أومأ محمد بصمت. أخرج أحمد تنهيدة قوية ثم رفع هاتفه ينقر عليه وابتسم بعشق يرى صورتها في هاتفه، ليشرد قليلًا متذكرًا كيف التقط هذه الصورة. جلست على المقعد تنظر له بحنق شديد وهي تقول: _هات الريموت أنا قعدت قبلك ومسلسلي هيبدأ. ابتسم أحمد بحب يقول بنبرة مشاكسه: _عايزاه تعالي خديه أنا مش هقوم من مكاني. زفرت ملك بضيق شديد. ما به اليوم؟ نهضت مجبرة ووقفت أمامه مدت يدها تقول بنبرة متهكمة: _هاتيه بقى. طالعها أحمد ببسمة واسعة
وهو يسترخي على الأريكة: _اعملي لي شاي الأول. _أفندم؟ _إيه؟ طلبت المستحيل؟
قلبت ملك عينيها بضيق ومالت لتأخذ جهاز التحكم، ليرفع أحمد يده عاليًا وهو يضحك بشدة رغمًا عنه، لعجزها عن الوصول إلى يده. كادت تقع وهي تحاول رفع جسدها، ليمسك أحمد بها سريعًا يضع يده حول خصرها، ولا يزال يرفع يده الأخرى بجهاز التحكم. تسارعت دقات قلب ملك بقوة ونظرت له بعيون تردد حكايات عن عشقه، الذي تغلغل في داخلها واحتل كيانها كليًا. وحاله لم يكن يقل عن حالها، تراخت يده الممسكة لجهاز التحكم، وشردت عينيه في عينيها. كان على طرف لسانه أن يخبرها كم يهيم بها عشقًا، ولكن حديث العيون سيكون أبلغ من مئات الكلمات.
استرخت ملك على قدميه تضع رأسها على صدره الذي ينبض بقوة، لتغمض عينيها بسكينة واطمئنان. تنهد هو بقوة، وعصفت به المشاعر ليرفع ذقنها بطرف أصابعه، لا يريد أن يفوت تلك اللحظة والنظر في عينيها اللتين تلمعان بقوة واحمرار خديها بشكل محبب إلى قلبه. كل ذلك جعله يردد ببحة عاشقة وكأنه مُسير وليس مخير، يحركه العشق: _لا السيفُ يفعلُ بي ما أنتِ فاعلةٌ.. ولا لقاءُ عدوَّي مثلَ لُقياكِ.
لو باتَ سهمٌ من الأعداءِ في كَبدي.. ما نالَ مِنَّيَ ما نالتْهُ عيناكِ. سقطت دموع ملك بقوة وهي تنظر له فقط بصمتٍ، لا تريد من هذه اللحظة أن تمضي، خشيت أن تهتف بكلمة تضيع سحر هذه اللحظة. ولكن اللحظات الجميلة تمضي بسرعة كبيرة للأسف عزيزتي. أفاق هو يبعدها عنه وهو يوليها ظهره، يمسح على وجهه حتى يستعيد رباطة جأشه، تاركًا ملك تنظر له بعيون مغمورة بالدموع.
هرب هو إلى غرفته يحاول تمالك أعصابه التي تلاشت بقربها. يا الله، ما عاد يطيق كبت تلك المشاعر أكثر من ذلك.
انتظر حتى مضت ساعة وخرج من الغرفة بوجه جامد يتجه للجلوس معها. بينما هي لم تلتفت حتى صوبه، كانت تركز نظراتها على الشاشة تتابع مشاهدة مسلسلها المفضل. في الوقت الذي كان أحمد يتابع مشاهدة ملاكه وحب عمره، كلٌّ ينظر إلى ما يحب. تختلس النظرات له ثم تعاود النظر إلى المسلسل. وعندما ثبتت على وضعيتها وما عادت تلتفت، أخرج هو هاتفه واستغل تلك اللحظة وقام بالتقاط أجمل صورة في العالم، من وجهة نظره. عاد من شروده يستمع لصوتها
الناعم تسأله عن أحواله: _أحمد سامعني؟ أنت كويس يا حبيبي؟ ابتسم أحمد ثم أجابها: _أنا دلوقت بقيت كويس. ملك أنا بعشقك، سمعاني؟ رفرفت ملك في دنيا غير هذه الدنيا وهي تشعر بدقات قلبها الذي ينبض بعنف لتحمر وجنتاها تردد بحب واضح: _سمعاك يا أحمد. دايمًا كنت بسمعها منك حتى لو منطقتش، في عيونك قرأتها ولما كنت بحط رأسي على قلبك كنت بسمعها في دقاته. خلي بالك من نفسك. مقربتش تيجي؟ فات أسبوعين أهو، وحشتني كتير. تنهد أحمد ورد بحنين:
_هانت يا حبيبتي، آخر مأمورية وجيلك على طول إن شاء الله. هطلع من الصعيد على القاهرة على طول. _ماشي يا حبيبي، توصل بالسلامة. طمني عليك على طول. ودعها أحمد ثم أغلق معها وتنهد تنهيدة قوية. رفع رأسه صوب السماء لبضع ثوانٍ ثم أخفضها إلى الأرض حينما رأى محمد يدعوه للقدوم ليلحق الصلاة معهم. وبعد أن انتهوا من الصلاة، التفوا حول الشيخ محمد رفعت والذي بدأ حديثه عن موضوع اليوم والذي استوحاه من حديث أحمد له:
_الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد، هنتكلم انهارده عن موضوع في غاية الخطورة، ألا وهو الفتوى اللي بقت منتشرة في عالمنا بطريقة رهيبة وكل من ليس له علم يفتي. أول حاجة نعرف إيه هي الفتوى وشروطها وممن تتأتى الفتوى منه. الفتوى يا أحباب الله، هي الإخبار بحكم شرعي عن دليل لمن سأله عنه من غير إلزام. أومأوا بصمت فاسترسل هو يكمل حديثه وأحمد منتبه لكل حرف يخرج من فمه:
_شروطها بقى أن الشخص اللي هسأله ده يكون شخص بالغ مش لسه مبالغش الحلم، وعاقل مش أروح لمجنون وأقوله افتيني في الدين، هو نفسه محتاج اللي يفتيه ويقوله الصح من الغلط. تاني حاجة مؤمن بالله وعارف بلغات العرب، يكون مطلع على الكتاب والسنة وما يحتويه من أحكام مشروعة، عنده علم بأصول الفقه ويكون ثقة مأمونًا. ما أروحش لواحد بيسرق أو بيزني أو بيرتكب معاصي وكبائر وأقوله افتيني. صمت يلتقط أنفاسه ثم تابع مبتسمًا:
_كده خلصنا من نقطة المفتي. نروح بقى للمستفتي اللي هو الشخص اللي عنده فتوى وعايز يسأل عنها. ده بقى لازم عليه ميسألش إلا الشخص اللي غلب على ظنه أنه أهل للفتوى، شخص موثوق فيه وفي كلامه، وإنه عايز بفتواه الخير ويعلم الحلال من الحرام وبس كدا. من أفتى الناس دون علم حمل الذنب كله. يعني إيه؟ يعني مثلا لو روحت لشخص وأنا مفكر إنه أهل علم ومعرفة وافتاني في حاجة. تنهد مكملاً:
_والحاجة دي طلعت غلط وأنا عملتها، فالإثم بيقع على المفتي وأنت مش عليك شيء. فاحترسوا أخواتي من الفتوى بدون علم. ولكن بقى لو أنت عارف إنه مش أهل ثقة وكسلت تدور على غيره وعملت باللي قالك عليه، فالإثم بيشملكم أنتم الاتنين. ***** بعد مرور عدة أيام…. تجلس ممسكة ببعض الملابس، تقلب بينهم بانبهار شديد ثم رفعت أحدهم تشير به وهي تقول ببسمة صغيرة، عندما رأت نعمة مقبلة عليها: _إيه رأيك؟ اللون حلو؟
جلست نعمة بجوارها تقول بعينين ضيقة وهي تتفحص الفستان الذي في يدها: _اممم مش بطال يعني، بس اللون أسود ليه أسود يا ملك؟ تنهدت ملك تقول: _تصدقيني لو قولتلك بحب اللون ده؟ يعني ليه الناس تبغض الأسود وتكرهه وتنسبه لحاجات هو ملوش دخل فيها، ذنبه إيه إن لونه كدا؟
_خلاص يا ملك هتفتحي لي محاضرة تدافعي فيها عن اللون الأسود، البسيه بس رأيي الأحمر ده هيكون أحلى بكتير، وهايعجب أحمد وهتشوفي. يا بت الراجل راجع من شغل تقابليه بفستان أسود؟ أقول إيه بس، لازمك كتير يا ملك علشان تبقي ست بيت شاطرة، هطفشي الراجل واحنا ما صدقنا. ضحكت ملك بقوة ونظرت لها بيأس ثم قالت: _طيب يا ستي منك نتعلم، هجربه الأول استني. أومأت نعمة بهدوء وأردفت وهي تلتقط جهاز التحكم الخاص بشاشة التلفاز:
_طيب وأنا هقلب في القنوات لحد ما تطلعي. كان فيه فيلم حلو أوي ذايعين عنه. غابت ملك داخل الغرفة تبدل ملابسها وهي تبتسم بسمة واسعة فقد هاتفها أحمد وأخبرها بأنه سيعود اليوم أو غدًا فور أن تنتهي مهمته. خرجت ملك بعد دقائق ترفع طرف فستانها الأحمر وهي تقول ببسمة صغيرة، ونعمة التفت تنظر لها: _إيه رأ… وقفت الكلمات في حلقها وجحظت عينيها تنظر خلف نعمة بصدمة كبيرة. ضيقت نعمة عينيها مستغربة وقبل أن تسألها ماذا أصابها
صدح صوت المذيعة تقول: _حريق شامل التهم سفح الجبل بمن عليه، كان فخ مدبر للإيقاع برجال الشرطة، وأصيب عدد كبير من ضباط الشرطة وعساكر الجيش منهم الضابط محمد منصور الذي أصيب بجروحٍ خطيرة وحالته حرجة للغاية. وقعت ملك على الأرض، أرجلها لا تحملها، بينما نعمة تجلس بقربها تحثها على التنفس: _اهدي يا ملك اتنفسي، أحمد مجابش سيرته، اهدي. تحدثت ملك بتقطع وعيون أغرقتها الدموع:
_محمد.. ده صاحب أحمد.. أحمد معاهم.. أنتِ شايفه صور الحريق. وخلف نعمة حيث شاشة التلفاز، أكملت المذيعة حديثها تضع يدها على السماعة أسفل شعرها: _وننقل الآن خبر صادم عن إصابة الضابط أحمد عبد الرحمن علي، والذي قد افتداه زميله الشهيد حسان عبد المجيد. إنها مجزرة بما تحمله الكلمة من معاني. كان الله في عون جميع الأهالي.. وحفظ الله مصر وشعبها.
فتحت ملك فمها تصرخ بحرقة بأعلى صوتها قبل أن يغشى عليها. هرع الجميع إلى داخل الغرفة على صوت بكائها، وكان أول من خرج من صدمته هادي الذي قال بخوف شديد: _في إيه؟ مالها ملك؟ _ملك هتموت مننا يا هادي. نبست بهم نعمة وهي تبكي بقوة. انحنى هادي يحملها وهو يقول بدموع: _إيه اللي بتقوليه ده يا نعمة؟ هي خلاص رجعت لضحكتها وكانت مبسوطة. _أحمد أحمد اتصاب في المهمة وأغلب الضباط اللي معاه ماتوا. حرقوهم، منهم لله.
بكت والدتها تربت على شعر ملك التي تهزي منادية على حبيبها. ******* بعد مرور بعض الوقت….
كانوا يجلسون أمام غرفة العمليات الجراحية، الكل يضع يده على قلبه ولسان حالهم يبتهل بالدعوات. وفي غرفة مجاورة تغفو ملك بعد أن حقنوها بإبرة مهدئة نظرًا لحالتها. وبداخل غرفة العمليات كان أحمد يرى حلمًا عجيبًا يقف في منتصف الطريق تائهًا. ظهرت ملك له بفستان أبيض جميل، تبتسم له بعشق وهي تفتح ذراعيها له. ما كاد أحمد يركض صوبها وإذ بصوت من خلفه جعله يتجمد بأرضه. التف أحمد ينظر له بصدمة قبل أن يبتسم يقول: _حسان. تحدث
حسان وهو يرفع ذراعيه له: _تعالى يا صاحبي، أنت وحشتني. تحرك أحمد باتجاهه ودموعه برزت في عينيه. وفجأة توقف على صراخها يأتي من خلفه ليقف في مكانه ينظر لها. ابتسمت ملك له بتشجيع وهي لازالت تفتح ذراعيها له تدعوه للاقتراب: _تعالى يا أحمد ليا، ما تسبنيش تاني. ومن خلفه يهتف حسان: _حسان موحشكش يا أحمد، كنت بتشتكي إني مش بجيلك، أنا جيتلك أهو ومادد إيدي، تعالى. ومجددًا التف أحمد صوبه وقبل أن يتقدم نحوه صرخت
ملك بحرقة وأعين دامعة: _لا يا أحمد متروحش، تعالي ليا أنا ملك حبيبتك. هتف حسان مرة أخرى: _تعالى ليا يا أحمد يالا. جثى أحمد على ركبتيه يبكي بكل صوته بحرقة شديدة، وأصواتهم من حوله تداخلت مع بعضها، ليضع أحمد يديه على أذنيه يصرخ بانفعال: _أنا ملك حبيبتك ماتسبش إيدي، أموت يا أحمد؟ أنت عايزني أموت؟ _أنا صاحبك ورفيق دربك، تعالى ليا يا أحمد، أنا مستنيك من زمان.
وهنا في أرض الواقع، كان يهتز جسده بقوة وصفير مزعج دب في الغرفة. برقت عيني الطبيب يحث الممرضة على جلب جهاز الصدمات. وضعت الممرضة بعض الأدرينالين على الجهاز ثم ناولته للطبيب الذي أخذه منها وبدأ يصعق قلبه وأيضًا الصفير مستمر. صرخ أكثر يقول: _زودي الجرعة بسرعة، ١٣٠. فعلت الممرضة كما طلب وناولته له ليهتز جسد أحمد بقوة.
وهنا في أرض الأحلام كان أحمد ينظر لهما بتشوش ودموعه على خده، بعد أن وقف الاثنان أمامه كلٌّ منهما يمد يده له. _أنا ضايع، مشتت، أعمل إيه؟ مقدرش أسيبها يا حسان، أنا آسف. تموت لو عملت كدا، هي اتعذبت كتير! نظر له حسان بدموع وحزن: _وأنا؟ أنا تسيبني أموت علشانها؟ وأنا؟ أنا اتعذبت بردو، ده ملوش قيمة عندك؟ اندفعت ملك بفستان زفافها الأبيض تلتصق به تضمه بكل قوتها وهي تشد من يديها على جسده تبكي بقوة وألم شديد. تمتم
أحمد بخزي وهو يخفض رأسه: _آسف. رمقه حسان بنظرة طويلة لم يستطع أحمد تفسيرها وهو يختفي من أمامه كالسراب. وهنا زفر الأطباء براحة كبيرة عندما عاد النبض لقلبه، وأخيرًا انتهت تلك العملية. خارج الغرفة….
نظروا صوبها بقلق شديد وهم يرونها تقف أمامهم بإعياءٍ ظاهر، عينيها تنظران صوب جهة معينة، غرفة العمليات. وبدون أن تفتح ملك فمها بحرف سارت أمامهم حتى وقفت أمام الباب الفاصل بين الدخول. ومهما حاولت نعمة وهادي وحتى والدتها منعها لم يستطيعوا لصراخها في وجههم، تزامن ذلك مع فتح باب الغرفة وخروج الطبيب الذي قال قبل أن يسأله أي أحد: _مين فيكم ملك؟ وأخيرًا أبدت ملك ردة فعل طبيعية لتبتسم مشيرة على ذاتها: _أنا ملك، أحمد كويس؟
ابتسم الطبيب قائلاً: _طول العملية كان عمال يقول أنا بحبها ومقدرش أسيبها رغم أنه تحت التخدير، يظهر حبك أقوى من المخدر، لأنك مغبتيش عن عقله ثانية. هو حاليًا بخير، خرجنا الرصاصة وعنده بعض الجروح الطفيفة نتيجة الحروق، والحمد لله وشّه مفهوش حاجة كبيرة. جوزك بطل حاول بكل طاقته يخرج زمايله، اطمنوا هو بخير ودكتور التجميل عنده جوه يخلص وننقله أوضة عادية وحمد الله على سلامته.
تنفست ملك الصعداء وضمها أخوها هادي الذي قبل رأسها، بينما ملك تغمض عينيها تشكر ربها على لطفه وكرمه. ابتعد الطبيب بعد أن استأذن منهم. لم تمضِ خمسة عشر دقيقة ورأوا الباب يفتح وأحمد يخرج منه على سرير متنقل يدفعه ممرضين. ركضت ملك له تقبل جبهته بدموع شديدة وهي تحمد الله مرة أخرى على عودته سالمًا لقلبها. ****** مساءًا….
كانت تجلس بقربه تقرأ القرآن الكريم بتركيز شديد. توقفت فجأة حينما شعرت بحركته على يدها الممسكة بيده، حيث كانت تقرأ القرآن من على هاتفها. وضعت الهاتف بعد أن صدقت، ونظرت له بعيون يملأها الدموع، وهي تراه يفتح عينيه ببطء شديد. اندفعت ملك تضغط على زر بجوار الفراش، وهي تصعد على السرير تقبل جبهته ودموعها تنهمر على وجهه. رفع هو ذراعه بتعب يلفه حول خصرها، همست ملك بنبرة باكية: _أحمد.
وفقط همست باسمه وانكبت تبكي مجددًا وجسدها ينتفض بقوة. صدرت منه همسة خافتة وهو يربت على ظهرها بحنان: _قلبه يا ملك. أتى الطبيب في تلك الأثناء وبرفقته الممرضة، التي تحاول إخراجها لمعاينة الطبيب له، ولكن ملك رفضت الخروج. ومع إصرارها رضخ الطبيب وتركها تبقى. تابع تفحصه لحالة أحمد بعناية، وملك تراقب ما يفعل بقلب يخفق بقوة. كان هناك ضمادات كثيرة حول صدره حيث أصابته الطلقة، وضمادات حول ذراعيه وبعض اللاصقات الطبية حول وجهه.
انتهى الطبيب من فحصه معربًا عن بسمة واسعة: _لا كدا بقينا عال العال، الحمد لله على السلامة يا حضرة الضابط. تحدث أحمد بإرهاق: _محمد.. محمد أخباره إيه؟ أجابته ملك هذه المرة: _الحمد لله، عدا مرحلة الخطر ومراته جنبه هي وبنته.
ابتسم أحمد بارتياح ومد يده لملك لكنه سرعان ما سحبها حينما مر بخاطره نظرات حسان له، ليكسو الضيق معالم وجهه. لاحظت ملك ذلك وشعرت بالحرج من سحبه ليده، قبل أن تمسكها كما لم يغب عن عينيها تغير ملامح وجهه للضيق.
استأذن الطبيب بعدما أوصاها بعدم إرهاقه ومعه الممرضة لتخلو الغرفة من عداهم. تقدمت ملك تجلس على طرف الفراش ثم مالت عليه لتقبله، تفاجئت بابتعاده حيث أدار رأسه للجهة الأخرى. غمرت عينيها الدموع الكثيفة، هل سنعود لما كنا عليه؟ لا لا، ليس مجددًا! همست بصوت مختنق: _أحمد، في إيه؟ _تعبان يا ملك بعد إذنك عايز أبقى مع نفسي شوية. سقطت دموع ملك أكثر تردف بنبرة مرتجفة بدت واضحة في صوتها، ليعتصر الحزن قلبه وتغمر الدموع عينيه:
_وهو أنا بتعبك بوجودي؟ أغمض أحمد عينيه أكثر يعض على شفتيه ثم قال دون أن ينظر لها: _ملك روحي لو سمحتي عايز أبقى مع نفسي شوية. خرجت ملك من عنده تسبقها دموعها بكثرة. رأتها نعمة تركض بقوة إلى جهة الحمامات، اتجهت خلفها وما إن استقرت داخل الحمامات معها رأتها تجلس على أرضية الغرفة تبكي بكل طاقتها. انحنت نعمة تجلس القرفصاء وهي تقول بقلق: _في إيه يا ملك؟ أحمد كويس؟
_رجعنا تاني لنقطة الصفر، أنتِ كان معاك حق، أنا تعبت بقى ونفسي أرتاح. أنا هابعد واريحه، هو بيتعذب بسببي. قاطعتها نعمة تردف بحاجب مرفوع بتشنج: _مين بيعذب مين؟ ملك اعقلي، يعني إيه رجعتوا للهم تاني؟ _أيوه بصي، أنا خلاص فقدت الأمل. حسان هايفضل بيناتنا على طول وأحمد بيتعذب كل ما يقرب مني. حرام كفاية عليه كدا وعليا أنا هطلب الطلاق مش لازم نستنى التمن شهور. ختمت ملك حديثها وهي تقف، عدلت من وضع حجابها تقول ببسمة صغيرة:
_هفضل معاه لحد ما أما يسترد عافيته وبعدها هابعد من هنا خالص، هسافر لخالي ألمانيا. _أنتِ بتقولي إيه؟ مش هاتمشي يا ملك. _معلش يا نعمة كدا أفضل، يمكن لما أقوله على الطلاق يفوق أو يغير رأيه، مع إنه أمل ضعيف. ******* بعد مرور شهر وبضعة أسابيع….
ذاقت ملك فيهم الويل، كانت تبكي ليلاً ونهارًا. أحمد رفض وجودها معه طوال فترة علاجه وطلب ممرضة لترافقه في المنزل، وكلما دخلت عليه ملك يأمرها بالخروج. وكم جرحها ذلك. وفي إحدى الليالي…. سمعته يتأوه بصوت مرتفع وهو يتحرك بغير راحة على فراشه. فتحت ملك الباب دون تردد، شهقت بخوف شديد تركض صوبه صعدت على الفراش تمسك بوجهه وهي تنادي عليه بدموع شديدة: _أحمد.. أحمد اصحى أنت بتحلم.
فتح أحمد عينيه بعد لحظات ينظر لها بعينين دامعتين وهو ما بين الصحوة والغفوة، وبلا وعي جذبها من ذراعها لتسقط على صدره وهو يهمس بصوت متعب وغصة واضحة في كلماته: _ملك خليكِ معايا. همست ملك بعيون باكية: _أنا دايما معاك، بس أنت اللي رافض وجودي. ضمه أحمد بذراعيه أكثر يردد باكيًا: _عمري ما رفضت وجودك، سامحيني، أنا متعب وحاسس إني بموت، خليك معايا. تنهدت ملك بتعب وابتسمت بدموع: _سلامتك، بعد الشر عن قلبك.
حاولت الابتعاد عنه حتى لا تؤلمه فأمسك بيدها يمنعها ثم وضع رأسها على صدره وأغمض عينيه دون أن ينبس بحرف واحد، بينما ملك كانت تعض على شفتيها بقوة تحبس دموعها، هو ليس واعي بل تحت تأثير الدواء الذي به نسبة كبيرة من المخدر. وما إن يعود إلى وعيه…
حسنًا لا داعي لقولها، أنتم تعلمون. ما إن حل الصباح تململ أحمد في نومه يشعر بثقل على كتفه. حرك عينيه ينظر إلى ملك النائمة على صدره وتلقائيًا رُسمت على شفتيه ابتسامة واسعة. رفع يده ببطء يزيح خصلات شعرها عن عينيها، تحركت هي بشكل ظريف تجعد أنفها وهي تدفن رأسها في صدره أكثر كأنها تبحث عن مكان يناسبها في صدره لتنام عليه، كقطة صغيرة تداعب سيدها. أطلق أحمد ضحكة خافتة على حركتها تلك، ودنا منها ليقبل وجنتها الظاهرة أمامه وقبل أن تلامس شفتيه لخدها آفاق هو من غفوته الخيالية.
متذكرًا نظرات حسان في حلمه حينما كان في غرفة العمليات، لذا هتف فجأة بحدة وهو يصطنع الجمود وقلبه يرتجف: _أنتِ بتعملي إيه هنا؟ أنا مش قولت مش عايز أشوفك جنبي، افهمي بقى أنا وأنت قصة وانتهت. أنا إنسان غبي ومتخلف ومعقد ومريض نفسي كمان، أنتِ ليه مُصرة تفضلي؟ عاجبك العذاب ده ولا إيه؟
ارحميني وارحمي نفسك يا ملك، أنا بحبك وبموت فيك كمان بس آسف مش قادر أكون معاكِ. ومعلومة نسيت أقولك عليها، إحنا جوازنا باطل، وجودك هنا غلط كبير. ابتعدت عنه ملك تنظر له بملامح غاضبة والدموع تنهمر أمام وجهها: _يبقى تطلقني وسيبني في حالي بقى، واشبع بحبك المتخلف ده. أنا هابعد من هنا، هاسيبلك الدنيا كلها علشان ترتاح. ****** بعد مرور عدة أسابيع…. انتهت من قراءة الفاتحة له وجلست على الأرض وضعت باقة ورد بيضاء اللون، تقول ببسمة
صغيرة والدموع في عينيها: _ازيك يا حسان؟
أنا عارفة إنك لسه موجوع مني وزعلان، أنا مهما أتأسفلك مش كفاية. عايزة أقولك إني مش زعلانه منك على اللي عملته معانا، ده حقك ومعاك كل الحق. أنا ظلمتك كتير معايا واخترت إني أسكت وحرمتك من حقوقك، وظلمت والدتك معايا وحرمتها من إن يكون ليها حفيد وحس من بعدك. مش عارفة هيجي يوم وتسامحني أو لأ، بس أتمنى من قلبي تسامحني. والله حبيتك بس مش زي ما كنت تتمنى، أنت إنسان نبيل وطيب القلب، آسفة لأني حولتك للشخصية دي. نهضت وقالت وهي
تضغط على شفتيها من البكاء: _قبل ما أمشي عايزة أقولك إن أحمد ملوش ذنب، دي غلطتي من الأول، أنا اللي كان لازم أنسحب وأصارحك من البداية. سامحه لأنه ضعف قدامي. أنا النهارده جيالك لآخر مرة، هامشي من البلد دي وأسافر خلاص، استسلمت وخسرت في معركتي. سلام يا حسان، وأتمنى بجد تكون ارتحت. استدارت ملك تمسح دموعها بيديها حينما رأته يقف أمامها يقول بنبرة ضعيفة: _ملك؟ ابتسمت ملك بألم وعبرت من أمامه تقول بوجع:
_مبقاش ينفع ولا كان ينفع، سلام يا أحمد. أمسك أحمد بيدها سريعًا وجذبها إلى صدره يقول بعيون باكية: _هاتمشي وتسبيني بجد؟ جاهدت ملك دموعها وهي تحاول سحب يدها من بين يديه: _أحمد كفاية سيب أيدي. بأطراف أصابعه رفع وجهها له يقول بحزن: _ملك بصي لي.
أغمضت ملك عينيها بقوة وانفلتت شهقاتها. ضمه هو إلى صدره لتبكي بأعلى صوتها وهي تتمسك به وقد خارت قواها تسقط على الأرض وهو يحتضنها. ظلت ملك تبكي بشدة وهو يضمها فقط يبكي معها بحزن شديد، ثم همس بما جعلها تتوقف عن البكاء تبتعد عنه لتحدق في وجهه: _هو مسامحنا ومن زمان كمان، إحنا عذبنا بعض على الفاضي. همست ملك بعيون متسعة بصدمة: _إيه؟ رفع أحمد يديه وأمسك بوجهها وهو يمسح دموعها بأطراف أصابعه بحنان: _حسان مسامحنا يا ملك! _إزاي؟
عرفت منين؟ جذبها أحمد إلى صدره وهو يقول بتعب: _هحكيلك كل حاجة بس خليني أتأكد إنك معايا وفي حضني، وحشتيني كتير بقالي أسابيع مش عارف أشوفك. عارف أنا اللي طلبت ده وخليتك تمشي لأني مش قادر أعذبك معايا أكتر. أغمضت ملك عينيها تتنهد تنهيدات حارة وهي تبادله العناق بضعفٍ. بدأ هو يسرد عليها ما حدث:
_بعد ما قولتلي على الطلاق وإنك هتسافري وتسبيني، وأنا وافقت تمشي وكلمت أخوك هادي ياجي ياخدك. وبعد ما مشيتي من البيت أنا وقتها انهرت من العياط وقلبي كان بيقتلني. كنت كل ليلة أنادي عليك ونفسي لو أقدر أرجعك ليا تاني، لو ننسى كل حاجة ونكمل حياتنا، بس إيدي كالعادة مربطة. حبيتي واحد عاجز قليل الحيلة يا ملك. ابتعدت ملك عن حضنه تقول بعيون باكية:
_لا حبيت راجل بجد، راجل ضميره صاحي وشريف وصديق وفي ضحى بنفسه وبحبيبته علشان يريح صاحبه ووافق يعمل اللي محدش يقبله. كنت بشوف صراعاتك مع نفسك وعذابك ما بين تعيش حياتك وتريح حسان لأننا بالفعل ظلمناه كتير. أنا عمري ما ندمت إني حبيتك حتى لو قولتها في وقت غضب ما كانتش من قلبي. ابتسم أحمد بدموع ورد وهو يرمش بعينيه متنهدًا:
_عارف يا ملك، الحمد لله على كل حال. أنا وقتها غصبًا عني حسيت بالضيق من ملاحقة حسان ليا وإني مش عارف ليه بشوفه في كل مكان. محمد اقترح عليا أروح لدكتور نفساني وأحكيله وفعلاً بدأت أروح وكل يوم أقعد أتكلم وأتكلم ومفيش حاجة بتتغير وأنتِ وحشاني ومش عارف أشوفك. وانبارح حصلت المعجزة، آه والله العظيم، كنت مروّح من عند الدكتور النفسي وأنا على آخري فاض بيا خلاص واتجننت وكنت عمال أكسر في كل حاجة بغضب لما هادي كلمني وقالي إنك خلاص هتسافري بكرة. ومن بين الحاجات اللي وقعت تحت إيدي الكاميرا بتاع حسان، مش عارف لحد دلوقتي الكاميرا دي إيه اللي رجعها بعد ما عطيتها للست نادية.
_حماتي هي جابتها معاها من سنة فاتت لما جات زارتنا بعد شهر من جوازنا، وقالتلي أنها مش عارفة تشغلها وكدا ونسيتها عندي وأنا اتلخمت ونسيت أشوفها لها وقتها، وعدينا الموقف لأنها سافرت على بلدها لما أنت أخدتها وأنا معرفتش أعمل إيه فحطيتها في الدرج عندك تتصرف فيها وترجعها لها بس نسيت. أكمل أحمد وهو يمسك بيدها وكلاهما يجلسان على التراب:
_المهم أنا وقتها لما وقعت في إيدي انهرت من العياط من اللي شوفته فيها. كانت أصوات تنفسه هي الطاغية، عينيه محمرتين من البكاء. ظل يحدق بالكاميرا لبضعة دقائق دون أن يحيد بنظره عنها. تمالك منه الغضب وبلا تفكير أوقعها على الأرض ليصدح صوت حسان بقوة. "أحمد…" انحنى أحمد يلتقطها ينظر للشاشة الصغيرة خاصتها والتي تعرض صورة حسان في مقطع فيديو من داخل إحدى المخيمات الفلسطينية.
"أحمد لو بتسمع الفيديو ده فاعرف إني ميت يا صاحبي عايز أعترفلك بحاجة، أنا كنت عارف مين اللي ملك بتعشقه، كان دايمًا عندي شكوك في أفعالك وكلامك عن حبيبتك، إنها نفسها مراتي. بس كذبت نفسي، مش انتوا بس اللي غلطتوا في حقي يا أحمد، أنا كمان غلطان. ملك مكنتش صريحة بلسانها لكن نظراتها كانت دايمًا بتقول الحقيقة، بتقول إنها عمرها ما هتحبني، وإنها رافضة الجواز ده. كذبت إحساسي وكملت وقولت مجرد تهيؤات. بعد كتب كتابنا زادت الشكوك جوايا أكتر، هي باردة معايا، تصرفاتها باردة."
حك حسان أعلى حاجبه وهو يكمل ببسمة حزينة: "مع إن هي اللي طلبت نعجل بكتب الكتاب وأنا فكرت علشان تكون على راحتها وتعرف تتعامل معايا، بس لقيت عكس كدا. لو تفتكر اليوم ده الحيت عليك علشان تحكي لي مالك ولما قولتلي إنك عرفت أنها اتجوزت وان قلبك محروق أنا كمان حسيت نفس إحساسك إن قلبي محروق ومش لاقي اللي يطفيه. بحبها ومبتحبنيش بس كالعادة تجاهلت إحساسي." صمت حسان يمسح على وجهه ثم عاد ينظر للكاميرا:
"صارحتني بالحقيقة يوم فرحنا بكل حاجة. آه اتأخرت على الخطوة دي بس ده اللي حصل. شعور الذنب والخيانه قاتلاني، هي إنسانة جميلة وطيبة، أنا اللي مفهمتهاش صح. كانت مجروحة منك وبتتخبط في الضلمة لوحدها، فكرت إنها هتقدر تتخطاك وتكمل بس فشلت زي ما حكيتلك. قلبها معاك يا صاحبي." مسح حسان على عينيه التي غزتها الدموع ثم أكمل:
"المهم يا صاحبي أنا بحلك من وصيتي اللي كلها حرام في حرام دي. أنا سألت شيخ عنها وقالي إنها مش واجبة وإنك مش لازم تنفذها، وإن الزواج المحدد باطل. بس غضبي وكرامتي وقتها كانوا متملكين مني ورغم علمي بكل ده روحت حكيتلك عنها وحكيتلك تفاصيل زواجي كلها بدون ما أخبي حرف واحد علشان أعذبكم أنتم الاتنين وخصوصًا أنت. سامحني، غضبي وشيطاني عموني وفكرة إنك أنت اللي مراتي بتعشقه قاتلاني."
رفع عينيه ينظر صوب الخيمة متنهدًا بقوة قبل أن يعيد نظره إلى الكاميرا مكملاً: "قولتلك إني ملمستهاش وإنها حتى حقوقي عذبتني بيها ورفضت، علشان أبعدك عنها وكل ما تقرب أكيد هتفتكرني. أنت قلبك أبيض وضميرك صاحي، وأنا حافظك كويس وعارف صاحبي وأخلاقه. معلش استغليت النقطة دي، سامحني. واتعمدت إني آخد منك وعد بالتنفيذ، ولأني عارف ساعتها إنك هتبقى عايز تريح قلبي لما تعرف أن ملك هي نفسها…" صمت حسان لثوانٍ قبل أن يكمل ببسمة موجوعة:
"حبيبتك وإحساس الذنب ناحيتي هيجبركم تنفذوا رغبتي. المهم أنا عايز أقولك إني مسامحك وإنك تتجوزها مش علشان تعذبها زي ما طلبت منك، لا لأنك بتحبها، وهي تستاهل كفاية الوجع اللي عاشته. وقول لملك إني سامحتها، وإني مش زعلان، أنا احترمتها؛ لأنها رفضت توهمني بالحب وهي عقلها وقلبها معاك وأصلاً لو حصل أنا مكنتش هقبل بده على كرامتي أبدًا. أنا اتعلمت منك الحب بجد وكلمتك كانت بترن في دماغي إني لو فعلاً حبيتها هاتمنالها السعادة مع اللي تختاره، وده كنت بشوفه في عيونك وأنت بتدعي لها تنساك وتعيش مبسوطة مع جوزها اللي هو أنا. يالا ما علينا."
نهض حسان فجأة وابتسم يكمل: "أنا شايفك جي عليا أهو بتضحك مع صحابك، أنا أكتر واحد شاف عذابك ولما قعدت مع نفسي وحسبتها لقيتها مش مستاهلة كل ده. أنت متستحقش أعمل فيك كدا، أنت كنت ومازلت صاحبي وأخويا. الحب مش بإيدينا ولا عمره كان بالغصب والقوة. سلام أشوف وشك بخير يا صاحبي. ليا طلب صغير لو خلفتوا ولد سموه على اسمي وعلموه الرجولة والأخلاق وعلموه يعني إيه حب بجد. هتوحشني يا أحمد كتير."
ختم آخر حديثه وهو يغلق الكاميرا. وضع أحمد الكاميرا من يده وجلس يبكي بأعلى صوته بحرقة شديدة وهو ينادي عليه. انتهى أحمد من قص كل شيء عليها، كانت ملك تنتفض بقوة من شدة البكاء، وبجوارها أحمد يشاركها البكاء دون أن يمنعها. ظلوا يبكون بقوة لا يعلمون كم مر من الوقت وهم على حالهم، سنة ونصف يتعذبون بصمتٍ دون داعٍ. استطاعت ملك النطق أخيرًا تقول بنبرة ضعيفة وبسمة صغيرة: _هو سامحني؟ سامحني بجد؟ ضمها أحمد إلى صدره يقول:
_أيوه سامحنا احنا الاتنين، ده حسان صاحبي اللي أعرفه أكتر من نفسي. خلاص يا ملك مفيش عذاب تاني، ارتاحي هو سامحنا خلاص مش هانقف قدام رب العالمين واحنا مذنبين في حقه. ربنا يرحمه ويغفر له ويجمعنا بيه في جناته، واثق ربنا هيعوضه في الحور العين بعروسة تحبه من قلبها. تنهدت ملك براحة، أخيرًا بات بإمكانها التنفس. أمسك أحمد بيديها يقبلهما بمحبة تنهدت مرة أخرى تقول مبتسمة:
_الحمد لله يا أحمد، وربنا يكرم حسان ويجازيه خير. أنا بجد مش مصدقة نفسي لحد دلوقتي، يعني أنا وأنت عذبنا بعض وهو أصلاً غير رأيه. طب الكاميرا دي افرض مكنتش وقعت في أيدينا أبدًا وقتها كنا هانفضل نتعذب كدا؟ ليه ملمحش ليك عليها؟ شرد أحمد يقول وهو يتذكر تلك اللحظات العصيبة بعينين يملؤهما الدموع:
_كان في آخر لحظاته بيقولي الوصية مـ..ـعـ..ـ.. الوصية بس مفهمتش كلامه وقتها وذكر لي الكاميرا بتاعته اللي معلقها في رقبته، فضل يشاور عليها وهو بيقول الشهادة بصعوبة. دول ضربوه كذا رصاصة الانجاس دول، كان عايز بس يلحق يقول الشهادة، بس أنا مكنتش في حاله أركز فيها، الحمد لله على كل حال. ودلوقت إحنا مع بعض ومفيش حاجة هتفرقنا تاني. صمت لثوانٍ ثم أكمل ببسمة وهو يبعد التراب عن وجهها:
_أنا عذبتك لأني كنت جاهل يا ملك. سألت شيخ وقالي إنها واجبة، وكان لازم أتحرى أكتر من كدا وأعرف الحلال إيه والحرام إيه؟ آسف يا عمري لو كنت سألت الشخص الصح أو كنت عارف ديني كويس، ما كنت نفذتها ولو على عمري حتى خصوصًا إنها طلعت أصلاً باطلة لأن صاحبها ألغاها ورجع في كلامه. وفي الحالة دي تبقى باطلة، تبطل الوصية بكدا برجوع الموصي عن ما وصى به أو موت الموصى له قبل الموصي. الحاجات دي عرفتها من شيخ العرب محمد رفعت.
همست ملك ببسمة: _اللي حصل حصل بقى والوصية آه مش واجبة، بس أنا وافقت برضايا وأهي خطوة حلوة رغم المر اللي فيها بس جمعتني معاك تحت سقف واحد وده يخليني أحبها أوي رغم عمايلك وقتها كنت بترفعني سابع سماء وتنزلني على جدور رقبتي بتحولاتك. نهض أحمد وجعلها تنهض معه لف يده حول كتفها يقول:
_بعيد الشر عن قلبك، كان غصب عني ومتعرفيش كنت بحتاج قوة جبارة علشان أبعد، بس عندك حق رغم عذابها إلا أنها جمعتنا ومش هنفترق تاني أبدًا إن شاء الله. نظرت له ملك بملامح هادئة: _إن شاء الله يا حبيبي، بقولك أنا أول حاجة هعملها إني أقدم على دورات تعليمية لازم أفهم ديني صح وأثقف نفسي، الواحد حاسس بالذنب والتقصير وهو مش عارف كتير عن دينه كدا. يعني بنتعلم حاجات كتير ودينا اللي هو أهم من كل شيء نتجاهله كدا.
ابتسم أحمد لها ثم أردف: _معاك حق، أنا بحكم شغلي مش لاقي وقت كتير. قالت ملك بلطف: _اللي هتعلمه هعلمهولك ولا يهمك، هنتعاون مع بعض كمان، أنت ذكي وفي حاجات هتفهمها بسرعة عني. قبل أحمد رأسها وقال ضاحكًا وهو يغمز لها بعينيه: _امممم ذكي، مش كنت غبي و… وضعت ملك رأسها على صدره تقول بمشاكسة: _وما زلت. أبعدها أحمد ينظر لها بصدمة: _بقى كدا؟ ماشي ماشي.
وبعد مرور بعض الوقت وقف أحمد أمام قبر حسان يقرأ له الفاتحة ثم دعا له وشكره من أعماق قلبه، بينما ملك كانت تقف بعيدًا عنه لتترك له المساحة الخاصة مع صاحبه. انتهى أحمد وأتى إليها فقالت له: _أنا كمان حابة أشكر. أومأ أحمد بعينيه، ذهبت ملك وشكرته وابتسمت بملء شفتيها بأنه قد سامحها وأراحها من هذا العذاب والذنب. ******* بعد مرور أسبوع على عقد قرآن أحمد وملك مرة أخرى حتى يكون العقد صحيحًا هذه المرة.
كان يقف على أعصابه يجوب أرضية الفندق ذهابًا وإيابًا وبلغ منه التوتر مبلغًا كبيرًا. وجواره تقف والدته التي عادت من السعودية ومعها أخواته، كانت سعيدة من قلبها بأن ابنها أخيرًا نال ما تمنى. فُتح الباب فجأة شعر أحمد بأن أنفاسه توقفت وما عاد بمقدوره التنفس، وهو يرى نعمة تبتعد عن الباب ثم وقفت أمامه تهمس له أثناء غمزها بعينيها:
_مبارك، لقد هرمنا من أجل هذه اللحظة، نشفتوا دموعي، منكم لله بس يالا هسامحكم علشان أخيرًا اتجمعتوا. تبدلت نبرة صوتها تقول بتهكم وهي تحذره: _أعرف إنك خليت دمعة واحدة نزلت من عيونها مش هقولك هعمل فيك إيه؟ هاخدها كدا ومش هخليك تلمحها، فاهم ولا لا؟ ابتسم أحمد يقول بتوتر: _متقلقيش، مفيش دمعة واحدة هتنزل بعد كدا، ممكن أشوفها بقى. سحبها هادي من ذراعها يقول ضاحكًا:
_ابعدي عن الراجل يا نعمة، ثانية كمان وهايغمى عليه، خلي الليلة تعدي على خير.
لم يستمع أحمد لأي حرف صدر منهما، لأنه ببساطة دخل إلى الغرفة وأغلق الباب خلفه. كانت هناك تقف تعطيه ظهرها بطلتها الملائكية التي سلبت آخر ذرات تعقل بداخله. يا الله كم تمنى تلك اللحظة وكانت دومًا في أحلامه، والآن بفضل الله ها هو يعيشها. تذكر تلك الآية الجميلة "وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۚ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ".
نعم صحيح، الله هو اللطيف العليم الحكيم يضع الشيء في موضعه المناسب في الوقت المناسب مهما تأخر ما تمنيناه. فمع بعض اليقين والصبر سيغدو واقعًا نحياه، فالحمد لله على تقديرات الله. من حولها التفت رفيقاتها والمصورة التي أحضرها أحمد رغم أن ملك لم تكن منتقبة ولكنه ببساطة غار عليها حتى من أعين المصور.
أشارت له رفيقتها بأن يتقدم منها. أخذت ملك تبتعد وهي تخفي وجهها، وكل ما حاول أحمد أن ينظر إليها تهرب منه ضاحكة. والمصورة تصورهم والفتيات يراقبون متمنين لهم السعادة. دمعت عيني والدتها وهي ترى سعادة ابنتها أخيرًا. دخلت في تلك الأثناء نعمة وبرفقتها هادي وحماة ملك والدة أحمد وأخواته أيضًا يرون ما يسمى بالإنجليزية "First look". كانوا يضحكون بقوة على مشاكساتهم لبعضهم وتدلل ملك عليه، حتى توقف أحمد يقول:
_مش كفاية كدا يا ملك اقفي بقى، كفيانا هرب. استدارت له ملك بعد كلمته تكبت ضحكتها بصعوبة حينما لاحظت نظراته المذهولة. تورّدت وجنتاها لتخفض بصرها أرضًا. وهنا لم يستطع أحمد البقاء جامدًا لذا خطف الجميع على حين غفلة وهو ينحني ليحملها مقربًا إياها من قلبه يدور بها قائلًا بنبرة شغوفة: _مبروك لقلبي وجودك رسمي وشرعي فيه يا حبيبتي. حدقت ملك به بعشق تهمس: _زي ما تمنيت دايمًا يا أحمد، ربنا يبارك لي فيك، أنا بحبك.
ضمها متنهدًا بقوة وكأنه بات أخيرًا قادرًا على التنفس بشكل طبيعي. ضمها ولم يفلتها دمعت عيناه متأثرًا وهو يحمد الله على ما وصلوا إليه. أغمض عينيه ليرى حسان مبتسمًا بلطف يشاركه فرحته، لتظهر تلك البسمة على شفتيه بقوة. تعالت أصوات التصفيقات الحارة والزغاريد. من طول العناق فقد نسوا أنفسهم وحلقوا في عالمٍ غير العالم واختفى الناس من حولهم، ما عادوا يرون أحدًا سوى أنفسهم وفقط.
أنزلها أحمد بهدوء شديد وحذر يغشى عليها الدوار ثم أمسك بذراعها يجعلها تتأبطه، وسارًا معًا نحو حياة جديدة بمشاعر صافية وأخيرًا بعد صمتٍ معذِّب كوى قلوبهم ليجتمعا في النهاية بقلبٍ واحد. وهناك حيث قاعة الزفاف صدحت أغنية خطفت قلوبهم وكأنها أعدت مخصوصة لهم، دعاها أحمد لأداء رقصة لطيفة ومع خجلها نهضت معه، ليتعالى التصفيق الحار والمشجع لهم. عيونك شايفها وحاسس إن أنا عارفها سبيني براحتي أوصفها مكسوفه ليه
كأنك معايا بقالك عمر وياي بنفس الصورة جوايا من قد إيه ضمها بكل طاقته، يضع يديه حول خصرها، ورأسه معانقة رأسها قبل خدها بلطف، لتدفن هي وجهها في صدره. سنين شايفك في أحلامي بنادي عليك ضميني ليالي كنت مش عايش ومستنيك تحييني وحشتيني وحشتيني سنين بعدك على عيني ليالي كنت مش عايش ومستنيك تحييني همس لها أحمد بحب وهو يتابع الرقص معها: _بعشقك. يا أجمل هديه بعتها القدر ليه يا قمري في أعز ليالي أوصفلك إيه
والله والدنيا بقت في عيني حاجة تانية هواكي قابلته وفي ثانية جريت عليه. رفع أحمد ذراعها للأعلى قليلاً وهو يجعلها تدور وأثناء ذلك همست له: _وأنا بموت فيك. سنين شايفك في أحلامي بنادي عليك ضميني ليالي كنت مش عايش ومستنيك تحييني وحشتيني وحشتيني سنين بعدك على عيني ليالي كنت مش عايش ومستنيك تحييني بحبك هقولها يا ريت قبل ما أكملها تعالي في حضني ونقولها إحنا الاتنين
وعند هذا المقطع جذبها أحمد صوبه بقوة يعانقها والعيون تفيض عشقًا. ***** تنظر إلى النجوم اللامعة في السماء وهي تستند على صدره بظهرها ويديه على معدتها البارزة قليلاً، وهما يطالعان النجوم سويًا من شرفة منزلهم. استدارت له ملك تقول فجأة: _أحمد أنت بتحبني؟ وأحمد الذي كان ينظر بعينيها مباشرة قال بعد صمت: _لأ. اتسعت عينيها ذهولًا وحاولت النهوض من على قدميه وهي تنظر له بملامح غاضبة، ليسارع أحمد بإمساكها جيدًا
يقول وهو يكبت ضحكته: متى ستتعلم تلك المرأة؟ _أكذب يعني يا ملك؟ أنا مبحبكيش. لمعت الدموع في عينيها وقبل أن تنخرط في موجة بكاء، قال أحمد وهو يقبل عينيها الدامعة: _أنا بعشقك، بموت فيك، بتنفسك، بدمنك، مغرم بيكِ، ها إيه تاني؟ حاوطت يديها وجهه بالمقابل تقول وهي تنظر بعينيه: _ثبتني الصراحة كنت ناوية أنكد عليك. _الحمد لله لحقت نفسي، ملك حبيبتي ايمتى هتقتنعي إني تخطيت الحب من زمان. أسندت ملك رأسها على صدره
تقول ببسمة واسعة سعيدة: _اقتنعت خلاص، بس بتدلع عليك، إياك تحبسها جواك تاني كفاية عذاب صامت ولا إيه؟ _كفاية فعلًا. ختم حديثه يقبل رأسها الموضوعة على صدره ثم استرخى على المقعد يضمها أكثر إليه وهما يتابعان النجوم وأثناء ذلك همس لها بعشق: _ملك عايز أكل! نظرت له ملك بملامح متشنجة لإفساده الجو الرومانسي الذي أعدته، ليضحك أحمد بقوة على تعابير وجهها ثم يعاود ضمها إلى قلبه، يقبل كتفها بمحبة. وفجأة استمعوا لصوت متذمر يقول:
_أيوه اقعدوا حبوا في بعض زي المراهقين وسايبني كدا. نظر أحمد إلى صغيرته ذات الخمسة أعوام ببسمة صغيرة يدعوها للاقتراب، لتضحك ملك بقوة وهي تقول: _غيرانه؟ _دبدبت الصغيرة بأرجلها بانزعاجٍ: نزلها يا بابي حالا وشيلني أنا. وكل ما فعلته ملك أن لفت ذراعها حول عنقه تقبله من وجنته بمشاكسة وهي تخرج لسانها لابنتها، لتصرخ ابنتها بحنق شديد وهي تبكي، وأحمد يحرك رأسه بيأس منهما فهذا أمر معتاد كل يوم. فجأة شعر بصغيرته
تجذب شعره وهي تقول: _قول إنك بتحبني أكتر منها. وهنا نظرت له ملك بملامح متشنجة والغضب يملأ عينيها تحذره، ليبتلع أحمد لعابه بتوتر شديد ثم نهض بحذر ينزل ملك أرضًا وفر هاربًا من أمامهما بعد فشله في كل مرة في إرضاء الاثنين وغالباً ينتهي الأمر بأن تخاصمه كلاهما، لتضحك ملك بقوة وتشاركها ابنتها الصغيرة. • النهاية • تمت بحمد الله وتوفيقه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!