شعور الخوف مقيت خاصتاً إذا شعرنا به بالإرغام. هذه الكلمات تصف حالة "غدير" الآن. جرم لم ترتكبه يعاقبها عليه "فريد" فقط لأنها من عائلة "ال صاوي". صرخت "غدير" صرخة كانت تصدح بالأجواء بعدما أمسك بها أحدهم وهو يقول: _أخيراً مسكنا واحدة من عيلة الصاوي. ارتعدت أوصالها لما يحدث. هاجمها أحدهم وتلطخ جسدها بالطين بعدما تكومت على الأرضية. وأثناء هجومه عليها، كانت هي الأسرع فقامت بركله بإحدى قدميها محاولة للوقوف من جديد.
بينما تستكمل ركضها هنا وهناك، تنظر خلفها بعينين باحثة عن النجاة بين زهور عباد الشمس الطويلة، حتى وجدت "بدر" أمامها. سكنت الرياح وغمرتها موجة من الدفء عند رؤيته. هربت الكلمات من بين شفتيها حتى لم تستطع الحديث، ولكن بنظراتها المستغيثة له قد أوحت بكل شيء بداخلها. نظر خلفها ليجد ثلاث رجال وبيد كل منهم قطعة حديدية يركضون خلفها. احتضن كف يدها يشير بأصبعه على شفاه بمعنى أن لا تصدر صوتاً.
هرول بها بين الزرع يحاول الاختباء ممن يحاولون اللحاق بها، ولكن إلى أين فلا يوجد مفر. وقف "بدر" بالمنتصف يخبئها خلفه من نظرات الشر الواضحة بعيونهم. فحاوطه الرجال الثلاث وأصبحوا بالمنتصف. ابتلع "بدر" ريقه مع محاولة بائسة لبداية الحديث، ولكن نطق أحدهم ساخراً بقول: _وأنت بقى ياروح طنط الفارس اللي هتنقذها؟ طالع المتحدث من بينهم أحدهم الواقف بجواره وهو يقول بنبرة آمرة: _خلص اللي جايين عشانه.
أقدم ذلك الرجل عليها، ولكن منعه "بدر" بالمساس بها بنبرة تحذيرية مع شفاه مرتعشة يطالع الأداة الحادة بيده قائلاً: _محدش يقرب منها وإلا أنا.. أنا. اقترب منه الرجل ورفع رأسه بكبر بملامح مشوهة. نشب عراك بينه وبينهم، فسدد له أحدهم لكمة بوجهه. كانت لكمة قوية. صرخت "غدير" للمرة الثانية، ولكن هذه المرة صرخاتها تحمل اسمه: _بـــــدر.
شق صراخها الأجواء. فرد "بدر" اللكمة لذلك الواقف أمامه بعدما استجمع شجاعته، ولكن سرعان ما التف حوله الآخرون. واستغل اثنان منهم الوضع وأمسكوا به من الخلف بشراسة. رفع الأخير عليه أداته الحادة. فقبضت "غدير" عينيها حتى لا ترى ما يحدث قبل أن يضربه بها على رأسه، ولكن كان هناك سد منيع يحول بينهما. لم تنتظر إلا ثواني معدودة حتى وجدت من يقبض على الأداة الحديدية بكف يده بعدما فتحت عيناها. فدبت الطمأنينة بقلبها
وهي تنطق بحروف اسمه: _ياسين. نطق "ياسين" بنبرة ساخرة لهم، نبرة مستفزة تعرفها هي جيداً. فاحتدت تقاسيمها واكتسبت الشجاعة بوجوده، وكأنها وجدت الأمان على الأرض بجانبه وهو لا يبخل به أبداً. تستمع له وهي تنحني تجلس بجوار "بدر". قائلاً: _طالما عاملين فيها سبع رجالة في بعض، ماتورونا وشوشكم الحقيقية. طالع الرجال بعضهم البعض بحيرة وعدم فهم مما يقول. فابتسمت "غدير" ساخرة تقول من خلفه: _دي أشكالهم ياياسين، مش لابسين ماسكات.
اشمأزت تقاسيمه بالنظر إليهم. وكعادته لبس قناع البرود وهو يقول متسائلاً بجدية: _ياساتر يارب، معقول في بشر طلعوا أوحش من زهرة؟ ابتسمت "غدير" من قوله. أما عنهم فكانت ملامح وجوههم مستفسرة عن قصده. فنطق أحدهم وقد استفزه حديثه قائلاً: _وأنت بقى المنقذ بروح الحاجة الوالدة اللي جواك؟ شهقت "غدير" بعد قوله هذا، فنطقت بقول: _الحق ياياسين ده بيغلط في كوكي. هز رأسه ببطء يطالعه باستنكار نافياً دليل على اعتراضه:
_توء.. توء.. توء. ماتجيبش سيرة كوكي عشان بزعل وأنا ببقى وحش أوي لما بزعل. اقترب أحدهم منه يرفع الآلة الحادة يسددها على رأسه، ولكنه أمسك به بسهولة يلقيه من على بعد. فزادت مقاومتهم الضعفين بعد أن علموا مدى قوته. اجتمع عليه الجميع، ولكن بسهولة استطاع هو الأفلات منهم بل وتلقينهم درساً لن ينسوه بحياتهم. استغرب "بدر" من سرعته، فظل يراقب بعينين سائلة. أما عن "غدير" فكانت تعلم مدى قوته. كانت تصرخ بنبرة
صارخة ممتزجة بفرحة قائلة: _اديلوا ياياسين.. اديلوا التخين أبو شنب ده الله يحرقوا. استدار إليها يرمقها بغيظ وعاد ينظر أمامه من جديد. فرمق سلاح موجه لوجهه من إحدى الرجال وهو يقول بأنفاس متقطعة ممزوجة بالغيظ: _مابقاش دكر لو موتّك مابقاش على ايدي. وقبل أن يضغط على الزناد، كان قد أحكم "ياسين" الإمساك به وثني ذراعه خلف ظهره بعدما أمسك بسلاحه يشهره على رأسه وهو يقول: _بط.. دكر.. بس دكر بط ياحيلتها.
نظر الرجلان بخوف مما يحدث، فهربا بسرعة يركضون بين الحقول. أما عن هذا الرجل فقد حاول التملص من "ياسين" بكل قوته ولكنه لم يستطع. فزاد أكثر من ضغطه على ذراعه. فصرخ صرخة عالية امتزجت بألمه. فهمس "ياسين" بأذنه بكلمات لم يستطع كلا من "غدير وبدر" سماعها. فأجاب الرجل بالموافقة يهز رأسه بهستيريا قائلاً: _هقوله.. هقوله إنه باع دكر بط.. دكر بط.. أنا دكر بط وهقوله إني دكر بط.
ابتلعت "غدير" ريقها وكأنه غصة مريرة بحلقها من منظر الرجل. فصاحت قائلة: _كفاية كده ياياسين هتـ ـموته في إيدك. أبعد "ياسين" الرجل عنه وقد رمقه بنظرات محذرة وهو ينطق كلمة واحدة من بين شفتيه ينطقها ببطء شديد: _اتكل.
لم يشعروا بمرور الوقت إلا بعدما دق الباب عليهم دقات متتالية. بعدما قصت شمس كل ما حدث لها منذ خروجها من المنزل حتى لحظة وصولها هي وياسين إليه. فنطقت "سارة" تسمح بدخول الواقف خلف الباب. دخل يزن وبكف يده الدواء وكوب من الماء قائلاً: _الدوا ياسارة الساعة بقت 12. تبادلت "شمس" و"سارة" النظرات، ولكن "شمس" رمقتها بنظرات قلقة. فقالت مستفسرة: _دوا إيه ده ياسارة؟ أنتِ طلع عندك إيه؟
لم تجب عليها بالكلمات. كانت الإجابة نظرة منكسرة. علمت "شمس" من نظرتها بأنها ليست بخير. فشعرت بانسحاب أنفاسها. توقعت بأنه ذاك المرض الخبيث. فبدا على وجهها التخبط مما جعلها تحتضنها بداخل صدرها قائلة بنبرة مؤكدة مما تقول: _ماتقلقيش. المرض ده بقى سهل جداً هزيمته دلوقتي، وناس كتير خفت منه وياسارة وبقوا أحسن من الأول. وتابعت بإصرار بعينين دامعة: _أعرف واحدة كان عندها نفس المرض وخفت منه واتجوزت وخلفت وعايشة حياتها طبيعي.
جلس "يزن" على مقعده مشيراً لـ "سارة" بحنان. رأته في عينيه قبل حديثه: _عندما ينتهي مرضك سنتزوج وستنبت الأرض زهورا ستشبهك. ورحمك سيحمل أجمل فتاة في الكون ستشبهك وتحبني. حل الصمت بعد جملته الأخيرة وبقي فقط لقاء العيون. حديثه الآن أعطاها الأمل في الحياة وانتزع جزء من مخاوفها. فطالعته وهو يمد كف يده يحثها على أخذ الدواء: _هتخفي ياسارة.. واعرفي إن المرض ده أتفه من إنه ياخدك مني.
استطاع بجملته الأخيرة سحب ضحكة من بين شفاها، فقامت السكون السائد منذ بداية حديثه. مدت كف يدها تأخذ من يده الدواء قائلة: _ربنا ما يحرمني منك يا يزن. تجلس معه في الجراج الخاص به، يتفحص دراجته النارية بعين والعين الأخرى يتفحص غدير بها. لم يمر سوى ثوان ثم أتى سؤال ياسين الذي أراد عليه إجابة تفصيلية: _وإنت بقى يا غدير تعرفي "بدر" منين؟ فقابلت سؤاله بسؤالها: _هو إنت مش مصدقني يا ياسين؟ ما أنا حاكيتلك وإحنا راجعين.
هز رأسه نافيًا: _لأ مش مصدقك، عيدي كلامك تاني اللي قولتي. هزت رأسها موافقة تعيد عليه السرد من جديد: _أنا شفت بدر مرتين في حياتي أصلًا. أول مرة لما وقعت بالعجلة وخبطت فيه، والتانية لما روحتله المحل بتاعه عشان هو أخد مني العجلة يصلحها. والله ده اللي حصل. وبعدين المفروض نشكره على اللي عمله. واحد غيره كان زمانه سابني وقال أنا مالي، مش كفاية البهدلة اللي اتبهدلها بسببي. فأردفت بكلماتها التالية بضجر:
_وإنت سيبته يمشي من غير ما حتى تشكره على اللي عمله معايا؟ أردف بنبرة ساخرة منها وهو يقول: _أشكره مرة واحدة وهو كان عمل إيه يعني؟ أخبرته وهي تبتعد عنه: _ياسين ده كان ممكن يموت بسببي النهارده، ولولاه... فبتر حديثها يردد بإصرار:
_أنا مش مرتاح للواد ده. اسمعي كلامي يا غدير، اليومين دول مش عايزك تثقي في حد مهما حصل. اللي حصل ده ممكن يحصلك تاني لمجرد أنك قريبة مني. فريد بدأ حربه بدري أوي، بس مش عايز أذيته تطولك. خدي حذرك من الكل، وأولهم بدر. ما تطلعيش مرة تانية من البيت لوحدك، خلي دايماً معاكي حسان أو ماتنزليش غير معايا. المرة دي أنا كنت موجود، المرة الجاية مش عارف ممكن يحصل إيه. أتت الخالة من خلفه بخطوات بطيئة بعدما استرقت السمع قائلة:
_وكنت ناوي إمتى تقولي يا ياسين على اللي حصل؟ فألقت نظرة معاتبة لـ "غدير" وتابعت بقولها: _وإنت يا غدير مكنتيش ناويه تقوليلي يا بتي؟ شعرت بالأرتباك وأردفت وهي تقول: _أكيد كنت ناويه يا خالة، بس ملحقتش. تحدث "ياسين" يطلب طلبه بإصرار: _فريد مش هيخلينا نلحق نتنفس، يا أما إحنا لازم نعمل حسابنا ونزود حراسة على أبواب القرية وماحدش يدخل ولا يخرج منها إلا لما نكون عارفينه. النهاردة لحقت غدير، مش عارف هعرف ألحقها تاني ولا لأ.
أشارت الخالة برأسها بالإيجاب: _من غير ما تقول يا ولدي، من الليلة أهل القرية هيناموا وحراسها هيصحوا. غادرهما ورحل أمام ناظريهما، فأتى حسان من خلف الخالة مهرولًا: _أنا جيت يا خالة. أشارت الخالة بعينيها لـ "غدير" تحثها على الخروج، فاستجابت لطلبها. صوبت كامل نظرها على حسان قائلة: _عملت إيه لما مشيت ورا مشيرة يا حسان؟ وقف في الجهة المقابلة يسرد لها ما حدث:
_مشيت وراها زي ما قولتيلي. كانت ماشية بتمد في خطوتها زي المجنونة يا خالة، كانت بتقول كلام ماخدتش بالي منه. كنت لسه هقرب منها، اتكعبلت في طوبة ووقعت. على ما قمت ببص قدامي مالقيتهاش. فضلت أدور عليها بس زي ما تكون اختفت. صكت الخالة على أسنانها قائلة بغيظ: _وأنا إيه اللي جرالي في عقلي لما فكرت أعتمد عليك يا حسان؟ دفء الفراش هو الأمثل في ليالي باردة كهذه، ولكنها فضلت برودة الليل على أن تنعم جواره بالدفء. فصاح "الطبيب"
بتهكم: _هتفضلي قاعدة على الكرسي عندك كده كتير يا زهرة؟ هبت واقفة من مقعدها وقد زاد ارتباكها وهي تخبره: _وهو أنا هيجيلي نوم بعد اللي حصل؟ بنتي.. بنتي الوحيدة اللي طلعت بيها من الدنيا تتجوز بالشكل ده وتخرج عن طوعي! أخرج إحدى لفافات تبغه قائلاً وهو يدسها بين شفتيه: _بنتك مش صغيرة، اتجوزت اللي هي عايزاه. فتابعت بكلماتها التي تضرب كسوط بلا رحمة: _لأ يا شيخ! وهو مين يعوز واحد زي ياسين؟
ياسين ده مافيش حد يطيقه ساعتين، مش يعيش معاه العمر كله. ده شيطان بقرنين مش بني آدم يتعاشر ويحب ويتجوز، ويوم ما يتجوز يتجوز بنتي أنا اللي ماحلتيش غيرها. صاح بها بكيل قد طفح منذ زمن: _إنت بتكرهي ياسين أوي كده ليه؟ إنت ناسيه إن اللي بتتكلمي عليه ده يبقى أخويا؟ طالعته فرأى في عينيها ذلك التعبير الذي لاحظه منذ قليل وهي ترمق ياسين بنظرات البغض. فعند سماع سيرته تتأكل بداخلها، فنطقت بغضب:
_يا ريت أقدر أنسى إنه أخوك، على الأقل مكنتش هكره قربه من بنتي كده. قاطع حديثها الذي حاولت أن تبث فيه كل رفضها وهو يسأل بعدم فهم: _يعني إيه مش فاهم؟ إنتِ تقصدي إنك بتكرهي ياسين عشان هو أخويا؟ رفعت كفها متابعة حديثها بالنفي مما جعله يرفع حاجبيه باندهاش:
_أنا بكرهه عشان زيك.. عشان هيعيشها نفس اللي إنت عيشتني فيه. مش عايزها تحس اللي أنا بحسه وأنا معاك. مش عايزها تشوف نظرات الناس ليها بعد ما شكلها يكبر ويفضل هو شكله صغير. تقدر تقولي بعد عشر سنين شكلها هيبقى عامل إزاي وشكله هو هيبقي عامل إزاي؟ طالعها بضحكة غير مصدقة، فأكملت حديثها: _طب بلاش دي، ليه تتحرم من الخلفه وتتحرم من إنها تبقى أم وتبقى زي بقيت البنات؟
طب أنا كنت محظوظة بخلفتها ومعايا حسان، لكن هي.. ليه تعيش محرومة من نعمة الأطفال؟ ليه تعيش مع واحد تبقى خايفة وهي نايمة جنبه لا ما يحسش بنفسه وما يقدرش يتحكم بنفسه ويشتهي دمها؟ ليه ماتعيش عيشة طبيعية زي بقيت الخلق مع واحد يكبروا سوا وتجيب منه أطفال ويكونوا أسرة يعيشوا سوا ويموتوا سوا. عجبك ميرا ورعد وهما رايحين يتبنوا طفل مش من دمهم عشان ميرا مابتخلفش.. أنا عايزة بنتي تعيش طبيعية يا علي.
زاد اتساع حدقتي "الطبيب" أن ما يسمعه بالتأكيد ليس حقيقي، أثارت اهتمامه حقاً، فانتبهت كافة حواسه لها تقول بعيون دامعة: _أنا مش وحشة يا علي، أنا أم وخايفة على بنتها تعيش وتحس اللي بعيشه معاك. حديثها عصف بقلبه، جعل عقله يسبح في بحور حاول كثيراً تكذيب نفسه بها: _بقى بتخافي تنامي جنبي لا أشتهي دمك في يوم؟ وقف من على فراشه، يكاد يجزم أنه سمع صوت تحطم قلبه، فأكمل حديثه النابع من قلبه بصدق:
_أنا كنت حاسس من الأول إنك اتغيرتي يا زهرة، ومبقتيش زي زمان. بس كنت بكذب نفسي وأقول معلش يا علي، أتحمل دي زهرة بنتك الصغيرة. حاولت أعوضك عن حاجات كتير ناقصاكي وعمري ما زعلتك في يوم. كنت باجي على نفسي عشانك، بس إنت ما قدرتيش ده. قبل ما نتجوز أنا قعدت معاكي وقولتلك إني يا زهرة مش هخلف ووافقتي. كنتِ عارفة أنا إيه من الأول وعارفة إني شكلي مابيكبرش، وإنك إنتِ اللي هتكبري. وبالرغم من ده وافقتي. أما عدم إحساسك معايا بالأمان، مش قادر أفهم هو وصلك من إيه. أنا عمري في يوم من اللحظة اللي شفتك فيها ما فكرت أأذيكي ولا حتى عدى على خيالي شيء زي ده. ولو خيروني بين حياتك وموتي، هختار حياتك من غير تفكير.
طلعتي أنانية أوي يا زهرة، وما فكرتيش غير بنفسك وبس، ونسيتي إن الدنيا مابتديش كل حاجة. كان ممكن يبقى معاكي واحد شكله بيكبر وبيخلف، بس يهينك وموريكي المرار وبإرادته مش غصبًا عنه زيي.
تركها ورحل صافعاً الباب خلفه، ترددت في أذنه كلماتها بعدم شعورها بالأمان معه، كلمات قيلت له عكسها من سنين. ساقته قدماه خارج المنزل، فأفاق من شروده على صوت "ياسين" وكأن أحدهم أنقذه من الغرق في هذه البحور التي تذكره بما لا يريد. تنهد يحاول الاسترخاء قبل أن يتفوه بكلمة قائلاً: _ياسين، إنت كنت فين؟ أنا كنت بدور عليك. رمقه "ياسين" بتساؤل عن حالته هذه، فهرب "الطبيب" بنظراته يحاول تغيير مجرى تساؤلاته:
_إنت لسه بره لحد دلوقتي، مانمتش ليه؟ تابع حديثه بجبر نفسه على الابتسام وهو يقول: _ده إنت حتى عريس النهاردة. طالع "ياسين" البحيرة أمامه يبتسم بسخرية مما قاله، فأجابه بما هو بعيد عن سؤاله: _اتخانقت بسببى إنت وزهرة، مش كده؟ ابتلع ريقه، وقد زاد الارتباك بنبرة صوته: _إيه اللي إنت بتقوله ده؟ لأ طبعاً.. ضحك ياسين ضحكات ساخرة من كلماته وهو ما زال يطالع البحيرة أمامه قائلاً:
_وأنا كمان نفسي أشكر لها بسبب اللي عملته معايا بنفس طريقة شكرها ليا. قهقه "الطبيب" عالياً. فتجرع "ياسين" من زجاجته المفضلة. قبض "الطبيب" بكف يده على الزجاجة يتجرع منها هو الآخر، فقال بكلمات امتزجت بضحكاته الحزينة: _الظاهر إنك مش لوحدك اللي عايز تشكرها يا ياسين. انتزع "ياسين" الزجاجة من كف الطبيب فارتشف منها ما تبقى فأصبحت فارغة. فألقى بالزجاجة في البحيرة التي أمامه بكل قوته وهو يقول:
_سيبني عليها أنت، بس وأنا هشكر فيها شكر محدش اتشكر قبل كده في حياته. شعر "الطبيب" بانسحاب أنفاسه عند سماع كلماته. فجلس على المقعد المجاور محاولاً تمالك نفسه. فهو لم يستطع سماع مكروه يصيبها. ثنى "ياسين" ركبتيه وجلس أمامه قائلاً بحنان: _إيه يا علي، أنت صدقت؟ أنا كنت بهزر. أنا لا يمكن أشكر زهرة في يوم ما هما عملت معايا. رمقه "الطبيب" بعيون مرهقة وجسد متعب. فرأسه على وشك الانفجار وهو يقول:
_أنا بحبها يا ياسين، بحبها ومش متخيل إن ممكن حد يأذيها في يوم حتى لو بالكلام. فهز رأسه بيقين: _عارف، وده اللي مصبرني عليها. ابتسم يوجه سؤاله بسخرية: _بس اللي مش عارفه بقى، بتحبها على إيه الولية دي؟ أجاب "الطبيب" بعد تنهيدة طويلة خارجة من داخله بعمق: _تفتكر لو لينا سلطة على قلوبنا، كنا اخترنا نحب في يوم؟ اعتدل "ياسين" في جلسته يجلس بالمقعد المجاور يطالع البحيرة أمامه من جديد. يستكمل حديث "الطبيب" بعيون شارده:
_ولا حتى كنا كرهنا في يوم. بس عاوز أقولك إن كل اللي بيحصلنا ده هيعدي وزهرة هترجع لعقلها. ولو كان مشكلتك مع زهرة بسببي أنا وشمس، فخليها تطمن. أنا اتجوزت بنتها عشان أحميها مش أكتر. يعني جواز على ورق. ما قدرتش يا علي أشوفها في خطر واقف أتفرج. وبعد ما كل حاجة تنتهي ونخلص من فريد وأبوه، هطلقها عشان تشوف حياتها من جديد وتعيش مع واحد يستاهلها بجد. سأله "الطبيب" بسؤال صريح: _لسه بتحبها يا ياسين بعد السنين دي كلها؟
هرب بنظراته بعيداً، يحاول إخفاءها. فابتلع ريقه بارتباك مع إجابته قائلاً: _وهو اللي زيي ينفع يحب؟ أشفق الطبيب عليه بنظراته. فقد كان حديثهم الآن ما هو إلا تفريغ لما في الصدور. ولكنه انتهى بنظرات مشفقة يطالع كل منهما الآخر بها على ما حل بهم من كسر قلوبهم القوية. جبر "ياسين" نفسه على الابتسام قائلاً: _فين شيخ عجوة دلوقتي؟ لو كان شاف حالنا كان قال وحسرتـــــاه.
لم يكد أن ينتهي من كلمته حتى أصدر هاتفه ذلك الرنين المميز. رنة مميزة يضعها لبربروس عند اتصاله. به صوته وهو يقول: _وحسرتـــــاه. علت ضحكات "الطبيب" وقد مد كف يده لـ "ياسين" يضرب كف بكف. طالعه "ياسين" وهو يعرف جيداً كيف يخرج الشخص الحزين من حزنه ويدفن هو آلامه بداخل صدره. فتح المكالمة مع مكبر الصوت فسمع بربروس ينطق متهكماً: _أين أنت أيها اللعين؟
لقد هاتفتك عدة مرات وكنت قد أتلقى هذا الرد الآلي الذي جعلني أفقد صوابي. كم هو صعب إيجادك أيها الملعون. رد "ياسين" بنبرة يملؤها الغرور ساخراً: _لقد أطفأنا الأنوار. من يجدنا فليحرق نفسه. فرد عليه باستنكار: _لا والله، بعقد إلهاء لن أحرق نفسي يا أحمق، وسأجدك وقتما أشاء. فنطق "الطبيب" مازحاً بقول: _ما تقولش كده يا شيخ عجوة، ده ياسين الخير والبركة بيهزر معاك. ما أنت عارفه. فكان رد "ياسين" محرجا ونطق بضجر: _الخير والبركة؟
ليه، كنت الست والدتك؟ ما تبوس إيدي أحسن. أوقفهما "بربروس" بكلماته: _كفى.. كفى أيها الأحمقان. فلدي لكما خبران. أولهما حزين والآخر سعيد. بماذا تريدون أن أبدأ؟ ضحك "الطبيب" وهو يقول: _أي حاجة يا بربروس، انطق. فأجاب بربروس بضحكة عريضة: _لقد وافقت مارال أخيراً على زواجنا. رد "ياسين" بتلقائية مفرطة: _طب وأيه الخبر الحلو؟ حاول "الطبيب" كتم ضحكاته وهو يقول: _ده أكيد الخبر الحلو يا ياسين. ناقص الخبر الوحش. فأكمل بربروس حديثه:
_ربــاه لقد طفح الكيل. هذا هو الخبر السعيد أيها الملعون. أما عن الخبر السيء فهو بأنه سوف يتقدم لخطبتها شخص آخر بغضون ساعات. يجب عليكم أن تأتوا على الفور حتى أتقدم لخطبتها أولاً. كانت كلماته سريعة يترجى بها "الطبيب" بالحضور إلى القاهرة بأسرع وقت. هنأه "الطبيب" على الزيجة المباركة مقدماً بعدما أغلق الهاتف. استيقظت تشعر بضوء الصباح من حولها ولم تجد "سارة" بجوارها على الفراش، بل وجدتها تستعد للمغادرة
ممسكة بحقيبتها قائلة: _أشوف وشك بخير بقى يا شمس. تحدثت وقد ظهر في صوتها أثر النوم: _على طول كده؟ تحدثت بهدوء قبل أن تخرج من الغرفة: _أنا لازم أرجع القاهرة النهارده. أول جلسة كيماوي ليا هاخدها النهارده. ادعيلي عشان أنا خـ ـايفة أوي.
غادرت "شمس" الفراش داعية لها الوصول سالمة بعدما طمأنتها بأن كل شيء سيصبح بخير. قامت واستقامت تتجه ناحية النافذة. وجدت الجميع يستعد للمغادرة ومن بينهم "ياسين" و"مشيرة" بعدما أقنعته بضرورة السفر للقاهرة لتحضير بعض الأوراق الخاصة بها. قام بإحضار سيارة أخرى. وقبل مغادرته رفع رأسه يطالع نافذتها فوجدها تطالعه. ابتسم ابتسامة حانية ظهرت على ثغره. فانتفضت من مكانها عند رؤيته لها تضغط بأسنانها على شفاها. تعود خطوة للخلف بحركة
لا إرادية منها متمنية بأن لا يراها. وما مرت سوى ثواني معدودة حتى تقدمت خطوة أخرى بالقرب من النافذة بحذر. يحثها فضولها على رؤيته من جديد. فلم تجده. اقتربت من النافذة أكثر حتى تستطيع الرؤية بوضوح. باحثة بعينيها هنا وهناك. لتجد من ينقر
بأصبعه على كتفها بلين: _بدوري على حاجة؟ التفتت مسرعة بعدما وقعت عيناها عليه. ابتعدت عنه بعيون هاربة حتى لا يراها. هكذا تحاول التنفس بهدوء: _حاجة.. حاجة زي إيه؟ أهمل سؤالها بقوله: _أومال كنتي بتبصي على إيه في الشباك؟ فأردفت بقول: _عادي يا ياسين، بلاش أقف في الشباك يعني. لم يقتنع بما يقول. ولكنه حثها بقول: _فين تليفونك؟
أشارت بعينيها على الأريكة المجاورة لها. فالتقط الهاتف وبدأ بتسجيل رقم هاتفه. فوجدها قد دونته بالفعل. وبجانب اسمه قلب مكسور. ابتسم باستهجان. فقام بفعل شيء آخر لم تفهمه هي. فبادرت بالسؤال باستغراب: _أنت بتعمل إيه؟ ضحك على استغرابها وأخبرها وهو يدون شيئاً ما على الهاتف:
_أنا مسافر القاهرة. هخطب لشيخ عجوة. وللأسف لازم أسافر وأسيبك. عشان لو ماسافرتش هيحس إن في حاجة غلط وهيجي. وأنا مش عايز يدخل في الليلة دي. أنا ما صدقت إن مارال وافقت على جوازهم. اقترب منها خطوة يقبض على ذراعيها بحنان أمام صمتها وعيونها المراقبة: _لو طلبت منك طلب يا شمس، هتنفذيه؟ طالعها بعينين يشع منهما البراءة. وكانت تنتظر هي المزيد. وأرضى هو انتظارها بقوله:
_مش عايزك تطلعي من البيت مهما حصل لحد بكرة مش أكتر. أوعديني يا شمس. حاولت سؤاله. ولكن قبل أن تلفظ كلماتها من بين شفتيها قاطعها هو بقول: _ومن غير ليه. عايزك تثقي فيا وبس. واعرفي إن ابن الصاوي مش هيقولك حاجة فيها شيء يضرك. قال كلماته بعيون صادقة أسرتها. فاستجابت تلبي طلبه فقط لأنه هو من طلب ذلك.
مرت ساعات مرت على سفره. فوجدت "غدير" حجة للذهاب لإحدى صديقاتها. حاول "حسان" الذهاب معها. ولكنها رفضت بإصرار. صعدت على دراجتها بعدما وعدته بالعودة سريعاً. متجهة إلى محل "بدر" باحثة عنه بالمحل تنادي بأعلى صوتها: _بدر.. خرج بدر من الدكان والضرب ظاهر على وجهه قائلاً: _ايه اللي جابك؟ كلماته أحرجتها وزادت من ارتباكها، فبرر هو مقصده:
_اقصد أنك ممنوعة من الخروج، مش ياسين نبه عليكي قبل ما أمشي إنك ما تطلعيش بره البيت تاني لوحدك. سؤاله جعلها عاجزة عن الرد لثوانٍ، حتى قالت أخيراً: _عارفة، بس أنا حبيت على الأقل أطمن عليك وأشكرك على اللي عملته معايا، وخصوصاً إن ياسين... بتر حديثها قائلاً: _تقصد إنه ما ادانيش وش؟ طب ما عنده حق. استغربت من إجابته، مما جعله يستكمل حديثه:
_أنا واحد غريب بره القرية مش منها، وإن أظهر لك مرة واحدة دي حاجة بين الزرع، دي حاجة تخلي يشك فيا، وأنا احترمته على فكرة، ما تضايقتش منه خالص، أنا لو مكانه كنت هعمل كده وأكتر. حثها حديثه على سؤاله، تقول: _طب وأنت كنت بتعمل إيه في القرية في وقت زي ده، بين الزرع؟ تردد بأخبارها، ثم تابع بقوله: _بحط مسامير في الطريق للعجل، أومال انتِ فاكرة كل العجل اللي عندي ده بييجيلي دايماً إزاي؟
وأنا بحط المسامير على الطريق كالعادة سمعت صرختك ما بين الزرع وجيت جري عليكي. جحظت عيناها بعدم تصديق، فأكمل هو بقوله: _عجلاتي بقى، معلش، ولازم أقلب رزقي. طالعته بجانب عينيها بغيظ: _أيوه بس كده غلط وحرام. قبض بالكتب الموضوعة على الطاولة بكف يده يقول: _لو ما عملتش كده مش هعرف أشتري كتب الجامعة ولا هعرف أصرف على نفسي. جلست بجواره سائلة: _أنت بتدرس؟ أشار برأسه بالإيجاب: _أيوة، أنا في هندسة، آخر سنة ليا السنة دي.
انكمشت حاجباها وكست تقاسيمها تعابير غامضة، مما جعله يسأل: _إيه، صعبت عليكي؟ صدمها بقوله، فرمقته باهتمام: _بالعكس، هتصعب عليا ليه؟ أنا أصلاً استجدعتك وحسيتك كده راجل مسؤول عن نفسك وعايز تبقى حاجة كويسة في يوم. استدار يلتقط إحدى الدراجات المعطلة لإصلاحها، فتأوه بألم من كتفه المصاب، فنطقت هي باهتمام وضح بنبرة صوتها: _خلي بالك. استدار بوجهه يشير برأسه بالإيجاب مع ابتسامة حانية: _حاضر.
-هناك جلسات ننضم إليها رغماً عنا، كهذه الجلسة. تدخل سارة إليها بجسد رافض وأيدٍ مرتعشة، فهذه المرة الأولى التي يستقبل جسدها العلاج الكيماوي، احتضن يزن كف يدها لكي يطمئنها بأن كل شيء سيصبح بخير، ابتسمت هي بسمة أمل بوجوده، فهو بالنهاية هنا كما اعتادت دائماً، فوجوده بجانبها يهزم مخاوفها. قابل الطبيب يزن وسارة ببسمة مرحبة يحاول قليلاً تهدئتها بقول:
_ما تقلقيش، العلاج الكيماوي ما هو إلا محاليل، هركّب لك كانيولا في الوريد لمدة ساعتين بالكتير وممكن أقل. فداهمته بسؤالها: _شعري هيقع يا دكتور؟ طالع الطبيب يزن بنظرة مترددة، فأجابها يزن بدلاً عنه: _وايه المشكلة لو وقع؟ حتى لو وقع ياساره هيطلع غيره ابتسم "الطبيب" وبدأ بقول: _ماتقلقيش مش كل الحالات الشعر بيقع فيها ندعي بس الأول اذا كان جسمك هيتقبل الكيماوي ولا لاء ربت "الطبيب" على كتفها بطمانينه وهو يغادر يستكمل قوله:
_وبعدين نشوف حكايه الشعر دي بعدين اشار بيديه على المقعد المجاور لهما: _اتفضلوا اقعدوا شويه وهتدخل انسه ساره تاخد جلستها جلست "ساره" على المقعد فأثنى يزن ركبتيه مقابلها قائلا:
_اوعي تفتكري للحظه أني مش حاسس بيكي أنا عارف اللي جواكي وعارف بتفكري في ايه بس الخوف اللي جواكي ده شىء طبيعي كل حاجه بتحصل جديده عليكي زي ما هي جديده عليا انا واثق في الله انه مش هيأذيني فيكي وان اللي احنا فيه ده ما هو إلا مجرد اختبار صغير من ربنا عشان نرجعله ونلجأله وماننساهوش مش عايزك تخافي ياساره طول ما انا معاكي ماتخافيش
أمسك كف يدها يقبله بحنان ابتسمت برضا وأغمضت عينيها بأطمئنان وقد عرفت للراحه طريق الأن فقط لانه هنا كما اعتادت دائما
ساعات ما قبل الغروب هي اقصى ما تحب تجلس أمام نافذه غرفتها الهدوء والسكينه التي تشعر بهما الأن هو كل ما تريد بعد ايام شاقه مرت بها لم يمر الكثير حتى وجدت "شمس" هاتفها المحمول يرن برنته المميزه فوجدته "فريد" طالعت الأسم ببغض وضح على تقاسيمها فأبت الرد وما مر إلا ثواني حتى بعث لها بفيديو قصير على موقع الواتساب ضغطت على زر التشغيل فوجدت " ساره ويزن " بالمشفى تنتظر" ساره" دورها لتلقي العلاج ولكن هناك من يوجد خلفها ومعه حقنه مسممه فبعث "فريد"
برساله نصيه وهو يقول: _الحقنه دي مسممه وهتدخل جوه الكيماوي اللي ساره هتاخده لو ماجتليش حالا على اللوكيشن اللي هبعتهولك ده انا مستنيكي بهتت تقاسيمها وهي تقرأ كلامه فأكمل كتابه قائلا: _اه مش محتاج افكرك لو حد عرف بالمسيچ دي او انك جيالي أنت طبعا عارفه هيحصلهم ايه
لقد أصابها الذعر بكل أنحاء جسدها الأن بعدما قرأت عيناها رسالته اغلقت الهاتف وقامت مسرعه بالاتصال بـ "ساره" ولكن دون جدوى فهاتفها مغلق وكذلك "يزن" حتى بعث لها هو برابط على تطبيق الواتساب حثها فيه على فتحه باعثا رساله نصيه اخرى وهو يقول: _ماتحاوليش تتصلي بيهم عشان تليفوناتهم مقفوله
فتحت الرابط مسرعه فوجدت نفسها داخل بث مباشر هناك من يجلس بجانبهم الأن ويصورهم في الخفاء يضع جهاز صغير بالقرب منهم يشوش على أشاره هواتفهم ليجعله مغلق وضح القلق جليا على وجهها توقف عقلها عن التفكير فهي تعلم جيدا مدى شره وخـ ـبثه ودون أن تتردد أحضرت حقيبه يدها مسرعه تهرول خارج المنزل تتبع اللوكيشن بهاتفها تبعث له رساله نصيه بأيد مرتعشه: _انا جيالك حالا مسافه الطريق ارجوك ما تأذيهمش هما مالهمش ذنب في اللي بيحصل
انتظرت ثواني ترى علامه يكتب الأن حتى بعث لها بكلمه واحده فقط وهي: _مستنيكي _ابنك فين ياست هانم؟ قالها الدمنهوري بصوت جهوري بينما هي ردت عليه بعدم اهتمام لسؤاله تنفخ بأظافرها حتى يجف طلاء الأظافر قائله: _من ساعه مارجعنا معرفش عنه شىء ضر ب على الطاوله وهو يتحدث بغـ ـضب: _طبعا ماتعرفيش عنه حاجه وأنت فضياله يعني كفايه عليكي المانيكير والباديكير والنفخ والشد فألقى بالهاتف بوجهها يحثها على النظر بداخله فأخذت
تقلب تطالع الصور بأهمال: _ماله صور لفريد ابنك بيشرب على البار اي الجديد يعني هي اول مره يشرب فيها ولا اول مره يرقص مع بنات فتابع حديثه بغيظ: _يابرودك ياشيخه أنت اتجننتي أنت مش عارفه ان ليا اعداء وممكن حد يصوره وينزلها في اي حته واتشال من الوزاره بسببه للدرجه دي مافيش دم تأففت بانزعاج:
_يوووه ماتسيبه يادمنهوري يفك عن نفسه شويه مش كفايه البت دي واللي عملته فيه هتبقى أنت وهي على ابني أنت بس حركه التنقلات بتاعت الوزاره واكله عقلك اليومين دوول مش عارفه مش معنى المره دي اللي خايف اوي كده وبعدين مين ده اللي يتجرأ ويتحدى الدمنهوري خشى "الدمنهوري" من القادم قائلا: _لحد دلوقتي لسه مافيش بس اعدائي كتروا هنا حيث هم على اعتاب المنزل يطالع "بربروس" "الطبيب" بفرحه ممسكا ببوكيه من الورد قائلا:
_هل هذه الزهور كافيه ام كنا احضرنا شيئا أخر ابتسم "ابو المعاطي" بسمه عريضه بلهاء يغمز له بطرف عينيه قائلا: _يابختك ياشيخنا تفتكر هييجي اليوم اللي لاقي واحده تحبني واحبها وتوريني من الدنيا حلوها هتف "بربروس" ولم تبتعد عينيه عن باقه الزهور: _لا بأس ياصديقي سيأتي أحدهم يوما ويعترف لك بحبه وتبدأ ايامك السعيده أيها الأبله جحظت عيناه يقول بفرحه: _بجد ياشيخنا قبل أن يقول "بربروس" اي شىء قاطعه ياسين بجديه:
_اكيد لاء .. بذمتك شوفت قبل كده واحده اسمها أحدهم عشان تعترفلك بحبها طالع "ابو المعاطي" ياسين باستغراب من رده فتحدث "بربروس" بانزعاج: _دعك منه يا أحمق فقط انتظر بالخارج وكما اتفقنا اذا اتى احدهم فأكمل "ابو المعاطي" يغمز له بثقه نابعه من داخله: _ماتقلقش هزحلقه بس ده ان كان في عريس من اصله فسأل "الطبيب" ابو المعاطي مستفسرا: _أنت بتشتغل ايه ياابو المعاطي؟ تذكر "أبو المعاطي" ما حدث فضاق صدره:
_النهارده الصبح سبت الشغل ماستحملتش اللي المدير قاله: رد "الطبيب" وقد غلبوا فضوله: _وقالك ايه؟ هز "رأسه" بهدوء قائلا وهو يتركهم: _انت مطرود رحل ابو المعاطي فحذره "ياسين" من حماسه الكبير هذا: _بقولك ايه احنا هندخل جوه بلاش تدلق في الكلام عشان ناخدها بأقل سعر ومايطمعوش فينا أبدى "بربروس" اعتراضه بضجر: _ربـــــــاه تبا للبشر ضغط "ياسين" باصبعه على جرس الباب بقوه فأصبح رنين الجرس متواصل دون أنقطاع حثه بربروس بقول:
_تريث يا أخي تريث فتح شقيق "مارال" الباب على مصرعيه ليجد العريس ووالدته يجلسون بالردهه المقابله وأمامهم اكواب من العصير وقطع الجاتوه اتسعت عين "بربروس" وقد ظهرت الصدمه على وجهه مما رأى فمال يـ "ياسين" عليه هامسا بسخريه: _كنت جيبت جاتوه ياشيخ عجوه صاح بربروس بوجه باكي: _ياوكستـــاه
هناك خساره صعبه وخساره مستحيله ولكن الأصعب من احساس الخساره هو الشعور بضياع الفرص تقف "مشيره" أمام "فريد" وسط ملهى ليلي والضوضاء العاليه تقترب من أذنه هاتفه بصوت عالى من كثره الضوضاء حولها: _شوفت فكرتي نفعت ازاي تجرع "فريد" من الكأس الممسك به بكف يده مره واحده وهو يقول: _المصلحه واحده لو أنا خدت شمس أنت هترجعي بياسين يعني مابتعمليش كده عشان سواد عيوني رمقته بشراسه:
_اه صحيح المصلحه واحده بس برضوا ما تنكرش ان انا هبقى السبب في أنها تبقى ملكك هتف وهو يستدير لها بنبره متهكمه: _ماتفرحيش اوي كده لما نشوف اللي هيحصل الأول وبعد كده نبقى نقرر خطتك نجحت ولا لاء استكملت حديثها تؤكد على ما قالته: _هيحصل.. أنت بس اول ما تيجي خدها على الأوضه جوه خلص معاها وهات مناخيرها الأرض وهي بعد كده هتبقى تحت رجلك رمقها مستفسرا: _أنت متأكده أن ياسين مالمسهاش _زي ما انا متأكده أني بكلمك دلوقت تجرع كأسا
أخر يمسح بكف يده على فمه: _تبقى بتاعتي ثلاثتهم الأن يجلسون على الأريكه يتوسطهم بربروس الصمت كان له النصيب الأكبر من جلستهم فطالع شقيق مارال ساعه يده متأففا بضيق شديد محاولا فتح حديث سائلا له: _ياشيخ بربروس انا بقالي فتره كده مضايق ومش طايق حد يبقى كده عندي ايه؟ رد "ياسين" بدلا عنه وهو على يقين من اجابته: _يبقى عندك حق ابتلع كمال ريقه يهز رأسه بالموافقه بعدما ساد الصمت مره أخرى فقرر أن يسأله دون تردد:
_في حاجه ياشيخ بربروس اول مره تشرفنا طالع ثلاثتهم بعضهم بعضا فتوترت الأجواء مما زاد تعقيدها ذلك العريس الجالس هو ووالدته بالمقابل أشار الطبيب بعينيه لـ "بربروس" حتى يبدأ حديثه حسنا نظراتهم لبعضهم البعض اصبحت مخيفه الأن استغرب "كمال " شقيق مارال مما جعله ينطق مره أخرى: _لو مافيهاش اساءه أدب ياشيخ بربروس ممكن اعرف انت جاي ليه طبعا زي ما أنت شايف الوضع رفع "بربروس" حاجبه باستغراب سائلا: _وماهو الوضع
ابتلع ريقه يشير على قطع الكعك والعصير بيده ثم أشار بعينيه على العريس قائلا: _يعني جاتوه وعصير وناس قاعده هيبقى عندنا ايه كمش "ياسين" حاجبه وهو يقول: _عيد ميلاد كان ذلك رد "ياسين" الذي نفاه "كمال": _لا عيد ميلاد أيه ده اتفاق جواز عقبال عندكم اشعلت نار الغيره بقلب "بربروس" الذي لو كان نارا لألتهم الجميع. شعر به "ياسين" وبغيرته فربت على كتفه بلين بعدما أظهر تعبير الاستغراب الذي صنعه ببراعة على وجهه قائلاً:
_عشان كده احنا جينا شيخ عجوه.. اقصد شيخ بربروس لما عرف ان في عريس جاي للأنسة مارال قال والله ما في حد هيكتب كتب الكتاب غيره ضغط "ياسين" بكف يده على فخذه ساخراً يحاول استفزازه: _مش كده ياشيخنا زاد التوتر بجسد "بربروس" فنطق "كمال" باستغراب: _كتب كتاب ايه احنا مسيحيين تصنع "ياسين" عدم المعرفة: _ياراجل صلي على النبي قول كلام غير ده خرج بربروس عن صمته وهو يصيح قائلاً: _ياحسرتــــاه اشتعلت النيران في داخله ولكنه
نجح في إخفائها وهو يقول: _اذا كان الجالس أمامك هذا العريس فماذا أكون أنا؟ مال "ياسين" برأسه على أذنه هامساً بضحكة مكتومة: _تبقى طيشه خرج "الطبيب" عن صمته قائلاً: _كفايه بقى ياياسين.. انا هفهمك يااستاذ كمال شيخ بربروس جاي يتقدم لأختك مارال لم يستوعب "كمال" مطلب علي فصحح كلامه له بضحك: _انتوا اكيد بتهزروا ياجماعه طالع وجوههم الثلاثة التي بان عليها الجدية بل الشراسة أيضاً، فأعاد كلماته من جديد: _انتوا بتتكلموا بجد
فنطق العريس بنبرة نسائية وهو يقف من على مقعده بجسد ملتوي: _أنتوا.. انتوا بتقولوا ايه ياوحشين انتوا مش شايفني قاعد ولا ايه.. استدار بوجهه بجواره: _يلا ياماما مافيش حد هنا محترم وجودي تقدم العريس خطوات ناحية الباب فقالت والدته: _استنى بس ياكركر نظر الثلاثة لبعضهم البعض يقولون بصوتاً واحد: _كركر وقف ياسين من مقعده يشير بكف يده على الباب قائلاً: _يلا ياوليه يلا ياوليه من هنا روحي شوفي كركر لا يكركر على نفسه وهو ماشي
رحلت والدة العريس وقد أغلق ياسين الباب خلفها وهو يشير بعينيه على "بربروس" يقول بصراحة مفرطة: _الراجل ده عايز يتجوز اختك قولت ايه؟ مرور الوقت سريع.. هاهي تترجل من القطار بعدما نزلت إلى القاهرة. وضعت الهاتف على أذنها بعدما هاتفته قائلة: _أنا وصلت يافريد اوعى تكون قربت منهم تلقت رده فأجابته قائلة: _انا خلاص هركب تاكسي وجيالك بس أرجوك وقبل أن تكمل حديثها أغلق الهاتف بوجهها. قبضت عينيها بألم أشارت لسيارة
أجرة تخبره بوجهتها قائلة: _الهرم يسطا يقف الثلاثة الأن على أعتاب الباب بعدما صفع شقيق "مارال" الباب خلفهم بقوة يصيح من الداخل بقول: _قال يتجوزها قال ده على جثتي نطق "الطبيب" بانزعاج: _الراجل ده ازاي يطردنا كده دي مش اخلاق بني ادمين ابدا فرفع "ياسين" كتفيه نافياً: _ولا حتى بشر ابتسم "الطبيب" من رده فلا يوجد فرق بين البشر والبني آدمين. تخطى "بربروس" الطبيب ليقف أمام "ياسين" سائلاً بنظرات قاتلة:
_ما هي أكثر اللحظات المفضلة لديك في صداقتنا أيها اللعين؟ فأجاب "ياسين" وهو يخرج هاتفه من جيبه بعدم اهتمام: _لما كنا صغيرين ضربه "بربروس" على كتفه قائلاً بتهكم: _ولكننا لم نعرف بعضنا عندما كنا صغاراً أيها الأحمق أشار "ياسين" برأسه بالإيجاب: _بالظبط ابتديت تفهمني _ربـــــاه لقد طفح الكيل منك بل أكثر لحظاتك سعادة هي عند رؤيتي حزين فقد افسدت الزيجة أيها المفسد ألم أخبرك بألا تتكلم قبل قدومنا
قابل "ياسين" حديثه بأهمال بعدما أنكمش حاجبه وهو يطالع هاتفه بعدم تصديق. رأى "الطبيب" تقاسيم وجهه بعدما تغيرت للأسوأ قائلاً: _في ايه ياياسين؟ رجفة تسري في جسده وشعور بالغثيان يداهمه. صاحبه توتر. فكرر الطبيب سؤاله بحدة هذه المرة من جديد: _ماتنطق ياياسين مال وشك اتغير كده ليه فيك ايه؟ طالعه ياسين بريبة مما يرى: _الأبلكيشن اللي حطيته في تليفون "شمس" عرفني انها هنا في القاهرة ورايحة للهرم حاول "بربروس" تهدئته قليلاً:
_هدىء من روعك.. هاتفها أولاً حاول ياسين الاتصال بها مراراً وتكراراً لكن دون جدوى. ترك المكان وغادر مسرعاً. صعد بداخل سيارته ومن شدة قيادته المتهورة يمكنك سماع صوت احتكاك إطارات السيارة على الطريق. لا يعلم كيف ولكنه شعر بضياعها منه. يقود سيارته عبر الطريق متجهاً إلى "الهرم" محاولات متكررة للاتصال بها ولكن الإجابة واحدة وهي عدم الرد.
مازالت بالسيارة الأجرة تطالع هاتفها الذي يظهر على شاشته اسم "ياسين" من كثرة اتصاله بها. تنهدت بحزن تطالع الطريق بجوارها عبر نافذة السيارة. انفعل من عدم ردها على الهاتف وظهر انفعاله في صيحته المنفعلة: _ماتردي بقى ألقى الهاتف بغضب وتابع الطريق بكل سرعته إليها. كانت قد قضت في السيارة أكثر من ساعة للوصول لوجهتها. واقفه بنظراتها الحائرة على أعتاب مقهى ليلي تطالع ما يحدث بريبة. هاتفها "فريد" عبر الهاتف فأجابت هي عليه:
_انا واقفه بره
حثها على الدخول وقبل أن تجيب أغلق الهاتف بسرعة. نجح مخططه حتى هذه اللحظة. ابتلعت ريقها بذعر تخطو خطوة وترجع الأخرى. ظهر اليأس على وجهها. دخلت "شمس" تسأل عنه. هذه الأجواء والرقص الشرقي والمشروبات مع الموسيقى الصاخبة كل هذه أشياء ليست مثلها. بحثت عنه وعيناها تدور بالمكان. فرفع ذراعه حتى تراه من بعيد. وجدته يجلس على البار بين شفاه لفافة تبغ. اقتربت منه بأقدام مرتعشة. ابتسم لها بود ولكن بداخله النوايا الخبيثة.
أطفأ لفافة تبغه بالطفاية التي أمامه فسألته بتردد بأعين دامعة: _أنا جيت يافريد وجيالك لوحدي من غير ما أقول لحد بس سيبهم في حالهم ساره ويزن مالهمش ذنب لم ينظر لها بل تجاهلها فاستدار بجسده يشير بأصبعه لها بأن تتبعه. تبعته وهي تسير خلفه ببطء بعدما تملكها الخوف. دخل بطرقة طويلة ودلف إلى غرفة من الغرف الموجودة بها. وقفت على الباب سائلة: _احنا هندخل هنا ليه؟ صاح فريد بنبرة هجومية: _ادخلي يابنت ال **
وقبل أن يكمل سبه خرجت منها صرخة عالية وهو يجذبها للداخل من خصلاتها. أغلق الباب خلفها يشدد على خصلاتها بقوة يخرج كلماته من بين أسنانه بغيظ: _بقى أنا فريد الدمنهوري أخرج من بيتكم قفايا يقمر عيش ده انا مش هسيبك الا اما اجيب أجلك النهارده دفعها وسقطت على الأرضية ثم تبع ذلك بشق ملابسها العلوية بوحشية وتابع بقوله:
_انتي بتاعتي ياشمس عارفه يعني ايه بتاعتي واللي معرفتش اخده منك في الحلال سهل أوي اخده منك في الحرام وأنت اللي بدأتي حاولت الدفاع وابعاد يده صارخة. لم يكن يسمع صرخاتها بل لمعت عيناه عند رؤية جسدها.
أما عنه فقد جاء بأقصى سرعته يقبض على هاتفه بكف يده ينظر عبر الشاشة فوجد نفسه يقترب من النقطة الحمراء. اجتمعت النساء من حوله في محاولة لأغرائه ولكنه أبعدهم عنه في الحال. بحث بعينيه ولكن التقطت أذنه صراخ متواصل بلا انقطاع من "شمس" جعله يميز صوتها من بين الجميع ومن بين الضوضاء المزعجة. ركل الباب بقوة فتوقفت هي عن المقاومة عند رؤيته ناطقة بأسمه بشفاه مرتعشة: _ياسين
قبض بكف يده على سترته من الخلف بعدما رفعه والقاه بخارج الغرفة فارتطم ظهره بالحائط. انتزع "ياسين" سترته السوداء الجلدية من على جسده يضعها عليها مسد على خصلاتها بحنان يمسح دموعها من على وجنتيها. أخذ يطمئنها ببادئ الأمر وبدأ بقول: _اطمني انتِ بخير ياشمس
حاول أعطائها الأمان والحنان. عيناها تقابل عينيه وقد غزت حصونها الدموع. نظراتها المستغيثة طالبه نجدتها. ذلك الجدار البشري الذي تختبئ بداخله وهي واثقة تماماً بأنه لن يسقط عليها ولن يؤذيها مهما حدث. وجدها تنظر خلفه بخوف استدار بجسده ليجد "فريد" قد غرز بجسده صاعق كهربائي قوته عالية. الألم يسري بكل أنش بجسده. نظر له "فريد" نظرة متشفية وقد ظهرت بسمة ساخرة على شفتيه قائلاً: _كنت فاكرك اقوى من كده
تمالك "ياسين" نفسه فقبض بكف يده على عنقه يرفعه بذراعه فألقى "فريد" الصاعق من يده رغماً عنه فنطق "ياسين" من بين أسنانه بغيظ: _وانا كنت فاكرك أرجل من كده هنا توقفت الثواني عند سماع صرخاتها فقد أحمرت وجنتيه. ثواني ويلفظ أنفاسه الأخيرة. فقد أحكم ياسين قبضته عليه. فاق من فعلته على صرختها: _بلاش ياياسين. سيبه عشان خاطري ماتلوثش ايدك بدمه ده مايستاهلش
فاق على صرخاتها بعدما فك قبضه يده من على عنقه. ألتقط "فريد" أنفاسه بصعوبة وكأنه كالغريق الذي يبحث عن الأكسجين. جلس "ياسين" القرفصاء يهتف بنبرة تحذيرية: _اللي بييجي على المدام يبقى حكم على نفسه بالأعدام ياروح امك رفع أصبعه بوجهه بنبرة تحذيرية: _شمس.
اعتصر كف يدها يجذبها خلفه يخرجها من ذلك المكان المقزز بنسائه العاهرات. أصبحوا خارج المكان وما زال يجذبها من خلفه بيد، وبكف يدها الأخرى تضم سترته عليها تداري بها جسدها. لم ينطق سوى بكلمة واحدة حين فتح باب سيارته لها: _اركبي.
هزت رأسها بالإيجاب وصعدت بالسيارة على الفور. تراه وقد بدأت بوادر نوبة تظهر عليه من جديد. أغلق باب السيارة وعيناها تتابعه يجلس على مقعده أمام عجلة القيادة. احتكت إطارات السيارة بالأرضية تصدر صوتًا مرتفعًا. كان يقود السيارة بسرعة جنونية، سرعة يبث بها غضبه المتراكم.
وكأنه يلتهم الطريق، كانت تراقب الطريق بعينيها وهو يلتهمه من سرعته المهولة. حاولت التقاط أنفاسها دون أن تصدر صوتًا، فكلماتها الآن لن تزيد شيئًا سوى زيادة غضبه. ظهر من العدم نهاية الطريق وقد كان هناك سد منيع. طالعته بخوف شديد، وقبل أن يصطدم به على بعد سنتيمترات فقط، ضغط على المكابح بكل قوته فأصدرت السيارة صوت فرملة مرتفع. وضعت يدها على فؤادها تحاول التقاط أنفاسها. مال على عجلة القيادة يسند رأسه عليها. ابتلعت ريقها ببطء وهي ترفع كف يدها تمسح على خصلاته لعلها تقوم بتهدئته. حالته الأكثر عدوانية الآن، لذا أزال يدها بعنف مبالغ فيه، واخترقت أذنيها نبرته الشرسه يضرب على مقود السيارة وهو يقول صارخًا:
_ما قولتيش ليه؟ انتفضت من مكانها تطالعه بخوف شديد، تخرج الكلمات من بين شفتيها بصعوبة: _اصل.. اصل. بتر حديثها صارخًا بوجهها بقول: _اصل إيه؟ لأمتى هتفضلي تخبي عني؟ هو بيهددك بأيه؟ لأمتى هتفضلي تتصرفي لوحدك؟ نطقت بقهر صارخة: _ماتزعقيليش، ماتصرخش فيا، حرام عليك، كفاية اللي فيا. وبدأت تسرد له مخاوفها: _أنا خايفة عليكم، مش عايزة حد يتأذى بسببي. استدار يمسح على وجهه يطالعها بشر: _من إيه خايفة علينا؟ من إيه ومن مين؟
من عيل زي ده؟ كانت شبه منتهية، تفعل كل شيء بارتعاش ودموع تنهمر على وجنتيها: _أنت مش قادر تفهم، العيل ده يقدر يعمل إيه وممكن يأذيك ويأذي سارة ويزن ويؤذيكم كلكم، وده اللي ما أقدرش اسمح بيه أبدًا، حتى لو في أذيتي. ضرب بيده على المقود بغضب عارم صارخًا بما جعلها تنتفض من مكانها: _أنت مجنونة! أنا لو ماكنتش لحقتك النهارده، أنت فاهمة كان هيعمل فيكي إيه؟ لطمت بقهر متابعة سرد مخاوفها:
_عارفة.. عارفة، وده اللي كان مخوفني، بس بالرغم من كده روحت، روحت عشان سارة ويزن ما يتأذوش. ما يتأذوش ولا أنت اللي عايزة كده؟ حابة إنك تعيشي دور الضحية. بعض الكلمات مميتة، قادرة على تمزيق أرواحنا، فقد أفقدتها كلماته النطق. أحقًا اعتقد ولو للحظات أنها تريد ذلك؟ فأكمل هو يتابع بقوله: _أقدر أفهم؟ ما قولتيش ليه؟ اتصلت بيك ألف مرة ما رفعتيش سماعة التليفون، وقولتيلي ليه؟ عرفيني، أنا هتجنن.
قنبلة موقوتة وقد أوشكت على الانفجار، وظهر هذا جليًا في نبرتها: _عشان مش هتفهم.. مش هتفهم ياياسين، عمرك ما هتفهم. جذبت انتباهه أكثر بكلماتها. طالعها باستغراب وبدأ بقول: _ليه مش هفهم؟ ليه؟ قوليلي. فهدأت من نبرتها قليلاً وسردت ما بداخلها: _عشان بتخاف عليا ومبتخافش على نفسك. هتمنعني إني أشاركك؟
هتبعدني وتحطني في أوضة وتقفل عليا. مسحت بيدها عيناها المليئة بالدموع. لو كنت قولتلك النهارده إنه كان ممكن يحط لسارة حقنة مسممة في علاجها، تقدر تقولي كنت هتعمل إيه؟
كنت هاتروح وهو كان هيعرف وهيحطلها الحقنة قبل ما انت توصل. كانت زمانها ماتت، وكنت هتمنعني إني أروحله عشان مش هتكون شايف غير إني أكون كويسة وبس ومش مهم الباقي، زي بالظبط لما هددني بالفيديو اللي صورهولك وأنت بتحميني من مايه النار. صور سرعتك وكان ممكن ينزلها في كل حتة على السوشيال ميديا وتتعرف، وطبعًا مش لوحدك وعلي وبربروس والخالة وكلكم ياياسين كلكم. أنا بحاول أحميكم بس أنت مش فاهم، عشان كده قولتلك مش هتفهم ولا عمرك هتفهم.
تسارع عنيف بدقات قلبه الآن ما بين حزنه منها وفعلتها التي لا تغتفر، فاستدار يطالعها بنظرات نارية وكأن ما سردته له حديث غير مقنع. هزت رأسها بيأس من بين دموعها، تفتح الباب بجوارها تطالعه بنظرة منكسرة: _مش قولتلك مش هتفهم ياياسين. استدارت بجسدها تستعد للنزول، فجذبها بيده يضمها إلى أحضانه. قاومته بقول: _سيبني ياياسين، سيبني عشان خاطر ربنا، سيبني. رايحة فين؟
استطاع بصعوبة وضع انزعاجه جانبًا والابتسام وهو ينظر لها، وبدأ في المسح على رأسها. سألها بنبرة هادئة، فأخرجت كلماتها من بين دموعها: _معرفش.. مش عارفة، هاروح فين. ضمها إلى صدره وسندت برأسها على كتفه.
لم يستطع رفع عينه من عليها، كم تبدو جميلة عن قرب. تنهد بهدوء وكأنه يخرج لوعة قلبه بهذه التنهيدة. نظر لشعرها المجعد الذي طالما أغواه. لمسه يمسح على خصلاتها بحب، وبيده الأخرى يمسح دموعها من على وجنتيها بعدما أغلق عينيه قائلًا: _فهمتك ياشمس.. فهمتك. أغمضت عينيها محاولة كتم شهقاتها من بين شفتيها. وأه لو تعلم مقدار الألم الذي ينخر الآن في قلبه بلا رحمة بسبب تلك النظرة وقلة الحيلة التي تظهر في عينيها، فأردف بحب مع ابتسامة
بسيطة زادت من وسامته: _تعرفي ياشمس، أنت لازم تقدمي بلاغ في شيرين عبد الوهاب، أصلها انتحلت شخصيتك وقالت: "أنا كنت طول عمري جامدة وأنا ماشفتش أجمد منك وأنتي بتعيطي". ضربت بكف يدها بلين على صدره وقد اتسعت ابتسامتها، وهذا هو مبتغاه أن يرى ابتسامتها من جديد.
هي فقط شعرة رفيعة بين العشق والجنون، شعرة بسيطة منذ وقع في حب عيناها.. حب عيون شمس وأصبح "فريد" كالمجنون. ما زال بذلك المقهى الليلي، الحقد بان في عيونه، حقد امتزج بغضبه. ينتظر بلهفة قدوم أشخاص بعدما هاتفهم بتزويده بمعلومات. وأخيرًا وبعد طول الانتظار، قدم كلًا من بدر وأبو المعاطي التحية لفريد، فبدأ هو بسؤالهم: _عرفت تطلع من البت اللي اسمها غدير دي بحاجة يابدر؟ فرد بدر بالإجابة: _أكيد طبعًا يافريد بيه.
أشار بعينيه لأبو المعاطي: _وأنت يا أبو المعاطي؟ المرة دي عرفت معلومات هايلة مكنتش أعرفها عن بربروس قبل كده يافريد بيه. ابتسم فريد بخبث قائلًا: _هجيبك ياياسين، بس اتك على الصبر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!