الفصل 84 | من 107 فصل

رواية الهجينة الفصل الرابع والثمانون 84 - بقلم ماهي احمد

المشاهدات
19
كلمة
4,181
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 79%
حجم الخط: 18

تنفست الصعداء وهي تشعر بمزيج من الألم والمعاناة التي تحملهما بداخلها. ما يحدث من حولها يؤثر عليها بشكل واضح حتى في أحلامها. العداوة التي يكنها كل من "ياسين" و"عمار" لبعضهما البعض تؤثر عليها بالسلب.

شعرت بأن ليس للحياة معنى في هذا التوقيت. شعرت بأنها السبب في عداوتهما معاً. وقفت واستقامت متجهة إلى الطابق السفلي بعدما اتخذت قرارها. كان البيت يبدو خاوياً في حالة من السكون. الجميع نيام، لا يوجد أحد بالردهة. تابعت سيرها وهي تتذكر عداوة كل منهما للآخر. تلك المواقف والذكريات جعلتها جسداً بلا روح. فتاة في عمر الزهور مثلها تعتقد الموت راحة لها مما يحدث، ظناً منها أن إنهاء حياتها نهاية لعداوتهما. فهي السبب الرئيسي لهذه العداوة. والآن حان الوقت لإيقاف هذا الشجار الدائم عليها.

وأخذت تلك الخطوة. كانت تتقدم بأقدام مرتجفة وأعين دامعة. تقف أمام النهر بتوتر ويزداد انهمار الدموع من عينيها بغزارة. وفي مخيلتها مشاهد العراك الدائمة بينهما، وكأنها لا ترى النهر بل تراهما أمامها بشكل دائم.

لفح الهواء البارد وجهها متسبباً في تطاير خصلات شعرها المجعدة. مع برودة جسدها كبرودة ليالي الشتاء القارصة، تقدمت خطوة للأمام وهي تعلم جيداً أنها لن تعود. ولكنها حسمت قرارها، فلا يجب على كل منهما الشجار الدائم عليها. يجب عليهما الوقوف بجانب بعضهما البعض لإنهاء هذه المعركة الصارمة. أخذت قرارها وأغمضت عينيها وبدأت في تنفيذ ما قررته بالفعل. وقبل أن تقدم على خطوة أخرى، وجدت من أطاح بها ليمنعها عن قرارها المتهور. ***

كان ما زال يقف بالمنتصف يلقي نظرة يميناً ويساراً عما يحدث. جميع الحيوانات آتية له. ليس فقط الذئاب، ولكن جميع الحيوانات بشكل عام تقف أمامه يشكلون دائرة وهو بمنتصفها. لم يكد أن يصدق ما يرى. شعر بأعين دامعة كدماء حيوان قد ذبح للتو. آلاف الأفكار تعصف بخلايا عقله ومئات الوغزات تصيب قلبه الوهن. تراوده هذه الذكريات بداخل عقله من جديد. صور على هيئة ذكريات متقطعة. لا يدرك ماذا يحدث له. يرى أمامه ذكرى مشوشة وهو يجلس بالمنتصف بمكان واسع وتجلس أمامه "الخالة" و"المهدي" قائلاً بابتسامة وهو يهز رأسه يساراً ويمينناً

ببطء: "أنا حولت كتير غيرك لمستذئبين يا "ياسين"، بس عمري ما شوفت مستذئب بقوتك. أنت خليفتي، خليفة المهدي. اياك تنسى دي في يوم." أنهى العربي جملته والكبر يملؤه ويربت على كتفه وينظر بجانبه إلى "الخالة حكيمة" مبتسماً. فاق من انخراطه بداخل هذه الذكرى وهو ممسك برأسه الذي كاد أن ينفجر. حتى تعاوده ذكرى أخرى من جديد وهو يسمع صوت أخيه "دكتور علي" ويبدو على ملامحه الرعب المطلق هامساً في أذنيه بعدما طالعه وهو يقول:

"ياسين أوعى تعرف حد بقوتك. العربي مش هيسيبك لو عرف انت مين." "احنا لازم نبعد، بس اللي متأكد منه ان احنا هنتجمع من جديد مهما طال العمر بينا. هرجعلك تاني يا خوي مش هسيبك عشان انت تستاهل اني ارجعلك من جديد." أنهى "علي" جملته الأخيرة و"ياسين" يطالعه يبتعد عنه بصمت. فكان الصمت حليفه في هذه الأوقات. حتى وجده الضبع وأخذه معه.

فاق من شروده مرة أخرى من هذه الذكرى وكأن باب الذكريات انغلق من جديد. حاول مراراً وتكراراً أن يتذكر أشياء أخرى مما حدث بالماضي، ولكن دون جدوى. فجلس القرفصاء يطالع الحيوانات بحاجب مرتفع حتى وجدها تطالعه باهتمام شديد. ارتسمت الابتسامة بجانب شفتاه إلى الثعلب الأحمر الذي كان يطالعه بنظرات حادة. ينظر له وكأنه يتحداه بعينين واسعتين. رأى "ياسين" ما يفعله ذاك الثعلب المكار. ثم نظر إلى القط البري الذي يقف بجواره مشيراً بيديه على الثعلب

وهو يطالعه ويسأله بجدية: "مين البقرة اللي جابت العجل ده؟ قفز القط البري من مكانه وأصدر صوتاً كالصرير مما دل على فهمه لما قاله "ياسين" للتو. أخذ الثعلب الأحمر يطالع القط البري بنظرة حادة وكأنه يتوعد له مما قاله "ياسين". أما عنه، فكان يترقب لكل شيء يحدث ونظرات الحيوانات لبعضهم البعض. مما جعله يصيح وهو يقول مشيراً بأصبعه: "انتوا بتفهموني؟ انتوا فاهمني؟ يعني انتوا فهمتوا اللي انا قلته؟

لم يجد رد فعل لأي منهما. فقد كانوا يطالعونه بنظرات مبهمة. حتى جاء كبير الذئاب، الذئب الذكر الأسود بعينين ثاقبتين. أفسحت جميع الحيوانات المجال له حتى يدخل منفرداً. مما جعل دخوله مميزاً بنظراته الثاقبة. ابتلع "ياسين" ريقه وكأنه غصة مريرة بحلقه. عندما وجد سرب من الذئاب يتبعون ذلك الذئب الأسود من خلفه. استجمع شجاعته ووقف مستقيماً ونظر له بعينين ثاقبتين والثقة تملأ وجدانه. ودون أن يشعر، فقد تحولت عيناه للون الأحمر لأول مرة منذ زمن بعيد كلون الدماء دون أن يشعر بدلًا من اللون الأسود مثله مثل أي مستذئب. نظر للذئب الذكر يطالعه بعينين حادتين حتى أجبره على الركوع أمامه وكأنه يأمره بنظراته الحادة.

خر الذئب الذكر ينبح أمامه بعلو صوته وكذلك الحيوانات الأخرى من بعده. كل حيوان على لغته وكأنهم يقولون: نحن جيشك الذي لا يهزم.

في تلك الأوقات كان يقف "داغر" بشرفة غرفته مستنداً بكتفه على الحائط يستمتع بلفحات الهواء الباردة على وجهه. يستنشق الهواء بعمق وكأن أحدهم كان يمنع عنه الأكسجين. حائراً بل خائفاً مما سيحدث عما قريب. لا يجافيه النوم في تلك الليلة الخاوية. حتى سمع نباح الذئاب. ابتسم ابتسامة رضا ظهرت على ثغره عند سماع أصواتهم وعلم أنهم وجدوا قائدهم الجديد. فلم ينبح أي من الذئاب معه قط مثلما نبحوا الآن. أيقظها ذلك النباح من نومها. كشفت الغطاء عنها لتجده واقفاً بجانب الشرفة لا يتحرك بل شارداً في أفكاره. نزلت من على فراشها ممسكة ببطنها بروية. وقفت خلفه تنقر على ظهره بأصابعها بخفة وتناديه باسمه.

"داغر" منعه كثرة شروده من سماعها وكأنه جسد بلا روح. مما زاد من غرابتها. قبضت حاجبها وهي تنظر له باستغراب بنبرة صوت عالية هذه المرة. "داغر روحت فين وليه الذئاب بتعوي بالشكل ده؟ أنا أول مرة أسمعهم بيعوا كده." قالت كلماتها والرعب يتملكها. فكان نباحهم يرج المكان وكأن القيامة ستقام. فاق من شروده ونظر خلفها لها يطمئنها بكلماته الحنونة. "ماتخافيش، دوول أخيراً لقوا القائد بتاعهم. أنا دلوقتي مابقيتش قلقان عليهم."

نظرت له بعدم فهم وكانت في حيرة من أمرها. نظرت له بعينين حائرتين. أمسك بيديها وجدها كالجليد. هرب الدم من عروقها. احتضن يديها وقبلها من جبينها. التصق جسده بـجسدها. أصبحت بداخل أحضانه حتى يشعرها بالدفء الذي تفتقده. ثم نظر الاثنان إلى الشرفة. تنظر هي إلى السماء لتجد القمر مضيئاً في تمامه. ليستكمل حديثه قائلاً: "شايفه قدامك إيه ياهدير؟ نظرت إلى السماء بتمعن.

"شايفه القمر منور في السما ضيه بيسحر النهارده، والنجوم حواليه كتيرة وظاهرة أكنها بتزينه." أردف قائلاً: "والسما السما لونها إيه؟ انكمش حاجباها وأخذت تطالعه باستغراب شديد. فسألها هو: "مالك بتبصيلي كده ليه ياهدير؟ "غريبة، أول مرة تسأل السما لونها إيه على أساس إنك مش عارف؟ أو حتى إني أوصفلك شيئ. دي حاجة غريبة مابتتحصلش." تنهد وهو يبتسم ابتسامة مصاحبة لكلماته. "مش أول مرة أقولك إني عايز أشوف الدنيا بعينيكي."

استدارت بجانبها واضعة يديها على وجنتيه وأصبح وجهه بين كفيها. "وليه ياداغر ماتعملش العملية وتشوف بعينيك؟ انت مش عايز تشوفني في يوم؟ مش يمكن أطلع مش حلوة زي ما انت متخيلني؟ مش ممكن ماطلعش الصورة اللي في خيالك؟ رد قائلاً بابتسامة لطيفة منه. "عندك حق، انتي فعلاً عمرك ما هتبقي اللي في خيالي عشان أنا مهما اتخيلتك هتطلعي أجمل بكتير. جمال روحك مبين جمال ملامحك ياهدير." ابتسمت ابتسامة رضا وهي تنظر له ثم اردفت لتسترسل حديثها.

"طيب سيبك مني أنا." أمسكت بيداه ووضعتها على بطنها لكي يشعر بجنينها مستكملة حديثها. "مش عايز تشوف ابنك أو بنتك؟ إيه المشكلة لما تسمع كلامي ونروح نعمل زيارة للدكتور ياداغر؟ إيه المشكلة لما نحاول؟ صدقني مش هنخسر حاجة." ابتسم ابتسامة نابعة من قلبه ويشاور برأسه بالموافقة. "موافق." لم تكد أن تصدق ما سمعت للتو. أغمرتها الفرحة وأصبحت تنطق كلماتها مزيجاً من الفرحة على عدم استيعاب ما سمعته منذ ثوانٍ قليلة. "داغر إنت بتتكلم جد؟

هز رأسه موافقاً يصاحبها ابتسامة بسيطة. "أيوه بتكلم جد. ولو ربنا اداني عمر بعد المعركة وعشت هعملها. ولو ماليش عمر ومت، أعرفي إني كنت بتمنى إني أشوفك وغلطت حياتي إني ماشبعتش من ملامحك ولا شوفتها في يوم." انقبض قلبها بشدة عند سماع هذه الكلمات وأخذت نبضاته تعلو نبضة تلو الأخرى. وضعت يدها على شفتيه لتمنعه من استكمال حديثه الذي أثار غضبها. "داغر إنت بتقول إيه؟ إنت ممكن تسيبني في يوم؟

هز كتفيه مستنكراً ما يقول ولكن ملامحه كانت توضح ما يريد قوله. مستكملاً حديثه. "محدش عارف عمره في قد ايه ياهدير، عشان كده عايز أوصيكي على نفسك وعلى ابني. لو طلع ولد سميه غالب، ولو بنت مش هلاقي أجمل من اسمك عشان تتسمى بيه." أصاب الرعب قلبها فلم تستطع تحمل كلماته المريرة. فكانت كل كلمة يخرجها من فمه تنزل عليها كالصاعقة ولا تقدر على استيعابها. تركت يداه وهي تحاول الوصول إلى الفراش. جلست على طرف الفراش وهي تطالعه بحزن.

"قصدك إيه ياداغر؟ كلامك مش مريحني. إنت حاسس إن ممكن يحصلك حاجة؟ إنت أصلاً فاكر إن لو جرالك حاجة أنا ممكن أعيش من بعدك؟ ضربت يدها كفاً بكف وتهز رأسها نافيةً لما قاله منذ ثوانٍ. "إنت مش عارف إنّي مش هعرف أعيش من غيرك. إنت هتحافظ على نفسك وهتعيش وهترجعنا وهنكمل حياتنا سوا. إحنا لسه قدامنا دنيا ماعشنهاش، لسه قدامنا أحلام هنبنيها سوا." قالت كلماتها بدموع تأبى النزول.

"إنت هتعيش وهترجعنا وده مش بمزاجك، ده غصب عنك. في ناس هنا عايشة ومكملة حياتها عشان نفْسك موجود في الدنيا." قبل أن ترمش وجدته أمامها يجلس القرفصاء ممسكاً بكفيها بحنان ويقبل يداها بحب. فقالت هي باستمة. "أوعدني ياداغر، أوعدني إنك هتعيش وهترجعلي." ابتسم ابتسامة عريضة تملأ وجهه وهو يتكلم بكل ثقة اكتسبها من كلامها. "أوعدك." اوعدك اني هعيش عشانك ياهدير كانت مستلقيه على الأرضيه بكامل جسدها بعدما أطاح بها هو.

نظرت بجانبها عندما رأته، وجدته يطالعها بعينان ثاقبتان بشكله المتوحش وأنيابه البارزه من بين شفتيه. مسحت دموعها بيديها، حاولت جاهده إلا يرى دموعها مره أخرى. وقفت واستقامت، استدارت مسرعة حتى لا يراها وهي على هذه الحالة. فقررت الذهاب حتى استوقفها بكلماته بعدما عاد وجهه الى طبيعته. "كنتي عايزه تموتي نفسك ليه ياشمس؟ لم تجب على سؤاله، تاركة إياه. جلست على ذلك السور المطل على مياه النهر.

أجواء باردة تعصف بالمتواجد في المكان، وأمواج تتلاحق بحماقة تذكرها بحماقة ما كانت تريد أن تفعله للتو. تسرب ضوء القمر إلى النهر المحيط من حولها، فالمكان هنا شبه خالٍ من الضوء، فانتصر على الظلام ضوء القمر البسيط. جلس بجوارها على ذلك السور وأصبح النهر أمامهما، ينظر كل منهما إليه. أضاف بعد أن جاهد ليسحب نفسًا عميقًا. "مجاوبتيش على سؤالي، عايزه تموتي نفسك؟ "للدرجه دي انا مش مهم عندك؟ استدارت بوجهها تطالعه بعيون يائسه.

"لم تعطيني أي حلول سوا ذلك، فقد ضاقت الدنيا بي. لم أعد أعلم ماذا أفعل حتى تتوقفا عما تفعلاه ببعضكما البعض ياعمار." أنهت جملتها بعيون راجية وكأنها تطلب الاستغاثة مما يحدث لها. أردف قائلاً بعدم فهم. "للدرجه دي هو مهم عندك؟ نظرت له بعيون دامعة بمقلتيها تأبى النزول. "أتريد الصدق أم الكذب؟ بدأ قلبه بالانقباض، ابتلع ريقه وهو يطالعها باهتمام ينتظر كلماتها حتى تخرج من بين شفتيها. فأعادت سؤالها بصيغة أخرى من جديد.

"يبدو أن الصمت أصبح حليفك الأن ولم تجاوبني على سؤالي." أصبح من الصعب عليه استنشاق الهواء إلى رئتيه وهو يخبرها باختياره. "أكيد عايز الصدق، بس الصدق ده لو فيه وجعي يبقى أكذبي عليا ياشمس عشان مش هتحمل لو اللي في دماغي طلع صح." "لا أعلم إذا كان الصدق به وجعك أم لا، ولكني أريد إخبارُك بالحقيقة التي تكمن بداخلي منذ ما علمت بما حدث لـ«ياسين». فرغماً عني ليس بإرادتي بدأت أسامحه."

كان ينصت جيدًا لما تقوله له، وكان كل حرف تخرجه من شفاها يخترق قلبه، ولكنه التزم الهدوء وأخذ ينصت لها بإتقان. نظرت هي أمامها لتستكمل حديثها بعدما أدخلت الهواء المنعش إلى رئتيها من جديد، تسترسل حديثها.

"لطالما ألمتني فكرة تعامل «ياسين» معي بهذا الشكل، فلقد أخبرتك بما حدث بالماضي وكيفية معاملته لي، ولكن عندما علمت الحقيقة بأنه كان يفعل ذلك رغماً عنه أصبحت أمنحه ألف عذر لما كان يفعله. فبالرغم من سيطرة «الضبع» على عقله كان يحاول مجاهداً بكل الطرق ألا يؤذيني." ابتسمت ابتسامة تملأ وجهها وبدأت في تذكر اللحظات الجميلة التي كان يصنعها «ياسين» من أجلها وهي صغيرة، وبدأت تسرد له هذه الذكرى.

"فقد أتممت السادسة عشر من عمري منذ بضعة أشهر ووجدته هو يفتح باب القبو ببطء، وعندما سمعت خليلته صرير مفصلات الباب أغلقت عيناها بشدة، فأمرها «ياسين» بالخروج. انتظرت أنا وقلبي من كثرة نبضاته المتسارعة النبضة تلو الأخرى، كاد أن ينفجر، فبمجرد رؤيته لا أعلم ما الذي ينوي على فعله ذاك المتهور الأحمق، هل سيعنفني مثلما يفعل طوال الوقت أم سيحن عليّ من جديد إذا وجدته يخرج قطعة من الكعك يتوسطها شمعة مضيئة. لم أكن أعلم ما هذا، ابتلعت ريقي وعلت الابتسامة وجهي، يبتسم لي ابتسامة حنونة يطبطب بها على قلبي المتعطش للحنان منذ زمن بعيد، فأخبرني بما كنت لا أعرفه."

ابتلع ريقه وشعر بغصة تخترق قلبه من جديد، تلعثم بكلماته التي يخرجها من بين شفتيه. "عرفك إيه ياشمس؟ سرحت بخيالها وهي تسترجع هذه الذكرى من جديد و«ياسين» يقول لها. "انتي عارفه النهارده إيه، وعارفه إيه اللي أنا ماسكه في إيدي ده؟ أخذت تطالعه باهتمام وهي تنظر إلى الكعكة وأشارت له برأسها نافيه، ابتسم هو بحنان ولطف. "النهاردة عيد ميلادك الـ 16 يعني من 16 سنة وزي اليوم ده بالظبط جيتي للدنيا عشان تقرفيني في حياتي."

تنهد ببطء والابتسامة تعلو وجهه وأشار لها بكف يده. "شوفتك وإنتي لسه في اللفة كنتي قد كده.." استدار لها يسترسل حديثه. "وكنتي بتصدعيني من كتر عياطك، بس بالرغم من كده صداعك وزنك وقرفك ملا علينا البيت يا«شمس»." انكمش حاجبها الأيسر وهي تنظر له بحيرة، بانت الابتسامة على صغره قائلاً. "إنتي مستغربة إنّي بقولك يا«شمس» بس يكون لعلمك أنا من أول لحظة شوفتك قررت بيني وبين نفسي أسميكي «شمس»."

"حسيت إنّي فيكي تفاصيل كتير منها الشمس أشعتها بتنور الكون، وإنتي نورتي ضلام قلوبنا بوجودك يا«شمس»." نظرت إليه وهي في حيرة من أمرها، فذلك المجنون في المرة الأخيرة كان يعنفها باستمرار، كاد يجن جنونها، تفهم هو نظراتها وحيرتها، ثم واصل حديثه.

"تعرفي، أنا بعرف اللي جواكي من نظرات عنيكي، من تفاصيل ملامحك، يعني مثلاً أول ما تغمضي عنيكي حاجة بسيطة وترفعي حاجبك الشمال أعرف إنك مش فاهمة الكلام اللي بيتقال، أما بقى لو كمشتي حواجبك أعرف إنك غضبانة ومخنوقة." تلاقت أعينهم ونظر إليها بروية وحنان. "أما بقى لو فردتي ملامح وشك وفتحتِ عيونك أعرف إنك مبسوطة، زي ما إنتي مبسوطة دلوقتي يا«شمس»."

ابتسما سوياً هما الاثنان ومد لها هو كف يده والكعكة مازالت بكفه يتوسطها الشمعة المضيئة قائلاً. "غمضي عنيكي وانفخي في الشمعة، خللي سنة جديدة من حياتك بذكرى جميلة زيك." أغمضت عيناها وأخذت نفس عميق لكي تطفئ الشمعة، فأوقفه هو قبل أن تطفئها. "استني، أتمنى أمنية الأول قبل ما تطفيها، شوفي إيه اللي نفسك يتحقق السنة دي، ولو اتمنتيها بصدق هتتحقق أكيد." أغمضت عيناها متمنية ما تريد ثم أطفأت الشمعة المشتعلة.

وعندما فتحت عيناها من جديد وجدته ممسك برأسه مغلق العينين من شدة الألم، ولم يتعدى اللحظات حتى عاد يفتح عيناه من جديد المتغيرة باللون الأسود، ينظر لها نظرة خبيثة ممتزجة بالشر، تظهر على ثغره ليقول لها بخبث. "إيه رأيك صدقتيني لما كنت عامل فيها طيب؟ عادت تحكي لـ«عمار» ما حدث من جديد بعدما تنهدت بعمق.

"عاد لطبيعته الشريرة بلحظة، يحطم كل شيء يجده أمامه وكأنه بصراع ما بين عقله وقلبه. امسك بالكعكة وألقاها أرضاً حتى يذلني من جديد. كنت أكرهه لما فعله بي، كنت أتسائل لماذا يفعل بي ذلك، فقد كاد يجن جنوني." قاطعها «عمار» وأوقف حديثها وهو يشعر بالألم يختزل روحه، ناطقاً كلماته بتقطيع. "فهمتك يا«شمس»، أنا كده فهمتك." قبضت حاجبيها باستغراب سائلة. "ماذا تعني بكلمتك هذه؟ وقف واستقام من على السور وهبطت هي من بعده. "اللي فهمته.."

فهمته يا شمس الموضوع مش محتاج يتقال. انتي بتحبيه، بتحبي ياسين. فتحتي عينك على الدنيا لقيتيه، كان كل اللي شاغلك انه كان بيعاملك بحنية وبعد كده يعاملك بقسوة. كنتي هتموتي وتعرفي ليه بيعمل كده، ولما عرفتي انه غصب عنه بقيتي تديله ألف عذر وعذر عشان تسامحيه وتقربي منه. وبقيتي تفتكريله الحلو وبس، مش كده؟ مش دي الحقيقة؟ كانت تطالعه بنظرة يائسة من عدم فهمه لها، فصرخت به بصوت عالٍ: _لا، ليست هذه الحقيقة.

ضمت شفتاها والدموع تتلألأ بعينيها، مسترسلة حديثها: ما كنت أريد إخبارك به هو أنه شخص صالح، لا يستحق ما تفعله معه. ولكن ما حدث له كان خارج إرادته. يجب أن تضع يدك بيده حتى نخرج من هذه المعركة منتصرين. فوضع يدك بيده هو أملنا الوحيد لكي نكسب المعركة. بتر حديثها واستدار لها وهو يصرخ بها بصوت عالٍ: هو ده كل اللي يهمك إن أحط إيدي في إيده عشان المعركة؟ هو ده اللي عايز تفهميهولي؟

تمام، أنا فهمتك وهحط أيدي في إيده عشان هو شخص صالح أوي وغصب عنه اللي حصله ياحرام. أنهى جملته الأخيرة وهو يسخر منها ومن حديثها، ثم أخذ يطالعها من جديد وينظر في عينيها بعمق. تكلم بكلمات صادقة نابعة من قلبه: أنا حبيتك، حبيتك أكتر من نفسي. وكان عندي استعداد أعمل أي حاجة عشانك، بس معنديش استعداد أخسر نفسي عشان واحدة ممكن، ولو احتمال واحد في المية، تكون بتعز شخص تاني. ياسين، لو كان فضل طيب معاكي كنتي حبتيه يا شمس؟

استدار وأعطاها ظهره وأخذ خطوة استعداداً لرحيله، فأوقفته هي بكلماتها: أتعلم ما الشيء الذي تمنيته بيوم ميلادي السادس عشر عندما طلب مني ياسين أن أتمنى أمنية وهو طيب معي؟ كمش حاجبيه واعتلت الفضول ملامحه، استدار لها وانتظر إجابة سؤالها: _تمنيتك أنت، وياليتني ما تمنيتك يوم. تنهدت الصعداء، ثم استدارت وأخذ هو يتابعها بعينيه تبتعد عنه بصمت. ضرب بكفه على جبينه ولم يستوعب ما قالته له للتو.

كانت ليلة صعبة على الجميع، فالكل يتقلب على فراشه والنوم لا يأتيه. ومنهم مارال التي كانت تنظر إلى سقف الغرفة والتفكير ببربروس يملأ عقلها. ابتسمت وهي تفكر به، وبكلماته المعسولة. وفي لحظة عادت للواقع المرير. وضعت الوسادة على رأسها ضاغطة على شفتيها تبللها ببريقها هامسة لنفسها قليلاً: أنا إيه اللي بفكر فيه ده؟ أنا إزاي أفكر كده؟ لالالا، ماينفعش طبعاً. أنا أبقى عبيطة، بيدقوس. أنا أفكر في بيدقوس.

استيقظت ميرا من نومها على صوتها، تقلبت على جانبها الأيمن تنظر لها بحاجب منكمش: _وماله بربروس ده، حتى حتة سكرة ده عليه واحدة ومصيبتاه تجيب اللي قدامه الأرض. ضحك الاثنتان بصوت مرتفع، لتدخل عليهم سارة ويتضح على ملامحها الحزن وجلست بجانبهما على الفراش دون أن تنطق بكلمة واحدة. نظر لهما وهما يطالعانها باهتمام، حتى قطعت مارال صمتها قائلة: مالك يا سايه؟ فيكي إيه؟

ابتسمت سارة وميرا على منادتها باسم "سايه". علمت هي ذلك من ابتسامتهما الخفية، فنطقت: طبعاً انتوا بتضحكوا على لدغتي. والله ما حدش قالكم أسمايكم تبقى فيها حرف الـ "ر"؟ اردفت ميرا قائلة: لا والمشكلة هنا إن معظم أسامينا هنا فيها حرف الـ "ر". معاد شمس تقريباً. دَلفت شمس إلى الغرفة محاولة انتزاع ملابسها العلوية. ثم جلست على الفراش بجوارهما دون نطق أي كلمة. بس أهي جت ملكة التراجيدي كلها.

أنهت سارة جملتها، ثم ضحك الجميع عليها. حاولت إخفاء ألمها أمامهم، لم ترد أن توقف ضحكاتهم جميعاً. فعادت ميرا لسؤال سارة: مالك مش هتقولي بقى؟ جاية مخنوقة بره من إيه؟ قامت من مكانها وهي تزحزح بجسدها ميرا: وسعي كده شوية وأنا أقولك. جلس الجميع على الفراش متساويين بجانب بعضهما البعض، مستلقين على ظهورهم، لتمد مارال كف يدها: هاتي، هاتي اللحاف ده نتغطى بيه كلنا. _أهو خدي كده، كله متغطي. وجهت ميرا سؤالها لهم،

فأجاب الجميع بالموافقة: _ارغي بقى. مافيش يا ميرا، بس اتضايقت شوية من يزن واللي بيعمله هو وعمار. يعني ليه أصلاً كل الفرهدة اللي بتحصل دي؟ نطقت سارة اسم عمار، فشعرت شمس بغصة داخل قلبها وتغيرت معالم وجهها. نظرت لها لتطالعها من جديد:

أنا عارفة يا شمس إن عمار حمار حبتين، بس والله بيحبك. هو كده، كل راجل فيه عيب. عمار عنده حب التملك أوي. ده أنا متربية معاه وعارفة. حتى حبه ليزن ميسمحش لحد يشاركه فيه. من الآخر كده، اختاريه هو وانسى الكل. ردت هي مسرعة: أنا أخويا مش حماي يا سايه. نظر لها الجميع وقد نسوا أنها شقيقته التي تجلس معهم. فاستكملت هي حديثها:

هو آه جحش حبتين، بس مش لديه حمای. يعني هو بيتوتي أوي. لما كنا صغيرين كان مش بيحب يصاحب حد كتير. هو واحد بس يفضل معاه وبيقول استكفيت بيه. هي شخصيته كده. نطقت ميرا مستكملة لحديثهم: من الآخر كده، بيغير عليكي. غيور. وبعدين مين ما يغيرش على العيون الحلوة دي؟ أنا لو منه كنت عملت كده وأكتر. حاولت ميرا تغيير الأجواء بالقليل من المرح، فارتفعت ضحكاتهم هما الأربعة سوياً. فردت شمس قائلة: ألا تنوين أن تحني على رعد أنتِ الأخرى؟

تنهدت بعمق وهي تنظر للأعلى: والله أنا خايفة عليه مني، أول مرة أخاف على حد كده. هتفت سارة بصوت مرتفع: أخيراً! كفارة يا حاجة ميرا، أخيراً ابتديتي تحسي بالواد الغلبان. ردت قائلة: كل مرة ببقى متسرعة في قراري، وأول ما أعجب بحد بجري عليه. إلا مع رعد، خايفة أبقى معاه وبعد ما يتأكد من حبي ليه يسيبني في يوم. _اتركي قلبك معه، فمن الواضح حبه لك. نظر الجميع إلى تلك الصامتة بينهم. فتحدثت ميرا قائلة:

وإنتِ بقى يا مارال، كنتي بتقولي ليه "مش معقول بربروس"؟ _أصلاً ماينفعش أنا وهو نكون سوا في يوم. بيدقوس متزمت أوي وعمره ما هيتقبل إنه يغير ديانته عشاني. نظر لها الكل باهتمام بعدما نطقت جملتها الأخيرة. استطاعت جذب انتباههم بجداره. فنطقت شمس مستفسرة: ولماذا تريدين منه تغيير ديانته؟ هزت كتفيها للأعلى ورفعت حاجبيها معاً: عشان أنا مسيحية. نطق الجميع بصوت واحد: إيه.. ماذا؟

أشرقت شمس الصباح وأشاح هو بوجهه تجاه الشرق ليشهد ولادة شمس جديدة. أخذ نفساً عميقاً بعدما جاهد في سحبه، وكأنه يريد ملء رئتيه بأشعة الشمس الذهبية. يستعد الجميع للرحيل، ومنهم ياسين الواقف أمام المنزل ينتظر الجميع بالخارج ليتجمعوا أخيراً، كل منهم على حدة. تنظر لهم الخالة حكيمة لتجد داغر ممسكاً بهدير وقد أنهكها التعب، لتبتلع ريقها ثم تردف قائلة: كل واحد هنا عنده مشاكله وحياته الخاصة، كلنا عارفين كده كويس.

أخذت تطالع عمار ومن بعده ياسين وكأنها توجه حديثها لهما بالأخص: لكن من اللحظة دي لازم كلنا نسيب مشاكلنا على جنب. إحنا هنرجع بالطيارة الخاصة اللي جبتها، وكلها ساعات ونبقى في مصر. هنرجع على مزرعة داغر. لازم نحط إيدينا في إيد بعض. لازم نمنع العربي إنه يجيب العبقري في الزمم بتاعنا بأي طريقة، حتى لو فيها موتانا. قالت كلماتها بحزم، فرد عليها هو قائلاً: _وليه سيرة الموت يا كوكي؟

ما إحنا ممكن نمنعه بطريقة سهلة جداً. إنتوا مش واخدين بالكم منها. نظر له الجميع باهتمام بعدما نجح في جذب انتباههم، فردت الخالة قائلة: وايه بقى الطريقة دي يا ياسين؟ نظر إلى الغريب وهو يوجه كلامه له: هو مش المفروض إن انت تبقى جد العبقري اللي بيقولوا عليه ده؟ ابتلع ريقه وهو يرفع النظارة الطبية على أنفه، يقول بكلماته المتقطعة: _أ أ.. أيوه. وانت خلفت دلوقتي يا غريب ولا لسه؟ م.. معايا.. معايا ولد..

رفع يده بمستوى صدره قائلاً: "حلو الكلام ده، إحنا بقى لو قتلنا العيال دي، العبقري مش هيتولد أصلاً. وبكده نكون خلصنا منه ومن عيال الغريب ومن الغريب شخصياً." نظر له الجميع بعدم تصديق مما قاله، حتى أردف بربروس قائلاً وهو يصك على أسنانه: "فليلعنك الله." رحل الجميع يتجهون إلى المكان المخصص للطائرة التي قامت الخالة بإرسالها، ينظر هو للجميع يبتعدون عنه. وقفت الخالة أمامه قائلة: "جبت قلة الأصل دي منين يا ياسين؟

"اتعلمتها منك يا كوكي، ما أنا تربيتك." أنهى جملته الأخيرة وهو يغمز لها بطرف عينيه، تاركاً إياها تنظر إليه مبتعداً عنها. ها هم وصلوا أخيراً إلى المزرعة التي كانت تمتلكها جدة "داغر"، يقفون أمامها يشعرون بحرارة الشمس الحارقة، فهناك فرق كبير بين الطقس هنا وهناك. ينظر كل من داغر ومارال والطفلة غدير إليها بقلب مفطور، يشعر كل منهما برائحتها تحوم بالمكان، فكل غرفة وكل شبر بهذه المزرعة يوجد لها ذكرى فيها.

دخلوا جميعاً وانفتحت الأبواب على مصراعيها، لتمسك هدير ببطنها وهي تشعر بالألم، تنظر إلى داغر قائلة: "ارجوك يا داغر وديني على بيت بابا، أنا مش هقدر أتحمل أكتر من كده." "عندها حق يا داغر، ياريت ما تدخلش المزرعة وتروح في مكان هادي وتابع مع دكتور كويس. أنا كده كده أنا وولاء مش هندخل وهنروح على بيتنا. سيبني أنا هوصلها للبيت بتاع والدها، وأوعدك إني كل يوم هاروحلها أقعد معاها طول النهار ومش هسيبها إلا لما تولد."

أنهت غرام جملتها لتستكمل زهرة حديثها: "فعلاً باين عليها تعبانة أوي والجو ده مش هينفعها خالص." أشار داغر برأسه بالموافقة وهو يقول: "خلاص هوديها معاكم عشان أطمن عليها." نطق عز مكملاً حديثه: "خليك انت يا داغر، أنا كده كده لازم أوصل غرام الأول، وهوصل هدير في سكتي، هما أكيد محتاجينك هنا." اقترب داغر من عز يربت على كتفه: "عز خلي بالك منها، وصلها لحد والدها تسلمهاله في إيده، وأنا هظبط أموري وهجيلها." ابتسمت هي له:

"ماتخافش عليا يا داغر، أنا رايحة عند بابا عشان أبقى في أمان، وأنا متأكدة إن غرام مش هتسيبني." ودعها الجميع تاركة إياهم خلفها، وصعدت إلى السيارة مع عائلة عز وغادروا المكان. شعر ياسين بالحر الشديد بعد تعود جسده على برودة الطقس، فمال بجانبه على شمس هامساً بأذنها: "لو سأل عليا هتلاقيني في التلاجة ورا ربطة البقدونس على طول."

غمز لها بطرف عينه، وقبل أن يرمش لها جفن اختفى من أمامها. أما عنه هو فأخذ "عمار" يطالعها باهتمام، محاولاً التقرب منها بخطوات بطيئة، يظهر بنظراته الندم عما بدر منه. فتمنعه هي من محاولة التقرب منها وتتركه واقفاً بمكانه، لتأتي "سارة" وتقف أمامه سائلة إياه في حيرة: "انت ازاي ما تقولهاش ولا تقولنا يا "عمار" انك مسيحي؟ سمع بربروس ما قالته سارة للتو، فنظر إلى مارال ولم يكن يصدق ما سمع للتو. "أيوه هنا يا عز دي عمارة بابا."

أوقف عز سائق الأجرة، لتترجل هدير من السيارة بعدما ودعت كل منهما على حدة قائلة: "هستناكي بكرة يا غرام زي ما اتفقنا." "أكيد قبل ما تصحي هتلاقيني عندك." ترجل عز من السيارة لكي يسلمها إلى والدها كما وعد داغر. "خليك انت يا عز، أنا هنادي على عمو محمد البواب." ابتسم عز ابتسامة بانت على ثغره ثم أردف: "أنا وعدت داغر إني هسلمك لباباكي." صعد كلاهما في المصعد حتى وصلا إلى باب الشقة، ليطرق الباب عدة مرات ولكن دون استجابة.

"الظاهر إن والدك مش جوه يا هدير، تعالي معانا لحد ما يرجع." أخرجت المفتاح الخاص بشقة والدها من حقيبة اليد الخاصة بها قائلة: "لأ ما أنا معايا مفتاح احتياطي." كانت على وشك أن تضع المفتاح بالباب حتى وجدت من يفتح الباب من الداخل، لتجده والدها، لتنظر له قائلة بابتسامة عريضة: "بابا وحشتني." "انتي أكتر يا هدير." "بابا اعرفك بعز صاحب داغر." نظر له المنشاوي نظرة رجاء بأن يدخل معهم بالداخل، ولكن جاوبه رجائه بالرفض:

"أنا كده سلمت الأمانة، لازم أنزل عشان مستنيني تحت." رحل عز ودخلت هدير بداخل الشقة، مغلقة الباب خلفها، لتجد من يبتسم لها ابتسامة خبيثة يملؤها الشر، واضعاً أظافره الحادة على رقبة والدها مبتسماً يقول كلماته ببطء شديد: "حمدالله على السلامة." نظرت له نظرات صادمة وهي تتلعثم بنطق اسمه: "حسام."

أنهت نطق حروف اسمه، لتجده يغرز أظافره برقبة والدها الحبيب، لترى دمائه تتساقط منه أمام عينيها، تفارق روحه الجسد، ليتركه هو يخر أرضاً، ناظراً له نظرة رضا عما فعله. فما أصعب من أن ترى الروح تخرج من جسد من أحببت، تقف عاجزاً أمامه لا حول لك ولا قوة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...