في الصباح كان مراد منتظرًا آسيا على السفرة، فهو لم ينم ليلته من كثرة التفكير فيها. أتت معه تاليا، وهي خجولة. في المساء جلست في هدوء ولا ترفع نظرها، وهو لا يحيد نظره عنها. أمه تراقب ما يحدث في صمت وسعادة، وتتمنى أن يتحقق ما بداخلها. ليجلسا معًا وتبدأ تاليا في الثرثرة كالعادة، فأصبحت مشعة كرفيقتها. ليتحدث مراد بمرح:
"إيه يا حبيبتي، ما تفصلي. إنتِ ما بتبطليش. ما تاكلي وكفاية. كليتي ودان آسيا، سيبيها تاكل. ده ما بتلحقش تمد إيدها." لتهتف آسيا بخجل: "لا يا مستر مراد، أنا والله مش مضايقة. ده تاليا تقول وتعمل اللي تحبه." ليهتف: "آه والله، نفسي تعمل اللي تحبه بجد." لم ترد آسيا. لتقول الأم: "هو عمر هييجي انهارده صح؟ ليقطب جبينه ويقول بضيق: "آه هييجي. ما هو أنا اترازيت بيه خلفته ونسيته." لتضحك آسيا ضحكة خفيفة. لينظر إليها ببلاهة:
"هو فيه إيه؟ لتقول الأم: "طيب عشان أعمل حسابي بقى." لتهتف آسيا: "طب أستأذنكو يعني، لو فيه ضيوف أبقى مش موجودة، يعني تبقوا براحتكم." لتهتف الأم، وكان مراد يريد أن يسكت أمه ويذهب ليقتل عمر: "هو مين اللي ضيوف؟ ده عمر ده ابني، حتة سكرة. دانتي لو قعدتي معاه ماتبطليش ضحك. ده واد عسل." لتضحك آسيا. ليغضب مراد:
"هو إيه اللي عسل ولو قعدت ولو بتاع وضحك وزفت. ده وش أمه فقر وعيل سدغ. أنا مش عارفة رزياني بيه ليه. ما يتراز يطفح في أي مصيبة." لتنظر إليه الأم بخبث. "فيه إيه يا ابني؟ دا حبيبك يا قلب أمك. يهون عليك؟ آه يجي ويتونس بينا. وانت يا آسيا تقعدي وتنوري الدنيا. واللي ييجي يتشرف بيكي يا حبيبتي. دانا لو طلت أعرفك على الناس كلها." ليهتف مراد: "استغفر الله العظيم يا رب. فيه إيه يا أمي عالصبح؟ حبيبي وزفت على دماغه." ليستدير لآسيا:
"ما تصدقيش أمي. دا واد بارد ورزل." كان الغيظ يأكله. فهتف في نفسه: "ما تسكتي يا أمي بقى. هتعرفيها لمين. فاتحينه معرض. دانا ما صدقت إنها تقعد دقيقتين. ترازيني بحد يقرفني. مالك الحب طرشق في الواد كده ليه؟ والله لأطحنه بس أشوفه." ولكن الأم لم تسكت وقالت: "طب يا قلب أمك، ماعرفش إيه اللي مدايقك من الواد. بس هاته، لو مزعلك هصالحك عليه أنا وآسيا بكلمتين من وشها القمر ده. مش كده يا آسيا؟ لتبتسم آسيا. ليقوم مراد:
"لأ، كده كتير وكفاية بقى عشان والله مينفع. أما أقوم أغور أروح للزفت وهفلقلك دماغه قبل ما ييجي عشان ترتاحي." ورزع المعالق على الطاولة وقام وهو يغلي، وخرج مهتاجا. وأمه تبتسم وتهتف بصوت عالٍ: "مالك يا بني عالصبح؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. مضايق ليه بس؟ هو أنا عملت حاجة؟ خرج مراد وهو يغلي من الغضب. "عايزة تجيب البيه ويقعد ويتونس بالبت وأنا مابنطقش معاها كلمتين. وهو عايز ييجي يتونس هو كمان؟ هو فيه إيه؟
دا ماحدش عاتق. متغاظ. أروح أطحنه دلوقتي. جاي ليه أنا نفسي أعرف. ما أطفحه في أي مطعم ويترزي بعيد." "طيب يا عمر، اديني جايلك." مر اليوم وجاء عمر. ليستعدا للعودة مرة أخرى. ومراد قاطب وجهه. ليهتف عمر: "مالك يابني من الصبح وأنت راسم مية وحداشر. هو فيه إيه؟ ليهتف مراد بغيظ: "بقلك إيه، تسكت خالص. أنا على آخري. تطفح من سكات واتنيل تمشي." ليهتف عمر: "ما ترملي لقمتين عالأقرب أكرم. دانت عيل تقيل. بقيت بومة يا ساتر."
دخل كلا من مراد وعمر الفيلا. وكان عمر شخصًا مرحًا مشاكسا. فما أن دخل ليجلس بجوار والدة مراد وبدأ في مشاكساتها، وهي تضحك بشدة قائلة: "يا واد، إنت هتفضل طول عمرك كده؟ مش هتعقل أبدا." فهتف: "يعني ينفع يا أمي أعقل؟ والعقل كله قاعد قدامك أهو. ده ما شافش حد اللي أخد عقله منه." "لأ، خليه قاعد عاقل كده لوحده. وإحنا جايين نقول ونفرفش ونفك القعدة." فضحكت بشدة. ونظر إليه مراد وقال: "إنت هتتلم ولا أقوملك؟ فهتف مسرعًا:
"قلبك أبيض. خلاص يا عم خلاص، اديني سكت أهو. عندكم إيه يتاكل عشان أنا هاموت وعلى لحم بطني من الصبح." نادت السيدة حكمت على الخدم ليجهزوا المائدة. وبعثت من ينادي على آسيا وابنته. ولم يعرف مراد بداخله لماذا لم يرد أن يناديهم. وأحس مراد ببعض الغضب بوجود عمر وكلامه المسبق. ليجلس الجميع على المائدة. وتنزل تاليا لتجلس مكانها. ودخلت بجمالها الهادئ وطلتها الرائعة. ليصاب عمر بالدهشة. ينظر إليها ببلاهة. فانحنى على مراد قائلاً
بهيام: "إيه ياض؟ حتة القشطة دي؟ مش تقول. ده أنا كده ما عدتش هتحرك من هنا. يا دين النبي. ده المنصورة بتتحدف علينا حاجات وحاجات يا ولاد. أيوه يا عمورة، هتاكل وقدامك حتة لوزة مقشرة." هنا أحس مراد بدوار وحرق بداخله. كان يضغط على يديه حتى لا يقوم ويفتك به. ونظر إلى عمر نظرة غاضبة وقال: "لسانك لو اتفتح، هقوم أجزهولك وأرقّدك على بعضك. لم نفسك أحسن لك. أنا بأقول لك أهو."
أتت آسيا لتجلس بجوار تاليا بهدوء، وقد حيّت الجميع. وكانت لا تتكلم، فهي لا تعرف عمر ومن الأساس لم تكن تتكلم كثيرًا في وجود مراد. وبدأت في مساعدة تاليا في الطعام، وبين الحين والآخر تأكل بعض الأشياء البسيطة. ليبدا عمر في الكلام: "وانت بقى يا آسيا، أول مرة تيجي القاهرة؟ لتقول بهمس: "لأ، والله ما جيت قبل كده. وأول مرة أشتغل." ليهتف بسعادة: "ده من بختنا والله." ليغرز مراد رجله على قدمه يهرسها. ليصرخ عمر. لتهتف الأم:
"إيه يبني؟ فيه إيه؟ لينظر إليه مراد بغل. ليقول عمر: "لأ، لأ. ومافيش. دا بس افتكرت حاجة صرعتني." ليبتسم مراد بسدغة لا خفيفة يا واد. ظلا يأكلان. وتاليا وعمر والسيدة حكمت يثرثران. وآسيا صامتة. ليهتف عمر مواجهًا إليها الكلام: "هو انت كده عادي زينا يعني؟ فقطبت جبينها، لا تفهم. ومراد يكز على أسنانه. فاكمل مشاكسا:
"يا بنتي، إحنا بقى لنا ساعة نازلين أكل كأننا ما أكلناش بقالنا سنين. وأنتِ عمالة تنقنقي. ما شفتكيش بتاكلي لقمة. انت مالك كتكوتة في نفسك كده؟ دا أكل." فابتسمت بهدوء وأحست ببعض الخجل. ليغضب مراد بشدة أن عمر يراقبها. وهنا التفت إليه مراد ويقول: "أظن يا عمر، إنت خليك في حالك وتاكل من سكات. ما إحناش ناقصين وجع دماغ هنا. مش جاي تتفح؟ ماتتفح." أحست آسيا بالحرج الشديد. وأيضًا عمر أحس بالحرج لها فقال: "فيه إيه يا عم؟
هو إحنا قاعدين في الجيش؟ كل واحد قاعد باصص في طبقه. أهو هي ما بتاكلش. ما تقول لها تاكل. ولا انت قاعد وخلاص تنظر علينا؟ هنا تدخلت السيدة حكمت لأن ابنها وجدته سيقوم ويطيح في عمر. فقالت بهدوء: "بس يا عمر، سيب آسيا في حالها. هي دي طريقتها ودي طريقة أكلها. هي حرة يا حبيبي." عمل عمر أنه يتفهم وهز رأسه:
"ماشي. مش تقولوا إنكم جايبينها عشان تجوعوها. خلاص ماشي يا سيدي. سيبوها جعانة. وانت يا آسيا، بالليل قومي لفي لك في المطبخ لفتين. كلي بعيد عن الديناصور ده من وراهم بالليل وماحدش هيقفشك. وأكيد ماحدش بياكل كده. وابقي احذفي لأخوكي حتتين لحمة." فضحكت على كلامه. ثم وضعت يدها على فمها من الخجل. فابتسم عمر ببلاهة من ضحكتها وقال: "هو فيه كده؟ يا صلاة النبي. ده الشمس نورت والقمر طلع هنا."
خبط مراد على المنضدة فلم يعد قادرًا على الاحتمال. فقلبه كان مولعًا. ونظر إلى عمر نظرة حارقة وقال: "ما تتلم بقى يا أخي. ماحدش عاجبك في القعدة." فاكمل: "شهادة لله، لا القعدة دي والله العظيم عجباني. عجباني قوي كمان."
ونظر إليه وغمز له غمزة تدل على إشارته إلى آسيا. هنا تماسك مراد وتجلد، وخفي ما بداخله بمعجزة. فهو قد هاج من داخله وأراد قتل عمر وتخزيق عينيه. وضحكة آسيا أشعلته. وهنا مراد في نفسه توعد له أن يحاسبه على هذا الكلام. وظل يحرق في نفسه ويكظم غيظه. حتى استأذنت آسيا وأخذت تاليا لتذهب للنوم. وظلا يجلسان مع والدتهم ويتسامران حتى قامت هي الأخرى. ليقترب مراد من عمر وأمسكه وهو جالس من رقبته:
"سمعني بقى كده يا روح خالتك. إنت كنت بتغمزلي ليه؟ عشان ساعتها كنت هطيح في وش أمك." فخاف عمر ونظر إليه ببراءة: "فيه إيه يا مراد؟ إنت هتتحول ولا إيه؟ أنا أنا غلطت لك يا حبيب أخوك؟ ده عيني اللي كانت بتوجعني. شوف بتبربش إزاي. أنا برضه ده أنا لا باعرف أغمز ولا باعرف أتنيل. ده أنا عيل أهبل." ليضغط عليه مراد وقال: "بقى كده. بقى ما كنتش بتغمز؟ وإن القعدة حلوة وعاجباك." فشهق فيه عمر:
"اهدأ يا كبير، اهدأ. ما تتهورش. ده أنا عيل سيس. شوف ولا كاني قلت حاجة ولا كان موجود أصلاً. خلاص يا عم خلاص. إنت إيه؟ بتتحول كده مرة واحدة. بس تعال هنا، قل لي. هو إيه النظام؟ هيا السنارة غمزت ولا إيه؟ عشان ألم نفسي وما أخش سكة هنا." لم يستطع مراد أن يتحكم في نفسه وقام برزعه بوكس على وجهه، وتركه ودفعه على الكرسي بعنف. "منك لله يا أخي. وشي. أروح الشغل كده إزاي؟ أبو شكلك يا شيخ. إنت إيه؟ ما بتعرفش حتى تهزر؟
يا ساتر. ده هيبقى يوم أسود. اللي هتخش حياتك هتسود عشيتها. يا ساتر. إيه ده؟ فاستدار له مراد بغضب. فهتف عمر بسرعة: "لأ، وحياة أبوك ده هيبقى يوم أبيض ومنور وفيه كهارب جايبينها من السد العالي. أسود إيه يا أخي؟ ده أنا عيل وكلامي أعيال من عيالك." فنظر إليه مراد وابتسم له ابتسامة بسخرية وقال له: "طب يلا يا خفيف. وريني عرض كتافك. مش طفحت. يلا." هنا عمر قام وظله يعدل نفسه وقال:
"والله يا عمر وكرامتك اتبهدلت وبقيت تتطرد من اللي يسوى واللي ما يسواش." فاقترب منه مراد وهتف بحنق: "إنت بتتريق؟ مين ياض اللي ما يسواش؟ زعر عمر وقال: "إيه ده يا كبير؟ إيه ده؟ ما تتهورش. روّق كده. أنا ماشي. ماشي يا عم. بس اللي انت عملته ده ما يرضيش ربنا. شوف وشي عامل إزاي. أروح الشغل إزاي؟ منك لله يا أخي." فهتف عمر: "أنا كنت قلت إيه يعني؟ البت قمر ومن حقي كفرد من الشعب أعبر عن اللي شابط جوايا. ده مزة طحن."
ليهجم عليه مراد: "هو إيه يا روح أمك اللي شابط؟ يا حيلتها. ودين أمي ما عاتقك." ليذعر عمر: "فيه إيه؟ أواد إنت قلبت المجنح ليه كده؟ دانا بهزر." ليرزعه مراد بوكس آخر: "عشان تهزر أوي وتعبر براحتك." ليقوم عمر غاضبًا: "منك لله. عينيا الاتنين. إنت طور يابني. يا ساتر. أما أغور من وشك." ليهتف مراد: "قوم في داهية تاخدك. نكدت عليا." ليذهب عمر ويفتح الباب. ويقول قبل أن يهرع هارباً: "نكدت ليه يا بيضة؟ هو فيه شبطان عندك إنت كمان."
ليقوم مراد ليجري عمر مسرعًا: "خلاص خلاص. والله حرمت." وانطلق مسرعًا للخارج. ومراد يقف مشتعلًا. "الله يخربيتكو بقه. هو فيه إيه؟ والهانم مالها بتضحك ومبسوطة ليه. ومصدرالي الغم والهم. ومابصدق أطول كلمة منها. ماهو قركو وبصكو راشق فيا. منكو لله. متغاظ يابن الجزمة."
خرج عمر وترك مراد في حال آخر. كان يشعر بالغضب الشديد من أن آسيا ضحكت على كلام عمر. وأنه تخيلها أنها كانت سعيدة بوجود عمر بحسه الفكاهي. وأنها لا تطيقه. أحس أنه يريد أن يذهب إليها ويخنقها. على العشاء كانت في ذلك الوقت كانت آسيا تحاول أن تضع تاليا في سريرها. ليفتح هو الباب عليهم والغضب يأكله. لتنظر إليه لتعرف أن به شيئًا. فهي أصبحت تعرفه إلى حد ما. ومتى يكون غاضبًا وهذا في معظم الوقت. ومتى يكون هادئًا.
أنهت وضع تاليا واقترب هو منها وقبل ابنته وتمنى لها الخير. وتركها وذهب وراء آسيا وهي تخرج بهدوء. وبينما كانت آسيا تخرج هتفت بهدوء: "تصبح على خير." واستدارت لتصعق من رد فعله. ليهجم عليها ويمسكها بشدة ويسحبها وراءه. يدخلها حجرته ويضعها بعنف على الحائط بشدة. والغضب في عينيه. وهي مذعورة لا تعلم ماذا فعلت. ليهتف في وجهها: "ممكن أعرف إيه اللي حصل على الأكل ده؟ فهتفت باستغراب وخوف: "أكل إيه؟
أنا مش فاهمة حاجة. وحضرتك أظن ما يصحش إنك تشدني كده وتدخلني الأوضة كده بالشكل ده. من فضلك سيب إيدي لو سمحت. عايزة أخرج." فضغط على يديها فصدرت منها من وجعها. ليقول: "إيه؟ مش واخده بالك إنك كنت فاتحاها على البحري والهي والمؤ اللي انت مدوراهم لعمر. كنت مبسوطة قوي من هزاره وكلامه ونازلة ضحك على الآخر. وتيجي عندي وتصدر لي الوش الخشب. هو فيه إيه بالضبط؟ "ولا هو عمر مختلف ولا إيه؟ أظن ما تنسيش نفسك. إنتِ هنا إيه؟
وعمر ده باشا من الباشوات. ياريت تخلي بالك من تصرفاتك كويس." كان لا يقدر كلامه. فكان هناك مطحنة بداخله. ولم يعرف أنه قال كلامًا لا يصح وأنه لا يقصد ذلك أبدًا. ولكن اشتعاله يأكله قلبه. وابتسامتها لعمر أحرقته. وهنا بدأت الدموع تتجمع في عينيها من بشاعة كلامه. وأحست بالوجع الشديد. وبدأت الدموع تجمع بشدة. ليحس أنه تهور وأخطأ بشدة. ولم يعرف كيف يتصرف. فانتظرها جعله يحس بالجرم والشناعة التي قالها. لتدفعه عنها وتقول:
"تصدق إنك واحد مش طبيعي. إنت إزاي تكلمني بالطريقة دي؟ وعمر مين ده اللي أنا ضحكت له وبضحك له؟ إذا كنت إنت ما بتشوفش أو بتشوف حاجات وهمية في دماغك ده يرجع لك مشكلتك. إنما تتجاوز معي بالشكل ده، لا إنت ولا غيرك يقدر يتكلم معايا بالشكل ده. إذا كنت فاكر إن أنا ممكن أفكر أبص لحد، اطمن يا بيه على بشواتك. لأن عمري ما أبص لحد." حط في دماغك. ونظرت إليه بقرف شديد:
"استحالة أبص لحد. فيا ريت ما تخافش أوي كده على بشواتك مني. لأن استحالة حد يخش دماغي ولا دماغي تفكر أصلًا لحد ما أموت. فحط ده في دماغك كويس قوي. بعد كده تلزم حدودك معايا. أنا هعديها المرة دي بس عشان تاليا. وكان ممكن أسيبلك الدنيا في لحظة. قسما بالله المرة الجاية مش هاسكت. دي إهانة وأنا مش قابلها منك ولا من غيرك. أنا لا يهمني بشواتك ولا يهمني حد ولا عايزاهم أصلًا. ولا بأفكر فيهم ولا هأفكر. مش أنا البنت اللي إنت فاكرها بالشكل ده."
وهمت أن تنصرف. ليمسكها ويهتف بمراضية وغلب: "يا آسيا، أنا ماكنتش أقصد. أنا كنت... لتقاطعه: "بس بس." ودفعته بعيدًا والدموع تتساقط من عينيها. وتركته وفتحت الباب بسرعة وذهبت إلى حجرتها. وأجهشت بالبكاء على تلك الإهانة. على أنها تجري وراء الرجال وهي لا حول لها ولا قوة. لتشعر بالقهر الشديد والإهانة. لأنها لم تفعل شيئًا له. هو بيعمل كده ليه؟ مش كان بقي حنين؟ دا بيتحول. هو فيه إيه؟ وأجهشت بالبكاء.
أما هو كان واقفًا ينهج بشدة، يشعر ببعض الألم وتأنيب الضمير عندما رأى دموعها. فهو لم يعلم ماذا حدث له عندما رآها تبتسم وتضحك على مداعبات صديقه. أحس بأن هناك بداخله شيئًا ليس مضبوطًا. وأن غضبه نار حارقة غير مبررة. وأخذ يفكر لماذا يفعل ذلك معها. وقلبه يؤلمه على تصرفاته الغريبة. وأنه جعلها تبكي وجرحها بشدة. ولكن كان هناك بعض الكلمات التي انتبه عليها منها. لأنها لا تبحث عن الرجال ولا تريد أن تدخل أحدًا في حياتها.
فظل يفكر لماذا؟ فهي امرأة رائعة وجربت حياتها قبل ذلك. فكيف لها أن ترفض وجود رجل في حياتها؟ ليستفسر ماذا فعل بها ذلك الرجل الذي كانت مرتبطة به ليوجعها بهذا الشكل ولتنقم على الرجال هكذا.
ظل طوال الليل يأكل في نفسه. وأنه أبكاها. وقلبه يؤلمه. حتى استسلم للنوم من كثر التعب والتفكير. أما هي فقضت ليلتها باكية. لا تعلم ماذا فعلت لتستحق كل هذا. فهي لا تقترب من أحد. وتبتعد عنهم كثيرًا. وكل علاقتها بتاليا. وأنها تتعمد أن تبتعد عن مراد بشدة. فهي تعلم أنه مصدر الألم لأي شخص حوله عندما يتحول. رغم أنها في الصباح كانت قد تعاطفت معه. وقلبها وجعها عليه عندما حكت لها السيدة حكمت عن حياته. وما فعلته به زوجته.
نامت آسيا وهي تبكي. داعية ربها أن يخفف وجعها وأن يخفف من أثقالها. فهي تألمت كثيرًا. ولا تعلم هل ستستمر حياتها دائمًا موجوعة أم سيأتي يوم لتشعر به ببعض الراحة بداخلها. وكل عزاءها أنها وجدت ضالتها المنشودة، تلك الجميلة الصغيرة التي تعشقها. وتصبر من قلبها على أي شيء. لأنها موجودة في حياتها. وأنها تتحمل أي شيء من أجل تاليا. التي أصبحت تعتبرها طفلتها الجميلة. فأصبحت تشعر بغريزة الأمومة تجاه تلك الطفلة. التي تغذي بداخلها شعورًا بالسعادة التي تفقدها. مع شعورها ببعض الخوف أنها إذا لم تحتمل تصرفات مراد. كيف ستفارق تلك التي أصبحت روحها.
في الصباح استيقظ مراد بعد أن قضى ليلة مؤرقة له لما فعله في آسيا. وأنه كان منفعلًا زيادة عن اللزوم. وأنه ليس من حقه أن يحاسبها على شيء لم تفعله من الأساس. لم تفعل شيئًا واتهمها بدون حق. وأحس فعلاً أنه أوجعها. وأحس شيئًا بداخله يتألم مع وجعها.
كان صباحه سيئًا. وكان مزاجه سيئًا. كل ذلك وهو لا يدرك حقيقة مشاعره. وأنها أصبح لها بداخلة مكان. ولكنه بعد لم يدرك ذلك ولم يصل إليه. ليجلس في المكتب مهمومًا. ثم ذهب إلى حجرة الطعام ينتظرها على أحر من الجمر. ليرآها ويرى كيف هي. كان يجلس منشغلًا وليس على ما يرام. وأمه تلاحظ أن هناك شيئًا بابنها. فسألته. ولكنها طمأنته عليه. لتدخل آسيا بطلتها الرائعة مع تاليا. لتجلس بهدوء. وقد ألقت عليهم تحية الصباح بهدوء. لينظر إليها
ويتفرس في وجهها. ليجد بعض الشحوب عليها. ويبدو عليها الإرهاق من عدم النوم. أحس فعلاً أنه أخطأ في حقها. ظلت تجلس في صمت. وكانت الأم تحاول أن تجعلها تختلط معهم. وتتكلم. ولكنها لم تكن قادرة على التجاب. وكانت تجلس في المكان بصعوبة شديدة. وما أن أنهت تاليا طعامها حتى استأذنت وذهبت معها إلى حجرتهما.
ليتأفف مراد ويترك الطعام. فلم يعد قادرًا على أن يصمد أكثر من ذلك. فاستأذن والدته ليذهب إلى عمله. وظل طوال اليوم مزاجه متعكرًا. قاطبًا وجه متعصبًا على أي شيء. ولا يعلم أن بداخله قد بدأت شرارة جميلة تجعله يريد قرب تلك الجميلة. وأن بداية تلك الشرارة هذه ليست إلا بداية لعذابات أخرى. ربما تنتهي بحياة رائعة. وربما تنتهي بعذابهم معًا. دخل عليه صديقه وعمر. ليجده مغمض العينين وعلى وجهه تعب السنين. يكشر عن جبينه.
ليبدأ في حديثه: "فيه إيه يا مراد؟ مالك النهاردة مش طبيعي ليه؟ إنت فيك حاجة النهاردة غريبة. فيه حاجة مضايقاك؟ ظل مراد صامتًا لفترة. ولا يعلم ماذا يقول له. ليتنهد بشدة وفتح عينيه وقال: "لأ، ما فيش. ما تشغلش بالك." ليصر عمر على إكمال الموضوع: "لأ، فيه إيه يا ابني؟ مش أشغل بالي إزاي؟ إنت مش شايف حضرتك عامل إزاي؟ وكل اللي داخل واللي خارج إنت مش طايقه. فيه إيه يا مراد؟ هنا هتف مراد وقال:
"مش عارف يا عمر. أنا امبارح عملت حاجة مضايقاني جدًا. لحد دلوقت مش عارف أنا عملت كده إزاي أصلًا." فقال له: "فيه إيه يا حبيب أخوك؟ إنت شكلك مش كويس. قول قول. أنا سامعك." فحكى له الجزء الذي اتهم به آسيا. وكيف صرخ بها وتهجم عليها. واتهمها أنها تبحث عن البشوات. وهي ليست هكذا. ولكنه لم يعرف لماذا قال لها تلك الأفعال البشعة. وأخبره عن هجومها عليه وصبرها الذي نفذ. وأنها تجلس فقط من أجل تاليا.
ظل عمر ينظر إليه بدهشة. غير مصدق أنه قال لها ذلك. وهتف بهمس: "إنت قلت لها كده بجد؟ نهار أسود. ليه يا مراد؟ هي ما عملتش حاجة خالص. ده ما فتحتش يا ابني بقها. ولما ضحكت ضحكة بهدوء. ودي نسمة يا ابني." هتف مراد: "ماهو ده اللي وجعني وقهرتي. أنا ما أعرفش إيه اللي جرالي. كنت عايز أطبق في زمارة رقبتها لما ضحكتلك." فهتف عمر بهدوء: "مراد، إنت حاسس بحاجة ناحيتها؟ ما هو إيه اللي يخليك تعمل كده؟
وبتجي عليها بالشكل ده. إلا ما يكون إنت حاسس بحاجة جواك." قطب مراد جبينه وظل يفكر وقال: "حاجة إيه دي يا عمر؟ لأ طبعًا ما فيش حاجة." فهتف عمر:
"لأ، فيه يا مراد. وفيه كتير كمان. إنت كنت غيران امبارح. إنت كنت مش على بعضك. بص جواك كويس وانت هتعرف إن فيه حاجة جواك. ممكن تكون مش قادر تعترف لها أو مش عارفها خالص. بس اللي أنا لاحظته امبارح إن انت كنت هتموت عليها. وهي مش حاسة بحاجة. وده اللي خلاك تنفعل عليها امبارح. إنت جرحتها قوي يا مراد. عشان انت ما كنتش مستحمل إنها تكلم أو تضحك مع أي حد. وهي أصلًا لا فتحت بقها ولا اتكلمت." وفجأة قال: "مراد، إنت بتحبها؟
فبهت مراد وفتح عينيه. وظل ينظر إليه بذهول: "إنت بتقول إيه؟ إنت اتجننت؟ حب إيه وزفت إيه؟ أنا بعد اللي جرالي ده كله أحب؟ لأ طبعًا ما فيش حاجة زي كده." فأردف عمر:
"ما هو مش بمزاجك يا مراد. الحب بيجي فجأة من غير ما يخبط. من غير ما يأذن. هو إنت أصلًا كنت حبيت أول واحدة عشان تعرف إنك دلوقتي بتحب. إنت جواك مشاعر يا مراد لآسيا. المشاعر دي مش قليلة. واجه نفسك وشوف إنت اللي جواك إيه بالظبط. ويا ريت ما تصبش غضب عدم معرفتك بمشاعرك عليها. لأنها بنوتة رقيقة. مش بتاعة لوع أو كيد. آسيا بسيطة وقريبة. وأكيد إنت تعرف كويس في الستات. بص جواك وحدد مشاعرك كويس. وعلى أساسها اتصرف. إنت من الآخر كنت هتموت عالبت. وهي في دنيا تانية. أسيبك دلوقتي وأشوفك بعدين."
خرج عمر بعد أن فجر بداخله حقيقة واضحة أنه فعلاً يكن لآسيا مشاعر كبيرة. ربما لا تكون حبًا. ولكن هناك مشاعر لها لا يعلم ماهيتها وليست واضحة أمامه. ولكنها موجودة وتشغل قلبه. فمنذ فترة وهناك شيئًا يطحن بداخله ويجعله يغلي. فقربها يشعله. وتجاهلها يشعله أكثر. ويريد قربها. ويتمنى منها بسمة. كان كل المشاعر تأتي أمامه. ليتضح أن بداخله قد تكونت لآسيا شيئًا كبيرًا. وهنا بدأ يفكر هل يضغط على نفسه ليقتل تلك المشاعر أم يترك نفسه لها. ليناله من الدنيا بعض الحب الذي لم يأخذه من زوجته السابقة.
ظل متخبطًا في مشاعره. ولا يعرف ماذا يفعل. وأحس بالتعب من كثرة التفكير. وتعب قلبه أيضًا. ما بين مريد ومعارض.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!