تحميل رواية المعلم بقلم تسنيم المرشدي pdf
بقلم تسنيم المرشدي
الفصل 35 — رواية المعلم الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم تسنيم المرشدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
الفصل الأول أنا آسف يا ليلي أنا آسف يا حبيبتي، بس أنا تعبت. تعبت من المسئولية اللي فوق طاقتي، تعبت من نظرة الشفقة اللي بشوفها في عيون الناس. أنا مش عايز أكون عاجز، مش عايز أكون حمل على حد. كانت الكلمات دي آخر كلمات قالها "آدم" قبل ما ينهي حياته بإيده، ويسيب "ليلى" وحيدة في الدنيا. ليلى اللي كانت بتحبه أكتر من روحها، ليلى اللي كانت مستعدة تعمل أي حاجة عشانه، ليلى اللي كانت شايفاه بطلها، حبيبها، وسندها في الدنيا. ليلى اللي ما كانتش تعرف إن حبيبها وسندها ده هيتخلى عنها بالسهولة دي. بعد ما آدم مات،...
رواية المعلم الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم تسنيم المرشدي
دلف ريان خارج المدرج لكي يقوم بتغيير وضع دراسته ويبدأ على الفور. قابل صديقه إيهاب في منتصف أحد الممرات. تقوّس ثغره بابتسامة متهكمة حينما لم يعلم صديقه بهويته وأردف:
_ أنت مش عارفني؟
فغر إيهاب فاهه بدهشة وردد بعدم استيعاب:
_ ريان! إيه ده يابني أنت عملت في نفسك إيه؟
ازدادت ابتسامة ريان ورفع يديه للأعلى كما رفع كتفيه وردد:
_ حال الدنيا يا صاحبي.
وجه إيهاب بصره على الفتاة الواقفة بجواره وأردف وهو يشير بيده نحوها:
_ سلمى خطيبتي، ريان صاحبي.
رحب ريان بها ثم استأذنت هي وغادرت بينما قال ريان:
_ أخيرًا خطبت!
ارتفعت ضحكات إيهاب وأجابه بمزاح:
_ لو حضرتك كنت بتسأل كنت عرفت وجيت كمان. الموضوع من فترة بسيطة هي طالبة عندي في الجامعة آخر سنة ليها هندسة. أوعى تقولي صغيرة عليك والكلام اللي مش بسمع غيره ده!
قهقه ريان عاليًا وأجابه عندما اقتحمت صغيرته تفكيره:
_ مراتي أصغر منها عادي!
ضيّق إيهاب عينيه على ريان وردد بعدم استيعاب:
_ مراتك أصغر منها إزاي؟
رفع ريان حاجبيه وأردف بتهكم وهو يشير بإصبعيه:
_ الجوازة التانية.
بالتأكيد يمزح. طالعه إيهاب لبرهة في محاولة منه على تصديق الأمر وهتف:
_ أنت تغيب عننا سنة وترجع لنا بجوازة تانية، بتهزر صح؟
_ ريان!
نادت عنود بصوتها الأنثوي الرقيق. استدار ريان إليها وأردف بقلق:
_ أنتِ كويسة؟
أومأت عنود رأسها وأردفت بحرج بائن بسبب نظرات إيهاب المعلقة عليها:
_ قلقت لما لقيتك واقف مكانك مش بتتحرك.
التوى ثغر ريان بابتسامة وعاد ببصره على إيهاب وأردف:
_ إيهاب صاحبي ودكتور هنا في الجامعة، عنود مراتي!
لم يعقب إيهاب على حديث ريان وظل يطالعهم بدهشة فأطلق ريان قهقهته على حالته وأردف موجهًا حديثه إلى عنود التي استشف خجلها بسبب نظرات إيهاب:
_ ارجعي أنتِ مدرجك عشان ما تتأخريش على محاضرتك.
أومأت رأسها بطاعة ثم عادت إلى مدرجها بينما صاح إيهاب:
_ لا أنت تيجي تحكيلي كل اللي فاتني في السنة اللي اختفيت فيها عشان في حوارات كتير عليّ أستوعبها.
ارتفعت ضحكات ريان واصطحبه إلى الخارج ومكث كلاهما في مقهى الجامعة وبدأ ريان يروي سبب اختفائه عن جميع أصدقائه وكم من الأعباء وقعت على عاتقه إلى يومنا هذا.
أنهى ريان حديثه قائلًا:
_ دي كل الحكاية، ها هتساعدني أكمل هنا ولا أروح للمدير لوحدي؟
أجابه إيهاب بصدر رحب:
_ أكيد هاجي معاك.
ابتسم له ريان بامتنان ونهض كلاهما قاصدين مكتب مدير الجامعة.
سحبت نفسًا عميقًا وأردفت وهي ترمقه بغرابة من أمر صمته الذي طال لمدة وصولهم إلى الجامعة:
_ الزعل ده عشان عنود؟
التفت يحيى إليها وأردف بنبرة سريعة:
_ أكيد لأ.
ضاقت عينا هالة عليه متعجبة من إجابته فتابع هو حديثه مبررًا:
_ أكيد يعني زعلان عليها ومش هزعل ليه؟
هزت هالة رأسها ثم ترجلت من السيارة دون أن تردف حرفًا آخر كما ترجل يحيى بعدما صف سيارته واقترب من أصدقائه ورحب بهم بحفاوة ناهيك عن مزاحه الذي وقع على مسامع هالة التي كانت تقف على بعد منه تراقب تصرفاته المبهمة اليوم.
تنهدت بضجر لكونها لم تستطع تفسير أمره وعندما لم تجد هناك أملًا لفهمه غادرت لكي تلتحق بمحاضراتها.
انتهى اليوم الأول لريان بحماس كبير قد شعرت به عنود. بادلته ابتسامة صافية مبدية سعادتها بأول خطوة في مستقبله لطالما حلم به وتمناه كثيرًا. تفاجأ كلاهما بهطول الأمطار التي اشتدت في النزول تدريجيًا إلى أن امتلأت الشوارع بالمياه.
شد ريان على ذراعها لكي يختبئا بعيدًا لكنها أبت ووقفت في منتصف الطريق فاتحة ذراعيها في الهواء وأردفت بسعادة غامرة:
_ المطر ده بركة، ادعي بأي حاجة نفسك فيها.
لم يستطع ريان التحدث فقط ظل يطالعها بنظرات تحمل من الألم قدرًا كبيرًا. خرج من شروده على صوتها وهي تنادي ربها قائلة:
_ يا رب عايزة أعيش يا رب.
ترقرقت العبرات من عيني ريان واقترب منها ورفع يديه إلى الأعلى وهتف بصوت مرتفع:
_ يا رب عايزها تعيش، عايزها جنبي وما تسيبنيش!
جهشت عنود في البكاء وألقت بجسدها بين أحضانه. شاركها ريان البكاء وهو يربت على ظهرها بقوة وهمس قائلًا بنبرة خافتة حنونة:
_ بحبك.
ابتعدت هي عنه وطالعته بأعين لامعة وأردفت وهي تتلمس شفتاه:
_ أنا بحبك قد كل نِعَم ربنا!
التوى ثغره بابتسامة عذبة وأردف:
_ هنبدأ كيماوي من النهاردة.
أخفضت رأسها في حزن وأردفت:
_ الدكتور قال ما فيش فايدة.
وضع ريان يده على ذقنها ورفع وجهها نحوه وتابع حديثه بإصرار:
_ لو في أمل ولو 1% بأنك تكوني كويسة هجبرك تاخديه!
مالت عنود برأسها على يده الموضوعة على وجنتها وأوصدت عينيها مستكينة بلمسته الخشنة أسفل وجهها إلى أن توقفت الأمطار عن الهطول. مرر ريان بصره على الطريق وعندما رأى ظهور البعض ابتعد عن عنود وهتف:
_ يلا نرجع نغير هدومنا اللي غرقت دي ونروح المستشفى.
تعلقت عنود في ذراعيه كالطفلة وعادا إلى المنزل سيرًا مستمتعين بتلك البرودة التي تغلغل ثيابهم المبتلة. بينما وقفت هالة تراقب يحيى بعدما ودعت عنود. عزمت أمرها أن تتحدث معه وتعلم حقيقة اللامبالاة التي يتعامل بها منذ الصباح. أليس عليه الحزن على من زعم بحبه لها؟ إذًا ما الذي يحدث له؟
سارت نحوه بخطى مهرولة والغضب يتملك منها. وقفت أمامه وصاحت به بنبرة محتقنة:
_ ممكن أفهم إيه البرود ده؟ البنت حالتها صعبة وكلنا مهمومين عشانها وأنت قاعد تضحك مع ده وتهزر مع ده كأن مش فارق معاك!
أزفر أنفاسه بضيق شديد وأجابها بفتور:
_ المفروض أكون كده فعلًا بس حاسس إني عادي يعني هو أكيد زعلان بس عادي فاهمة حاجة؟
بعد خمس دقائق من تحديق هالة له أردفت أفكارها بصوت عالٍ:
_ ده مش حب يا يحيى ده تملُّك!
التوى ثغر يحيى على الجانب مبديًا عدم فهمه لحديثها وردد:
_ تملُّك!
أومأت هالة برأسها مؤكدة ما قالته وأضافت:
_ أنت حبيت تتملكها مش أكتر، من الآخر استكثرتها على أخوك.
عقد يحيى حاجبيه بغرابة مستنكرًا حديثها وأسرع بالحديث:
_ أنتِ عبيطة صح!
ده أخويا مينفعش أستكتر حاجة عليه.
أطلقت هالة ضحكات ساخرة وهي تجوب المكان ببصرها ثم رمقته بازدراء:
_ لكن تحبها عادي!
أزفرت أنفاسها بضجر بائن، ابتلعت ريقها وهتفت بحنق:
_ أنت عشان تعرف الفرق بينهم لازم تشغل نفسك، وهما حاجتين مفيش ليهم تالت يا هتكمل في حياتك ومش هتفرق لك، أو هتتأكد من مشاعرك وفي الحالتين لازم تنساها وتبعد عشان دي ملك راجل.
صمتت هالة وهي تطالعه بنظرات تحمل من العتاب واللوم قدرًا، واقتربت بخطاها منه وواصلت حديثها قائلة:
_ والراجل ده أخوك!
ابتلع يحيى ريقه بصعوبة، شعر بحبات عرقه تغزو جبينه على الرغم من برودة الطقس، حسنًا سيعترف بأنها نجحت في إحراجه بل في دفنه تحت الرمال، كم يشعر بعُري أخلاقه الآن، هل يكُن فعلًا مشاعر لامرأة أخيه؟
لم يعقّب أحدهم للحظات، استدارت هالة وأولته ظهرها وسارت بضعة خطوات فأسرع يحيى في مناداتها بنبرة مهزوزة:
_ هالة.
خفق قلبها بشدة وكأنه قال بيتًا من الشعر وليس فقط نطق حروف اسمها، سحبت نفسًا عميقًا واستدارت إليه في انتظار سماع ما يريد إخبارها عنه، اقترب منها يحيى وأردف:
_ ينفع أشغل نفسي معاكي؟
وقعت كلماته على مسامعها فتسببت في حدوث ضجة قوية في ضربات فؤادها من تلك السعادة المتدفقة في الأدرينالين المندفع في شرايينها، صمت ساد للحظات ولم تعقب، ثم رفعت بصرها عليه وابتسمت بعذوبة لطيفة، أراحه تلك الابتسامة، فقط تكفيه وإن لم تفعل سواها.
توقفوا عن السير عندما وقع بصرها على منصور وياسر الواقفين أمام منزلهم، التفتت عنود ونظرت إلى ريان تأخذ إذنًا صريحًا منه على محادثتهم، أبدى ريان موافقته بإيماءة خفيفة من رأسه فعادت هي تنظر إليهم ثم سحبت أكبر قدر من الأكسجين وسارت نحوهم بخطى متمهلة.
لا يوجد شعور أقوى من الارتباك والتوتر الذي تملك منها في تلك الأثناء، ازدادت نبضات قلبها من المجهول الذي ينتظرها من تلك الزيارة المفاجئة، وقفت أمامهم دون أن تردف شيئًا، شعرت بيد ريان تتخلل أصابعها كما يفعل دائمًا، أراحها قربه بعض الشيء لكن لا زال هناك شعور ضئيل من الخوف.
اقترب منها منصور وانسدلت منه بعض القطرات وأردف بندم:
_ سامحيني يا بنتي، حقك عليا.
أخفض رأسه بحزن شديد وواصل حديثه بنبرة متحشرجة:
_ عارف إن غلطي ميتغفرش بس ربنا غفور رحيم، ارحميني أنتِ كمان وسامحيني.
شعر ريان باهتزاز جسدها تأثرًا ببكاء منصور، لم تصمد طويلًا وجهشت باكية هي الأخرى وقالت:
_ عرفت إني هموت فجيتلي!
رفع منصور رأسه وقد چحظت عينيه بصدمة وردد:
_ لا أبدًا أنا ناوي أجيلك من مدة بس ياسر كان تعبان وكنت مشغول معاه وحلفت إن أول ما يكون كويس وقادر يصلب طوله هجيبه وأجي نستسمحك، ابني طيب وملوش يد في اللي حصل كله بسببي أنا لو مش هتقدري تسامحيني على الأقل سامحيه هو، هو تعبان بسبب تأنيب ضميره من ناحيتك، خليكي أحسن مننا يا بنتي!
كفكفت عنود عبراتها بأناملها وسحبت نفسًا لكي تستطيع التحدث دون عرقلة في نبرتها، تقوس ثغرها بابتسامة لطيفة وقالت:
_ محدش أحسن من حد يا عمي، وبعدين أنا مش زعلانة منكم، اللي حصل ده كان سبب إني أرجع ألاقي أماني من جديد، كان سبب إني أعرف أضحك تاني، كان سبب إني ألاقي نفسي، أحلى حاجة عملتها من غير ما تاخد بالك، بسببك أنتَ لقيت مصدر سعادتي، لقيت ريان!
لم يكن هينًا على الجميع ما ألقته عليهم، مشاعر عديدة عصفت بهم لكنها تختلف من شخص لآخر، فريان خفق قلبه من هول المفاجأة الممزوجة بالحماس، حقًا دقت السعادة أسارير قلبه وشعر بالامتنان لها، إنه يريد معانقتها الآن!
على عكس شعور ياسر تمامًا، لقد اهتز كيانه بعدما صغى لاعترافها الصريح بحبها لريان، ربما لم يبلغ ذروة حبه بالنسبة لها لكن ما زال يوجد جزء صغير داخله يردد باسمها وكل حلم قد بناه على أمل أن تكون زوجته، لقد تبخر ذاك الجزء الآن.
مزيج من المشاعر داخل منصور، فالشعور الأول والأقوى من بينهم هو الراحة لكونها لم تبغضه وترفض مسامحته، وشعور آخر يجبره على السعادة لكونه يراها سعيدة في حياتها التي هو سببًا فيها، لكن الشعور الأهم هو حزنه وحسرته على الأمل الذي يشع من بؤبؤتي ولده فلذة كبده طيلة الأيام الماضية، حتمًا تحطم قلبه بعد اعترافها ذاك، لكن ما باليد حيلة إنه قدر محتوم.
ولج ريان داخل منزله بصحبة عنود بعدما غادر منصور وياسر، استقبلتهم دينا بابتسامة لم يستطع ريان تفسيرها على عكس عنود التي استشفت ما يوجد خلفها دون تكلف، ابتسمت بتهكم وأسرعت داخل غرفتها، أوصدت الباب خلفها وحاولت التماسك، لقد وعدت ريان داخلها بألا تؤلمه بحزنها حتى وإن كلف الأمر معاناتها.
تنهدت بحرارة ثم بدلت ثيابها، نظرت إلى باب الغرفة عندما سمعت قرع أحدهم عليه، سمحت له بالدخول فتفاجأت بولوج دينا، كانت آخر شخص قد يخطر على بالها في تلك الأثناء، اقتربت منها دينا وأردفت بنبرة حنونة:
_ أنا جهزت أكل و...
قاطعتها عنود بسؤالها:
_ أنتِ بتعملي كده ليه؟
هزت دينا رأسها متصنعة عدم الفهم ورددت:
_ بعمل إيه؟
التوى ثغر عنود بابتسامة باهتة وهزت رأسها مستنكرة تصرفاتها، أخفضت رأسها وأردفت بأسى شديد:
_ لما عرفتي إنك هترجعي لوحدك في حياة ريان قبلتي تعيشي معايا صح!
اتسعت مقلتي دينا بصدمة، ربما لأن ما قالته صحيح، تنهدت بضجر وقالت بنبرة متلعثمة:
_ لا مش كده بس أنا أأ...
لم تنجح في مجاراتها في الحديث وخلق سببًا تقنعها به، إنها أذكى مما تصورت، بعد صمت للحظات لم تعقب كلتاهما قطعته عنود بقولها:
_ أنا آسفة على أي وجع أنتِ عشتيه بسببي، يمكن أوقات قدرنا بيكون أصعب من إننا حتى نحاول نستوعبه أو نتعايش معاه، بس أنا كنت لوحدي ريان قدر يملأ كل فراغ كان جوايا من بعد وفاة عيلتي المفاجئ ومن بعد رفض عمي ليا، ما كنتش حابة أكون سبب في وجع حد في يوم بس ريان دنيتي كلها، يمكن الفترة اللي قضيناها مع بعض ضعفية مدة وحجمًا بالنسبة للفترة اللي بينكم بس كفيلة تعلقني بيه، أنا حبيته جدًا من قبل ما يقدم لي أي حاجة، أنا بقول لك كده عشان تعرفي على قد ما أنتِ موجوعة بسبب جوازه مني على قد ما أنا موجوعة أكتر على فراقي عنه، فكرة إنه يكون زعلان عليا وجعاني أوي، حبيته لدرجة إني بتمنى أعيش بس عشان ما يتوجعش لحظة!
جهشت عنود في البكاء ولم تعرف طريقًا للتوقف، لم يكن الأمر هينًا تلك المرة، لقد أدلت بما تخفيه داخلها، ازداد ألمها أضعافًا عن ذي قبل، الآن هي صرحت بكامل قواها عن رفضها لمغادرة الحياة فقط من أجل ريان.
كانت تطالعها دينا بشفقة كبيرة، تمنت كذلك أن لا تغادر الحياة حتى وإن لم تحبها يومًا، لكنها لم تكن سيئة من قبل ولا يجدر بها أن تكون سيئة الآن، تريد مداواتها لكن لا تملك سوى أن تآزرها بمشاعرها فقط، فإنها ليست بتلك الشجاعة حتى تحطم الحاجز الذي بينهم فهي بالأخير ضُرَّتها ليست إلا.
ولج ريان داخل غرفته وتفاجأ بوجود دينا ونحيب عنود، كاد أن يفرغ غضبه على دينا بالتأكيد هي من تسببت في حزنها لكن خطوات عنود كانت أسرع منه ولم يشعر بها إلا وهي تحطم أضلاعه بعناقها القوي الذي لم يدرِ من أين جاءت بتلك القوة.
حاوط خصرها بذراعه وبالآخر مسح بنعومة على خصلاتها وردد:
_ في إيه يا حبيبي بتعيطي ليه؟
تراجعت عنود للخلف قليلًا وهي لا زالت في حضنه وقالت:
_ مش عايزة أسيبك أنا عايزة أكون جنبك.
صُعق ريان من جملتها التي ألقتها وطالعها بحزن لا يسعه الكون بأكمله، أعادها في حضنه واجهش هو الآخر في البكاء دون توقف، رأت دينا ما لم تره من قبل، رأت دموع ريان وأي دموع إنه ألم ينسدل من عينيه وليست فقط دموع عادية، رأته ضعيفًا لا يرتدي قناع الحدة التي حفظته، رأت صدق عناقه ومشاعره التي لم تتذوق لذتها يومًا، أهذا هو الحب إذا ما الذي كانت تعيش بين جدرانه الأعوام الماضية؟
داخل المشفى..
أصر خالد على إيصال ريان والانتظار معه لحين انتهائهم من أولى جرعات العلاج الكيميائي، كانت الغرفة مليئة بمحبي عنود وريان، هاجر من جانب ريان وهالة إلى جانب عنود وآية إلى جانب زوجها وأخيرًا منصور الذي حرص على حضوره بجانب ابنة أخيه لكي يشعرها بأنها ليست بمفردها، هو يمثل جميع أفراد عائلتها الآن ولا بد من وجوده.
ولج الطبيب داخل الغرفة بصحبة إحدى الممرضات، تفاجأ بهذا الكم الهائل الذي يملأ الغرفة، صاح بهم بنبرة عملية:
_ لو سمحتوا مش عايز غير المريضة وبس!
دلف الجميع إلى الخارج واحدًا تلو الآخر إلى أن باتت الغرفة خالية إلا من الطبيب وممرضته المساعدة وريان الذي رفض أن يتركها بمفردها، وافق الطبيب بصحبته فقط بشرط أن يتحلى بالهدوء.
بدأت الممرضة في تركيب القُنية الطبية في يد عنود، طُرِق الباب ثم ولج طبيب آخر قائلًا بمزاح:
_ حسام أنا فاضي محتاجني في حاجة؟
أجابه الطبيب (حسام) المتابع لعلاج عنود قائلًا بامتنان:
_ لا يا حبيبي شكرًا أنا تمام.
أومأ الآخر رأسه بتفهم وألقى نظرة سريعة على عنود وتفاجأ بوجودها، تراجع للخلف عدة خطوات لكن لم يستطع الهروب وتركها، عليه أن يدلي بما يعرفه.
اقترب من عنود وأردف متسائلًا:
_ أنتِ البنت اللي كنتِ عندي من كام يوم وقولت لك عندك كانسر من الدرجة الأخيرة صح؟
اعتدلت عنود في جلستها وأجابته بأسى:
_ أيوة أنا.
تردد الطبيب كثيرًا قبل أن يخبرها بما يخفيه، لكن ضميره يحتم عليه الاعتراف بذلك المخطط الدنيء، سحب نفسًا وأردف:
_ بس أنتِ كويسة ومش بتعاني من أي حاجة!
ضيقت عنود عينيها عليه بعدم استيعاب، بينما قال ريان متسائلًا وهو يتعلق بحبال الأمل:
_ يعني هي مش عندها كانسر!
أومأ الطبيب رأسه نافيًا وأضاف:
_ هي كانت بتعاني من تشنجات عصبية بس في مراحلها الأولى وتتعالج بالعلاج وهتختفي مع الوقت بس..
صمت الطبيب وأخفض رأسه بندم شديد فأسرع ريان نحوه وأمسكه من تلابيب ثوبه وصاح به هادرًا:
_ انطق بس إيه؟
أخرج الطبيب تنهيدة بطيئة ثم أردف وهو يبعد يدي ريان عنه:
_ في واحدة اسمها رنا جت لي وقالت لي إنها صاحبتها جدًا ودايمًا بيعملوا مقالب في بعض وقالت لي أكتب التحاليل زي ما عرفت المدام، أنا طبعًا رفضت بس هي اتحايلت عليا كتير، أنا شكيت إن وراها حاجة بس لما فكرت في الموضوع بسبب إصرارها قولت دي حتة ورقة يعني مش هتأذي حد وفعلاً عملت التحاليل زي ما هي طلبت بس أنا لما شوفتها حاليًا اتأكدت إنه ما كانش مقلب وكان لازم أعرفكم الحقيقة.
أوصد ريان عينيه في محاولة منه على استيعاب الأمر، حقًا إن لطف الله كبير وليس له نهاية، حمدًا لله.
تفاجأ جميع من بالغرفة بسجود ريان وعنود دون اتفاق مسبق، ارتفعت أصوات نحيبهم الذي يكسره حمدهم لله، وقف ريان ولم يستطع الصمود لأكثر وألقى بنفسه بين يدي عنود بسعادة غامرة لا تسعه، هو من يحتاج إلى المداواة وليست هي.
ازداد بكاء عنود بسعادة دقت طبول قلبها، سوف تعيش أكبر وقت الآن، ستفعل كل ما في وسعها لكي ترضي الله، ستنعم بدفء عائلة ريان وكذلك بصحبة هالة صديقتها، سوف تستغل جميع الفرص فقط لكي تعيش حياة مليئة بالطمأنينة بين أناس اكتشفت مؤخرًا كم هم رائعون!
أمسك ريان بيدها وشد عليها ونظر إلى الطبيب، تحولت نظراته الحنونة إلى غضب يشع من عينيه ارتعب الطبيب منها، سحق ريان أسنانه المتلاحمة بغضب وصاح به:
_ أنتَ أذيت ريان العراقي عارف مين ريان العراقي، بس أشكر ربنا إن الوقت ده مش عايز أفتكر مين ريان العراقي وإلا كنت دفنتك مكانك.
ألقى ريان تهديده ثم دلف إلى الخارج بخطى مهرولة غير مستقيمة، لا يطيق الانتظار حتى يخبر الجميع بهذا الخبر السعيد، تعجب الجميع من خروجهم بتلك السرعة كما ازدادت حيرتهم من نظرات ريان وعنود عليهم ناهيك عن الابتسامة التي تغزو شفاههم.
اقتربت هالة من عنود وتساءلت باهتمام:
_ في إيه مالكوا؟
سحب كلٌ من ريان وعنود نفسًا عميقًا ثم ألقيا بحديثهم دفعة واحدة:
_ مفيش كانسر.
تبادل الجميع النظرات المبهمة فهم لم يستشفوا الأمر بعد، أتى صوت من خلفهم متسائلًا:
_ قصدكم إيه؟
توجهت أنظارهم مباشرة إلى صوت يحيى الذي يحفظون نبرته فأجابه ريان بسعادة بائنة:
_ الموضوع كان سوء فهم.
دهشة جلية تشكلت على تعابيرهم، ألجمت المفاجأة ألسنة الجميع لكن قلوبهم تخفق بقوة من فرط السعادة، ركض الجميع نحو ريان وعنود وتبادلوا التهنئة التي أسعدت عنود كثيرًا وتأكدت أن عوض الله لها كبير وعظيم، حمدت الله بداخلها، تريد البكاء بين يديه لكن لا يسمح لها المكان، رفعت بصرها على ريان وهمست قائلة:
_ ريان عايزة أرجع البيت.
أومأ ريان رأسه بموافقة ولا زالت ابتسامته مُشكلة على ثغره، تفاجأت عنود بانحناءه لم تستشف ما ينوي فعله، لكنها علمت حينما سبحت قدماها في الهواء، لم تعترض تلك المرة وابتسمت له بعذوبة بالغة أذابت قلبه تريد فقط أن تتدلل لا أكثر، حاوطت عنقه بيديها ولم تبعد بندقيتها عنه إنه فارسها العظيم الذي لم يأتِ على حصان بل جاء بقلب عاشق.
عاد ريان إلى منزله وأخبر والده الذي عانق عنود للمرة الأولى وشد على ظهرها بقوة قائلًا بحنو:
_ الله أكبر، الحمد لله يا بنتي ربنا يبعد عنك أي سوء.
شعرت عنود بحنانه الذي يشبه حنان والدها، لم تستطع تمالك عبراتها التي انسدلت رغمًا عنها، بعد لحظات استعادت قوتها وركضت إلى المرحاض وتوضأت وشرعت في الصلاة مباشرة قبل أن تنشغل مرة أخرى مع أحدهم.
استغل ريان فرصة أداء عنود للصلاة ودلف إلى خارج المنزل، انعكست ملامحه إلى الغضب الذي سيحرق الجميع تلك المرة، لن يكظمه داخله اليوم، سوف يستعيد كل حقوقه ويلقّن كل من تجرأ وتعدى عليه درسًا لن ينساه بحياته.
لحق به يحيى وأردف متسائلًا:
_ إيه حوار سوء الفهم اللي في التحاليل ده لإني ما اقتنعتش أوي.
كز ريان على أسنانه بغضب كما برزت عروق عنقه بشدة ونظر إليه وعيناه تنطق منهم الشرار:
_ أنا هقلب الدنيا عليهم، هخليهم يندموا على اليوم اللي استقلوا بريان العراقي، هندمها على اللحظة اللي فكرت فيها تأذيني في مراتي.
حسنًا استشف يحيى الأمر كاملًا وهتف:
_ وأنا معاك في اللي هتعمله كفاية لحد كده.
ركب يحيى سيارته، جلس ريان بجواره وأفكار عديدة مختلفة تخطر على باله، يرتب انتقامه على طريقته وأسلوبه، لا رأفة بعد الآن حتى وإن لم يستعد أمواله فقط يكفيه أنه يأخذ بثأره لكي يفكروا قبل أن يؤذوه في عنود.
وصلا إلى منطقتهم، صف يحيى سيارته بإهمال أمام البناية، ترجل كليهما وكلٌ منهم ذهب في جهة معاكسة، نهض حارس البناية ورحب بريان بحفاوة:
_ مرحب يا معلم ريان دي الحارة نو.....
لم يكمل جلال حديثه حينما لم يكترث له ريان وواصل صعوده إلى الأعلى بخطى مهرولة، وقف أمام منزل والده الذي يعود لشقيقه الآن، ركل الباب بكل ما أوتي من قوة، دفع به وكأنما قامت القيامة، لم يتحمل لأن يُفتح له الباب ودفع بقوة غضبه الذي يسيطر عليه إلى أن أوقعه أرضًا.
ذعرت رنا من هيئته التي تؤكد سوء نواياه، ناهيك عن طريقة دخوله المنزل التي أرعبتها، وقفت أمامه تطالعه بخضراواتها التي اختفى لونها تمامًا من فرط خوفها، اقترب منها وصفعها بكل ما أوتي من قوة وصاح بها:
_ أنتِ تعيشيني كل الوجع ده، لأ عرفتِ تدخلي صح عرفتِ تعلمي عليا، بس لا عاش ولا كان اللي يفكر مجرد تفكير إنه علم عليا يا *****.
تراجعت رنا إلى الخلف بتوجس، انسدلت دموعها بغزارة وأردفت بنبرة متلعثمة:
_ كل ده عشان بحبك، عايزاك ترجع لي أنا، مش قادر تفهم من كل اللي بعمله إني عايزاك، جاي تلومني عشان وجعتك، ما أنا بتوجع كل يوم وأنا جنب راجل مش بحبه، بتعذب في كل لحظة بشوفك فيها مع واحدة غيري، بموت بالبطء وأنتَ مش شايفني وبتتعمد تقلل مني في كل فرصة تقابلك، لو حد السبب في اللي أنتَ وصلت له يبقى أنتَ مش أنا، أنا بحارب عشان حبي ليك لكن أنتَ أناني ومش بتحب غير نفسك ومش مهم الباقي أنا بكرهك، بكرهك.
_ رنااا!
صدح صوته الغاضب الذي هز أرجاء المنزل من شدته، صُعقت رنا حينما رأته يقترب منها بصياحه الذي لا يبشر بالخير، أسرعت هي بالقول وهي تخفي ذراعيها الظاهرتين متصنعة الخجل على جسدها:
_ هاني، ريان اتهجم عليا، شوف كسر الباب إزاي شوف...
تلقت رنا صفعة قوية دوت على وجهها صمتت على أثرها، رفعت بصرها على هاني بصدمة جلية ورددت:
_ أنتَ بتضربني يا هاني، بقول لك أخوك اتهجم عليا تقوم تضربني أنا!
صرخ هاني بكل قوته فهو لا يتحمل سماع نبرتها التي كان يلهث خلفها سابقًا:
_ شششش اخرسي يا قذرة أنا سمعت كل حاجة.
عودة قبل قليل..
توجه يحيى إلى معرض أخيه، جذبه من بين عماله وولج داخل المكتب ثم سحب يده ورمقه شزرًا:
_ قذارتك أنتَ ومراتك زادت أوي وكفاية كل اللي حصل لريان بسببكم.
ضيق هاني عينيه عليه وصاح به هادرًا:
_ يحيى احترم نفسك وأنتَ بتتكلم معايا وسيرة مراتي ما تجيش تاني مرة على لسانك أنتَ فاهم!
أطلق يحيى ضحكات ساخرة ثم أردف وهو يطالعه بشفقة:
_ مراتك اللي سمعتها وهي بتعترف لريان بحبها؟
صُدم هاني مما وقع على مسامعه ولم يتحمل تلك السخافات، أسرع نحو يحيى ولكمه بقوة وهو يصيح به:
_ أنتَ بتقول إيه يا حيوان أنتَ.
حرر يحيى نفسه من بين قبضتيه وأردف بنبرة حادة:
_ مش مصدقني عشان أنتَ دلدول الست، تعالى معايا وأنتَ هتشوف بنفسك إن اللي أنتَ ماشي وراها قذرة.
صفعه هاني لكن تلك المرة كانت أعنف عن قبلها، لا يستوعب ما تفوه به يحيى ودلف إلى الخارج كالثور الهائج لكي يتحقق من حديث ذاك الشيطان الذي لعب في عقله، عاد إلى المنزل وصُعق حينما وقع على مسامعه اعترافات زوجته بحبها إلى شقيقه والآخر أنها تكرهه وتتمنى الموت بدلًا من قربه.
فارت دماؤه ولم يشعر بيده التي تسابقت في صفعها إلى أن انسدلت الدماء من شفتاها وردد من بين صفعاته المدوية على وجهها دون رأفة:
_ بقى أنتِ مستغفلاني طول السنين اللي فاتت دي، بتتمني الموت عشان هو بيتجاهلك يا قذرة، بتحبي أخويا يا بنت الـ.***
نجحت رنا في الهروب من بين يديه ورمقته بازدراء وهتفت:
_ بقرف منك ومش بحبك ده أنا أطيق العمى ولا أطيقك استحملت بس كل السنين دي عشانه هو مش عشانك أنتَ، عمرك ما كنت راجل في نظري يا هاني.
صمتت تلتقط أنفاسها ثم أضافت بحنق:
_ أيوة أنا منعتك من الخلفه أنا اللي حرمتك منها عشان مش عايزة حاجة تربطني بيك مش ناقصة أجيب عيال شبهك ونفس ضعفك، أنا بكرهك.
مررت رنا بصرها على هاني ومن ثم ريان ويحيى وصاحت بكراهية:
_ بكرهكم كلكم.