الحياة كالوردة، كل ورقة خيال وكل شوكة حقيقة. خُلقنا من حزن ومن حب، وكل منهما يكمل الآخر. الفؤاد يخبرني بأن الحب رحمة، والعقل يقنعني بأنه نقمه. ربما الحب أمل، وربما يكون الألم. وما بين ذاك وذاك أقع أنا. أقع هنا. يبدو الأمر وكأنه شبه صدمة لحظية مرت على عيون "ياسين" عند رؤية دماؤها المتناثرة بين كفيه. ثنى ركبتيه، يضمها بداخله، شعر وكأن الأنفاس تُسلب منه. حاول تجميع الكلمات من بين
شفتيه لكي ينطق حروف اسمها: شين تليها ميم يليها سين، أحرف سهلة وبسيطة. وعلى الرغم من بساطتها، لم يقدر على نطقها. شعر بصدمة، صدمة ذكرته بحدث مر. حدث مر عليه أكثر من عشر سنوات، وكأن كل شيء يتجدد من جديد، وكأن عقله عاد إجباريًا بالزمن إلى ما حدث قبل هذا.
شعر بوميض أبيض داخل عقله يأخذه إلى رحلة للماضي، يتذكر بها تلك الليلة. الليلة التي نزفت بها القلوب دمًا. ليلة موت "عمار". تجمد الوقت في تلك اللحظة، الدماء المتناثرة وهو يضمه داخل صدره. كل شيء يتكرر، وكأن الزمن يعود من تلقاء نفسه. تحولت صورتها أمامه إلى صورته، وكأنه يراه بدلاً منها. هنا جحظت عين "ياسين"، يتذكر ما حدث بالتفصيل في تلك الليلة القاتمة عندما فقد "عمار" روحه. تذكر صرخته وألمه، تذكر كيفية موته عندما سلب "العربي" روحه بانتزاع قلبه من داخل صدره. وجد لسانه ينطق حروف اسمه بدلاً
عنها بنبرة هامسة: _عمـــــــار ساعة وربما أكثر تقف "غدير" خارج القرية أمام منزله. تحديدًا أمام محل الدراجات الخاص به. تنظر للمصابيح بأعمدة النور بحزن. رفعت رأسها تصوب عينيها ناحية شرفته، حتى وجدت يزيح الستائر من على نافذته. وقع بصره عليها، طالعها باستغراب على وقفتها هذه بمنتصف الليل. توترت "غدير" فور رؤيته، استدارت عائدة، ثم قام بمناداتها بأعلى صوته: _غديـــــر، استني.
ارتفعت نبضاتها عند سماع صوته، وسعت من خطواتها، تعيد خصلات شعرها خلف أذنيها بارتعاشة واضحة على كفها. انطلق كالسهم نحو الخارج، ساحبًا سترته القطنية من على الأريكة يرتديها، مهرولاً على الدرج. خرج من مدخل منزله يبحث بعينيه عنها بعدما ابتعدت. وما أن وقع بصره عليها حتى ركض صوبها، أوقفها وهو يلهث بقول: _أيه يابنتي مش بناديكي ما وقفتيش ليه؟ لم تجب عليه بالكلمات، بل أجابت الدموع التي لمعت بعينيها بدلاً عنها. وتابع هو
وقد استدار يطالعها بتركيز: _مالك ياغدير فيكي ايه؟ حالة من الصمت قد نالت منها. مد كف يده يربت عليها بحنان، يشير بعينيه بقول: _طب تعالي معايا. وافقته "غدير"، وما أن اتجها إلى محله، أمطرت السماء فجأة بدون إنذار. وكأنها تحمل إشارة معها بأن كل شيء سيصبح على ما يرام. استدار يطالعها بقول: _مدي شوية، الجو اتقلب في ثانية.
وسعت من خطواتها تسير خلفه، وكانت النتيجة تجلس معه في محله، تنتظر حديثه. طمأنها "بدر" بنظراته وكفه الذي حاوط كفها، حيث جلس القرفصاء أمامها، يطالعها، يرى قطرات المطر على خصلاتها. ثوانٍ وأتى سؤال "بدر" بعدما أزاح خصلاتها المتناثرة على وجهها بكف يده. أعطاها ابتسامة قبل قوله برفق: _مش ناويه تقوليلي مالك؟ هزت رأسها بالرفض، أبت الإجابة. لا تعلم كيف قادتها قدماها إلى هنا. وقفت تستعد للمغادرة بقول: _أنا ماشيه.
قالتها وتحركت لترحل، ولكنه لحق بها يقطع الطريق أمامها. وقد حسم أمره حين نطق: _رايحه فين يامجنونة في الجو ده؟ أنت مش شايفه المطر عامل ازاي بره؟ لو طلعتي بره المحل دلوقتي أكيد هتتعبي. أشار لها بعينيه على المقعد بقول: _اقعدي ياغدير، لو مش عايزه تحكي ماتحكيش وأنا مش هسألك على حاجة، بس ماتمشيش في الجو ده ممكن.
قالها بعيون راجية، فجلست على المقعد بعدما أشارت برأسها بالموافقة. أدار ظهره يحضر كوبًا من الشاي الساخن حتى تشعر بالدفء بيوم شديد البرودة كهذا. مد كفه بالكوب قائلاً: _خدي ياغدير اشربي كوباية الشاي دي عشان تدفي. مدت يدها المرتجفة من قسوة البرودة التي غزت جسدها. اقترب "بدر" وقد شعر بارتجافة جسدها، فقال بنبرة حانية: _باين عليكي سقعانة. انتزع سترته القطنية من على جسده يحاوطها بها وهو يقول: _البسي دي هدفيكي. _طب وانت؟
قالتها مسرعة بلهفة. برزت الابتسامة على ثغره حين شعر بخوفها قائلاً: _هطلع اجيب چاكيت تاني من فوق. استدار يستعد للرحيل. ثم نظرت للأرضية وهي تحاول أن تجمع الكلمات كي تكون جملة مفيدة. جملة أوقفته مكانه دون حراك حين قالت: _هو أنا ينفع أثق فيك يابدر؟ ترك مكانه ودار ناحيتها، يحثها على القول بعيون بان بها الصدق في قوله: _أنت شايفه ايه؟ أجابته "غدير" بنظرة رضا تطالعه ببراءة وهي تقول: _أنا مطمنالك.
كلماتها، بالرغم من أنها قصيرة، ولكنها أدت دورها جيدًا. وقد غزت قلبه. ابتلع ريقه وأعطاها ابتسامة قبل قوله برفق: _يبقى احكيلي ياغدير. نطقت غدير بألم: _ياســــين مش من البشر زينا. سحب المقعد بكف يده يجلس مقابلها، وقد بدا على وجهه الاهتمام، سائلاً: _يعني ايه؟
الشتاء لياليه بريئة إذا كنت بداخل غرفتك يحتضنك الفراش ويبعث دفئه داخل روحك. وشديد الرعب إذا كنت بالخارج تحتضن من تحب ودماؤه متناثرة على كفك. لا زال "ياسين" يتذكر تلك الرجفة التي هزت قاع قلبه حين رأى فقيده وفلذة كبده بين يديه. استجمع ذاته المشتت وحاول أن يخرج الكلمات منه صحيحة غير متقطعة وهو يقول بدموع قد فرت من عينيه: _طب ازاي وانت كنت معايا دايما؟ طول الوقت ومابتسيبنيش؟ تابع "بدر" سؤاله بقول:
_يعني ايه ياغدير مش من البشر زينا؟ نطقت بقهر: _يعني مستذئب، ومش بس هو. شعر "ياسين" بقطرات الماء تتساقط عليه، فرفع رأسه ليجدها الأمطار التي امتزجت بدموعه حين فاق من شروده. كانت "شمس" ما زالت على حالتها بين ذراعيه، تطالعه بنظرة مستغيثة من عينين صارتا بحرًا من الدموع، تهتف بصوت شبه هامس من شدة ألمها: _مكانش هو اللي بتكلمه يا.. استجمعت ذاتها وهي تقول بنبرة متقطعة يتخللها الألم: _ياياسين، كل ده من وحي خيالك. عمار مات..
من .. الشمس كانت لسه ما غابتش، لكن الدنيا بدأت تضلم. كنت واقف على شباك الأوضة، ببص على الشارع اللي تحت. الناس رايحة جاية، عربيات ماشية، كل واحد في دنيته. "مالك واقف كده ليه؟ لفتت وبصيت ورايا. كانت هي. واقفة في نص الأوضة، ماسكة في إيدها كوباية شاي. "مفيش، بفكر." "بتفكر في إيه؟ "في كل حاجة." ابتسمت ابتسامة خفيفة، وجت قعدت جنبي على الكنبة. "مش لازم تفكر في كل حاجة لوحدك." سكتت شوية، وبعدين قلت.
"محتاج ألاقي حل للمشكلة دي. بسرعة." "وأنا معاك. هنلاقي حل سوا." حسيت براحة غريبة. وجودها جنبي كان بيخليني أحس إني مش لوحدي. "بس لازم نتصرف بحذر. لو عرفوا إننا بنحاول... "عارفة. بس مفيش حل تاني. لازم نجرب." صوتها كان فيه ثقة، وده اللي خلاني أحس بالأمل. "طيب. هنعمل إيه؟ "أنا عندي فكرة." قربت مني، وبدأت تحكيلي خطتها. كانت خطة جريئة، بس يمكن دي الحاجة الوحيدة اللي ممكن تنفع. من عشر سنين.
كلماتها مع تذكر ما حدث تلك الليلة، أكاد أجزم لو أن القلوب تصدر صوتاً حين تنكسر لأصمك انكسار قلبه الآن. *** أخبرها "بدر" ساخراً: _مستذئب! طالعها بعينين بان عدم التصديق بهما: _اسمعي يا غدير، لو مش عايزة تحكي بلاش، بس ماتسرحيش بيا. احنا هنا مافيش حاجة اسمها مستذئبين، احنا مش في فيلم على الـ mbc2، احنا عايشين في الواقع في قرية الصاوي والواقع بيقول مافيش حاجة اسمها مستذئبين. رده جعل الدموع تتحجر بعينيها. وقفت مغادرة بقول:
_كنت عارفة إنك مش هتصدقني، بس كنت عايزة أحكي مع حد اللي واجعني ومش عارفة جيت لك أنت ليه. استعدت للمغادرة ولكنه أوقفها بكفه بعدما رأى الصدق بعينيها متابعاً: _أنت بتتكلمي جد يا غدير؟ يعني ياسين فعلاً مش من البشر؟ أشارت برأسها بالموافقة وتابع بقوله وهو يشير بعينيه على المقعد: _طب اقعدي واحكيلي كل حاجة. ***
إن ظلمة الليل وبرودته تختلف بعدما أعطاها البرق في السماء بريقاً يخصه، وأصدر الرعد صوته بهذه الأجواء الشتوية الممطرة. يراها تغلق عيونها، تلفظ أنفاسها بصعوبة وهي تقول: _أنا مش عايزك تخاف عليا. وتابعت بقوله المأثور الذي طالما طمأنها به: _أنا عايزك تطمن، أطمن يا ياسين. لم تكمل حديثها وقد لفظت أنفاسها الأخيرة قبل أن تغلق عينيها. جحظت عيناه ليرى حالتها هذه. انقبض قلبه، شعر بفقدها هي الأخرى وهو يقول بذعر:
_لا لا لا، مش هتموتي، مش هسيبك تروحي مني زي ما هو راح. تفقد نبضها، كادت نبضات قلبها أن تقف من كثرة ضعفها. وهذا شيء لم يسمح هو به طالما مازال حياً. ***
ذكرت كل شيء من البداية، بداية من نشأتها مع شقيقها "داغر" وكيفية اقتحام "هدير" إلى حياتهما المظلمة. وكيف تعرفوا بـ "ياسين" والحرب التي نشأت بينهم وبين "العربي". سردت له عن "عز" وعن "غرام" حتى عن "عمار" وكيفية قتله. لم تترك فرداً من العائلة إلا وذكرته بحديثها ولا تركت شيئاً إلا وقد سردته له من البداية إلى تلك اللحظة. وقد استدارت وعادت إلى النظر أمامها وهي تمسح دموعها بقول:
_وأول ما دكتور علي ضرب ياسين بالقلم حسيت إنه اتكسر والعيلة اللي بحلم بيها من زمان اتفككت. نظرة ياسين لدكتور علي، نظرة بعمري كله ما شفتها منه قبل كده، نظرة انكسار، وكأن ضهره اتكسر وهو دايماً اللي بيظهر بمظهر القوي اللي مافيش حاجة تقدر تكسره في يوم. اقترب منها يمسح عبارتها الساخنة من على وجنتيها برفق، فتابعت "غدير" بقول:
_حتى في عز وجعُه بيداريه باستفزازه لغيره وبيحاول يضحك في وسط ما هو مكسور من جواه. ياسين شخصيته غريبة غير أي حد ممكن تقابله في يوم، ما يفهُمهوش إلا اللي يعاشره. ولو حب بجد مهما حصل ما بيطلعش اللي حبه من قلبه. *** حملها "ياسين" بين ذراعيه يطوقها بحضن ضيق وكأنه يخشى تسرّبها من بين ذراعيه فيضيع. تمتم بكلمات نابعة من قلبه بصدق:
_ماتسبنيش يا شمس، ماتسبنيش يا بنت المهدي. ده أنا لسه فاكر رعشة قلبي لما شفت اللي مني ملفوف في الكفن. مش هتحمل أشوفك مكانه. كان يهرول بأسرع ما يمكن بين طرقات المدينة بأقصى سرعته. شعر بفقدها وكأن المدينة مليئة بالموتى. كلما مر بشارع شعر بقلبه يحتضر خوفاً من فقدانها. والنتيجة هو هنا يستنجد بمن كان الأقرب له بقول: _حضّر كل حاجة زي زمان يا عم نصير. نطق "عم نصير" مستفسراً: _وهتتحمل؟ أجابه بعدم يقين:
_مش عارف، بس مش هقدر أتفرج عليها وهي بتموت. *** الطريق طويل حقاً. يبدو على "مشيرة" الانتهاء. أوقفت سيارتها في أحد الأركان بالقرب من القرية، حيث الطريق من القاهرة إلى الصعيد حتى وصلت إلى هنا. تبعد عن القرية بضعة كيلومترات. تزيح مياه المطر بمساحات الزجاج الأمامي، تنتظر وصول شخصاً ما. حتى صعد إلى سيارتها. يلتفت يساراً ويميناً من حوله. وما إن صعد أغلق باب السيارة من خلفه وبدأ بقول:
_أنا خلاص عملت اللي أنت قولتيلي عليه. فين بقيت فلوسي يا ست؟ صمت لثواني متسائلاً: _مش ناوية بقى تقوليلي اسمك إيه؟ حدثته "مشيرة" بغيظ: _وأنت مالك أنت؟ هتصاحبني؟ عملت اللي قولتك عليه ولا لأ؟ أشار برأسه بالإيجاب: _عندك حق، بلاش أعرف اسمك. بس اديني بقيت حقي بقى. أجابته نافية: _مش قبل ما أتأكد فعلاً إنك خلصت عليها. _حقك، والحق ما يزعلش يا ست. يا ست البنات.
قال آخر كلمتين ببطء غامزاً لها. يخرج هاتفه من جيب بنطاله وقام بتشغيل الفيديو المصور وهو يطلق عليها طلقاته. رأت الحزن بعيني "ياسين" عند رؤيتها تصاب بعيار ناري هكذا. ابتسمت بخبث تضيق عينيها قائلة: _برافو عليك. أنت كده تستاهل بقيت حسابك. أخرجت كيس من النقود تضعه بيده قائلة: _ابعتلي الفيديو ده بقى على الواتس. وبعدها مش عايزة أشوف وشك تاني. التقط كيس النقود يبعث لها الفيديو عن طريق الواتساب. يهبط من السيارة راحلاً
عنها بقول: _التعامل معاكي حلو يا ست وفلوسك أحلى. وأي خدمة تاني هتلاقيني سداد. تركها تحت نظراتها الخبيثة تراه يبتعد عن سيارتها. أعادت الفيديو للمرة الثانية تحدث نفسها شامته بما حدث قائلة: _كنت هم تقيل على القلب يا شمس. وأخيراً عرفت أخلص منه. *** صفعت باب الغرفة خلفها بضجر. أتى "يزن" من خلفها سائلاً: _هو في إيه يا سارة؟ أنا عملت إيه عشان تزعلي الزعل ده كله؟ تعالت شهقاتها واستدارت تطالعه وتابع بقوله مستفسراً: _ليه؟
ليه العياط ده كله؟ فهميني على الأقل الزعل ده من إيه؟ اقتربت منه تطالعه وكأنها تحفظ تقاسيمه بعينيها قائلة: _ده مش زعل منك، ده خوف عليك يا يزن. أنت مش فاهم، أنا ماليش غيرك في الدنيا دي، لا أب ولا أم ولا حتى أهل. بتر حديثها بأنفعال: _طب ما أنا زيك، احنا بندارى فيهم عشان مالناش غيرهم. ياسارة، هما أهلنا بعد ما أهلنا الحقيقيين سابونا ورمونا، هما اللي أخدونا في حضنهم من بعدهم. بكت بحسرة لا تنقطع وهي تقول:
_عارفة، أي كلمة هتقولها أنا عارفاها وحافظاها. بس النهاردة خوفت عليك وأنت عايز تروح تقف في وش ياسين عشان تبعده عن علي. تفتكر أروح فين؟ ولا كان هيجرالي إيه لو مكانش ياسين مسك نفسه وزقك أو طلع غضبه فيك. مسحت دموعها بعنف وهي تقول: _ده ياسين يا يزن، ماتنساش. طلب منها "يزن" برفق: _طب أهدي، ممكن تهدي بقى؟ مسح بظهر يده دموعها من على وجنتيها قائلاً بنبرة حانية يطالع عينيها الغارقة بالدموع:
_ياسين اتغير. ولو ما كنتيش شايفة ده أنتِ وزهرة يبقوا مابتشفوش. بدليل إنه قدر يمسك أعصابه ويتحكم في نفسه قدام علي. قالت بانفعال: _أيوه بس افرض. _ما افرضش، ما افرضش ياسارة. دي حقيقة باينة قدامي. ياسين اتغير ومش بس مع شمس، مع الكل. وحتى مع نفسه. ماتخافيش عليا منه. ياسين دلوقتي مابقاش يتخاف منه أكتر ما يتخاف عليه. والدليل أنتِ شوفتيه بعينيكي.
كلماته أثرت بها. لم تكن لتوافق على كلامه أبداً، ولكنها خضعت بالأخير من أجله هو. مسح على خصلاتها برفق بكف يده في محاولة لتهدئتها. وما أن انتهى حتى وجد خصلاتها الكثيفة بين أصابعه إثر العلاج بالكيماوي. خبأ خصلاتها بعدما كور كفه ولاحظت هي ارتباكه: _في إيه يا يزن؟ هز رأسه نافياً: _ابداً، ولا حاجة. الأمور بس تهدى هنا في القرية ونروح أنا وأنت نعمل شوية تحاليل صغيرة كده عشان نشوف نتيجة العلاج. موافقة؟ أيدت اقتراحه
بخوف مما ينتظرها قائلة: _أكيد هاروح وربنا يستر. ***
في دقائق لم يتغير الكثير. ارتبكت الأوضاع. لا يعلم "نصير" ما حدث ولكنه توجه إلى الخلف يحضر ما طُلب منه. وضعها "ياسين" على الفراش بداخل الكوخ ينتظر "نصير". ولكن الثواني لا تمر، شعور شديد القبح تملك منه، شعور بالعجز وهو يراها هكذا. كل ثانية تمر لها قيمتها بمثل حالتها. وما أن أتى "نصير" بطلبه حتى مزق ملابسها العلوية ورأى جسدها. حتى أسرع بسحب أقرب مفرش بجواره ووضعه عليها قائلاً: _الرصاصة جت في ضهرها تحت رقبتها بعشرة سم.
نبه "نصير" محذراً: _خلي بالك وأنت بتشيلها لا تكون قريبة من العمود الفقري. أي حركة كده ولا كده ممكن ما تقومش منها. دفعه ياسين في حركة مفاجئة فتراجع للخلف على أثرها مصدوماً وهو يتابع في حديثه المنفعل: _ماتقولش كده، امسك لسانك يا نصير. قالها بنبرة حادة مما جعل "نصير" يثبت على حديثه: _أنا بنبهك. عملتها قبل كده في مراتي وما قُمتش منها. عشان كده بنبهك. إيدك اللي بتترعش ثبتها.
وقلبك اللي ملاه الخوف تجمده وخللي بالك الوقت مش في صالحك. ابتلع غصة مريرة في حلقه وهو يكمل بثبات باتر عبارته: _وطالما الوقت مش موجود يبقى ما أضيعهوش. أنا طالع وواثق إني هشوفها وهي قايمة بالسلامة.
قال كلماته مغادراً الكوخ واضعاً المشعل الخاص به بجواره وتركه ورحل. أما عنه فقد اقترب منها ببطء بعدما أربكه "نصير" بما قاله. أخذ السكين وضعها على المشعل ينظف الدماء الموجودة على ظهرها. أغمض عينيه يستشعر مكان الرصاصة بلمساته لها. وما أن انتهى حتى تخللت أظافره بداخل جسدها يلتقط الرصاصة ببطء شديد حتى أخرجها. وبعد ثوانٍ سمع "نصير" من الخارج صرخاتها المكتومة من شدة الألم عند وضعه السكين على ظهرها.
من جديد هو هنا بمسجد القريه. ربما قبل الفجر بساعه يردد بصوته العذب الذي يشرح القلوب ويطرب الأذان. يردد في سكون الليل، يروح عن نفسه بكلماته، يشعر بالسكينه عند ترديد ابتهالاته. يقلب حبات سبحته بأصابعه، ولكن توقف بمنتصف ابتهالاته. وقف وكأن انعقدت الكلمات على طرف لسانه، لم يستطع إنهاء ابتهالاته. وقد فرت الدموع رغما عنه عند تذكر ما حدث بين الأشقاء منذ ساعات قليله. فهو يعتبر نفسه شقيقهم الثالث.
تنهد "بربروس" تنهيده حاره، ثم استغفر ربه بنبره خافته وعاد من جديد يستكمل ابتهالاته. أتت "مارال" تصعد الدرجات الصغيره التي تؤدي إلى دخول المسجد. وقفت بالخارج تدور بعينيها في المكان حتى تأكدت بأن لا أحد بالمكان سواه. رفعت الشال من على كتفها تغطي به رأسها تتخذه كالحجاب. أتت من خلفه تناديه بهمس. ومن كثرة شروده بابتهالاته وصوته لم يقدر على سماعها. جلست أمامه ناطقه بصوت مغلف بالرضا:
_صوتك حلو أوي يابيدقوس بيدخل القلب من غير استئذان وبيريح الودان تعب ده. ضيق ما بين حاجبيه سائلا: _مارال!! مالذي أتى بك إلى هنا بانتصاف الليل؟ سألها "بربروس" بفضول، فأرضت فضوله بقول: _أنا قلقت عليك يابيدقوس. أنا عارفه كويس علي وياسين بالنسبالك إيه. حتى لو ماحدش حاسس بيك، بس أنا عارفه اللي جواك وعارفه كويس أوي إنت حاسس بإيه. هز "بربروس" رأسه نافيا، فأكدت "مارال" عليه:
_حتى لو نفيت اللي جواك عشان ماتبانش ضعيف قدامي، أثي الدموع لسه باين في عنيك. لم يعلق "بربروس" على ما قيل، فلم يكن يرى أن هناك رد. ولكن نظرات الحزن التي وضحت بعينيه أجابت بدلا عنه. صمتت هي لثوان تقترح عليه: _عارفة، بيقولوا الكلام بيريح. ابتسم بسمه بسيطه يعيد ما سردته بقول: _بماذا؟ أشارت برأسها تعيد كلمتها ببطء: _بيــــــريـــــح. اعتدلت بجلستها وبدأت بالشرح:
_عارفة زمان لما كنت ببقى مخنوقه من اخويا كنت بفضل احكي لماما عن اللي واجعني، مع اني عارفه ومتأكده إن هي مش هتفيد عليا ولا هتقدر تعملي حاجة، بس بحس إني خرجت اللي جوايا وساعتها بحس بالراحة. اتكلم معايا، ممكن الكلام يريحك، جيب مش هتخسر حاجة. ابتسم موافقا على اقتراحها وبدأ بالتصريح بكل ما يدور بصدره ويؤرقه: _أتعلمين..
حتى بزمني لم استشعر شعور الأخوة من قبل، لم أشعر به إلا معهم وبوجودهم. فقد ولدت وحيدًا ولم أشعر بالحنين لأحد كما شعرت به معهم. نعم نختلف بالأزمان ولكننا نتوافق بالقلوب. وعلى الرغم من اختلافاتنا الكثيرة ولكننا نشبه بعضنا أكثر. شعرت بضياع كل هذا الآن وكأن جدار الأخوة ينهار بيننا، وهذا ما حزن قلبي. كنت أشعر دائمًا بأننا كالمثلث ثلاث أضلع لا يمكن لضلع آخر الدخول بينهما أو ثنيه مهما حدث، ولكن خاب ظني بعد ما حدث.
قال ما بداخله وكأنه أزاح حملًا من على صدره. سحب نفسًا عميقًا وشعر بالراحة بعد قوله. ردت على ما قاله بقول: "بيقولوا مصائب البطن بتتعايد ومهما بعدوا هييجوا، والمثلث هيفضل مثلث يا بيدقوس. عشان أنت وعلي وياسين مافيش حاجة تقدر تفصل ما بينكم في يوم. حتى لو أنت مكنتش شايف ده، أنا شايفاه وبوضوح كمان. وبعدين تعالى هنا قولي إيه اللي كنت بتقوله من شوية ده؟ ده مكنش قرآن على فكيه." ابتسم يوضح لها بنبرة مغلفة بالحب:
"هذا ما نسميه بالابتهال. الابتهال الديني تضرع إلى الله سبحانه وتعالى، وهو بسط الذراعين مقابل الوجه أو رفعهما إلى السماء. والابتهال المقصود به التضرع إلى الخالق والألحاح بالدعاء. أفهمتي ما أقصده يا مارال؟ هزت رأسها بالإيجاب. وقبل أن تستكمل سؤالها، شعر بربروس بقدوم أحدهم من الخارج. وقف مسرعًا يضع بكف يدها مفاتيح المسجد النسائي وهو يقول: "أحدهم قادم. انتظريني بالأعلى فقد حان موعد الأذان."
ركضت مارال من أمامه تنفذ ما قاله سريعًا. ثم دلف إلى المرحاض ليتوضأ من جديد لكي يتلو أذان الفجر. خرج بعدما توضأ واقترب من مكبر الصوت يقوم بتشغيله وبدأ بقول الأذان بصوته العذب التي اعتادت عليه. جلست بالطابق العلوي كما أخبرها تسمعه وتسمع صوته. شعرت بقشعريرة تقشعر لها الأبدان ودخلت كلمات الله قلبها وهو يرددها بدلًا من أذنها. تلك اللحظة تنهدت وشعرت بالراحة عند سماعها كالمعتاد.
لم يأت في باله حتى في أسوء الكوابيس أن يحدث هذا أبدًا. ألف كيف وكيف لكل سؤال يخطر بباله الآن. حل الصمت على كليهما. يجلس بالخارج بجوار عم نصير الآن. سكون الكون قبيل الفجر والهواء البارد. قطع الصمت سؤال عم نصير الذي سأله أثناء جلوسه جواره وهو يقول: "إيه اللي بيحصل يا ابن الصاوي؟ وكأنه ينتظر سؤاله حتى يخرج ما بداخله. أي شخص إذا سأله سيخرج ما بمكنونه باستفاضة، ولكنه وجد نفسه قائلًا: "مش عارف."
صعوبة البوح تكمن في قلب يقول أخبره، وبين عقل يهمس ستندم. ولكنه بدأ بقول: "حاسس إن الدنيا كلها كاسرة بخاطري. بدوس عليا بكل قوتها ومش مكفيها. زي ما تكون بتقولي كل ما تعاندني هقف في وشك أكتر. أنا حاسس بخوف لأول مرة في حياتي والنهاردة خوفت. خوفت أخسرها زي ما خسرت اللي قبلها. زي ما تكون كل حاجة جاية معايا بالعكس ومابقيتش فاهم ولا عارف هي الدنيا عايزة مني إيه." تنفس ياسين بعمق تتسارع عباراته وتحدث فؤاده بدلًا عنه:
"أنا حاسس إني زرع شيطاني في أرض بور. زرع طلع من بذرة مجهولة رماها الريح. مع إني عمري ما اخترت أبقى كده ولا حبيت الحياة اللي أنا عايشها. أنا كنت عيل صغير لما علي قالي ماتسبنيش في الدنيا لوحدي وقرر إني أبقى معاه، كان فاكر إنها بطولة العمر الدنيا مش هتأذينا. بس كل ما نعيش فيها أكتر بدوس علينا أكتر يا عم نصير. وأنا مابقيتش قادر أتحمل قسوتها أكتر من كده. وأنا بشوف أعز ما ليا بيضيعوا مني واحد ورا التاني. والمطلوب مني إني أكمل وأعيش وأنسى، وأنا لا بعيش ولا حتى بعرف أنسى."
قال ياسين كلماته بغضب. فنطق عم نصير مهونًا: "كل ما الدنيا تقفل باب في وشك هيتفتحلك شباك. ودي حقيقة محدش ينكرها. ماتركزش على الباب المقفول، بص دايما على الشباك عشان تقدر تكمل وتعيش يا ياسين. الشباك ده ممكن يكون أي حاجة حلوة بتحصل معاك أنت مش واخد بالك منها. الباب المقفول هو اللي فات والشباك المفتوح هو اللي جاي." وصل إلى مسامعه أذان الفجر. ابتسم وهو يقول:
"ربنا بيناديك يا ياسين يابني. بيقولك تعالى اشكيلي همك بدل ما تشكيها للعبد اللي زيك." تركه ورحل تحت نظراته المستغربة. يتوضأ للمرة الثانية يطلب منه: "تعالى يا ياسين امسكلي الطرمبة دي عشان أعرف أتوضأ يابني من جديد." تحرك باتجاهه يراه يتوضأ بصعوبة. أمسك بطرمبة المياه يضخ المياه باتجاهه. وعند انتهائه أشار له نصير ممسكًا بمضخة المياه بدلًا عنه: "يلا يلا عشان تتوضأ معايا ووعدك إنك هتحس براحة محسيتهاش قبل كده في حياتك."
بدأ بالوضوء وما إن انتهى حتى أغلق مضخة المياه ومسح عينيه. أنهى كل شيء مستجيبًا لما يأمره به. وقد وقف بجواره مؤديًا الصلاة من خلفه. وما إن ركع لله عز وجل وجد نفسه يدعي هاتفا:
"يارب أنت الأقرب لعبدك من حبل الوريد. أنت اللي بتدخل بين الشخص وقلبه. أنت اللي عارفنا أفضل منا. وأنت الشاهد على اللي في قلبي ليها يا الله. أرشدني بقيت بلا حيلة. امنحني مخرج مناسب عشان تعبت والقلب تعب من الخذلان. اشفيها يا الله. رجعها لي من جديد. أنا عبدك الفقير بطلب منك تبقيها حية وتبعد عنها أي شر حتى لو كنت أنا الشر ده. أبعدني عنها لو كنت هأذيها في يوم."
أطال سجوده مما جعل عم نصير ينتهي من أداء صلاته تاركًا إياه مع الله. وما أجمل المكوث مع الخالق. مهما حدث ومهما مر علينا من شهور وربما من سنين. فالراحة بالعودة إلى الخالق لا تقدر بثمن. وسبحان مغير الأحوال من حال إلى حال، من جعل ياسين يعود للخالق العظيم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!