في الصباح دخلت أسيا صامتة متجهمة، يبدو على وجهها البكاء. فأحس مراد بالقهر ومدى شناعة ما فعله لها. وظلت تاليا تتكلم وهي لا تنطق، وتمنت أن يشدها ويذهب بها بعيداً. وفي لحظة أنهت فطورها هي وتاليا، لتستأذن مسرعة. فيقوم مراد على الفور وينادي عليها: "أسيا أنا كنت بس عايز أقولك... لتقاطعه: "معلش يا مراد بيه، أستأذنك، عندي شغل كتير. حضرتك أجل أي كلام من فضلك اللي هتقولهولي عن تاليا."
كانت تشد على الكلام، أو ليس له كلام إلا عليها. "أستأذنك معلش، تقوله لطنط حكمت عشان مش هينفع والله. ومعلش، أصلي مابحبش أقف في طريق حد. أستأذنك." وتركته، ونزل الكلام على قلبه شقة. أحس بالقهر، فهي كانت لانت قليلاً من جانبه، ليأتي كلامه البشع ليبعدها آلاف الأميال. ليذهب إلى عمله وهموم الدنيا تضغط على قلبه وتؤنب ضميره.
على الناحية الأخرى، قضت أسيا يومها. كانت تلعب مع تاليا، ولكنها كانت في وادٍ آخر. كانت متألمة من اتهامات مراد لها بأنها تبحث عن الرجال. كان ذلك الشيء يوجعها كثيراً وينغص عليها يومها، وهي آخر من يكون ليتهم بهكذا اتهام. ولكنها حاولت أن تتغاضى عن الأمر، وبدأت في اللعب ومشاركة تاليا في نشاطاتها. وكانت تاليا أصبحت كل حياتها، وأصبحت هي كل حياة تاليا. فكانت تشبعها حناناً وحباً لتعود تاليا مرة أخرى فتاة طبيعية تأخذ حناناً طبيعياً. فأسيا أصبحت أمها، تغدق عليها المشاعر والحب ولا تنتظر أي مقابل لذلك.
جاء المساء وجاءت، وجلست أسيا وتاليا مع السيدة حكمت. ليدخل عليهم مراد. لتقوم ابنته وتحتضنه بشدة، ويرى كم يشع وجه ابنته نوراً وكم سعادتها، وأنها في غضون وقت قصير أصبحت فتاة طبيعية لا ينقصها شيء. وذلك بفضل أسيا، التي كان يظن أنها ذات خبرة قليلة. ولكن المشاعر الجياشة لا تأتي من الخبرة، ولكنها تأتي من مدى وجود حب داخل ذلك الشخص. ليدرك مراد أن أسيا ليست أنثى كأي أنثى، وأن بداخلها كم حب شديد تغدق ابنته به. وكان مكافئتها في المقابل أن اتهمها اتهامات بشعة، وهي لا تستحق ذلك.
جاء وقت الطعام، وجلسوا جميعاً وهو يشعر بالخزي من منظرها. فهي لا ترفع وجهها من طبقها ولا تأكل من أساسه، وصامتة. كان يحس بالوجع ويريد أن يشدها ويأخذها بعيداً ليعتذر لها. كان هناك شيئاً يوجعه، لا يقوى أن تستمر معه هكذا. كان جمودها فوق الاحتمال. فكانت بادراتها البسيطة التي كانت مؤخراً تفعلها معه، كانت تلهب قلبه. كان يكتفي مما تجود به، كان يأكل نفسه.
"انبسط يا مراد، هي مش طايقة وش أمك، ورزعتك الصبح كلمتين يحرقوا الدم. بس أنت زبالة وتستاهل. بشوات إيه وزفت إيه على دماغك. هي بتستعنيك وتبصلك أصلاً؟ لما تبص لبشواتك يا حزين. أنت كنت مقهور وهبدت كلام زبالة زيك. طب أعمل إيه دلوقتي؟ دي قاعدة كأن حد مهددها تقعد. ده هاين عليها تطفش. يا نهار أسود، ده انت قلت كلام زي وشك العكر، هي ممكن تتطفش؟ ده أنا أموت. هتطفش البت يا طور. كنت بتنطحها ليه؟ عملت إيه؟
ده قاعدة قمر ومابتنطقش. منك لله، كل في نفسك بقى عشان تبصلك بصة تاني." وبدأت تاليا تتكلم عما فعلته طول النهار مع أسيا، كانت سعيدة جداً وكانت تتكلم كثيراً وبسرعة شديدة لكي تخبر والدها بكل شيء. فهنا قاطعها والدها وقال لها: "بالراحة يا تاليا، بالراحة يا حبيبتي. قولي كل اللي أنت عايزاه بس بالراحة. أنا عارف إنك مبسوطة وأسيا السبب." ونظر إلى أسيا، لعلها تنظر إليه وتستحق أننا نشيلها فوق راسنا.
"ده أسيا بقت حاجة كبيرة أوي في البيت." لتقطب جبينها. هل جن؟ ماذا به؟ لقد نعتها بالأمس بأشياء بشعة، والآن يقول هذا. ليبتسم ويقول: "وأنا سامعك يا حبيبتي." هنا صمتت تاليا قليلاً، ثم بدأت تتكلم بهدوء تخبره ماذا فعلت معها أسيا طول النهار. كانت أيضاً تخبره عن مشاكساتها لها وحبها الشديد. وفجأة نظرت إلى أبيها وقالت له: "بابا، هو أنا ممكن أطلب من أسيا حاجة وأنت توافق عليها من فضلك؟ استغربت أسيا وقالت لها:
"طب ما تطلبي يا حبيبتي، هو أنت طلبتي مني حاجة وأنا قلت لك لأ؟ لتنهض تاليا وتتجه إلى أبيها، لياخذها في أحضانه ويجلسها على قدميه، لتقول له ما جعل الجميع يتفاجئ. فقالت له: "بابا، ممكن عشان خاطري توافق إني أقول لأسيا يا ماما؟
هنا أحاط الصمت على الجميع. وهنا تخشبت جسد أسيا، وأحس مراد بالاندهاش الشديد، وابتسمت الأم ابتسامة حانية. وكان كل واحد في حاله. لم يعرف ماذا يجيب، ولم تعرف أسيا كيف تستكمل جلستها بينهم. لتقوم بسرعة تأخذ تاليا من والدها لتقول: "يلا يا حبيبتي عشان ميعاد النوم بتاعك جه وهنبقى نتكلم بعدين."
هنا قبلت تاليا والدها. كانت صغيرة بريئة وتحتاج إلى كل الحنان والحب، وعبرت عن حب أسيا لها بهذه الطريقة. لتذهب أسيا وهي تشعر بالحرج الشديد من أن يفكر مراد بأنها تريد ذلك وخططت لذلك. وهي تعلم أن مراد يفكر ليس مثل أي أحد. لتضع تاليا في السرير وتتمنى لها الخير وتذهب وهي متلبكة، ولا تعلم كيف تقضي ليلتها. كما قابلت السيدة حكمت وأوصلتها أيضاً إلى حجرتها. وتمنت لها الخير.
في مكان بعيد، كان ذلك البغيض أكمل يكمل يحاصر خالتها ويحرض العائلة عليها، وأنها هربت منه، وأنه يريد أن يرجعها. وكان رجال العائلة معه. كيف تذهب أسيا هكذا دون حتى أن تخبر أحداً. كانت خالتها سيدة ليست قوية، هي وزوجها، ولكنهم يتصدون لذلك الحقير. ليحاول بشتى الطرق أن يجدها. وكان يراقب خالتها ولكن دون جدوى. فذهب إلى بيتها وبدأ بتهديدها ومعه رجال من العائلة ليحاول أن يعرف مكانها. فهو مصاب بالجنون منذ أن رحلت. فهو يحبها بمرض، ولكنه كائن سادي مريض، لا يهتم إلا بنفسه.
ليدخل على خالتها وصرخ: "أنت يا ولية أنت، أنت تقولي لي من سكات كده؟ مخبية أسيا فين؟ لتهتف السيدة: "ماتتكلم عدل يا جدع أنت، وهخبيها ليه؟ ده هي راحت ترتاح بعيد عنك. وبكلمها في التليفون وماعرفش عنها حاجة." يصرخ: "أنت ولية كدابة، أنت أكيد عارفة هي فين. ماهو أنا مش مختوم على قفايا، أنطقي البت فين؟ لتصرخ به: "ماعرفش، ولو أعرف ما هقول لكش عشان أنت جاحد وجبروت. عايز منها إيه يا كافر؟ مش خلاص خلصتوا من بعض؟ ماتسيبها تعيش."
ليصرخ: "يا نهارك أسود، أسيبها تعيش؟ هي شايف لها شوفة؟ قولي كده بقى. والله لأكون قاتلها." ليتدخل زوج خالتها، وتحدث حالة من الهرج. ليتمكن الرجال من فصلهم. لتهتف خالتها: "اخرس، قطع لسانك ده. أسيا جارتك وتاج راسك. جاي ليه؟ عايز منا إيه؟ شبكة سودة وحلينها ليك. عندها إيه؟ كفاية سنين سودت عيشتها. لا بترحم ولا تسيب رحمة ربنا تنزل." ليهتف بغل: "ليا عندها إن راجل العيلة."
"طب بصي بقى عشان ويمين بالله ما هسكت. ومش أكمل الهلالي اللي يتساب بروح أمها. هجيبها لو في آخر الدنيا. عرفيها إني هجيبها يا ولية أنت، وهرجعها وهتبقى مراتي. إحنا بناتنا ما تروحش في حتة. ومش خلاص عمها مات، عيارها يفلت فيه عم تاني وتالت وفيه رجالة يقطعوها. خليكي مخبية وأنا هعرف مكانها بطريقتي. ما بقاش أكمل الهلالي إن مارجعتك يا أسيا يا بنت عمي." وخرج والغيظ يأكله. ليذهب إلى فيلته وأمه تنتظره. لتهتف:
"أنت مش هتتهدي إلا ما تجيب لنا مصيبة. ماهي غارت في داهية، بتدور عليها ليه؟ وتقوم رجالة العيلة." ليصرخ: "أسيا لازم ترجع، ماينفعش تعيش بعيد عن هنا. أنا مش قليل. افرضي شافتلها شوفة، هموت وأنقهر." لتهتف الأم بسخط: "يا أخي بقي شوفة إيه وزفت إيه؟ هي عادت هتهوب لمخلوق بعد اللي عملته معاها؟ خلاص بقى يا أكمل اعقل وانسى." ليصرخ: "أنت عايزاني أنسى أسيا؟ أسيا ماتتنسيش. وعايزاني أتفضّح صح؟ أنت ناويه على فضحتي؟
ماهو أنا لو مارجعتهاش هموت مفضوح. أكمل الهلالي من أكبر التجار في المنصورة. ينقهر ويتفضّح عشان حتة بت عيلة ماتعرفش حاجة. أنا نفسي أعرف الولية خالتها ودتها فين؟ طب يا أسيا، هوصلك وأجيبك وأرجعك، ساعتها ههدي. عشان تعيشي وتموتي هنا. أنا غلطت إني ضربتك وعملت كده. كنت سبتك متلقحة زي الكلبة، بس عيل غبي. بس خلاص، يمين بالله لهرجعها. والولية دي هعرف أخليها تنطق."
نعود لأسيا بعد أن ذهب الجميع إلى النوم. ولكنها كانت تشعر بخنقة من وضعها وما حدث معها. ولكنها لم تستطع النوم. ذهبت إلى الحديقة لتجلس فيها بعض الوقت لترتاح قليلاً وتهدئ من روعها. وهنا تذكرت خالتها، ورفعت السماعة وبدأت تكلم خالتها. كانت الخالة ملهوفة عليها وتسألها عن أخبارها. وهي تقول لها إنها بخير، وأنها قلقة عليها. لتخبرها أنها بدأت أن تعمل. لتبدأ الخالة تستفسر وهي قلقة على ابنة أختها. لتحاول أسيا ألا تخبرها بكل شيء، وتقول إنها سعيدة في عملها. ثم أتت خالتها على ذكر سيرة ذلك الحقير أكمل، لتقول لها إنه يأتي إليهم يومياً لكي يعرف مكانها، وأنه أصبح مجنوناً بها ويريد أن يرجعها بأي شكل. وتهجم عليهم هو ورجاله العائلة ويحارب إنه يلاقي أسيا.
كانت خالتها مرعوبة وتقول: "ده كان زي الطور الهائج، وجوزي مسك فيه وكانت فضيحة. ولم علينا الخلق وحالف يلاقيِكِ. اللي منه لله، ده وعايز يرجعك." أحست أسيا بقبضة في قلبها، ولم تحس بذلك الذي اقترب منها وظل واقفاً يستمع إلى ما تقوله. فبدأت تهتف بقهر وتستنكر كلام خالتها، لتقول: "هو عايز مني إيه يا خالتي؟ مش كفاية اللي عمله فيا. هو عايز مني إيه؟ يسيبني في حالي بقى وينساني؟
حسبي الله ونعم الوكيل فيه. أنا كرهت الدنيا بسببه. نسيت يعني إيه دنيا أصلاً. يبعد عني، ما يسيبني في حالي ليه؟ سنتين من العذاب عذبني فيهم. منه لله على اللي عمله فيا. عشان خاطري يا خالتي، أوعي تقولي ليه أنا فين. أنا مش ممكن في يوم من الأيام إني أرجع له. ولو حصل ممكن أموت نفسي. ده مش بني آدم يا خالتي. صحيح أنا مش فاهمة، هو ليه لسه لحد دلوقتي حاططني في دماغه؟
قولي له يا خالتي، هي بتقول لك ابعد عنها. من رابع المستحيلات ترجعلك. أنا أهون علي إني أموت نفسي ولا إني أرجعلك. أنا أصلاً سعيدة باللي أنا فيه، وهاعيش عمري كله كده." "يا خالتي، ده أنا سنتين ماشفتكيش. حابسني ضرب وإهانة ووجع وغلبت أترجاه يطلقني. إنما هو جبروت. طب أعمل إيه؟
وهو عارف إني ماينفعش أرجع ولا هرجع. سنتين موتني هو وأمه. موت سنتين ذل ومرمطة. لما كرهت نفسي والله يا خالتي، كرهت الدنيا. مش عايزة حد يخش في حياتي، ولا عايزة أخش في حياة حد. وصدقيني يا خالتي، مش عايزة صنف راجل في حياتي. كفاية قوي اللي حصل ليا من أكمل."
كان يسمع ذلك كله ويحس كلماتها التي تقطر ألماً، ويستعجب ويتساءل كيف فعل بها ذلك الحقير كل هذا. لتحس بكل ذلك الألم ويجعلها تكره الرجال بشكل عام، وأن تقسم ألا تدخل رجلاً في حياتها. كيف تجرأ على أذية ذلك الملاك؟ هل كان يؤذيها ويضربها ولا يفعل شيئاً آخر لتكرهه هكذا وتكره معه صنف الرجال؟
أحس بالوجع بداخله عليها وعلى كلماتها، وأحس أنه يريد أن يحتضنها ويطبطب على آلامها. وهنا قد وعى تماماً أن بداخله يكن لها مشاعر جياشة، ظهرت الآن بعد تلك الكلمات التي سمعها وبعد أن أحس بألمها. أراد أن يطبطب على روحها وأن يقترب منها، ولكن لا يعرف كيف يفعل ذلك، وهو من آلمها بالأمس. واليوم تخبر خالتها أنها لن تقترب من أي رجل. فإذًا سيفعل.
ظلت تكلم خالتها بعض الوقت، ثم أغلقت المكالمة وبدأت تبكي. ليحس بوجع شديد بداخله. ليقترب منها وهي في دنيا غير الدنيا، ليهمس بحنان بجوارها ويقول: "أسيا، أنت كويسة؟ لتشهق متفاجئة بوجوده، لتمسح دموعها على الفور وهي تشعر بالارتباك الشديد من وجوده، لتقول له: "أنا كويسة، ما فيش حاجة." وتحاول أن تترك المكان.
ليقف أمامها، لتستعجب من فعلته، لترفع عينيها إليه، لينظر إليها ليجد تلك اللآلئ في عينيها والألم واضح. ليحس بنغزات في قلبه. لتحاول هرب منه ومن نظراته الفاحصة الحانية، لتقول له مرة أخرى: "تصبح على خير." وتحاول أن تتجنبه، ولكنه وقف أمامها مرة أخرى، لتنظر إليه باستغراب. ليبدأ في الكلام ويقول: "على فكرة، أنا مدين لك باعتذار." فنظرت إليه بذهول. فهتف بحنية شديدة: "أنا آسف على اللي عملته امبارح."
نظرت إليه غير مصدقة على ما قال، فهو ليس ذلك النوع الذي يعتذر بسهولة، وكانت غير مصدقة. وهنا أكمل كلامه وقال: "أنا آسف إني اتعديت حدودي معاكي امبارح، وآسف على الكلمات اللي أنا قلتها لك، وآسف مرة ثانية على إنك قضيتي ليلة سيئة بسببي. بس صدقيني، أنا ما كنتش أقصد حاجة وحشة، ولا عمري أفكر فيك بطريقة مش كويسة. بس أنا كنت متعصب امبارح، يا ريت تسامحيني. والله يا أسيا، أنا ما نمت من ساعة ما قلت الكلام السم ده. بس...
بس كان بيني وبين عمر مشكلة كبيرة وأنت اللي جت فيكي. ده انتي نوارة البيت والله، ولا أقدر أنطق عليكي بكلمة. مش هقول لك عشان خاطري ماتزعليش مني، لا هقول لك عشان خاطر تاليا، وحياة تاليا ماتزعلي. ولا أقصد ربع كلمة والله، ده انتي تتشالي على الراس."
لم تصدق أذنيها أن مراد ممكن أن يصدر منه ذلك الكلام، وأن تلك الكلمات الحانية تأتي من داخله، وأن اعتذاره كان صادقاً وحانياً. وصل لقلبها، وهي التي كانت تظنه بلا مشاعر. فلاح على وجهها ابتسامة خفيفة، ولانت ملامحها وقالت: "صدقني خلاص، ما فيش حاجة. ومتشكرة على كلامك ده."
حاولت أن تمشي مرة أخرى، ولكنه كان واقفاً أمامها كحائط صد. فهي لا تفهم لماذا لا يفتح لها الطريق، وهو أيضاً لا يعلم لماذا يقف أمامها، فهو يريدها أن تكون أمامه ولا يريدها أن تتركه. ففي داخله شيئاً يريد بشدة أن يبقى بجوارها. وما أن تذكر كلام ابنته تاليا، وقال لها: "بالنسبة لتاليا بنتي انهارده... فقالت له مقاطعة، وهي تحس ببعض الخوف:
"أنا أول مرة أعرف إن هي هتقول كده، وما حسيتش قبل كده إن هي ممكن تقول كده. وعارفة إن هو ممكن ده يسبب مشكلة لك. إحنا ممكن نفكر بطريقة إزاي نخليها تنسى الموضوع ده. أنا مش عايزة أأذيها، وعارفة إن حضرتك مش هتوافق على حاجة زي كده. وطبعاً معاك حق، وإن ما ينفعش إن هي تفكر بالطريقة دي. وأنا أصلاً ما قولتلهاش أو ما عملتش أي حاجة تخليها تقول أو تفكر بالشكل ده."
ظلت تبرر له، وهو يبتسم بهدوء. لأنها لا تفهم شيء. فهو فعلاً أحب الكلمة من ابنته. فقال بهدوء: "ومين قال لك إن أنا زعلان أو متضايق اطلاقاً؟
أنا سعيد إن بنتي أخيراً حست ووجدت وشعرت بمشاعر الأمومة. أنا عارف إن الموضوع مش سهل، بس أنت فعلاً اديتيها كل اللي كان ناقصها، وده أنا مش عارف هرد لك إزاي. بالنسبة إنها تقول لك كده، دي مش حاجة هتضايقني خالص. بالعكس، هاكون سعيد إن بنتي سعيدة. بس أنا عارف إن أنت اللي هيبقى صعب عليك إن هي تقول لك كده، وأنت مش دايمة في حياتها عشان يوم ما تبعدي عنها هي هتتوجع وتتألم، وأنا مش عايز بنتي تتألم." فهتفت بلهفة وأبعدت عنه: "ليه؟
هو حضرتك ناوي تمشيني ليه؟ أنا ما عملتش حاجة غلط ليها. وأنا تاليا بالنسبالي بقت روحي، حاجة كبيرة. ليه حضرتك عايز تمشيني؟ وبدأت الدموع تتجمع في عينيها. ليسرع بلهفة بالقول: "لا، أنت فاهمة غلط. أنا عمري والله ما هعملها أبداً. بس أنت اللي ممكن تقرري في يوم إن كده كفاية. الإنسان بيتغير يا أسيا، ما فيش حاجة بتدوم." فهتفت مسرعة:
"حضرتك، أنا هفضل شغالة وهفضل جنب تاليا لحد آخر يوم في عمري. ليه حضرتك تفترض إن أنا ممكن أبعد عنها؟ أنا ما أقدرش أبعد عن تاليا، صدقني." قطب جبينه وقال: "يا أسيا، ما حدش بيستمر مع حد العمر كله. أنت أكيد في يوم من الأيام هتبعدي، وممكن تتجوزي، ممكن يحصل أي حاجة. فإيه اللي يخليني أضمن إن أنت تفضلي مع بنتي طول العمر، وبالتالي تقول لك الكلمة دي؟ فهتفت بسرعة:
"أنا عمري ما هبعد عن تاليا. أنا مش قصدي إني بقول لك الكلام ده إني عايزها تقول لي يا ماما. لا، هي لها أم. بس أنا بحب أفهم حضرتك إني مش هبعد عنها، ولا في نيتي أبداً إني أبعد عنها. أنا هفضل معاها لأني ارتبطت بها. أما الموضوع اللي أنت بتقول عليه الجواز والحاجات دي، فده شيء عمره ما هيحصل. أنا جربت حظي في الدنيا مرة، من رابع المستحيلات إن الموضوع ده يحصل مرة ثانية. فحضرتك تطمن كويس إن أنا مش بعد سنة أو اثنين ولا عشرة هاسيب تاليا. هي هتفضل جوه قلبي، جوه عيوني. لـ ما شاء الله. ده أنا أموت لو سبتها. ده أنا اللي هوصلها لعريسها."
أحس هو من كلماتها بالراحة الشديدة، وكم من الحب الموجود بداخلها، وأنها تستحق فعلاً حب تاليا إليها. واطمأن بشدة لوجودها في بيته، وأحس براحة أنها لا تفكر بالزواج أو أن تبتعد عنه. ليبدأ من داخله يدرك أنها تمكنت من دواخله، وأن حنيتها وروحها الجميلة تغلغلت بداخله. ولكن ترن في أذنه تلك الكلمة، أنها لا يمكن أن تتزوج أو أنها تدخل رجلاً إلى حياتها أو تكون لرجل. ليدرك أنها تفكر فقط في تكريس حياتها لتاليا، ولا تفكر في شيء آخر. بينما هو بدأ يفكر فيها، وبداخل نفسه تقرر شيء آخر عما تريده أسيا. وتنوي أن تفعله.
وقف أمامها وابتسم ابتسامة رائعة، وظل ينظر إليها، لتشعر بالخجل الشديد من نظراته. فهذه أول مرة ينظر إليها نظرات حانية مختلفة، تشعرها بالخجل. لتنظر إلى الأرض ولا تستطيع أن ترفع نظرها من قوة نظراته التي يتضح فيها مشاعره. وهنا قال: "أنا مقدر كلامك كويس. مش لاقي وصف معين يليق بك أنت يا أسيا. أنت رجعت الروح في البيت ده. أنت جواك مشاعر جميلة اديتها لبنتي، وأنا مش هقدر أوفيك حقك. وثاني بعتذر لك عن اللي حصل مني قبل كده."
هنا تلبكت أسيا وأكملت أن تقول له: "بالنسبة لموضوع تاليا، أنا هعرف أتصرف فيه عشان ما ينفعش هي تقول لي يا ماما، ومامتها موجودة في الحياة، وأنا بالنسبة لها لا شيء. صحيح أنا بحبها وهي بتحبني، بس كلمة ماما دي مش رابط بيني وبينها، لأن ما فيش رابط بيني وبينها. فـ أنا هعرف أخليها تنسى الموضوع ده."
فاستأذنت منه ورحلت، وقلبها يخفق بشدة، ولا تعلم ماذا حدث لها من تلك النظرات التي كان ينظر لها، وكلماته الحانية. فكان مختلفاً، فليس هو مراد الحاد الذي يغرس كلماته البشعة بداخلها، ولكنه كان شخصاً آخر ينظر إليها بطريقة لم تعهدها، ويتكلم بحنية شديدة. وكان متفهماً ومراعياً بشكل كبير. أحست بشيء بداخلها يتحرك، ولكنها لم تكن أبداً لتدرك أو تصدق أن ممكن أن يكون بداخلها مشاعر له. ولا يمكن أن تتصور ذلك، فكل اعتقادها أنها ليس مقدر لها في اعتقادها أن تفكر مرة أخرى أن يكون لها مشاعر تجاه أي رجل، أو أن تفكر من الأساس في أي رجل. فهي ليست تلك المرأة السوية التي يمكن أن تحب وتُحَب وتعطي مشاعر. ليس مقدر لها أن تدخل رجلاً لتعذبه مرة أخرى وتعيد مأساتها مع أكمل.
ذهبت وتركتها في حال مع نفسه، ودخلت حجرتها، وظلت طول الليل تفكر به وتنهر نفسها وتحاول أن تكبت أي مشاعر تتكون بداخلها. ولكن الحب والمشاعر لا تستأذن عند الدخول، فهي تتسلل لداخل الإنسان دون أن يشعر، لتنام ليلتها مرهقة، وهي تظن أنها مجرد لخبطة من تناقض تصرفاته، وأنها لا تشعر ولا يمكن أن تشعر تجاهه بشيء.
ذهبت أسيا وتركته محرجة، وظل هو لفترة يجلس في هدوء مغمض العينين يفكر بها وبكلامها، ويرى كم هي جميلة، ساحرة، فاتنة. سرح بعيداً وأحس بالفرق الشديد بينها وبين زوجته. فزوجته كانت محبة لنفسها، لا تهتم بأحد. لا تسعى إلا للمال والسلطة ورحلاتها ومجونها. لدرجة تخليها عن طفلتها، طفلة بريئة لا حول لها ولا قوة. كانت مثال لأسوأ وصف لامرأة.
أما تلك الجميلة، فكانت مثال للتفاني والحب. كانت رائعة، محبة، فتاة خيالية ليست من هذا العالم، تشع حباً ونوراً. وخاصة مع تاليا، كمصباح وهاج لا ينطفئ نوره. لتعشقها ابنته عشقاً. كان مغمض العينين ومبتسماً وهو يفكر في كل الصفات الرائعة التي تتسم بها. كان يعلم أن قلبها يسع العالم حباً، وأنها تمتلك قلباً يكفي لإغراقه في المشاعر الجياشة. ليتنهد ويقول في نفسه: "إيه يا مراد؟ أنت ما بقيتش طبيعي؟ أنت بتفكر فيها كتير ليه؟
وآخرته إيه اللي أنت بتعمله ده؟ أنت فاكر أنت لما تفكر فيها وتخش دماغك وتتغلغل جواك هيحصل إيه يعني. واحدة بالشكل ده والظروف دي وبالتفكير ده هتفكر فيك. بتوجع قلبك بإيدك ليه تاني؟
اهدي على نفسك. أنت تلاقيَك متاثر بس بحب بنتك ليها ومشاعرهم مع بعض. حتى لو حصل وده مستبعد، يا مراد، مش أنت اللي تجري ورا مشاعرك. لو حصل.. هي عمرها ما هتفكر فيك. لو واحدة في غير ظروفها كانت سهلة. إنما أنت سمعتها وحسيت بكل اللي جواها. استحالة تقرب. دي نسيت أصلاً يعني إيه ست ورجل. نسيت ورفضت إنها تدخل راجل في حياتها. أنت هتعمل إيه عشان تدخل حياتك؟ وهتدخلها إزاي؟
أنت بعيد أوي، وخصوصاً بدايتك معاها كانت قاسية. شوف نفسك وراجعها يا مراد واجمد. أنت مش حمل مناهدة. بنتك يا مراد وبس. غير كده أنت خلاص خدت نصيبك، حتى لو هي أحسن ست في الكون. أنت مالكش في المشاعر والكلام الفارغ ده." فتحدث قلبه: "بس مش عارف، قلبي بدأ يدق ليها ليه كده؟
ممكن يكون إعجاب. ممكن يكون مشدود ليها من جمالها. بس أنا عارف إن جوايا حاجة عايزها بشدة. معرفش هو إيه. أنا فعلاً عايزها وبغير عليها. ما هو ده مالوش إلا تفسير واحد. ده إيه العذاب ده؟ أنت وبنتك يا مراد. وهيا عشقت بنتك وهترفضك. ولو قربت ممكن تقتلك. ده كانت هتقتل خالتها على التليفون. أعمل إيه طيب؟
أنا شايفها ست وبس، مش شايف أي حاجة غيرها. وقلبي ملهوف يشوفها. مش عارف أفكر. بس ماينفعش يا مراد، وأنت أصلاً قاسي وجامد. مش ليك السكة دي يا مراد. وخصوصاً إنك قسيت عليها جامد، وهي كمان بتخاف منك. يا رب، ما عدت عارف غير إني فعلاً عايزها جنبي، بس أكيد ده عشان بنتي. أيوه صح، يا مراد، أنت نفسك تبقى جنبك عشان بنتك ماتتوجعش. أنت كل همك بنتك، بلا مشاعر بلا هبل. مش مراد الشهاوي اللي يتهز أو ينخ ويتنازل ويجري ورا واحدة معقدة أصلاً ومش هتديه فرصة. اعقل يا شهاوي واعرف حجمك. أنت كبير بنفسك ومش محتاج حد. فاهم؟
ولو حصل هيبقي لبنتك وبس. ولازم تعمل حاجة تخلي بنتك ما تتأذاش." وجلس يفكر وتاه في عالم لوحده. وهنا جاء في عقله كلماتها وهي تكلمه عن تاليا: "مش ممكن تقول لي يا ماما، لأن ما فيش رابط بيني وبينها."
ظل يفكر ويفكر، وبدأت الفكرة تتضح في عقله وتتغلغل. وبدأ يشعر بالتخبط ما بين "آه" و"لا". وظل متردداً، إلا أن استقر أخيراً على شيء ليشعر بالارتياح، وأنه وصل إلى قرار معين سيضعه أمام عينيه وهدف لحياته. بدأ يبرر أنه سيفعل ذلك من أجل ابنته، وأن يحفظ لها سعادتها بأي شكل، حتى لو بالإجبار والتحايل. وهو سيقدم على ما قرر لنفسه، وداخله الذي يريدها بشدة. فهو لا يعلم بعد ما بداخله، ولا يعرف ما هو. فأراد أن يسعد ابنته، رغم أن ما قرره شيء صعب جداً. ولكنه هو شخص لا يعرف معنى المستحيل.
ذهب إلى النوم وأحس أنه أمامه ملحمة سيخوضها ليست هينة. وظل يفكر طوال الليل كيف سيصل إلى ما قرره، وكيف ستكون طريقة الوصل مستحيلة. ولكن داخله ينهشه أن يعافر ليصل لما قرر، حتى غلبه النوم من كثرة التعب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!