البعض بذهول. فقطع "ياسين" نظراتهم بقول: "أنا وشمس اتجوزنا، ودي ورقة جوازنا."
طالعها "فريد" بنظرات تحمل من اللوم ما يكفي، وأن القادم لن يكن باليسير. فشعرت بالخوف، ولا إراديًا وجدت نفسها تحتمي خلفه، تقبض بكفها على كفه أكثر، مستغيثة وطالبة أن لا يتركها أبدًا. فكان هو حماها وملجأها الوحيد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!