لم تستوعب ما حدث… كيف دفعتها بهذه الطريقة فوجدت نفسها تسقط أرضًا. أول ما فعلته إنها سارعت تجذب تنورتها بقوة تخفي من خلالها قدمها الاصطناعية. لطالما حرصت على ألا يراها أحد. منذ سنوات وهي تفعل ذلك. منذ أن بدأت تعي نظرات الشفقة في عيون كل من يراها. منذ أن جعلتها لمى محل للسخرية. هشام الوحيد الذي كان يطلب منها ألا تفعل ذلك. كان يريدها أن تتعامل مع الأمر بطبيعية. أن تتقبل خسارتها لقدمها. ألا تشعر بالخجل من ذلك.
وجدت كلا يوسف ومروان يتقدمان نحوها وعلى ما يبدو لم ينتبها لقدمها التي ظهرت من أسفل تنورتها بعدما وقعت. دون إرادة منها استندت على كفيهما وتحاملت على نفسها تكتم صرخة قوية كادت أن تصدر منها بسبب ألم القدم الاصطناعية التي على ما يبدو تأثرت بسبب الدفعة. كتمت دموعًا تشكلت داخل عينيها وهي تهمس بخوف من انكشاف أمر قدمها أمامهما: "شكرًا…" سمعت صوت الأب يصيح بريم تلك: "ما هذه التصرفات يا ريم؟! تعقلي يا فتاة." صاحت ريم برفض:
"هي السبب يا عمي…" هدر يوسف بها: "ألا تفهمين أنتِ؟! لا ترفعي صوتك وتوقفي عن هذه السخافات…" تطلعت بها ريم بعينين مشتعلتين بينما اندفعت هي تتحرك بسرعة بعيدًا عنهم ولم تستطع تحمل ما يحدث أكثر. كانت تسير بسرعة رغم ألمها الشديد حتى إنها كانت تعرج بقوة. ضغطت على زر المصعد بسرعة ودلفت إلى الداخل لتميل بجسدها نحو قدمها تلمسها محاولة فهم ما حدث. عضت على شفتيها تكتم آلامها حتى غادرت المصعد ومنه راكضة.
عندما خرجت من بوابة المشفى بسرعة جعلتها تسقط أرضًا مجددًا فجلست على الأرضية تتساقط دموعها بخذلان وعجز شديد. "هذه التصرفات غير مقبولة يا ريم…" قالها يوسف بنبرة حازمة وهو يضيف: "تصرفات غير لائقة…" هتفت ريم باكية: "خطيبي في الداخل يصارع الموت بسببها…" هدر يوسف بقوة: "بسام سيعيش بإذن الله…" أكمل بملامح قاتمة: "والفتاة لا ذنب لها فيما حدث. بسام من تدخل وحاول إنقاذها. هي حتى لم تطلب منه ذلك…"
"ما بالك تدافع عنها هكذا يا يوسف…؟! " سألته ريم بتجهم ليجيب يوسف بنبرة قوية: "أنا لا أدافع عنها. أنا أشرح الوضع. لا يمكننا لومها وهي حتى لم تطلب المساعدة منه بل هو من ساعدها بنفسه…" عادت تسأله وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها: "وماذا عن الأخبار الموجودة على مواقع التواصل؟! هل أنت راضي عنها..؟! ظهر التجهم على ملامح وجهه وهو يردد: "هكذا إذا… أنت غاضبة من الفتاة بسبب تلك الأخبار…" ثم سألها بتوعد خفي:
"هل تعتقدين إن هذه الأخبار صحيحة..؟! هل تشكين في بسام يا ريم..؟! تمتمت بسرعة وتردد: "كلا بالطبع لا أشك به ولكنني…" صاحت الأم وقد نفذ صبرها: "توقفا أنتما الاثنان. ابني بين الحياة والموت وأنتما تتشاجران بهذه الطريقة…" قال الأب محاولا إنهاء الخلاف: "يكفي إلى هنا…" أضاف مشيرًا إلى ريم: "يوسف معه حق يا ريم. الفتاة المسكينة لم تكن تستحق هذا منك…" "عمي…! قاطعها كمال بحزم:
"هناك أمور لا خلاف عليها. نحن لن نحمل الفتاة ذنبًا لم ترتكبه بينما نترك الجاني الحقيقي…" ابتلعت بقية كلماتها مرغمة بينما أشار الأب إلى يوسف: "وأنت يا يوسف. غادر الليلة وارتاح فأنت منذ مساء البارحة ولم تترك المشفى لحظة واحدة…" "لا يمكنني أن أغادر قبل الاطمئنان عليه…" هتف كمال بثبات: "غادر يا يوسف لإنني أنا من سأبيت الليلة مع شقيقك وأنت تعرف إن المشفى لا يسمح بمبيت أكثر من شخص…" "بل أنا من سأبيت يا كمال…" قالتها
الأم ليهتف كمال بجدية: "أنت تحتاجين إلى الراحة أيضًا يا ألفت…" تدخل مروان قائلا: "مبدئيًا ليذهب يوسف ويرتاح بضعة ساعات وتبقيا أنتما معه وأنا سأتحدث مع الطبيب ليسمح ببقاء كليكما…" ثم أشار ليوسف الواجم: "هيا أنت يا يوسف. غادر الآن فأنت بالتأكيد مرهق للغاية…" هتف يوسف باقتضاب: "سأغادر لساعات قليلة ثم أعود…" ثم هم بالتحرك خارج المكان عندما أوقفه نداء ريم التي تقدمت نحوه بعدما التفت نحوها بتساؤل لتميل
نحوه وهي تخبره بتردد: "روز حاولت أن تتحدث معك يا يوسف. اتصلت بك مرارًا ولم تجب. كانت تريد فقط الاطمئنان على بسام وعليك أيضًا…" تمتم بلا مبالاة: "اشكريها إذا واعذريني لإنني لا أستخدم هاتفي منذ البارحة إلا للضرورة القصوى…" ثم تحرك خارج المكان متجها نحو المصعد تاركًا إياها تلعن شقيقتها التي وضعتها في هذا الموقف السخيف مجددًا قبل أن تعاود التفكير في خطيبها فيزداد خوفها عليه من المجهول الذي ينتظره.
ما زالت تجلس مكانها تبكي بصمت حتى شعرت بظل يتشكل أمامها تبعها صوت عميق يسألها: "آنسة مريم. هل أنت بخير..؟! رفعت وجهها ثم أخفضت بسرعة بعدما رأته. عاد يكرر سؤاله قبل أن ينحني قليلا نحوها يحاول أن يفهم ما حدث فرأى قدمها الاصطناعية هذه المرة حيث كانت تمدها أمامها قليلا بعجز. تجمد لوهلة وهو يشاهد قدمها الاصطناعية. الآن فهم سبب ما حدث. ابتلع صدمته وهو يشيح ببصره بعيدًا عن القدم عائدا بأنظاره نحوها يسألها: "هل أنت بخير..؟!
هزت رأسها بصمت دون أن تنظر إليه فأشار لها مضيفا: "يمكنني مساعدتك كي تنهضي…" همست برفض واهن: "كلا، شكرًا…" ثم همت أن تنهض من مكانها مقررة التحامل على نفسها وتجاهل آلامها لكنها سرعان ما سقطت مجددًا وأطلقت تأوها مرتفعا من شدة الألم الذي جعل دموع عينيها تتساقط رغما عنها. سألها بقلق وهو ينحني جوارها مجددًا: "ماذا حدث..؟! رفعت وجهها المبلل بالدموع نحوه وهتفت بصوت متحشرج باكي: "تؤلمني…"
ثم نظرت إلى قدمها ليهتف بجدية وهو يراها تحاول أن تلمس القدم فقال بتردد: "ربما من الأفضل أن تخلعيها…" قاطعته بسرعة: "لا يمكنني السير بدونها…" "يمكنك أن تستندي علي…" نطقها بقليل من الحرج ولم يجد أمامه حلًا سوى هذا ليجدها تهتف برفض حازم رغم الألم الواضح على معالم وجهها: "شكرًا، لا أحتاج لذلك. يمكنني النهوض والمغادرة لوحدي…" "يا آنسة لا تعاندي…" قالها بنفاذ صبر وهو يدرك عجزها عن النهوض لوحدها فقالت بعناد:
"سأتصل بياسر وهو سيأتي…" ثم عادت تتأوه بألم ما إن حركت قدمها بالخطأ ليتجه ويجلس جانبها يمسك قدمها الاصطناعية متسائلا بجدية: "كيف تخلعينها…" صاحت باكية: "لا أريد خلعها…" زفر أنفاسه مرددا: "هناك خلل ما حدث فيها بسبب سقوطك على الأرض. من فضلك اخلعيها ولا تتسببي لنفسك بالمزيد من الألم…" "لماذا لا تفهم…" قاطعها بحدة: "انظري إلي. أنا لست صبورًا أبدًا. اسمعي كلامي وتوقفي عن عنادك. أنت تؤذين نفسك وكذلك قدمك أيضًا…"
عضت على شفتيها بقوة أكبر تكتم شهقاتها قبل أن تهمس بضعف: "سأخلعها…" "أخبريني كيف وسوف أساعدك…" نظرت له بتردد قبل أن تحرك بصرها في المكان حولها والذي كان خاليًا من الناس فالساعة قاربت التاسعة مساءً لتعاود النظر إليه وتخبره كيف يفعل ذلك. ساعدها في خلع قدمها فعادت الدموع تتساقط بحرارة فوق وجنتيها. تأمل دموعها الحارة بشفقة وهو يدرك إنها لا تتألم فقط بسبب وجع قدمها بل بسبب رؤيته لها بهذه الحالة.
يبدو إنها لا تتقبل فكرة أن يرى أحد حالتها تلك. مد كفه نحوها فرفعت عينيها الباكيتين نحوه ليخبرها بجدية: "استندي علي…" هزت رأسها نفيا وهي تقول: "لن أستطيع. سأنتظر ياسر…" قاطعها بضيق خفي: "ماذا يعني هذا الآن..؟! هل ستبقين هكذا تنتظرينه..؟! همست بصوت متحشرج: "لا أدري أين تأخر. ليس من عادته أن يتركني هكذا…" زفر أنفاسه ثم أخبرها بجدية: "حسنًا. استندي علي إذا و…" جذبت حقيبتها تخرج هاتفها وهي تخبره:
"سأتصل به مجددًا عله يجيب. يمكنك الذهاب وشكرًا على مساعدتك…" هتف بجدية: "طالما أنت مصرة على ذلك فسأبقى جانبك حتى يأتي…" تجاهلت كلماته وهي تحاول مجددًا الاتصال بياسر ليجيبها أخيرًا فيظهر الفزع على ملامحها وهي تصيح برعب: "ما بها جدتي يا ياسر..؟! هل هي بخير..؟! عقد يوسف حاجبيه بحيرة بينما أخذت هي تتحدث باكية: "أرجوك لا تكذب علي. ما وضعها الآن..؟! "كلا لا تتركها. لا يمكن أن تتركها لوحدها…" قالتها وأضافت:
"أنا سآتي. أنا سأتصرف يا ياسر…" ثم أغلقت الهاتف ونظرت له تهتف برجاء: "هل يمكنك أن تأخذني إلى المنزل..؟! أرجوك…" قال بجدية: "بالطبع…" ثم مد كفه نحوها لتحاول أن تستند عليها لكنها فشلت فسقطت فوق الأرض ليخبرها بجدية: "اهدئي وتماسكي. أنت متعبة بسبب الأحداث…" ضغطت على كفه بينما حاول هو أن يساعدها في النهوض لكنها عادت تسقط بجسدها أرضا ثم انهارت باكية. وقف يتأملها وهو عاجز عن فعل أي شيء. لا يفهم ما حدث وكيف يتصرف معها.
شعر إنه في ورطة حقيقية. سمعها تهتف بنبرة باكية موجوعة: "لا أستطيع النهوض. أنا عاجزة…" شعر بالألم رغما عنه ولأول مرة يشعر بالألم هكذا تجاه شخص لا يعرفه ولا يميل له بأي طريقة لكنها بمنظرها هذا وحديثها آلمته وهي ترى نفسها عاجزة عن النهوض حتى. أكملت باكية: "جدتي تموت. ستتركني هي الأخرى. وأنا هنا لا أستطيع حتى الذهاب لرؤيتها…" "ستذهبين…" قالها بعزيمة فنظرت له بدهشة امتدت لثواني حتى وجدته يميل نحوها ويحملها بين ذراعيه
لتشهق بفزع وهي تصيح: "ماذا تفعل أنت..؟! تمتم بلا مبالاة: "إذا لم أفعل ذلك، سنبقى الليلة بأكملها في مكاننا هنا…" "انزلني…" صاحت مجددًا ليصيح بها حزم: "ألا تريدين رؤية جدتك..؟! ألا تريدين الذهاب إليها..؟! أومأت برأسها تكتم أنفاسها ليمنحها نظرة حادة أخيرة وهو يتحرك بها نحو سيارته ومجددًا يلعن الظروف التي أوقعته في هذه الورطة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!