في سيارة الأجرة، كانت الدموع تنساب من عيني عبير وهي تقول بإختناق: "يا حبيبتي يا حبيبتي اتصلت بيا كتير وأنا كنت قافلة الموبايل. المسكينة كانت لوحدها. واحتاجتني وأنا مكنتش موجودة."
كان أمير ينظر إلى عبير وهو يشعر بالذنب. فهو من طلب منها أن تغلق الهاتف كي لا يزعجهم أحد. ليته لم يفعل هذا. الذنب كان يقتله حرفياً بسبب ما حدث مع جواهر. المسكينة اضطرت أن تواجه موت والدتها بمفردها. اضطرت أن تعيش تلك اللحظات المروعة بمفردها. اضطرت أن تعيش حزنها بمفردها. لن تسامح عبير نفسها على هذا.
أخيراً وصلا إلى الحي التي تسكن به. ترجلت عبير من السيارة مسرعة وهي تضع كفها على قلبها بينما ترى صوان العزاء. انفجرت الدموع أكثر من عينيها. صحيح هي لم ترى سوسن منذ زمن طويل ولكنها تتذكر كم كانت سيدة طيبة وجميلة. أسرعت للمنزل ورأت العديد من الناس التي لا تعرفهم، ومن بينهم كان عدي. اقتربت منه لاهثة وهي تقول: "جواهر... نظر عدي إليها بحزن وقال:
"قاعدة في الأوضة، مش عايزة تخرج ولو حد دخل بتمشيه. أنا مش قادر أشوفها في الحالة دي. عايز أساعدها بأي طريقة ومش قادر يا عبير. ومش عارف أعمل إيه." مسحت عبير دموعها وقالت بإختناق: "أنا هشوفها، متقلقش."
ثم ولجت للغرفة. صوبت نظراتها إلى جواهر الجالسة على الفراش وهي ترتعش بقوة. لا أثر للدموع بعينيها، فقط شاخصة عينيها في الفراغ. عضت عبير على شفتيها بإنفعال وهي تحاول ألا تبكي ولكنها فشلت، إذ خرجت شهقتها بقوة من شفتيها بينما الدموع تنفجر من عينيها أكثر وهي ترى صديقتها القوية في تلك الحالة. اقتربت عبير من صديقتها وضمتها بقوة وهي تقول من بين شهقاتها: "أنا آسفة... آسفة يا جواهر... آسفة...
لم تصدر جواهر أي رد فعل، بل ظلت شاخصة بعينيها. "جواهر... جواهر ردي عليا أرجوكي." كانت تتكلم عبير وهي تبكي ولكن جواهر ترفض الكلام. "جواهر أنا آسفة... آسفة إني اتأخرت سامحيني... بس ردي عليا. أنتِ بتقلقيني كده." "ماما ماتت." خرجت تلك الكلمات من فمها بنبرة تائهة. نظرت جواهر بشرود إلى عبير وقالت:
"ماما ماتت. أنا كنت فاكرة إن ده كابوس، بس طلع حقيقة. أنا نمت على أمل أصحى وألاقيها موجودة، بس لا مكنتش موجودة. عدي حاول يفهمني، حاول يرجعني لعقلي بس أنا رفضت. قولت مستحيل تسيبني. إزاي تسيبني وأنا مليش غيرها؟ مش ممكن يكون ده كله كابوس." شهقت عبير وهي تبكي وتضمها أكثر لتكمل جواهر:
"أنا مودعتهاش حتى. محضنتهاش آخر مرة. افتكرت إن ده كابوس ونمت. الناس حاولت تصحيني عشان أودعها وأنا رفضت. أنا اخترت أهرب. أنا مش كويسة. مكنتش جمب أمي لا في تعبها ولا حتى لما ماتت. أنا بختار الهروب دايماً. أنا مش إنسانة كويسة يا عبير. أنا أذيت ماما." "ششش... أهدي... أهدي." هزت رأسها وقالت: "أنا نفسي أشوفها يا عبير. عايزة أشوف ماما. عايزة أحضنها لثواني بس. عايزة... عايزة...
نهضت فجأة وقالت وهي تضع كفيها على أذنيها ثم أصبحت تصرخ بعنف. "جواهر! " قالتها عبير برعب وهي تراها تنهار بتلك الطريقة. ولكن جواهر سقطت على الأرض وهي تصرخ وتبكي وكأنها أدركت أخيراً حجم خسارتها. اقتربت عبير بهلع وهي تحاول ضمها ولكن فشلت. فشلت في السيطرة على انفعالاتها. "جواهر... أهدي... أهدي...
" صرخت عبير وهي تبكي وعندها دخل عدي وأمير الغرفة. بهت عدي وهو يرى انهيار جواهر. اقترب منها وعانقها بقوة وهو يحاول تهدئتها. سكنت بين ذراعيه قليلاً ونظرت إليه والدموع تغرق وجهها: "ماما راحت من غير ما أودعها يا عدي. هاتها بس أبوسها وأحضنها. عشان خاطري يا عدي احضنها بس رجعها أبوسها وأدفنها تاني."
كانت عبير تضع كفها على فمها والدموع تجري على وجنتيها بدون توقف. ألم شديد في قلبها. حالة جواهر الآن فكرتها بحالتها عندما توفت والدتها. هي تعرف شعور فقد أهم شخص في حياتك. أغمض عدي عينيه محاولاً السيطرة على نفسه إذ شعر بالدموع تلسع عينيه. ضمه بقوة أكبر وقال بنبرة مرتعشة: "آسف... آسف يا جواهر."
"عشان خاطري رجعهالي يا عدي. هبوسها بس والله هبوسها وأحضنها بس مش هعمل حاجة تاني. عايزة أودعها يا عدي. عشان خاطري جيبها أبوس إيديك." ثم أخذت تضربه على صدره وتصرخ: "بقولك جيبهالي. جيبها عايزة أشوفها. عايزة أشوفها يا عدي!!! ماما جيبلي أمي يا عدي. جيبها." "جواهر!!!
" قالها عدي مصدوماً وهو يحاول تهدئتها ولكن عبثاً. كانت تتصرف بجنون تام. تصرخ بقوة وتضربه ثم تتجه يديها إلى وجهها وتضرب نفسها. كان الأمر جنونياً للغاية. هي منهارة ولا تهدأ. تهذي بكلمات غير معقولة والدموع تطفر من عينيها بشدة. كان عدي يلهث من فرط الجهد الذي يبذله لكي يسيطر عليها، ولكنها لم تهدأ. لم تهدأ واستمرت بالصراخ. ولكن فجأة بدأ صراخها يخفت. أغمضت عينيها بتعب وقالت: "أنا عايزة أنام. عايزة أرتاح يا عدي." قبّلها عدي
على رأسها وقال بإختناق: "ارتاحي يا حبيبتي ارتاحي." بعد عدة دقائق وهو ما زال يضمها غرقت بالنوم. حملها عدي بين ذراعيه وهو يتنهد بتعب ثم وضعها على الفراش وجلس بجوارها. كان قلبه يتمزق وهي بتلك الحالة المريعة. لقد لاقى ألمها صدى كبير في قلبه. كم تمنى أن يخفف عنها. يعتذر منها ويخبرها أنه آسف. آسف لأنه لم يكن بجانبها. آسف لأنها تتألم وهو عاجز عن فعل أي شيء لها.
كانت عبير تبكي بين ذراعي أمير. قلبها يعتصر من الألم وهي ترى رفيقتها في تلك الحالة. لا تشعر لماذا ولكن ضميرها أيضاً يؤنبها. تشعر أنها ابتعدت عن جواهر، لم تكن الصديقة الجيدة لها. مهما حاولت إقناع نفسها بالعكس تفشل تماماً في هذا. كل المبررات التي يقدمها عقلها لا يقبله ضميرها الذي ما زال يجلدها. نهض عدي وهو يشعر بالإنهاك وقال: "أنا بقول نسيبها ترتاح شوية." ابتعدت عبير عن أمير وهي تمسح دموعها وتقول بصوت خافت:
"مش مفروض نعرضها على دكتور؟ حالتها صعبة قوي يا عدي أنا خايفة تأذي نفسها." احتل الرعب قلبه وهو يفكر بالأمر. صحيح ماذا إن حاولت إيذاء نفسها؟! فحالة جواهر تقلقه. هو يريد أن يضعها تحت عينيه، يراقبها ويهتم بها وهذا لن يحدث إلا بزواجها منه. يجب أن يتزوجها بسرعة ويذهب بها من هنا. يحاول أن يساعدها. لن يتركها تعاني بمفردها. "إحنا هنفضل معاها مش هنسيبها. هي محتاجة حد جمبها يا عبير. أنا هفضل معاها وانتِ كمان افضلي معاها."
هزت عبير رأسها وقالت بقوة: "أكيد هفضل معاها مش هسيبها أبداً. مش هعمل كده." ثم اتجهت إلى الفراش وجلست بجوارها وهي تمسك كفها بقوة والدموع تطفر من عينيها. تذكرت كل تلك الأشياء التي فعلتها جواهر من أجلها. كل تلك المشاكل التي واجهتها فقط من أجلها. جواهر فعلت الكثير من أجلها وهي يجب أن ترد لها المعروف. يجب أن تقف بجوارها الآن. قبلت رأسها وهي تربت على كتفها بينما الألم داخلها يتفاقم. "ليان... ليان كفاية!!!
" قالتها نسرين والدموع تطفر من عينيها بينما ليان تبكي بهذا العنف. كانت ليان تضم نسرين بقوة وهي تبكي. قلبها يحترق كلما تذكرت ما فعله وما قاله. كيف يكون بتلك القسوة معها كيف؟ كيف يكسر قلبها بتلك الطريقة؟ لا تصدق أن من أحبته يفعل هذا بها. "هموت يا نسرين هموت. روحتله ولقيت عنده واحدة. قالي مرة تانية إنه مبيحبنيش وطردني من بيته. شوفته معاها يا نسرين. حضنها قدامي. كنت بموت يا نسرين وأنا بشوفه. ليه بيعمل فيا كده ليه؟
أنا عملتله إيه يا نسرين؟ تنهدت نسرين وهي تربت على ظهرها. قلبها يتمزق بسبب ما تعانيه صديقتها. حقاً قد كرهت موسى. كرهته كثيراً. كيف يفعل هذا بها؟ لقد أحبته. فعلت من أجله الكثير. ليان أبداً لا تستحق تلك المعاملة. هي تستحق أن تعامل جيداً. فيكفي أنها أعطته قلبها. قبلت نسرين رأس ليان وقالت: "والله ميستاهلش ولا دمعة من عينيكي يا لي لي. هو واحد حقير. خلاص انسيه."
"مقدرش أنساه يا نسرين مقدرش. ده أول حب في حياتي. مش سهل الموضوع زي ما أنتِ فاكرة. أنا بحبه أوي يا نسرين. بحبه حتى أكتر من حياتي ورغم اللي عمله بحبه برضه. مش قادرة أبطل أحبه يا نسرين. حاسة إني هموت. حاجة جوايا اتكسرت وعمرها ما هتتصلح. أنا هتجنن. كنا كويسين وكان فرحان أوي ليه يحصل ده فجأة ليه؟! "متفكريش كتير يا ليان فكري إزاي تنسيه. شيليه من حياتك زي ما شالك من حياته. خلاص بطلي تفكري فيه."
"ياريت أقدر يا نسرين ياريت." قالتها والدموع تنفجر من عينيها لتبتعد نسرين قليلاً وتعانق وجهها وتقول: "لا هتقدري يا ليان. هتقدري تنسيه. لو حطيتي في بالك إنك هتنسيه. هتنسيه. أنتِ بس حاولي. طلعيه من دماغك ولا أنتِ اللي هتعاني بعد كده." "هعاني أكتر من كده؟ " قالتها بقهر لتهز هي رأسها وتقول بتأكيد:
"أيوه هتعاني أكتر من كده يا ليان. هتضيعي عمرك على واحد ميستاهلش. موسى ميستاهلش دموعك دي أبداً ولا تروحيله تاني. ده ترميه من حياتك علطول. سمعتيني. متفكريش فيه تاني." ازداد انسياب دموعها وقالت بصوت مختنق: "ياريت الموضوع بالسهولة دي." شدت نسرين على كف ليان وقالت بقوة: "عارفة إنه صعب عليكي. صعب جداً كمان. بس مش مستحيل يا لي لي. لازم تنسي وتتخطي عشان تعيشي." "أنا... نفسي... أعرف عمل فيا كده ليه؟ أنا عملتله إيه؟
"متفكريش كتير. فكري إنه إنسان ميتساهلش. إنه خدعك. إن دموعك أغلى ما تنزل على حد غيره. ليان حبيبتي والله ما يستاهل." ضمت ليان صديقتها وهي تبكي. وقالت: "شكراً... شكراً يا نسرين... شكراً إنك جمبي. شكراً." "أنتِ أختي متقوليش كده. وأنا معاكي دايماً يا ليان. معاكي دايماً." بعد ساعة تقريباً. ابتعدت نسرين عن ليان التي نامت بهدوء كي لا تزعجها. دثرتها بغطاء خفيف ثم قبلت رأسها ومسحت تلك الدموع التي تلطخ وجنتيها. ثم خرجت بهدوء
من الغرفة واتصلت بفؤاد: "أيوة يا حبيبي." قالتها نسرين بنبرة خافتة ليرد فؤاد: "أيوة يا حبيبتي. إيه أجي آخدك دلوقتي ولا إيه؟ عضت نسرين شفتيها بإحراج منه فهي قد وعدته أنهما سيحتفلان بمناسبة زفافهما الذي بعد يومين ولكن تراجع حالة ليان جعلها تلغي الفكرة. "حبيبي معلش أنا النهاردة هبات مع ليان المسكينة حالتها صعبة." كتمت أنفاسها وهي في انتظار رده. توقّعت الغضب أو التأفف ولكن فؤاد دوماً ما يفاجئها إذ قال بكل بساطة:
"ماشي يا حبيبتي خليكي النهاردة معاها ولو احتاجتي أي حاجة اتصلي بيا هكون عندك فوراً." تألقت عينيها بسعادة وقالت: "فؤاد أنا بحبك أوي فعلاً بحبك." ابتسم وقال: "وأنا كمان بحبك أوي يا نسرين خلي بالك من نفسك." "ماشي يا حبيبي سلام." أغلقت نسرين الهاتف براحة وقررت أن تدخل الغرفة لليان وتنام عندها. أرسلت رسالة لنهى تخبرها أنها سوف تنام عند ليان وقد أخبرت فؤاد بذلك.
"معرفش يعني إيه نسرين هتبات عند ليان وأنا أكون آخر من يعلم." هدر بها فؤاد بغضب لتنظر إليه نهى بدهشة وتقول: "استأذنت من جوزها يا كريم ولا أنت نسيت." "طيب وأنا... أنا فين من حياتها يا هانم؟ نظرت إليه نهى ببرود وقالت: "والله يا كريم أنت اللي عملت كده. أنت اللي بعدت البنت عنك فمتجيش تتضايق دلوقتي!! أنت اللي بإيدك رميت كل المسؤولية على فؤاد وقررت إنك ملكش دعوة بيها. إزاي دلوقتي جاي تطالب بحقوقك كأب ليها إزاي!!!!
امتقع وجه كريم وهو عاجز تماماً عن التحدث. إنها محقة. هو من أبعد ابنته عنه. هو من دمرها. هو يستحق. ولكن هل سيستطيع أن يصلح الوضع أم أن الأوان قد فات؟ ذلك السؤال كان يؤرقه كثيراً.
في منزل موسى كان جالس على الأريكة بإنهاك. يشعر أنه كمن فقد روحه. دموعها لا تتركه وشأنه. أخرج هاتفه وهو ينظر إلى صورهما سوياً. يتأمل ابتسامتها وابتسامة حزينة ترتسم على شفتيه. قلبه يتمزق بسببها. ليته يستطيع قتل صاموئيل والذهاب إليه والاعتذار منها. كل ما يريده هو أن يبقى معها للأبد. هو لا يخاف الموت ولكنه يخاف الحياة دونها. فالحياة دونها مرعبة. لا تحتمل ببساطة. قرب الهاتف من وجهه ثم قبل صورته وقال:
"حقك عليا يا حبيبتي. حقك عليا أخلص من صاموئيل وأعوضك عن كل حاجة. هعتذر منك على أي حاجة غلط قولتها. هفضل وراكي لحد ما تسامحيني. ده وعد." "بتحبها أوي كده؟ " قالتها مايا وهي تقترب منه. إنها تعرف ألم العشق جيداً. ألم تحب صاموئيل ولكن هذا الحب كان من طرف واحد. فهو دوماً اعتبرها عشيقته. لم يهتم بها أبداً. كسرها مراراً حتى أنه حاول قتلها مرة ولم يساعدها إلا قيصر. "هي روحي!
" قالها موسى بنبرة مختنقة لتتنهد مايا وهي تذهب وتجلس بجواره. كم هذا مؤلم. مؤلم عندما تدفع حبك الحقيقي بيدك. كانت تشفق كثيراً على موسى. هو لا يستحق هذا. كم تتمنى أن تساعده ولكن كيف؟ موسى لن يتحرر من مخاوفه إلا بموت صاموئيل. "أنت لازم تقتل صاموئيل يا قيصر. لازم تقتله." نظر إليها موسى بصدمة لتهز له رأسها وتقول:
"هو واحد لا عنده قلب ولا ضمير. مش هيسيبك في حالك ولا هيسبني أنا كمان. صحيح أنا بحبه بس بحب نفسي أكتر. وخايفة ليقتلني. عشان كده يا قيصر لازم نتخلص منه. لازم!!! "الموضوع مش سهل خالص يا مايا. وانتِ عارفة. صاموئيل مش سهل وانتِ عارفة كده. ممكن ببساطة يقتلنا احنا الاتنين." هزت مايا رأسها مؤكدة على كلامه وقالت:
"عندك حق. بس لحد إمتى هنفضل خايفين ومستخبيين منه. قيصر انت الوحيد اللي وقفت في وشه. انت الوحيد اللي قدرت تكسره وتقدر تقتله كمان. أنا هساعدك بس خلينا نتخلص منه. أنا مش عايزة أعيش في الرعب ده أكتر من كده لو سمحت حط إيدك في إيدي عشان أنا أعيش حياتي. وأنت تعيش حياتك مع حبيبتك من غير خوف." كلماتها القوية بدأت تنفذ لعقله. كل مشاكله سوف تحل لو قتله. وسوف يأخذ بثأر روان.
في اليوم التالي. خرج من الحمام وهو يرتدي المئزر بينما يجفف شعره الذهبي جيداً. ذهب ووقف أمام المرآة وهو ينظر إلى انعكاسه ويتنهد بقوة. ما زال يتذكر كلامها له. لقد وافقت عليه ولكنها لن تكون معه الآن. طلبت منه أن ينتظرها. فهل هو قادر على هذا؟ دعك عينيه بتعب وهو يتذكر كلامها له.
"أنا عايزة أغير حياتي. عايزة أفتخر بنفسي وأليق بيك عشان أقدر ارتبط بيك. مش هسمح لأي حد إنه يشاور عليا ويقول إنّي الخدامة أغرت الدكتور. لازم يكون ليا مكانة في المجتمع." قالتها رانيا بقوة وعينيها تلمع بتصميم. ليهز يحيى رأسه بإستنكار ويقول: "ما طز في المجتمع يا رانيا أنتِ ليه شاغلة بالك بيه؟
أنا ميهمنيش كلام المجتمع. كدا كدا هيتكلموا. لو متكلموش عليكي هيتكلموا عليا. هيلاقوا أي حاجة يتكلموا عنها لأن دي شغلتهم الكلام والتنظير بس. المشكلة إنهم بيسيبوا مشاكلهم وعيوبهم ويركزوا في عيوب الناس التانيين. جيبيلي حاجة واحدة تمنع أننا نتجوز غير كلام الناس. جيبلي حاجة واحدة في الدين تمنع جوازنا. قولي." "مفيش تكافؤ بيننا يا دكتور. الجواز من النوع ده بيفشل." هز رأسه بإستنكار وقال:
"إزاي بتحكمي على علاقتنا بالفشل قبل ما تبدأ. ليه متفكريش في الخير بس." أغمضت عينيها بتعب وقالت: "عشان للأسف ده اللي هيحصل. والدتك مش هتقبل بيا. وهتحصل مشاكل كتير. مشاكل كتير أوي. لازم على الأقل أليق بيك عشان المشاكل دي تقل شوية يا دكتور." "أنا هتصرف مع أمي. هي... " هزت رأسها وعينيها تلمع بفعل الدموع وقالت:
"مظنش يا دكتور. الفرق اللي بينا صعب أوي. والدتك عندها حق تشوفك مع واحدة تليق بيك. واحدة تقدر تمسك إيديها وسط الناس وتقول إنها مراتك." اقترب أكثر منها وقال وعينيه الزرقاء تلمع بقوة: "أنا همسك إيديكي انتِ وهقول بفخر إنك مراتي. أنا ميهمنيش الناس." "بس أنا يهمني." قالتها بإنفعال والدموع تنسكب من عينيها ثم أكملت:
"ليه مش قادر تفهم أنا اللي هواجه لوحدي كل الإهانة يا يحيى. أنا اللي هيشاور عليا ويقولوا الجاهلة أخدت دكتور. أنت مش هتقعد أربعة وعشرين ساعة معايا عشان تحميني. أنا اللي هبقى في وش المدفع. أنا اللي هتحمل كل الإهانة يا يحيى وصدقني مش هتحمل. أنا مش عايزة أتهان. أنا عايزة أليق بيك." "مستعد تستناني؟ هز رأسه بيأس وقال: "أنتِ عنيدة أوي تعرفي كده؟
إيه العناد ده يا بنتي بقولك بحبك وعايز اتجوزك. همسك إيديك قدام الناس كلها وميهمنيش وهبعدك عن ماما. ليه الخوف ده كله. أنتِ مبتثقيش فيا؟ مسحت دموعها وقالت: "بثق فيك بس أنا عايزة كده. عايزة أتعلم و... "ومحدش قالك متتعلميش يا رانيا. نتجوز وأنا بنفسي هساعدك ده وعدي ليكِ." هزت رأسها بالنفي. كان الإصرار يلمع بعينيها إصرار لم يراه من قبل. كانت مصرة لتكون إنسانة أفضل. كانت تريد التفاخر بنفسها. "مش هتتراجعي عن قرارك؟ " قالها
بيأس فهزت رأسها وقالت: "مستحيل. أنا عايزة أشوف نفسي في مكانة عالية مش عايزة حد يقول عني جاهلة. أيوه أنا بهتم بكلام الناس صحيح هما مش هيسكتوا ويتكلموا طول الوقت بس على الأقل وقتها أكون عملت اللي عليا وضميري مرتاح. حتى لما أكون ماشية جمبك محسش إني قليلة وأقدر أطلع معاك من غير ما أتكسف. أنا جالي فرصة أتعلم ومش هسيبها. أنت حابب تستنى ماشي مش حابب ده حقك." أغمض عينيه بتعب وقال: "هستنى قد إيه بالظبط؟
معهد تمريض خمس سنين وكلية تلات سنين. تمن سنين أنا هكون عجزت فيهم." نظرت إليه بيأس وشعرت أن الأمر صعب ليتنهد هو ويقول: "إيه رأيك في حاجة. تدخلي المعهد براحتك وبعدها نتجوز وأنا هدعمك يا رانيا. مش هخلي حد يأذيكي ده حل مناسب. نتجوز بعد ما تبدأي دراسة في المعهد وأنا يا ستي هدربك في المستشفى بتاعتي." "طيب ممكن بس أعدي أول سنة فيه وبعدها نتجوز مش هخليك تستنى ده كله بس على الأقل أتجوزك وأنا حاسة إني لايقة عليك."
"يعني هستنى سنة؟ أطرقت برأسها فقال: "طيب بس تسمحيلي أشوفك ولو حتى من بعيد." رفعت عينيها البنية ونظرت إليه. أنه محاصر من قبلها. هالك لا محالة. ابتسامة حزينة ارتسمت على وجهه وهو يدرك أنها لن تتنازل عن شروطها وسوف هو يكتوي بنار الانتظار لمدة سنة. عاد من شروده وهو يتنهد. كيف يمكنها أن تكون عنيدة لتلك الدرجة؟
لقد قدم لها قلبه وروحه. ولكن داخله كان يعرف أنها محقة للغاية. فوالدته لن تتركها وشأنها وربما في تلك السنة يستطيع إقناع والدته بها. يستطيع أن يخبرها أن حبه نحو رانيا حقيقي. ليس شفقة والأمر بالفعل صادم له ولها. فهو حتى لا يدرك متى أحبها. لقد احتلته رويداً حتى رأى أن الحياة دونها لا تطاق. أغمض عينيه وهو يضع كفه على قلبه. لو فقط ترفق بقلبه.
وقفت أمام المرآة وهي تلف خمارها بالطريقة التي تعلمتها من الخالة ماجدة. خطوة جديدة اتخذتها في حياتها. أرادت أن تكون قريبة من الله. لقد عرفت أن السعادة في قربه فقط. هي لن تكون سعيدة إلا عندما تطرق بابه وتطلب عفوه ورحمته. فهي لم تحصل أبداً على السلام إلا عندما بدأت بالإلتزام بتعاليم دينها ووقتها عرفت أنها أضاعت حياتها عبثاً. عرفت أنها بحاجة لله، بحاجة للاقتراب منه. حتى موضوعها مع يحيى تركته لله. فقط دعت أن يصلحه لها ويصلحها له أو يعطيها من ترضى به ويملأ قلبها وروحها إن لم يكن يحيى من نصيبها.
تنهدت بسعادة وهي تتراجع قليلاً وترى انعكاسها في المرآة الكبيرة التي اشترتها بالأمس وابتسامة سعيدة تزين ثغرها. صفرت وهي ترى نفسها أكثر جمالاً. فعينيها البنية كانتا تتألقان بسعادة كبيرة. نظرت إلى ساعتها، آن الأوان لتذهب للعمل الآن. تحركت خارجة من غرفتها ووجدت والدتها قد أنهت إفطارها: "بالهنا والشفا يا أما." قالتها رانيا مبتسمة وهي تقبل رأسها ثم أحضرت أدويتها وقالت:
"ودلوقتي هتأخدي أدويتك وتقعدي عند خالتي ماجدة شوية لحد ما أنا أجي." ضحكت رابحة وقالت: "يا بنتي يعني خايفة عليا ما أقعد لوحدي. أنا كتير قعدت لوحدي ومخوفتش." ابتسمت رانيا وقالت: "معلش يا ست الكل عشان أكون متطمنة على الأقل." تنهدت رابحة وقالت: "ماشي يا بنتي على راحتك. أنا عارفة إنّي مش هقدر أغير رأيك." "صحيح ويالا دلوقتي عشان تأخدي الدوا." وبالفعل أعطتها الدواء ليرن جرس المنزل وتقول:
"واهي خالتي ماجدة جات." ثم اندفعت لتفتح الباب لتتجمد وهي تجد أمامها آخر شخص توقعت أن يأتي الآن وهو عمها. "أنت!!! هو إحنا مش هنخلص ولا إيه؟ جاي ليه؟ "ممكن تدخليني يا بنتي؟ " قالها بإنكسار لتنظر إليه بدهشة وقد بدت عليها الحيرة. بعد قليل كانت قد أدخلته وجلست تستمع إليه. "أنا هرجعلك حقك في الورث يا رانيا." قالها بتعب وهو يطرق رأسه بالأرض. رفعت حاجبيها وقالت: "وأكيد ده هيكون بشروط." هو رأسه ودموعه تتساقط على وجنتيه وقال:
"لا يا بنتي. من غير أي حاجة أنا هرجعلك حقك. أنا عرفت إن كل اللي حصلي ده بسبب اللي عملته فيكي انتِ وأمك. خلتكم تحتاجوا وتعيشوا في الفقر وأنا أخدت ورث أبوكي منك. سامحيني يا رانيا. سامحيني. أنا والله اتعلمت الدرس. ابني عمل حادثة وفي المستشفى بين الحياة والموت وبنتي اتطلقت واتخرب بيتها." "لا حول ولا قوة إلا بالله ربنا يصلح الحال." قالتها بتأثر. رغم أنه إذاها كثيراً ولكنها لم تتمنى أن يعاني أي من أولاده.
"يعني انتِ مسامحاني يا رانيا. مسامحاني يا بنتي!! " قالها بلهفة لتزدرد ريقها وتقول: "مقدرش أقول كده. مقدرش أسامح. بكل بساطة لأني إنسانة مش ملاك. واللي عملته صعب بس عمري ما هدعي عليك ولا على أولادك هدعيلك دايماً ربنا يصلح حالهم." هز عمها رأسه بتعب وقال: "بكرة بإذن الله حقك في ورث أبوكي هيوصلك كاش. مبلغ كويس أوي يا رانيا هتقدري تعيشي بيه مرتاحة من غير ما تشتغلي تاني. خلاص أخيراً هترتاحي."
"أنا حاولت كتير أعوضك عن اللي عمله أبوكي فيكي. حاولت كتير أكفّر عن غلطي في حقك لما سمحت ليه يأذيكي. حاولت كتير أخليكي إنسانة كويسة. واحدة محترمة وبنت ناس. حاولت كتير عشان متبقيش رخيصة زي أبوكي وللأسف الرخص بيجري في دمكم انتوا الاتنين. جوزتك لواحد البنات كلها بتتمنى نظرة من عينيه. مهندس ومحترم وكان بيحترمك وربنا رزقك ببنت زي السكر ولكن رغم ده مش شكرتي ربك على نعمه وصممتي على جنانك وهوسك."
كانت والدة جوري تتكلم وهي جالسة بجوار باب الغرفة التي حبست به جوري. كان قلبها يحترق. شعرت أن كل ما فعلته قد انهدَم. ابنتها دمرت كل شيء. لقد ظنت أنها سوف تحاول ملاحقة ياسين كي يعود إليها. لم يخطر حتى في أحلامها أنها سوف تستخدم السحر لتجعل ياسين يعود إليها. كيف أصبحت ابنتها بهذا الاختلال كيف؟ كانت العديد من الأفكار تدوي في رأسها. العديد من الأسئلة التي ليست لها أي إجابة.
من الناحية الأخرى كانت جوري تجلس على الأرض والدموع تنفجر من عينيها وتقول:
"أنا آسفة يا ماما. آسفة على كل اللي عملته. سامحيني أرجوكِ. أنا بس حبيت ياسين وكان نفسي يرجعلي لكن هو دايماً كان بيصدني. بيعاملني كإني رخيصة ومليش لازمة. قولتله كتير إني هتغير بس يرجع بس هو رفض وأنا بحبه يا ماما. بحبه أوي. أنتِ فاكرة إني عايزة أرجعله عشان شايفاه سعيد مع مراته. بس لا أنا والله بحبه. بحبه أوي وعايزة أعيش معاه هو وبنتي. أنا عايزة أتغير يا ماما. مش عايزة أبقى وحشة ولا عايزة أكون زي بابا. أنا عايزة أكون إنسانة كويسة. زوجة كويسة لياسين وأم كويسة لبنتي. أنا أذيت ياسمين أوي يا ماما. أذيتها زي ما بابا آذاني وندمانة على اللي عملته وعايزة أبدأ من جديد يا ماما. عايزة أكون إنسانة كويسة. ساعديني أبقى إنسانة كويسة يا ماما."
هزت والدتها رأسها وقالت بنبرة مخنوقة:
"لا يا جوري أنتِ عمرك ما هتتغيري. هتفضلي كده دايماً زي أبوكي بالظبط. عمرك ما هتتغيري. هو زيك وعدني كتير إنه يتغير بس متغيرش. وأنتِ هتبقي زيه كده. هتوعديني مليون مرة إنك هتتغيري بس أنتِ عمرك ما هتتغيري يا جوري هتفضلي كده دايماً. دايماً إنسانة حقودة عايزة تدمر حياتي حياة الناس اللي حواليكي. ياسين كان جوزك. كان ملكك وبين إيديكي أنتِ اللي ضيعتيه من إيديكِ. الراجل عانى معاكي وعمل المستحيل عشان يساعدك. بس أنتِ كنتِ مصرة
تبقي وحشة مصرة تهدي كل حاجة. لحد ما كل حاجة تتهد على دماغك. سحر. بتلجأي للسحر وتكفري. وبتبيعي جسمك. تخلي واحد رخيص يلمسك ويوصلك. يا خسارة تربيتي فيكي. يا خسارة. مكنتش أتوقع إنك تطلعي بالرخص ده. بس أنا اللي غلطانة. أنا يا جوري كان مفروض أجيبك من شعرك وأوديكي دكتور نفسي يعالج جنانك ده. بس أنا دلوقتي اللي هعالجك بنفسي يا جوري. أنتِ هتتحبسي هنا. مش هتشوفي الشارع أبداً. أنا مش هطلعك من هنا أبداً. مفيش حرية ليكي تاني
وبعدها بعد ما تتأدبي تروحي معايا للدكتور النفسي يصلح الكلاكيع اللي جواكي اللي بسبب أبوكي ديا."
حمر عين جوري من فرط الانفعال وصرخت: "الكلاكيع دي أنتِ اللي عملتيها فيا مش بابا أبداً. صحيح آذاني كتير بس أنتِ أذيتيني أكتر منه. أنتِ اللي كل ما أعمل حاجة غلط مهما كانت صغيرة تفكريني بيه وتقولي إنّي هطلع زيه. زرعتي الفكرة دي في راسي. فهمتيني إن عمري ما هبقى سوية بسببه. أنتِ السبب يا ماما أنتِ السبب. أنتِ اللي دايماً بتفكريني بيه. دايماً بتقوليلي إنّي شبهه. محاولتيش حتى تخليني أنساه. دايماً حاطاه بيننا." "أنا...
أنا حاولت كتير إني أعالجك من جنانك زي أبوكي." صرخت والدتها وهي تضرب الباب بقوة لتصرخ جوري بقوتها وقد شعرت بأن جوفها يحترق. "أنا مكنتش عايزة دكتور. أنا كنت عايزاكي تحبيني." "أنا مكنتش بحبك يا جوري. بعد اللي عملته ده كله طلعت مبحبكيش؟ بكت جوري وقالت:
"لا محبتنيش. دايماً بتفكريني بيه. حاطاه بيننا وبتقارنيه بيا أنا. أنا ذنبي إيه أتحمل ده كله ولا عشان أنا بنته. ليه تحمليني نتيجة غلطتك انتِ انتِ اللي اخترتيه مش أنا. مش أنا خالص." "بس... بس اخرسي. متبرريش فشلك وجنانك. أنا مش مسئولة على حاجة. أنتِ السبب يا جوري. أنتِ السبب." و... فجأة توقفت عن الكلام وهي تسمع صرخة جوري والزجاج. ينكسر. "جوري!!!
" قالتها هي برعب ثم نهضت وفتحت الباب بسرعة لتصرخ وجوري تضربها بالمقعد الخشبي على وجهها. وقعت والدتها أرضاً وهي غارقة في دمائها لتهرب هي متجهة إلى المكان الذي برأسها. كان جالس على الأريكة وهو يضمها إليه ويقبل رأسها. "إيه رأيك نجيب ياسمين بكرة من عند حماتي. أصلها وحشتني أوي." قالتها ورد وهي تنام على صدره وتنظر للتلفاز. "ماشي نجيبها يا حبيبي." "بحبك وانت رايق كده." ضحك ياسين وقال: "محسساني إنّي أربعة وعشرين ساعة مجنون."
ضحكت هي وقالت: "لا العفو يا أخويا. أنت سيد العاقلين." نظر إليها ورفع وجهها وقال: "أنا مجنون بيكي وبس." ثم اقترب ليقبلها ولكن رنين جرس المنزل أوقفه. ابتعد عنها بضيق وقال: "مين الغلس ده بس؟ نهض وفتح الباب ليتراجع قليلاً وهو يرى جوري هي ترتعش وكفها مخضب بالدماء: "أنا قتلت ماما. قتلت ماما يا ياسين!! " قالتها وهي تضحك بجنون. في المساء. في عيادة الطبيب النفسي. كان جالس وهو يشعر بالضياع. عينيه لامعة بالدموع بينما يقول:
"حضنتها يا دكتور. قولتلها إني آسف بس هي مشيت وسابتني. قلبي اتكسر وأنا شايف بنتي بتبعد عني بالشكل ده. بس قلبي واجعني أكتر وأنا عارف ومتأكد إني أنا السبب في كل ده. أنا اللي بعدتها عني بالشكل ده. أنا السبب في كل ده يا دكتور. أنا السبب." "طيب حابب تتكلم عن السبب الأساسي اللي خلاك تعامل بنتك بالشكل ده؟ مستعد تتكلم عن الموضوع؟ نظر كريم إلى الطبيب وهو يزدرد ريقه بصعوبة ولكنه قال:
"أيوه يا دكتور مستعد أنا عايز أتكلم عن الموضوع." ابتسم الطبيب وقال: "جميل اتكلم يا كريم." نظر كريم إلى الطبيب وداخله يرتعش بشدة.
"مراتي خانتني. خانتني." قالها بصعوبة شديدة كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة ثم نظر إلى الطبيب ليرى رد فعله ولكن ملامح الطبيب كانت غير مقروءة فقط ينظر إليه ويحثه على أن يكمل كلامه. فرك كريم كفيه ببعض والتوتر ارتفع داخله. شعر أن دقات قلبه تتسارع. والألم يعصف به من الداخل. إنه من المؤلم أن يتذكر ما حدث مجدداً. مؤلم جداً أن يعيش نفس الشعور. تنهد بقوة وهو يكمل:
"كانت بتجيبهم البيت عندي وأنا كنت زي العبيط مش عارف أي حاجة. كانت بتستغفلني. كنت بثق فيها أكتر من نفسي. وبحبها أكتر من نفسي. عشان كده كانت صدمتي كبيرة لما اكتشفت خيانتها." صمت قليلاً وقد مسح الدموع التي انسابت من عينيه وأكمل بإختناق:
"في يوم رجعت البيت وعرفت أن بنتي عند الجيران ومراتي قالت إنها رايحة مشوار. كنت مش فاهم حاجة وحاولت أتصل بيها بس تليفونها كان مقفول وبعدين قريت رسالة منها بتقول إنها مبقتش تحبني وإنها عايزة تتطلق. مكنتش فاهم أي حاجة. وليه هي عملت كده. اتصلت بأهلها اللي برضه مكنوش فاهمين أي حاجة. قعدت يومين وأنا مصدوم ومنهار. بدور عليها زي المجنون وأنا نفسي أسألها هي ليه عملت كده ليه؟
كنت مصدوم ومش فاهم أي حاجة. أنا وهي كنا مبسوطين أوي مع بعض. محرمتهاش من حاجة ولا خنقتها بزيادة ومعانا بنت زي القمر. حياتنا كانت حلوة أوي وفكرت أنا عملت إيه عشان تقول كده أو تهرب مني. لحد ما في يوم جالي اتصال من الشرطة إنهم لقوا مراتي. وأنها ماتت في حادثة. لسه فاكر اليوم ده. اليوم ده كان أسوأ يوم في حياتي يا دكتور. حسيت الأرض بتتهز تحتي. اتصدمت وقلبي وقع في رجلي من الخوف. بس الصدمة الأكبر لما اكتشفت إنها لما ماتت في
حادثة كانت في عربية عشيقها وكانوا هربانين مع بعض. عرفت ده من موبايلها والرسايل اللي قريتها ما بينهم. أنا يا دكتور لسه محتفظ بالموبايل ده عشان كل أما افتكر إني كنت بحبها أشوف الرسايل وأفتكر إنها خانتني مع كلب ميسواش. كنت بقسي قلبي عشان متوحشنيش. كنت بعلم نفسي أكرهها زي ما حبيتها. لدرجة...
لدرجة إني كرهت بنتي بسببها." دموعه انفجرت من عينيه وهو يكمل بإختناق: "الكل بيقول إن نسرين شبهي. بس أنا طول عمري بشوفها شبهها هي. نفس النظرات. نفس الحركات ونفس الجمال والرقة. عشان كده بعدت عن نسرين. أنا عاقبت بنتي عشان مقدرتش أعاقب الخاينة على خيانتها. أنا بشع يا دكتور. أنا مش أب كويس." ثم انفجر بالبكاء. كان يبكي بمرارة وهو يتذكر كيف أنه أذى ابنته. كيف أبعدها عنه.
"أنا عايز بنتي ترجع تحبني يا دكتور. عايزها تشوفني أمانها من جديد. مش عايز أشوف الكره في عينيها تاني عشان ده بيعذبني. ممكن ده يحصل ولا أفقد الأمل خلاص؟ تنهد الطبيب وهو ينظر إليه وقال:
"مفيش حاجة مستحيل. بس أنت مستعد تعمل إيه عشان تخليها تثق فيك تاني ده اللي هيحدد. بس المهم متبقاش شايفها زي مراتك. تكون شايفها كبنتك. بنتك اللي ملهاش أي ذنب. مشكلتك يا كريم هي الغضب. أنت غضبان عشان مقدرتش تعاتب مراتك أو تعاقبها فشوفت إنك تعمل كده مع النسخة الأصغر منها وهي بنتك ورغم أنك اتجوزت اخت مراتك إلا أنك فضيت غضبك على بنتك." قاطعه كريم وقال: "نهى مختلفة عنها خالص. مكانتش شبهها. كأنهم مش أخوات."
هز الطبيب رأسه وقال: "فهمت. أنت لسه عايش في الماضي يا كريم. مش سامح لنفسك إنك تنسى وتتعافى واعتقد دي مشكلتك وده اللي هنحاول نحله سوا. كل حاجة هتكون بخير متقلقش." في اليوم التالي. فتحت جواهر عينيها لتجد عبير نائمة بجوارها. عبير منذ أتت وهي لا تتركها أبداً مهما حاولت جواهر معها لكي تذهب. ولكنها عنيدة. حتى عدي لا يتركها إلا فقط عندما يذهب لعمله.
نهضت جواهر وخرجت من الغرفة وهي تتجه إلى الأريكة التي اعتادت أن تجلس عليها والدتها. وقالت: "ليه ميكونش ده حلم. ليه ميكونش كابوس. أنا محتاجالك يا ماما." "وأنا دايماً معاكي يا جوهرتي." نظرت جواهر بجانبها لتجد والدتها تجلس بجانبها. "ماما... " قالتها والدموع تطفر من عينيها ثم أكملت: "ماما أنا مش قادرة أعيش من غيرك. تعالي خديني." ابتسمت سوسن وقالت: "هتقدري وهيخف الألم اللي في قلبك يا جواهر وهتفرحي." هزت جواهر رأسها وقالت:
"الحياة مبقتش ليها قيمة من بعدك. اكتشفت إنّي مش قادرة أعيش. مفيش حاجة مفرحاني ولا حد قادر يملى مكانك يا أمي. عبير مش سايباني ورغم كده حاسة إني وحيدة بقول ياريت أموت وأرتاح عشان أشوفك. نفسي أروحلك يا ماما. نفسي حتى أحضنك أو أبوسك." اقتربت سوسن من ابنتها لتغمض جواهر عينيها وهي تشعر بقبلة والدتها الحنونة على جبينها. ثم فتحت عينيها لتجد والدتها اختفت. نظرت حولها بجنون. هل كانت تتخيلها معقول؟
رنين الجرس جعلها تنتفض من مكانها. نهضت وذهبت لتفتح الباب. نظرت من العين السحرية لتجده والدها. فتحت الباب بسرعة بلهفة واندفعت بين أحضانه تبكي بعنف. ربّت عامر على ضهرها برفق وقال: "شدي حيلك يا بنتي. شدي حيلك." "أنا بقيت لوحدي. ماما سابتني ومشيت." ابتعد عامر عنها وأمسك كفها وقال: "اهدي يا بنتي. خليني بس أدخل عشان هقولك كلمتين وأمشي." نظرت إليه بدهشة ومسحت دموعها بينما يدخل المنزل ويجلس على الأريكة. ذهبت
هي وجلست بجواره وقالت: "تمشي. تمشي ليه. خليك معايا شوية. أنا... أنا... "جواهر اسمعيني وبس ومن غير ما تقاطعيني. ربنا يعلم إن اللي هقوله ده صعب عليا قد ما هيبقى صعب عليكي." "انت بتقول إيه يا بابا؟ " قالتها ببلاهة وهي لا تفهم شيئاً. تنهد عامر وهو يتذكر وعده لسوسن ثم نظر إلى جواهر وقال: "أنا مش أبوكي الحقيقي يا جواهر!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!