الفصل 36 | من 48 فصل

رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم سولييه نصار

المشاهدات
20
كلمة
5,807
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 75%
حجم الخط: 18

بتقول إيه؟ قالها شريف بنبرة مرتفعة وهو ينظر لعدي الذي ارتدى على وجهه قناعًا من الجليد. هز عدي كتفه وقال: إيه بقول إيه غريب؟ بقولك تجوزني عبير وتكتب البيت ده بإسمي. إيه ده، أنا هكون صهرك حتى. مفروض متستخسرش فيا حاجة. إنت مجنون... مجنون! ابتسم عدي باستفزاز وقال: أنا فعلًا مجنون. وممكن بسبب جناني ده أقول للشرطة كل حاجة وتتحبس إنت والحلوة اللي خدعتني. ووريني بقا إيه هيحصل فيك في السجن يا شريف بيه.

هتحبس البنت اللي حبيتها؟ قالها شريف بخبث. كان يريد أن يلعب على الوتر الحساس بداخل عدي، ولكن عدي ابتسم في وجهه ببساطة وقال: مشكلتك إنت والنصابة اللي افتكرت إنها ممكن تخدع عدي رشيد إنكم فاكرين إني غبي لدرجة أحب واحدة زيها. لا يا شريف، هي اللي كانت غبية وحبتني وعشان كده وقعت في الفخ وقالت على كل حاجة. ابتسم باتساع وقال: ببساطة يا شريف، إنت صباعك تحت ضِرسِي دلوقتي. لو منفذتش اللي أنا عايزه هتتسجن. إنت عايزني أديلك بيتي؟

ابتسم عدي بدهشة وقال: لازم أعترف إن من بين كل الناس اللي قابلتها، إنت الأسوأ والأحقر. بقا يا راجل مش خايف على بنتك مني وخايف على بيتك؟ يعني دي المشكلة إنك مش عايز تديني البيت اللي إنت عايش فيه. بس بنتك عادي صح؟ احمر وجه شريف من الانفعال وشعر أنه عاجز عن التكلم تمامًا. كان عدي يتأمله بتشفى. هذا الرجل يستحق كل ما يفعله به. إنه حقير من الدرجة الأولى.

موافق أجوزك بنتي وأديلك البيت بس بشرط. بما إن بنتي عبير هتكون مراتك، تكتب البيت بإسمها هي. ابتسم عدي وقال بدون تردد: موافق جدًا. لما نتجوز أنا وهي، هكتب البيت بإسمها ومتقلقش يا شريف، أنا بحافظ على كلمتي كويس. رجّع بنتك البيت وصلّح الهبل اللي إنت عملته فيها وفي جواهر. ولما تتنازل عن البيت، كلمني عشان أديك الشيكات. ابتلع شريف ريقه وهو يسمع نبرة عدي المتسلطة. كان هو في موقف لا يُحسد عليه. كل شيء انهدَم على رأسه.

انسحب عدي من أمامه وذهب وابتسامة شريرة للغاية تجمل شفتيه. بينما جلس شريف وهو يشعر بالدوار. يا رب، ما تلك الكارثة؟ هل ستخلى عن منزله؟ تنهد وهو يفكر أن ليس أمامه إلا هذا الحل. ولكن على الأقل هو لديه بديل آخر. المهم أن يحصل على الشيكات من عدي ويزوجه ابنته، وبهذا سوف يرتاح ويبدأ من جديد. خرج عدي من منزل شريف وأجرى اتصالًا بأحدهما، ثم انطلق مسرعًا بسيارته. بعد نصف ساعة تقريبًا.

كان قد وصل إلى قصره. وأمام البوابة كانت تقف جواهر تنتظره. خفق قلبه بقوة وهو يراها. شعر وكأن العالم يدور به وشكر ربه كثيرًا أنه يرتدي نظارة ليخفي مشاعره نحوها.

خرج من السيارة وهو يسير نحوها بخطوات ثابتة. توقف أمامها ولم ينزع نظاراته، وترك لنظراته حرية التجول على ملامح وجهها باشتياق. لقد اشتاق إليها. كل ما أراد فعله الآن هو أن يجذبها إليه ثم يعانقها ويقبلها. أراد أن يعاتبها، يصرخ بها. الغضب والاشتياق كانا يمتزجان معًا بداخله. خير، عايزة إيه؟

كلماته كانت جافة بطريقة أفزعتها. تصاعدت الدموع لعينيها وهي تنظر إليه باشتياق. لقد أخبرت نفسها أنها ستتركه وشأنه وتلتفت لحياتها. حتى أنها رفضت الرد على اتصالات عبير وشريف. ولكنها فشلت في أن تقاوم الحضور إليه وإخباره الحقيقة، لعله يتفهم، لعله يغفر. ولكن يبدو من نبرته الجافة أن تلك كانت فكرة سيئة للغاية.

ابتلعت ريقها وهي تحاول أن تجمع الكلمات، ولكنها كانت تشعر أن الكلمات تتناثر من فمها. كانت تهابه الآن. تخاف أن تقول شيئًا خاطئًا فينْفَجِر بوجهها. سمعت قلبها يدوي داخل صدرها وهي تنظر إليه بعجز. ترغب في الكلام فلا تستطيع. تمنت أن ترى عينيه الآن لتعرف هل أثرت به أم لا، ولكن للأسف كانت عيناه متوارية خلف نظاراته القاتمة. كان يصعب عليها التواصل معه وهو متباعد بتلك الطريقة. ها، كنتِ حابة تقولي إيه؟

أكيد مش جاية عشان تتأملي جمال! نبرته كانت ساخرة، واستطاعت سماع المرارة بصوته. أطرقت وهي تقول بخفوت أخيرًا، بينما تشعر بقلبها يعتصر من الألم: كنت جاية أتكلم معاك؟ ممكن تديني دقيقة من وقتك؟ ما زال محافظًا على جموده رغم الضجيج الذي بداخله بسببها، إلا أنه رفض تمامًا أن يجعلها تعرف أنها تؤثر عليه بتلك القوة. ليه؟ حابة تتكلمي معايا ليه يا آنسة جواهر؟

إيه في كذبة جديدة من كذباتك اللي مبتخلصش نسيتي ما تقوليها وجاية تقوليها دلوقتي؟ إيه، عايزة تخدعيني تاني؟ شريف باعتك المرة دي ولا قررتي تمشي من دماغك؟ عندي فضول شديد أعرف يا آنسة جواهر.

كانت الدموع تتساقط من عينيها وهو يكلمها بتلك الحدة. أرادت منه أن يتوقف الآن، فالألم كان يعصف بها. إنها تشعر بالذنب بسببه. لم ترغب أن تجرحه بتلك الطريقة. ولكنها أحبته ولا يمكنها أن تنسحب من حياته بتلك البساطة دون أن تحارب قليلًا ليسمعها. يجب أن يسمعها. يعرف لماذا فعلت هذا.

مش جاية أخدعك. أنا لو كنت حابة أخدعك يا عدي، ما كنتش بنفسي قلتلك الحقيقة اللي إنت بنفسك مخلتنيش أكمل باقي الحقيقة. مدتنيش فرصة أقولك ليه أنا عملت كده، واستنتجت فورًا إني عاشقة شريف. أنا عايزاك تسمعني يا عدي. صدقني أنا عملت كده عشان... ولكنه قاطعها ببرود وقال:

مش مهتم أسمع حاجة. ولا عايز أسمع أي تبرير منك. كان عندك بدل الفرصة عشرة عشان تقوليلي الحقيقة، بس إنتِ اخترتي تبقي كدابة. اخترتي الخداع، فمستنيش مني إني أثق فيكي وأسمعك تاني. ولا أرجعك لحياتي. إنتِ زي كارمن، طردك برا حياتي ومستحيل أرجعك. اتفضلي امشي من هنا بدل ما أهينك. مش حابب أعمل كده. امشي لو سمحتي. عدي... عدي بس اسمعني. قالتها بنبرة مختنقة ودموعها تنسكب من عينيها دون توقف، ليصرخ بها:

قولتلك امشي من هنا. امشي يالا. مش عايز أشوف وشك تاني. مش طايقك. يالا روحي. تراجعت بصدمة وهي تشهق. تشعر بألم كبير في قلبها. كانت أن تأتي لهنا فكرة سيئة للغاية، فعدي لن يصدقها. لن يعطيها فرصة أبدًا. هي بالنسبة له مثل كارمن، لا تختلف عنها بشيء. نفس الخداع عبر نفس الرجل. ليتها لم تفعل هذا. ليتها لم تحطم قلبه. أنا آسفة يا عدي. آسفة. قالتها وهي تهم بالذهاب، ليقول هو بنبرة قوية:

بالمناسبة، جوازي على عبير الحقيقية قريب أوي. لو حابة تيجي تعالي. وكانت تلك ضربة موفقة منه لقلبها، فهي شعرت أن قلبها يتفتت لمائة قطعة. عايز أشوف بنتي. قالها شريف بنبرة جافة لتحية التي تنظر إليه باشمئزاز. كان متضايقًا من نظرات تلك المرأة، إنها دائمًا تشعره أنه ندل. اتفضل يا بابا. كان هذا صوت عبير الهادئ، تسمح له بالدخول. نظر شريف إليها ودخل مقتربًا منها وهو يقول: حابب أتكلم معاكي. لوحدنا يا عبير لو سمحتي.

رفعت تحية حاجبيها ولكنها لم تعلق، بل ولجت هي وطفليها إلى الغرفة غير مهتمة أبدًا بأن تضايفه، فهو رجل فظ لا يستحق أي شيء. بعد أن ولجت تحية لغرفتها هي وأطفالها، جلس شريف على الأريكة وقال: اقعدي يا عبير. كلامنا هيطول. جلست عبير بالفعل على الأريكة ونظرت إليه بحيرة وقالت: اهو قعدت. حضرتك عايز إيه؟ حاسبي على طريقة كلامك معايا يا بيري. ضغطت على أسنانها بغضب. لن يتغير. حقًا لن يتغير. تنهد وهو يبدأ الكلام:

على العموم، مش موضوعنا خالص طريقة الكلام. خلينا منشتتش نفسنا أكتر من كده، عشان في مصيبة مستنياني ومستنية حضرتك والعبقرية جواهر اللي بس لما أشوف وشها هعرف أتصرف معاها على اللي هببته ده. ارتبكت عبير وهي تنظر إليه. تصاعد التوتر داخلها، بينما هو ينظر إليها بتوتر مماثل ويقول: آنسة جواهر قالت لعدي الحقيقة. قالتله كل حاجة يا عبير. أنا في ورطة وهي كمان في ورطة.

تصنعت عبير الصدمة بمهارة على ملامح وجهها. وضعت كفها على فاها وهي تنظر إلى والدها. تنهد شريف طاردًا توتره وقال: عارفة ده معناه إيه يا بيري؟

معناه إني أنا هتحبس ومش بس أنا، دي جواهر كمان هتشرف معايا في السجن. يعني أنا وهي هنبقى رد سجون. وكله بسبب تخلفها. أنا معرفش كان عقلها فين لما قالتله الحقيقة. البنت دي طلعت غبية أوي. أكيد حبته بدل ما تخدعه. نفس غباء كارمن. مكتوب عليا إني كل ما أبعت واحدة لعدي رشيد عشان تخدعه، بدل ما تخدعه تحبه.

كان يتكلم بنزق وهو يشعر بالغضب الشديد من فشله المتكرر. فلولا أن كارمن انكشفت أمام عدي واعترفت له بكل شيء لأنها تحبه، لكان الآن عدي تدمر. وجواهر ارتكبت نفس الخطأ الشنيع. في المرة القادمة سوف يبعث رجلًا له ليتأكد أنه لن يقع بحبه. وهتعمل إيه دلوقتي؟ قالتها عبير بقلق، ليرد شريف بسرعة:

عدي جالي النهارده يا عبير. جالي وهددني وباين إنه ناوي على شر. بس أنا مش خايف على نفسي المرة دي يا بنتي. أنا خلاص تبت وعايز أصلح غلطي حتى لو هتحبس. صمت قليلًا ونظر إليها ليرى تأثير كلماته عليها، ولكنه وجدها شاردة، فأكمل بوداعة أكثر:

أنا خايف المرة دي على جواهر. صحيح هي غبية أوووي، بس مش هيهون عليا أنها تتحبس. المسكينة أمها تعبانة ولو عرفت إن بنتها هتتحبس في قضية تزوير، ممكن تموت فيها وكده جواهر هتخسر كل حاجة يا بنتي. خسارة والله. عندما رأى الخوف في عيني عبير، ابتسم داخله بانتصار وقال: بس عدي بيه قالي حل تاني يا بيري. حل ممكن ينقذ المسكينة جواهر من اللي هيحصلها وينقذني كمان. إيه هو الحل؟ أجاب على سؤالها بسرعة وقال:

هو عايز يتجوزك لسه. أنا حاولت أفهمه إن ده مينفعش وإنك مش عايزاه وأنا مش هرتكب الغلط ده تاني. كفاية العك اللي حصل والمشاكل الكتير اللي إنتِ واجهتيها بسببي. مكنتش مستعد أضحي بيكي لأني فهمت إن اللي عملته أكبر غلط. بس هو قالي ده الحل الوحيد قبل ما يبلغ الشرطة عني ويقول إن عبير صديقة اللي اتجوزها أصلها جواهر، وإن دلوقتي متجوزك قانوني بس واحدة تانية كانت عايشة معاه في البيت.

عدي عشان اتخدع من جواهر دلوقتي متعصب ومستعد يعمل أي حاجة عشان ينتقم منها. وأنا بحاول أوقفه. لدرجة إني اترجيته. ولما قال إنه عايز يتجوزك، اترجيته أكتر عشان يبعد عنك. أنا عارف قد إيه عدي إنسان مش كويس. وهو قالي كده عشان لما أرفض يحبسني. وأنا والله يا بيري مش مشكلتي أبدًا إني أتحبس. أنا خايف على المسكينة جواهر. طيب لو حصل واتجوزت عدي، إيه اللي هيحصل؟ قالتها عبير فجأة بنبرة شاردة، لينظر إليها والدها بسرعة ولهفة.

كان قلبه يدوي داخل صدره من الحماس. هل سينجح في مهمته أخيرًا! كاد يرقص طربًا لأنه أخيرًا استطاع إقناعها، ولكنه يجب أن يكمل مسرحيته للآخر. فها هي ابنته تلين وقد توافق بالفعل على إنقاذه. ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

مش هيبلغ لا عني ولا على جواهر. قال إن الأول هيفسخ عقد الجواز اللي بينك وبينه لما أتزوج جواهر على أساس إنه إنتِ. وهنعمل كتب كتاب جديد. وبعدين هيسامحني أنا وجواهر، مش هيبلغ عنا يعني. ووقتها جواهر هتكون في أمان يا بيري ومحدش تاني هيقدر يأذيها. شردت عبير قليلًا، ليقول شريف بسرعة:

لو مش حابة تتجوزيه براحتك يا عبير. أنا مش هضغط عليكي زي ما عملت قبل كده وندمت. وأنا اللي خسرت في الآخر. متضحيش بنفسك لا عشاني ولا عشان جواهر. دي مشكلتنا إحنا الاتنين. هي صحيح جواهر ضحت عشانك ورضيت إنها تتجوز غصب عنها عشانك إنت. وعملت المستحيل عشان تحميكي. بس برضه هي اللي اتغاظت وأنا كمان. ودي مشكلتنا. مش مشكلتك خالص. مفيش داعي أبدًا إنك تتحملي نتيجة اللي عملناه أنا وهي. يعني إحنا اللي غلطانين. متشيليش هم. إحنا لينا ربنا كبير. وبتمنى من ربنا يساعدنا أنا والمسكينة جواهر. هحاول أتكلم معاه يطلع جواهر من الموضوع، رغم إن...

صمت قليلًا وهو يراقب انفعالاتها. يرى تأثير كلامه. يتمنى أن يؤثر بها هذا الابتزاز العاطفي الذي يمارسه عليها. فهو عرف أن ابنته لن ينجح معها العنف أو الإجبار. الابتزاز العاطفي سوف يحدث تأثيرًا فعالًا معها، وبالفعل ظهر التأثير جليًا على وجهها. كان هذا واضحًا. تنحنح قليلًا وأكمل:

بصراحة يا بنتي، هو غضبه كله من جواهر. تقدري تقولي اتجرح لما واحدة ست خدعته، فعشان كده متضايق منها. بس يظهر إن رغبته إنه يتجوزك أكبر من أنه ينتقم من جواهر. بس أقولك، إن في الأول والآخر القرار قرارك يا بنتي. اعملي اللي إنتِ عايزاه. أنا مش هضغط عليكي خالص. أنا موافقة. قالتها بهدوء، لتتوسع عينا والدها ويقول: بتقولي إيه؟

قولتلك إني موافقة يا بابا. موافقة أتجوز عدي رشيد. أنا مش هسمح إن جواهر تتحبس بسببي. هي ملهاش أي ذنب. حدد ميعاد كتب الكتاب وأنا جاهزة. ابتسم شريف وقال: ربنا يسعدك يا بنتي. أنا مش عارف أقولك إيه. إنتِ أنقذتي حياتي وحياة جواهر. شكرًا يا بيري. تنهد ونهض وقال: يالا يا بنتي نمشي من هنا. يالا. نظرت إليه عبير وهزت رأسها بالإيجاب، ليبتسم هو بارتياح.

أنا خايفة أوي يا رانيا. خايفة أدخل ومطلعش تاني. أمانة يا بنتي لو مت سامحيني على أي غلطة عملتها في حقك. كانت رانيا تكتم دموعها بشق الأنفس، لدرجة أن عينيها أصبحت حمراء بسبب الجهد الذي تبذله لكي لا تنهار أمام والدتها. ابتسمت وقالت بنبرة مرتعشة: موت إيه يا أما؟ بعيد الشر عليكي. ده اللي هيعملك العملية الدكتور يحيى بنفسه. ده شاطر أوي وهتطلعي بالسلامة وهتفرحي بيا وتشيل عيالي. ولا إنتِ مش عايزة تفرحي بيا يا أما؟

مش عايزة تربي معايا عيالي؟ قبلت رابحة كفها وقالت والدموع تنفجر من عينيها: طبعًا يا بت عايزة أفرح بيكي وأشيل عيالك. وأشوفك مبسوطة ومستورة في بيت جوزك. نفسي ترتاحي من الشغل والتعب يا رانيا وتقعدي في بيتك معززة مكرمة يا بنتي. ابتسمت رانيا وقبلت كف والدتها بقوة وقالت: هيحصل يا أما هيحصل. بس إنتِ تخرجيلي بالسلامة كده وأطمن عليكي و... قاطع كلام رانيا دخول الممرضة الشابة وهي تقول بلطف بالغ:

عن إذنك يا آنسة رانيا عشان أجهز الحاجة للعملية. هزت رانيا رأسها ونهضت وهي تقول: ربنا يحفظك بحفظه يا أما. ثم قبلت رأسها وخرجت. وكم كانت محظوظة أنها سيطرت على دموعها حتى خرجت من الغرفة التي تقبع فيها والدتها. وما إن خرجت حتى ارتفع نشيجها وانفجرت الدموع من عينيها بشكل لم تختبره من قبل. كتمت فمها وهي تبكي دون صوت، لا تريد أن يسمعها والدتها وتقلق أكثر. لا تريد أن تشغل بالها. يكفي أنها سوف تجري جراحة خطيرة كهذه.

هتكون كويسة. بإذن الله هتكون كويسة وترجعلي بإذن الله. كل حاجة هتكون تمام. أخذت تكررها والدموع تتساقط من عينيها بينما تشعر بالألم يسحق قلبها. رانيا يا بنتي؟ كان هذا صوت ماجدة وهي تقف بجوارها تضع كفها على كتف رانيا وتنظر إليها بحزن. تلك المسكينة لقد عانت الكثير. تتمنى أن تجد العوض المناسب لها. نظرت رانيا إلى السيدة ماجدة وقالت بصوت مختنق: خايفة عليها أوي يا خالتي. خايفة تروح مني.

بس يا بت الشر برا وبعيد. بإذن الله هتكون زي الفل. متخافيش عليها. تنهدت رانيا وقالت: يارب تقوملي بالسلامة يا خالتي. هتقوملك بالسلامة بإذن الله. إنتِ بس امسحي دموعك دي ومتفوليش على الست. هزت رانيا رأسها وهي تمسح دموعها بالفعل. رأت يحيى فجأة وهو يتجه إلى غرفة العمليات، فذهبت إليه وأوقفته. نظر إليها يحيى وقلبه يخفق بقوة. مشاعره الجديدة التي اكتشفها نحوها جعلت دقات قلبه تتسارع أكثر من قبل. ابتسم بلطف لها،

لتنظر إليه وتقول بتوسل: خلي بالك من أمي يا دكتور. أنا مليش غيرها. هز رأسه وقال: في عينيّا. متقلقيش يا رانيا. هتقوملك بالسلامة بإذن الله. ثم تركها وذهب. ولجت والدتها لغرفة العمليات وانتظرت رانيا وقتًا طويلاً. رفضت أن تأكل أو تشرب، بل ظلت عيناها معلقة بغرفة العمليات. وأحست بالدموع تلسع عينيها. كانت تختنق كلما شعرت أن جراحة والدتها استغرقت وقتًا. فجأة كتمت أنفاسها وهي ترى يحيى يخرج. اقتربت منه بلهفة وقالت

والدموع تنفجر من عينيها: أمي كويسة. قولي يا دكتور هي كويسة؟ ابتسم يحيى وهز رأسه وقال: الحمد لله، العملية عدت على خير. هننقلها غرفة الإفاقة وبعدين هننقلها أوضة عادية. أطلقت أنفاسها بارتياح وابتسمت بحلاوة لأول مرة قائلة: شكرًا. شكرًا أوي يا دكتور. ثم استدارت وعانقت ماجدة والسعادة تشع بعينيها. وكان هو أكثر سعادة منها. نسي كل شيء وأصلح يتأملها، وبداخله سؤال يؤرقه: هل ستكون لهما فرصة؟ في اليوم التالي.

في مكتب شريف، كان عدي يجلس براحة وهو ينظر إلى أوراق التنازل بابتسامة صافية. بجد فاجئتني يا شريف. خطوة حلوة منك دي. قالها عدي بتسلية. فزفر شريف وقال: وكتب كتابك على عبير بنتي بكرة. كتب الكتاب هيكون في القصر بتاعي. قالها عدي، ليرد شريف بسرعة ويقول: موافق. بس المهم فين الشيكات بتاعتي؟ أنا نفذت كل وعودي. نفذ إنت بقا وعدك. ومتقوليش لما نكتب الكتاب وكده، عشان مش موافق. أنا عايز الشيكات بتاعتي دلوقتي يا عدي. ابتسم عدي وقال:

ده إنت مستعجل أوي يا شريف بيه. تجمد وجه شريف وقال: إنت ذلتني كتير بسبب الشيكات دي يا عدي. فلو سمحت هاتها. كفاية اللي عملته فيا لحد دلوقتي. أنا اللي عملت برضه، ولا إنت اللي بدأت بالكدب والخداع؟ خلينا ننسى الموضوع. إحنا بدأنا صفحة جديدة. ابتسم له عدي وقال: في دي عندك حق تمامًا يا شريف بيه. عمومًا يا سيدي. أدخل عدي يده في جيب سترته وأخرج الشيكات. شيكاتك أهي.

قالها عدي وهو يلوح بالشيكات وملامح وجهه جادة للغاية. توسعت عينا شريف بصدمة وكاد أن يمد يده لكي يأخذ الشيكات، إلا أن عدي أبعد كفه قليلًا وقال: أنا مخلصتش شروطي يا شريف بيه. بجانب تنازلك عن البيت وأنك هتكون الولي بتاع عبير في كتب الكتاب، فأنا كمان عايز الشيكات اللي ماسكها على جواهر. بهت شريف قليلًا وقال: هتعمل بيها إيه؟ دي حاجة متخصكش. قالها بنبرة قاطعة وهو يتمسك بقناعه الجليدي بكل ما يملك من قوة.

ابتلع شريف ريقه وهو يفكر أن عدي قد يدمره الآن إن لم يفعل ما يطلبه. لذلك نهض بهدوء وفتح خزنته وهو يخرج الشيكات ثم يسلمها لعدي. والأوراق اللي زورتها لجواهر عشان تبقي عبير كمان. تنهد شريف وهو يحضر الأوراق معه ويسلمها لعدي. نظر عدي إلى الأوراق والشيكات وقال مبتسمًا بسخرية: كنت عارف إنك واطي، بس متخيلتش تستغل المرض عشان توصل للي إنت عايزه.

نهض عدي ووضع كل الأوراق بسلة المهملات المصنوعة من الحديد ثم أشعل بها النيران ونظر لشريف قائلاً: متنساش تيجي عشان كتب كتاب بنتك بكرة. أخيرًا يا سيدي هنبقى نسايب وهننسى كل العداوة اللي بيننا. حلمك يا شريف بيتحقق أهو. ابتسم شريف ابتسامة صفراء له وقال: طبعًا طبعًا. إنت هتقولي. مع السلامة. هز عدي رأسه وكاد أن يخرج من المكتب، ولكنه رأى عبير أمامه فابتسم لها وقال:

فرصة سعيدة يا مراتي المستقبلية. متنسيش بكرة فرحنا. هعد الساعات بفارغ الصبر عشان نكون مع بعض. أشاحت بوجهها عنه، ليضحك باستفزاز ويخرج. الحمد لله. الحمد لله. كان شريف يتمتم بخفوت وهو يمسك الشيكات. نظرت إليه عبير وقالت بنبرة صلبة: دلوقتي فهمت. طلبك إني أتجوز عدي مش بس عشان جواهر. ده كمان بسبب الشيكات اللي ماسكها عليك. أخدتها خلاص.

نظر شريف إلى ابنته ولكنه لم يهتم بالرد عليها، بل مزق الشيكات وألقاها بسلة القمامة وهو يشعر أنه يتحرر من شيء بغيض كان يجثم على قلبه. أخيرًا هو حر. أخيرًا لن يؤذيه عدي بعد الآن. أراد الصراخ بسعادة، ولكن وجود ابنته الآن وكم التبريرات التي مضطر لتقديمها عكرت مزاجه، ولكنه يجب أن يكمل اللعبة للآخر. فبالإضافة إلى أن عدي يهدده بجريمته كمزور، عدي الآن يمتلك منزله وقادر في أي وقت على طرده، ويجب أن تتزوجه عبير لكي يكتب المنزل باسم عبير ويستعيده.

ممكن ترد عليا وأنا بكلمك يا بابا؟ طلبك مني إني أتجوز عدي عشان الشيكات مش عشان خايف على جواهر، صح؟ معقول إنت أناني للدرجادي؟ تنهد شريف ونظر إليها بوداعة وقال: عشان الاتنين يا بيري. ما هو أنا لازم أستفيد. أنا خايف على جواهر واتفقت مع عدي إنه يتجوزك ويسامح جواهر ويسامحني. وأخد كمان الشيكات. يعني إحنا اللي كسبانين يا عبير. وبعدين عدي راجل غني. إنتِ ممكن تستفادي منه. أشاحت عبير وجهها بقرف عنه وقالت:

أنا مش عايزة أناقش معاك تاني يا بابا. خلاص الموضوع انتهى كده. أنا كده كده عايشة معاك في جحيم. حياتي مع عدي مش هتكون أسوأ من حياتي معاك. أنا هتجوزه عشان أبعد عنك. ثم تركته وغادرت. ولجت عبير لغرفتها وتسطحت على الفراش والدموع تتجمع بعينيها. لقد اشتاقت لأمير. لقد رأت الانكسار في عينيه عندما أخبرته أنها سوف تغادر مع والدها. قلبها يتألم بشدة وهي بعيدة عنه. كم ترغب أن تذهب إليه الآن وتعانقه وتخبره أنها لن تحب غيره أبدًا.

أغمضت عينيها محاولة النوم والهروب من أفكارها ومن كل ما يدور حولها، ولكن رنين هاتفها جعلها تنتفض من مكانها. نظرت للهاتف لتجد المتصلة جواهر. فتحت الهاتف بسرعة وقالت بلهفة: جواهر، جواهر فينك؟ قلقتيني عليكي. أنا عمري ما شوفت أحقر منك. إنتِ إنسانة ناكرة للجميل! صرخت بها جواهر بقوة عبر الهاتف. جواهر! رددت عبير بصدمة، لتصرخ بها جواهر: اخرسي. اخرسي. متتكلميش. إياكِ تبرري حقارتك وندالتك معايا. اختنق صوتها وقالت: هتتجوزي عدي؟

انسكبت دموع جواهر الحارة على وجنتيها وأكملت وهي تبكي: أنا بحبه. محبتش غيره. وإنتِ رايحة تتجوزيه. وإنتِ عارفة إني بحبه. هو ده جزائي إني ساعدت واحدة زيك؟ اتحملت كتير عشاني. دي مكافأتي يا عبير؟ ممكن بس تسمعيني. اسمعيني يا جواهر صدقيني أنا عملت ده. أسكتي. أسكتي. متبرريش حاجة. هتبرري إيه؟

خلاص هتتجوزي عدي. هتسرقي مني الراجل اللي بحبه. اتجوزيه وابني حياتك على تعاستي. بس اعرفي إن من اليوم ده ملناش أي علاقة ببعض. أنا مش عايزة أشوف وشك تاني أبدًا. وبتمنى إنك تبقي تعيسة طول حياتك. سلام يا بيري. ثم أغلقت الهاتف بوجهها، لتنظر عبير إلى الهاتف بذهول ودموعها تتساقط. من الناحية الأخرى.

بعد أن أغلقت جواهر الهاتف، سقطت على أرضية مركز التجميل الأنيقة وانفجرت بالبكاء. كانت تبكي بطريقة هستيرية وهي تشعر أن قلبها ينزف. لماذا فعلت بها هذا؟ لماذا؟ هل هذا جزاؤها لأنها ساعدتها؟ هل هكذا تكافئها؟ تتزوج ممن تحب هي. هموت. هموت. قالتها جواهر وهي تضع كفها على قلبها، بينما تشعر بألم شديد به. كانت بحمام مركز التجميل وهي جالسة وتبكي. فجأة فتحت ميريهان الباب وتجمدت وهي ترى جواهر تبكي بتلك الطريقة. شهقت وهي

تضع كفها على صدرها وتقول: جواهر مالك؟ ولكن جواهر لم تنظر إليها واستمرت في البكاء بطريقة تكسر القلب. اقتربت منها ميريهان وضمتها وهي تقول: مالك بس يا حبيبتي مالك؟ ولكن جواهر لم ترد واستمرت تبكي بعنف. يوم كتب الكتاب. وقفت السيارة الخاصة التي بعثها عدي ليحضر عبير ووالدها إلى القصر لكتب الكتاب. كان شريف يمسك كف ابنته وهو يمشي بينما ينظر حوله بذهول. من هؤلاء؟ وكيف سمح لهم عدي بالحضور؟

كان عدد المدعوين كثيرًا نوعًا ما، ولكن يبدو أن معظمهم من الطبقة المتوسطة أو الفقيرة. لم يكن هناك أي أحد واضح عليه الثراء. نظر شريف إلى ابنته بذهول وقال: هو إيه اللي بيحصل ده؟ لم ترد عليه عبير وراحت تنظر حولها بتوتر. شعر شريف بأن هناك شيئًا خاطئًا. ربما الأمر خدعة من عدي. لقد أخذ منزله ولن يتزوج ابنته. يا رب، هل معنى هذا أن عدي قد يطرد شريف من المنزل هو وابنته؟ هل سيفعلها؟ هل تمكن منه الحقد لتلك الدرجة!

العديد من الأفكار السيئة كانت تعصف بعقل شريف. أخذ قلبه يدوي داخل صدره وهو يدعو ألا يتصرف عدي بشكل خسيس. أنا حاسس إن فيه حاجة غلط. قالها شريف باختناق. شعر أن العالم يدور به وهو يرى الناس في قصر عدي. لماذا أحضرهم إلى هنا؟ أما أنه يريد إهانتهم أو هو كريم إلى حد الغباء! ولكن تنهد بارتياح وهو يجد في منتصف الحديقة طاولة كبيرة. عليها مفرش أبيض مثبت به زهور بيضاء صغيرة، والشيخ يجلس على المقعد وعدي يجلس على المقعد بجواره.

ابتسم عدي ما إن رآهم وقال: تعالوا يا جماعة. تعالوا. جذب شريف كف ابنته وهو يجلسها على مقعد بعيد نسبيًا ويجلس هو بجوار الشيخ. ابتسامة سعيدة تزين شفتيه. سوف يتزوج عدي ابنته أخيرًا. هذا كان حلمًا سعى كثيرًا لتحقيقه. لما دخلت وشوفت الناس حسيت إن فيه حاجة غلط يا عدي. بس الحمد لله إنت اهو. شعر على ملامح شريف الانزعاج لبرهة وقال باستياء: ليه عزمت الناس دي يا عدي يا بني؟ دوول مش من مستواك. كان عدي ينظر إليه مبتسمًا وقال:

بس إنت بقيت من مستواهم يا شريف. إنت دلوقتي مفلس على الآخر. تجهم شريف ليكمل عدي: الناس دول يبقوا أهل وجيران العريس ولازم يحضروا كتب كتابه. تجهم شريف أكثر وقال: أهلك إزاي يعني؟ أنا اللي أعرفه إنك من عيلة غنية أبا عن جد. ضحك عدي وقال بتشفّي: هو أنا مقلتلكش؟ مش أنا العريس يا شريف. أنا مجرد شاهد مسكين. العريس أهو.

ثم أشار إلى أمير الذي ظهر مرتديًا حلة رمادية. وعيناه الذهبية تلمع بشدة وهو ينظر إلى عبير، بينما خلفه تحية مع أبنائها الاثنين ورجل يبدو أنه زوجها. نهض شريف وقال: إيه الهزار ده يا عدي؟ مين ده اللي هيبقى جوز بنتي؟ ده ميكانيكي. ابتسم عدي بخبث وقال:

حاسب يا شريف بيه. الميكانيكي اللي مش عاجبك ده بقا البيت اللي إنت عايش فيه ملكه. أنا كتبت البيت بإسمه خلاص وهو اللي هيسمح إذا كنت هتعيش فيه ولا لا. يعني لو متجوزش بنتك هيطردكم الاتنين من البيت. وطبعًا أنا مش هتردد أبلغ عن التزوير بتاعك وتبقى اتقفلت من كل الجهات يا شريف. ها هتكتب الكتاب ولا لا؟

كل حاجة جاهزة. المأذون والشهود والعريس. وإذا كان على كون إن عبير مراتي قانونًا، أنا فسخت العقد خلاص. يعني مفيش أي مانع عشان يتجوزوا. لم يكن لدى شريف أي حل آخر. لقد شعر أنه محاصر. لقد استطاع عدي أن يحاصره. خدعه وانتقم منه جيدًا. اتجه بخطوات ضعيفة إلى الطاولة ثم بدأ المأذون بكتب الكتاب.

انتهى كتب الكتاب وأصبحت ابنته زوجة هذا الميكانيكي رسميًا. فكر بانزعاج. شعر بالاختناق. كان صدره يضيق والنيران تشتعل بصدره. كل ما أراده أن يحطم فك عدي الذي كان يبتسم له بتشفّ. نهض ليغادر قبل أن ينفجر، إلا أن عدي أوقفه وقال:

صحيح يا شريف. شركة العدل للمقاولات اللي إنت شريك فيها بنسبة عشرة في المية من الأسهم أنا اشتريتها. يعني أنا اللي دلوقتي شريكك بنسبة تسعين في المية وليا حق التصرف في الشركة وقررت أبيعها خلاص وأديلك حقك. الفلوس اللي استلفتها من عواد السيد فالح، رجعهاله قبل ما الفلوس تتصرف وعواد مش هيقبل تسوية معاك ده هيحبسك طول. احتشدت الدموع بعيني شريف وقال بصوت ضعيف: ليه... ليه عملت كده؟ ليه تأذيني؟ ابتسم عدي وقال:

العين بالعين والسن بالسن والبادئ هو الأظلم يا شريف. مادام لعبت مع عدي رشيد يبقى تستحمل اللي يحصلك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...