كانت تصغي باهتمام لحديثه مع شعورها بالشفقة لمعاناته طيلة الأعوام الماضية، إلى أن فاجأها بقوله: _لوقت ما ظهرتي انتي! اتسعت مقلتا عنود بدهشة كبيرة، لم تصدق أذنيها ما سمعته، بينما نهض ريان واعتدل في جلسته وواصل حديثه وهو يتعمد النظر إلى عينيها قائلًا:
_حضنك قلب كياني، حسيت وقتها أن روحي بتتسحب مني كأني بموت، وتدريجيًا حسيت بهدوء جوايا، كل الغضب اللي كان فيا وقتها اتبخر، كل الزعل راح، مفيش أثر لأي إحساس غير إني مرتاح، راحة محستهاش من سنين، وبعد ما بعدتي تأثيرك كان ناقص، كان محتاج يكمل عشان كده حضنتك وقتها، عشان أداوي أي حزن جوايا، عشان أشحن طاقتي اللي استنزفت من 16 سنة، انتي بحضنك ده خلتيني أكتشف أن مشاكلي وهمومي كلها كانت هتتحل بحضن صافي زي حضنك، أنا كنت مستهلك لدرجة إني اتأقلمت مع حالتي لوقت ما اثبتي انتي العكس، أنا طول الأسبوعين اللي فاتوا كنت بنام وأصحي على أمل أنك تعيدي نفس اللي عملتيه تاني، كنت بستني حضنك عشان أحس بس براحة بس انتي مكررتيهاش تاني.
ترقرقت الدموع في عيني عنود وضغطت على شفتيها بخجل ممزوج بالألم، لم تدرِ كيف تصف شعورها حينها، لكنه شعور قوي كما أنه قاسٍ أيضًا، لن تنكر أنها سعيدة بنجاحها في إبعاده عن كل ما هو منكر، لكنها تشعر بشيء آخر يؤلمها، ربما هي بحاجة إلى عناق يداوي ألم تلك الأيام الماضية التي لم تشعر بثقلهم مثل الآن.
انهمرت دموعها كالشلال وهي تقرض أظافرها بتوتر وارتباك، لم يعِ ريان حقيقة أمرها لكنه أراد تهدئة روعها بالطريقة ذاتها، اقترب منها وضمها بقوة إلى أن استكانت بين قبضتيه. بعد مدة ليست بقصيرة، شعر ريان بارتخاء جسدها بين ذراعيه، ألهذا الحد تأثيره شديد عليها! لكنه شعر بالقلق حيال هدوئها المبالغ، أبعدها عنه فتفاجأ بها موصدة العينين، خفق قلبه خوفًا وضرب على وجهها بخفة قائلًا: _عنود!! تحدثت بصوت ناعس: _عايزة أنام.
تعجب ريان من أمرها، أهذا وقت نوم! بعد اعترافه لها والبوح عما بداخله تجيبه بغفوها؟! يا لك من فتاة غريبة الأطوار، على الرغم من أنه لم يفهم شخصيتها بعد إلا أن تصرفها ذاك فاق توقعه، لم يصور له عقله بأنها ستبات في سبات عميق قبل حتى أن تعانقه لمرة أخرى. فقط أراد عناق! ليس الأمر بعسير لهذا الحد إذًا، ما كل تلك الصعوبة في وصوله!
تنهد بضيق عندما لم يجد تلبية لطلبه ونهض بخفة حيث عدل من وضعية جسدها على الفراش ووقف يلقي ببصره عليها قليلًا ثم غادر الغرفة. لم يروق له المكان بينما لم تكن هي موجودة به، لطالما تحمل الأيام الماضية فقط لشعوره بأنفاسها تحوم حوله في المكان، لكن الآن هي غافية بالداخل وهو يقف بالخارج لا يدري ماذا يفعل! سحب نفسًا عميقًا وبدأ يعيد ترتيب أفكاره، بدايةً ماذا يريد منها؟ ولما يشعر بالوحدة ما لم تكن قريبة منه؟
كما أنه يشعر بالضياع الآن بعد أن صرح بكل عبء كان يكمن في قلبه، بدا كالتائه الذي يريدها دليلًا لسبيله، وهي فقط من يمكنه اجتياز سبيله معها! تنهد مستاءً ثم ولج داخل المطبخ يجوب المكان بأنظاره ثم راودته فكرة جنونية بالنسبة لشخصيته بدت متناقضة بعض الشيء، فهو لم يصنع الشاي من قبل فكيف له أن يعد كعكة؟! يجدر عليه البحث على مساعدة خارجية، سحب هاتفه من جيب بنطاله وهاتف هاجر التي أجابته سريعًا وقالت مفتقدة:
_يااه من زمان مسمعتش صوتك! شعر ريان بالحرج حيالها فهو قد غفل عنها تمامًا، ابتسم بتهكم وقال: _عارف إني مقصر معاكي بس هظبط نفسي معاكي تاني متزعليش. قهقهت هاجر وقالت من بين ضحكاتها: _يابني انت فهمت إيه؟ أنت وحشتني ومصدقتش نفسي لما لقيت اسمك على الموبايل وفرحت جدا بس قولي إيه اللي فكرك بيا ومتقوليش بسأل عليكي والجو الهابط ده. تعالت ضحكات ريان لتبادله هي الأخرى بضحكاتها ثم قال متسائلًا:
_هاجر فاكرة كيكة الشيكولاتة اللي كنتي بتعمليها قبل ما تتجوزي؟ ابتسمت هاجر وأجابته بحب: _أيوه يا حبيبي فاكرة مالها؟ حمحم ريان وردد بحرج: _بتعمليها إزاي؟ لم يتفاجأ ريان من ضحكاتها الساخرة بل كان يتوقع ذلك، حاولت هاجر جاهدة أن تتوقف لكن تخيله يقف بالمريلة يطهو كعكة يسبب لها الضحك كثيرًا. اغتاظ ريان منها وقال باستياء: _خلاص مش عايز منك حاجة، سلام. أسرعت هاجر بالرد عليه قبل أن ينهي المكالمة قائلة:
_استني، هقولك على طريقتها. بعد فترة، أنهت هاجر وصفها للمقادير والطريقة بدقة للمرة الخامسة على التوالي وتساءلت باستفسار: _ها، حفظت المرة دي؟ تأفف ريان بضيق لم يفهم تلك المفاهيم الأنثوية وقال: _هاجر خليكي معايا على الخط عشان مبوظش الدنيا. ضحكت هاجر وقالت مازحة: _تمام أنا معاك خطوة بخطوة. _أيوه بقى وبقيت صاحب أملاك يا خلودي. أردفت بها آية مازحة لكنها تفاجأت برد خالد الغاضب:
_إيه اللي انتي بتقوليه ده يا آية دي أملاك ريان ولا يمكن أتصرف في أي حاجة فيهم وهفضل زي ما أنا خالد بنفس المرتب. ابتسمت آية وقالت بحكمة: _أنا بهزر يا حبيبي، دي أمانة ولازم تكون قد المسئولية ربنا يعينك عليها. شعر خالد بالامتنان لكونها زوجته وقال بحب: _أنا آسف إني اتعصبت عليكي بس أنا لسه مش مستوعب الحمل اللي اتحط على أكتافي، اعذريني الأيام دي. ابتسمت آية وقالت متفهمة تغير مزاجه: _ربنا يعينك يا حبيبي.
كادت آية أن تغلق الهاتف لكن خالد أسرع بحديثه قبل أن تغلق قائلًا: _آية ابعتي العيال عند مامتك عايزك في موضوع مهم جدا. قهقهت آية عاليًا وأجابته متصنعة عدم فهمها: _موضوع إيه؟ رد عليها وهو يجوب المكتب ذهابًا وإيابًا: _مش هينفع يتقال في الموبايل ده لازم يتقال Face to Face. تعالت ضحكاتهما ثم أغلق كليهما الهاتف وعاد كل منهما إلى عمله. _انتي مالك باردة ليه كده؟
صاح بها هاني بغضب ونهض وهو يتمتم بالسباب لاعنًا تلك الزوجة التي لا تبادله عاطفة احتياجاته، رمقها كثيرًا ثم ألقى بحديثه دفعة واحدة: _انتي مالك ها؟ بقالك فترة متغيرة وباردة ومبقتيش تحسي، فين رنا اللي كنت بنسى نفسي لما تضحك فين؟ نهضت هي الأخرى ووقفت أمامه وقالت بجمود شديد: _مش يمكن أنا باردة من زمان بس انت اللي مكنتش شايف ده! رفع هاني أحد حاجبيه بغرابة وتساءل بعدم فهم: _قصدك إيه؟ ابتسمت رنا ساخرة
ثم أجابته وهي تبتعد عنه: _أنا تعبانة ومحتاجة أرتاح فترة وطول ما أنا وانت في نفس الأوضة مفيش حاجة هتتغير. ازدادت حيرته من حديثها المبهم، بينما واصلت هي بعد أن التفتت إليه قائلة بحدة مباغتة: _هاني لازم تشوف لك مكان تاني تنام فيه غير الأوضة دي! اتسعت مقلتا هاني بصدمة ممزوجة بالذهول وأعاد ما قالته بعدم تصديق: _أنام في أوضة تانية؟ سحبت رنا نفسًا عميقًا لتستطيع مواصلة حوارهما والوصول إلى ما تريده بالنهاية، اقتربت منه
بملامح جامدة وقالت بتهكم: _اعتبرها فترة نقاهة، كل واحد ياخد نفسه شوية، إنت بقالك كتير أوي منزلتش من البيت وقاعد في الأوضة وطاقتي كلها خلصت معاك عشان تكون راضي ومش مهم أنا، ووقت ما حسيت إني مش متفاعلة معاك اتعصبت كأني عملت جريمة، أنا بقولك أهو أنا زهقت وعايزة أخد راحة منك، وسواء وافقت أو موافقتش هتنام في حتة تانية غير هنا وده آخر كلام عندي.
أنهت رنا حديثها وسحبت عباءتها ودلفت للخارج متأففة بتذمر، جلست على أريكة أسفل النافذة وظلت تتأمل النجوم الساطعة التي تزيد بهجة للسماء. زفير وشهيق فعلت هي ربما تشعر بتحسن قليل لكن محاولاتها باءت بالفشل، ماذا كانت تنتظر؟
أن يركض خلفها فقط لأنها أغرته بجسدها الذي هو ملك لرجل آخر كما أنه أيضًا شقيقه، كانت حمقاء منذ أن أوقعت هاني في شباك حبها وهي لم تحبه يومًا، ألم يكن لديها عقل حينها لتفكر برفض ريان لها، ريان ذو الأخلاق الحميدة واللسان الطيب، والقلب المعطاء ناهيك عن عقله المدبر والأذكى بين جنسه، كما لديه كاريزما خاصة وقعت في عشقه من ورائها، كما أنه يقربها عمرًا!
تحبه بجميع صفاته، فقط تمنت أن ينظر إليها بنظرة مختلفة، نظرة محب لا إخوة، لكن كيف وكل محاولاتها تفشل وتفشل إلى أن تزوج بأخرى كإثبات صريح لعدم رؤيته لها وعدم تقبلها بالمرة. انسدلت قطرات عينيها رغماً عنها وهي تتخيله بين ذراعي زوجاته وليست هي، على الرغم أنها من تستحق تلك المكانة وليسوا هم! ***
استيقظت عنود بثقل وألم شديد يعتلي جسدها، نهضت بصعوبة بالغة وبحثت ببصرها عنه لكنها لم تره في الغرفة، سحبت نفساً لتتفاجأ بألم يفوق الوصف في صدرها، سارت ببطء إلى المرآة فتفاجأت بتورم شفتيها كما يغزو منتصف شفتها السفلى جرح من شدة التورم، ناهيك عن تورم عينيها كما تنتشر علامات زرقاء تميل إلى اللون البنفسجي على سائر جسدها.
تنهدت بإرهاق وجرت قدميها بثقل أمامها إلى أن دلفت للخارج باحثة عن بعض المياه لتروي ظمأها وأيضاً تبلل حلقها الجاف. صُعقت من منظر المطبخ المبعثر، لم تبرح مكانها من هول المنظر، وقفت تتابعه وهو يتحدث بالهاتف قائلاً: "خلاص يا هاجر أنا خلصت هحطها في الفرن ونشوف هتطلع إيه، لو احتجتك تاني هكلمك، سلام." أغلق الهاتف وحمل الصينية ووضعها في الفرن ثم نهض ورفع ذراعيه للأعلى وصفق بانتصار قائلاً: "أخيراً خلصت، شاطر يا ريان."
لم تتحمل هذا المشهد الطريف وانفجرت ضاحكة ولكن سرعان ما أطلقت أنة موجوعة بسبب انشقاق شفاها، انتبه ريان لصوتها واستدار إليها بحرج بائن، أغمض عينيه لبرهة يحاول هضم أنها رأته بتلك الحالة الحمقاء ثم فتح عينيه ليتفاجأ بالدماء تنسدل من شفاها بغزارة، أسرع نحوها بتوجس وقال متسائلاً: "إيه الدم ده؟
وضعت عنود يدها على فمها فتفاجأت بالدماء على أصابعها، سحب ريان بعض المناشف الورقية واقترب من شفتيها ووضع المناشف عليها ليمنع تدفق الدماء.
تقابلا كليهما في نظرة طالت لدقائق شعر فيهما بمشاعر خاصة تلك المرة، مشاعر أكثر جرأة عن ذي قبل، لكن بالطبع لم تخلو من الخجل، هربت عنود ببصرها بعيداً عنه بينما ظل هو مثبت عينيه عليها لا يستطيع النظر لشيء آخر غيرها، كم تمنى وبشدة أن يعانقها في تلك الأثناء ويروي افتقاده إليها بهذا العناق الذي بالتأكيد سيحطم به ضلوعها من شدته.
مرت مدة ليست بقصيرة ثم أبعد يده عنها ليتأكد من توقف الدماء وعندما رأى أن الأمور على ما يرام أبعد المناشف عنها فتفاجأ بتورم عينيها كأنه لم يره منذ قليل، تعجب من حالتها فهي لم تكن هكذا منذ آخر لقاء بينهما، ماذا الذي حدث فجأة؟ "إيه اللي في وشك ده؟ سألها ريان بنبرة حنونة أذابت قلب عنود، فلم يحنو عليها أحد منذ فراق أحبتها. أطالت النظر إليه بحب وامتنان كبير ثم أجابته هاتفة: "أنا عندي متلازمة (Gardner -Diamond Syndrome)
جاردنر دايموند بتحصلي لما بزعل أو بتوتر جامد." عقد ريان ما بين حاجبيه بغرابة فهو لم يسمع عن تلك المتلازمة من قبل، حمحم بحرج وقال: "أنا مش فاهم قوي بس هي حاجة بسيطة ولا خطيرة؟ ابتسمت عنود لاهتمامه وأردفت موضحة: "بسيطة، هي بتكون متعبة فترة وجودها في جسمي بس بعد كده عادي."
بادلها ريان ابتسامة رقيقة، جالت عنود ببصرها على جسده بالكامل وهي تكتم ضحكاتها بداخلها، نظر ريان إلى حيث تنظر وتفاجأ بتناثر الطحين على ثيابه، رفع عينيه عليها فانفجرا كليهما ضاحكين. تساءلت عنود بعفوية من بين ضحكاتها: "أنت كنت بتعمل إيه وبهدلت نفسك كده وبهدلت المطبخ بالشكل ده؟ أولاها ريان ظهره وهو يجيبها بتلقائية: "الموضوع بسيط يعني مش زي ما أنتِ متخيـ...
توقف ريان من تلقاء نفسه عندما صدم مما رآه، لقد بعثر أشلاءه بالكامل، بالكاد يُسمى قطعة خردة وليس مطبخ! عاد ببصره نحوها ويكسو الخجل وجهه مما فعله وقال: "أنا موت المطبخ! انفجرت عنود ضاحكة عليه ولم تتوقف تلك المرة بسهولة، حاولت السيطرة على ضحكاتها ورددت: "أنت كنت بتعمل إيه؟ "كنت بعمل كيكة." أردف بهم ريان ثم تذكر أنه نسيها تماماً، اتسعت عينيه بصدمة وركض إلى الفرن وتفاجأ بها كعكة محترقة لعدم ضبط حرارتها المطلوبة.
أخرجها من الفرن وتحولت تعابير وجهه إلى الحزن، فلقد أراد صنعها فقط من أجلها وها هو قد نجح في إعداد كعكة محترقة، انتبهت عنود لتشنج ملامحه وخمنت أنها لم تنجح كما أراد. سارت نحوه لتتأكد من حدسها كما أرادت فعل شيء له لتمحو ذاك الحزن من على تعابيره. بحثَت بعينيها في المطبخ فوقع بصرها على صوص شوكولاتة قد أعده وتركه على الطاولة الرخامية، أسرعت نحوه وأخذت تضع منه على الكعكة ثم نظرت إليه مشكلة ابتسامة على ثغرها وقالت:
"ممم أنا جعانة جداً ينفع تقطعها لي لما آخد شاور وأغير هدومي؟! رد عليها ريان باستياء: "بس دي محروقة! ابتسمت له وقالت بعاطفة حنونة: "أنت متعرفش أنا بعشق كيك الشوكولاتة قد إيه فلو وقفت تتكلم كتير هاكلها بالصينية."
تركته وهرولت مسرعة من أمامه، ولجت داخل المرحاض لكي تنعم باستحمام دافئ ربما يقلل من ألم جسدها، أنهت حمامها ودلفت للخارج وارتدت قميص قطني قصير بعض الشيء أحمر اللون وعليه رسومات كرتونية، جففت شعرها بالمجفف الكهربي وتركته متحرراً كما وضعت أيضاً عطرها الخاص ثم ألقت نظرة سريعة متفحصة على نفسها قبل أن تدلف للخارج، ترددت كثيراً كيف ستقابله بهذه الثياب القصيرة؟ لابد أن تبدلها في الحال.
طرق ريان باب غرفتها فأسرعت هي خلف الباب وفتحته قبل أن يلج هو للداخل، أخرجت رأسها متسائلة بخجل: "محتاج حاجة؟ هز ريان رأسه بعدم فهم لتصرفها المبهم معه وتساءل بلطف: "تشربي نسكافيه ولا صودا؟ لم يكن هناك داعي للتفكير فقط هي تعلم ما تريده جيداً. أجابته بتلقائية عابثة: "نسكافيه طبعاً! ابتسم ريان لسرعة ردها وقال محاولاً إظهار بعض الاهتمام: "كنت عارف بس حبيت أتأكد!
تشكلت ابتسامة على محياها كما دقت طبول قلبها طرباً لاهتمامه بها، لم تجرب هذا النوع من المشاعر من قبل وما يزيده جمالاً أنه حلالها ناهيك عن أسباب لقائهم لكنهم بالنهاية معاً كزوجة له وكزوج لها. أوصدت الباب بعدما تأكدت من مغادرته ثم توجهت نحو الخزانة لتبدل ثيابها، لكن شيء ما كان يؤخر مد يديها عن جذب الثياب البديلة، لا تدري لمَ يراودها شعور البقاء بهذا المظهر!
أثار فضولها حول نظرات ريان إليها عندما يراها لأول مرة بثياب قصيرة، لكن خجلها يهاجم فضولها، كيف ستقف أمامه بقدمين عاريتين، كما أن ذراعيها لا يخفيهما شيء عاريتان تماماً، تناقض شديد باتت هي بينه، لا تعلم ما هو الصحيح. سحبت نفساً عميقاً واقتربت من المرآة بخطى ثابتة خجولة ونظرت إلى صورتها المنعكسة حيث تشكلت ابتسامة على ثغرها وهي تصور مشاهد عدة لرؤياه لها.
سرت رجفة قوية في بدنها من شدة حيائها، لم تختبر رجلاً من قبل وبعد تعقيدات كثيرة وضعتها لكي تمنع ظهورها أمامه بتلك الحالة إلا أن فضولها الأنثوي هو من فاز وعزمت أن تظهر أمامه بحالتها كما هي، لكن ليس قبل تمشيط خصلاتها المحررة مع وضع قدر كبير من العطر. زفير وشهيق فعلت للمرة العاشرة على التوالي ثم فتحت الباب وهرولت إلى الخارج قبل أن تعترض فكرتها التي عزمت على فعلها، فقط تريد رؤية ردة فعله كيف ستكون؟
بحثَت عنه عندما لم تجده في المطبخ، فأتاها صوته الرخيم قائلاً: "أنا في البلكونة تعالي." ابتلعت ريقها مراراً ثم خطت بقدم واحدة والأخرى تريد أن تعود بأدراجها إلى الغرفة سريعاً وتبدل ثيابها، أوصدت عينيها وقالت مشجعة: "مش هيحصل حاجة يا عنود ده جوزك يعني مش حرام، مرة واحدة بس هشوف ردة فعله ومش هكررها تاني! عزمت أمرها وسارت بالقرب منه لكن لم تكن بتلك الشجاعة التي تصورتها، تراجعت عائدة لكنه نادى عليها بصوته الأجش:
"أنتِ رايحة فين؟ أوصدت عينيها بارتباك لاعنة حماقتها التي أوقعت بها في فخه، استدارت إليه وقد كست الحمرة الصريحة وجهها خجلاً منه، بينما لم يعبأ ريان لخجلها فقط يريد التمتع بهذا المنظر الأنثوي، غاص في قوامها وجمالها الصارخ رغم صغر عمرها، يا حبذا هذا الجمال الذي حُرم من انحرافه معه من قبل، انحراف! ما تلك الوقاحة التي يفكر بها؟ ألم يرَ امرأة من قبل؟
بالتأكيد لم يرَ، فمن فرضت نفسها عليه لم يستطع أن ينجرف معها لأنها زوجة أخيه، بينما من تقف أمامه زوجته، يحل له أن يرى ما يحلو له حينما يشاء. ظهرت ابتسامة على محياه ولم يشعر بقدماه التي قادته نحوها. وقف أمامها لا ينبس بشيء، فقط يتأمل ملامحها الرقيقة التي بدت خجولة. ود لو ينعم بعناق الآن ليشعر قلبه بالدفء والطمأنينة لطالما افتقدهما منذ آخر عناق بينهما.
وعندما باتت محاولاته في ضمها لحضنه بالفشل، سحب نفسًا عميقًا محاولًا تغيير مسار أفكاره وقال بصوت متحشرج: احم، النسكافيه هيبرد! أومأت رأسها بطاعة وسارت خلفه بخطى غير مستقيمة إلى أن وصلا إلى شرفة أحد الغرف. وقفت عنود أمام الباب ورمقته بغرابة، كيف سترافقه بثيابها تلك في تلك الواجهة الخارجية؟ استشعر ريان ترددها وقد فهم ما تفكر به، حيث قال مبررًا نيته الحسنة: تعالي، إحنا أعلى مكان في المنطقة ومحدش هيشوفك، متقلقيش!
ترددت لبرهة ثم خطت بتمهل إلى أن تأكدت من عدم رؤية أحد لها. جلست أمامه وحرصت على أن تشد طرف ثوبها القصير لكي لا يرتفع عند جلوسها. كان يتابعها باهتمام وتفحص شديد. هز رأسه طاردًا أفكاره، ومد يده يناولها قطعة الكيك. أخذتها بحرج كما حرصت أن تبعد بصرها عنه لكي لا يتقابلا ويزداد خجلها أضعافًا. شرعت في أكلها مظهرة مدى استمتاعها بالكيك المغطى بصوص الشوكولاتة، بينما قطع ريان قطعة صغيرة بالشوكة ووضعها في فمه لكنه سرعان ما
لفظها للخارج وقال بتقزز: طعمها مقرف أوي، أنتي بتاكليها إزاي؟ ابتسمت عنود وأجابته بعدما تناولت قطعة أخرى منها: طعمها إلى حد ما مقبول، مش وحشة يعني! وضع ريان الصحن على الطاولة وقال: مش مجبرة تاكليها، أنا مش هزعل يعني لإنها فعلًا وحشة!
أنهت عنود القطعة بالكامل ولم يظهر على محياها أي علامة تدل على سوء مذاقها عكس ما تشعر به تمامًا. لقد تشنجت معدتها الصغيرة رافضة لتلك الكعكة المحترقة لكنها تجبرها على هضمها لكي لا تشعره بالحرج. وضعت الصحن على الطاولة أمامها بعدما أنهته بالكامل، ثم أخذت تلملم المتناثر من الكعكة حول فمها لتثبت له جدارته في الطهي.
تعجب ريان من تصرفاتها التي تحاول بها إثبات نجاحه في الطهي وهو يعلم جيدًا مدى بشاعتها، لكنه لم يكن مزعوجًا مما تفعله فقد ترك نفسه يتمتع بأول من يساعد في رفع معنوياته المحطمة. ابتسم وتساءل وهو يرمق تلك العلامات التي تنتشر في سائر جسدها: ليه كده؟ تفهمت ما يلقي إليه من خلف نظراته على العلامات التي تغزو جسدها وأردفت بألم:
لو بتسأل عن سبب العلامات دي فأنا قلتلك إني لما بزعل أو بتعرض لصدمة بيحصلي كده، ولو بتسأل حصلت ليه في الوقت ده هقولك إني من يوم وفاة أهلي وأنا كنت قوية لدرجة أنا مكنتش أتخيلها. أي إنسان بيفقد أهله بيتعرض لصدمة بس أنا كنت قوية أوي، كنت متقبلة اللي حصل رغم فجعته. نزلت مصر واتعرضت لمواقف بشعة وكنت قوية ومكملة وساندة نفسي، لوقت ما... ابتلعت ريقها بخجل وواصلت حديثها وهي تفرك أصابعها بتوتر شديد:
لوقت ما حضنتني النهاردة. وقتها اكتشفت إن قوتي دي كانت تمثيل، يمكن لأني كنت لوحدي ومينفعش أقع، أو مفيش وقت أنهار فيه، مش هلاقي اللي يسندني ويقويني فكنت بقوي نفسي أو كنت شايفة كده. أنا اكتشفت إني ضعيفة جدًا وجوايا انهيار، اكتشفت بس النهاردة، وأنا لما بتعرض لأي صدمة أو حزن بسيط بلجأ للنوم وبعدها بقوم بالشكل ده! أزفرت أنفاسها بحرارة وهي تحاول ألا تنهمر في بكائها وتابعت مستاءة:
الموضوع مؤذي نفسيًا أكتر ما هو أذى جسدي. صراع بين إني بحاول مزعلش عشان متعبش وبين إني مش قادرة أواجه زعَلي فبضطر أنام عشان أهرب منه فبصحي بالمنظر ده! كان يصغي لها باهتمام دون أن يكل من كل حرف تنبس به، كما ازداد إعجابًا لتعبيراتها ذات المعاني القوية التي تكبرها عمرًا. رمقها بأسى وأردف:
من أسبوعين كنت شايفك طفلة ولو كنت اتجوزت بدري كنت خلفت بنت أو ولد في عمرك، بس أنتي أثبتيلي إنك أكبر من عمرك بكتير. تفكيرك وأسلوبك وقبل كل ده حضنك اللي قدر يحتوي واحد عنده 34 سنة، قدر يداوي همومه اللي عاش فيها 16 سنة. هو ممكن يبان لك حاجة بسيطة بس أقسم بالله إني أدفع كل اللي حيلتي مقابل راحة من اللي حسيتها في حضنك. أنتي قدرتي تعملي كده إزاي؟
على الرغم من حيائها الشديد التي وقعت في براثينه إلا أنها قاومت وأجابته بعقلانية لكن لم تخلُ نبرتها من التعرقل والتعلثم: إيه؟ اتعلمته من أهلي، ده كان أسلوب حياتنا. أي شخص فينا لما كان بيتعرض لضغط كبير كنا بمنتهى الهدوء بنقدمله حضن. الحلول والتبريرات دي ملهاش لازمة، أكيد إنسان ناضج عارف يحل مشاكله إزاي، بس هو بيكون محتاج هدنة، صفاء ذهني، حالة من السكون لفترة وده بينطبق على الحضن! ينفع أجربه تاني؟
قالها ريان بنبرة ملحة تحمل من التوسل والافتقاد قدرًا كبيرًا، بينما تفاجئت عنود من طلبه. ولم تستطع رفع بصرها عليه، لا بد وأنه يمزح. ويحك أيها الرجل لما لا ترأف بعذرية مشاعرها التي تخوض تجاربها للمرة الأولى؟ لكن بالتأكيد لا يسعها الرفض حيال طلبه، سوف تفعلها فقط من أجله لا تعلم كيف لكن حسنًا ستتحلى بالشجاعة وتعانقه لطالما هي بحاجة شديدة إلى عناق! تنهدت بحرارة ثم قالت بنبرة خجولة: أنا هنا دايمًا.
ابتسم لها ريان كما بادلته هي ابتسامة رقيقة على ثغرها ثم تذكرت شيئًا ما وقالت متسائلة بفضول: مش هتقولي كنت بتعمل إيه في الكلية النهاردة؟ التوى ثغر ريان بابتسامة باهتة، ليعود به حنينه إلى جميع ذكرياته لطالما تمناها ولا زالت هي شغله الوحيد. سحب نفسًا وقال بيأس: بلاقى نفسي هناك! لم يتضح لها حقيقة قصده ورمقته متعجبة فواصل هو حديثه موضحًا:
كان حلمي إني أدخل هندسة وللأسف محصلش نصيب. من ضمن أسباب إصراري إنك تقعدي هنا إنك متخسريش حلمك زيي. ده غير إني كنت في ضهر يحيى على طول عشان يحقق حلمه ومييأسش، كنت بوفره كل اللي يحتاجه عشان يكون هدفه واحد وميفكرش غير فيه.
أحبت فيه حنيته التي لم ترَ عكسها منذ أول لقاء بينهما. لا زالت تذكر ملامحه الرجولية المتعجبة عندما أبت أن تصافح ياسر عند لقائهم الأول، كما تذكر موقف المصعد وذهوله لرفضها في الصعود معه وغيرها من المواقف النبيلة التي قدمها سواء لها أو لياسر. باتت تحفظ نبرته الرخيمة كأنها سيمفونية تعزف لها خصيصًا. لن تنكر أنها أعجبت بشخصيته المعطاءة التي تتشابه كثيرًا مع شخصية والدها، هل لأنهم من دم واحد؟
لكن لا، فمنصور الأقرب لوالدها ولا يتحلى بذرة من شهامة أخيه. سحبت نفسًا وقالت ربما تفيده بنصيحتها: ما تكمل تعليمك! التفت إليها ريان ضاحكًا بسخرية: أكمل تعليمي؟ أنتي بتهزري صح؟ أومأت رأسها بنفي قائلة بتأكيد: لا مش بهزر، فين المشكلة؟ تجمدت تعابير وجهه لبرهة ثم أسند رأسه على حافة المقعد متأملًا النجوم. استنشق أكبر قدر من الهواء ثم أردف بحنين:
أنا مش مراهق لسه عشان أكمل تعليمي، أنا راجل كبير عنده مسؤوليات وبيت وعيال، فات أوان الكلام ده. تركت عنود الكوب من يدها ووضعته على الطاولة واعتدلت في جلستها وواصلت حديثها بحماس: ناس كتير الحياة مسمحتش يكملوا تعليمهم وبعد سنين كتيرة سمحت ظروفهم وكملوا تعليمهم في سن أكبر منك. مفيش عائق قدامك، أنت اللي عائق لنفسك ولأحلامك! نهض ريان واستند بمرفقيه على حافة سور الشرفة وأردف مستاءً:
الكلام ده مينفعش هنا، مجتمعنا غير مجتمعكم خالص. مينفعش المعلم يتحول لمهندس بعد العمر ده، كل اللي بنيته هيضيع! لم تقتنع قط بتفكيره، ونهضت هي الأخرى ووقفت بجانبه قائلة بإصرار: أنت مش عايز تحقق حلمك عشان كلام الناس! مش أنت قلتلي إن محدش وقف جنبك في أكتر وقت كنت محتاج إيد تساعدك فيه يبقى ليه تفكر في ناس مش بتفكر غير في نفسها! اقتربت منه أكثر وربتت على ذراعه قائلة بإلحاح شديد:
المعلم ممكن يتحول لمهندس بسهولة لو فكرت بأنانية شوية عشان نفسك. مرر ريان أنظاره بين ذراعه الذي بين قبضتيها الصغيرة وبين ملامحها التي تحثه على تحقيق حلمه بإصرار، ثم انفجر ضاحكًا عندما تخيل رجل مثله يكمل تعليمه في هذا العمر! أنتي مشكلة والله! صاح بهم من بين ضحكاته، بينما فهمت عنود سبب قهقهاته التي لا تتوقف وقالت مستاءة من ضحكاته: ريان، بطل ضحك!
كانت المرة الأولى لها أن تهتف باسمه بتلك العفوية التي أذابت قلبه. استدار إليها وابتسم بسعادة وقال متمنيًا أن تعيد نطق اسمه ثانية: ريان! ضغطت عنود على شفتيها بخجل، ثم هربت من أمامه راكضة إلى الخارج فتعالت قهقهات ريان بتكيف لتصرفاتها التي يختبرها للمرة الأولى.
أسرع خلفها بخطى ثابتة عازمًا أمره أن يفعل ما يطالب به قلبه وكل إنس به. وصل إليها بعدما تريث في غرفتها، جذبها من ذراعها بكل ما أوتي من قوة وضمها لأحضانه المفتقرة لعناق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!