الفصل 1 | من 30 فصل

رواية الطبيب العاشق (2 الفصل الأول 1 - بقلم منة جبريل

المشاهدات
81
كلمة
5,303
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

جلس على الفراش يجذبها لتتوسد صدره مرددًا بحنان: _ابكي ياحوراء. وما إن نطق بهذه الكلمات حتى انفجرت في البكاء وهي تقبض على قميصه بقوة، زاد من احتضانه لها مع ازدياد بكائها لتمتلئ هو عينيه بالدموع وهو يحاول التماسك بكل قوته. ظلت تنتحب بشدة وأمور كثيرة تمر أمام عينيها لتفطر قلبها أكثر. أمها.. ابتسامتها.. صوتها.. حنانها.. دفئها.. خوفها عليهم.. اشتاقت لها وبشدة تتمنى فقط رؤيتها أو عناق واحد فقط يجمعها بأمها.

أبيها.. قسوته.. جفاءه.. كرهه.. بغضه.. من كان من المفترض أن يكون سندها ويحميها من أي شر وأذى هو من أخذها للأذى بنفسه، باعها لرجل سيطر عليه شيطانه وأصبح وليّ للشيطان. تتذكر كيف كانت تناديه حتى لا يتركها ولكنه لم ينظر لها من الأساس، كان كل ما يشغله تلك الأموال التي جناها من ورائها.

أخيها.. حنانه.. طيبته.. قوته.. مرحه.. كان وسيكون ونعم الأخ لها، دفئ حضنه الذي يشعرها بأنه ما زال هناك أمان في هذه الحياة. ابتسامته التي تنير درب حياتها. هو أخيها وأبيها وصديقها وابنها وحبيبها. هو الأول في كل شيء. أختها الكبرى.. ابتسامتها.. حكمتها.. سعادتها.. حزنها.. هي من شاركتها كل شيء حتى مرضها، كانتا دائمًا تجلسان معًا لا يبتعدان عن بعضهما إلّا وقت النوم أو وقت الصلاة، وكانت وستكون نِعم الأخت لها.

أختها الصغرى.. شقاوتها.. حدتها.. جرأتها.. كل شيء بها يختلف عنهم. هي مميزة من بينهم. من قوة شخصيتها وصلابتها وحدتها. نظرة عينيها الكفيلة بإسكات أي شخص يفكر بالتفوه معها بكلمة واحدة قد لا تنال إعجابها.

وأخيرًا وختامه مسكٌ، منقذها.. معالجها.. مساندها.. قوتها.. شجاعتها.. زوجها.. حبيبها.. ريانها. صفات كثيرة تذكر أقلّها يمتلكها ذلك الذي أصبحت تعشقه من صميم قلبها، تنفر من اليوم الذي لا يجمعها به، تشعر وكأن روحها وعقلها وقلبها معه هو، هي تحضر معهم بجسدها أما بروحها معه، فهو من امتلكها بمهارته وعشقه لها وحنانه معها.

اشتاقت له، فهذا الأسبوع الثالث بدونه، بدون أن ترى نظراته التي تنبعث منها العشق لها، ابتسامته الحنونة. لمساته الرقيقة. صوته. وآهٍ من صوته الذي لم ولن تسمع بحّة رجولية رائعة وجذابة مثله. ظلت تبكي وتبكي حتى اختفى صوتها واحمرت وجنتيها وأنفها وعينيها أيضًا. أبعدها إياد وهتف بقلق وصوت متحشرج: _بس ياحوراء اهدي كفاية يا أميرتي. نظرت له حوراء وهتفت بصوت مبحوح يكاد يسمع:

_مش قادرة اتخطى يا إياد، حاسة إن روحي خسرتها في اليوم اللي خسرتها فيه، ماما وحشتني أوي.

شعر بغصة في قلبه، مهما فعل وحاول بالتأكيد لن يعوض شقيقاته أو نفسه حتى عن غياب والدتهم، التي أتى يوم يحمل تاريخ رحيلها عنهم، كان تاريخًا بريئًا من الحزن الذي يحدث فيه ولكن كانت مشيئة الله أن يجعله تاريخًا يحمل فيه ذكريات سوداء على هذه العائلة، مرة في فقدان والدتهم والمرة الثانية ابتعاد حوراء عن عائلتها بسبب والدها وقد صادف ذات التاريخ.

ربما الشيء الوحيد الذي يواسي هذا التاريخ بأنه ليس له ذنب وأنه مجرد يوم تتصادف فيه الأقدار بحلوها ومرها، أنه وكما اجتمع به الكثير من الألم، اجتمع به أيضًا بداية لسعادة وحب كبيران مع اجتماعها بريان. لم تكن التواريخ والأرقام جالبة للحظ أو سالبة له، تلك ليست سوى أيام، وما بها هو مصير الشخص، فليس من الشجاعة والإيمان أن تعلق مصيرك على أرقام وليالي ونهار، إنهم مجرد وقت مسخرين ومطيعين أكثر منك أيها البشري.

مسح إياد على رأسها يقول بصوت خرج مختنقًا رغمًا عنه: _حقك عليا من كل حاجة، أنا آسف ليكِ عن الدنيا دي كلها، وآسف لآية وأريب وعن كل اللي شوفتوه وأنتم متستحقوش غير كل سلام وخير، ممكن وقتها خسرنا أمي بس هي هتفضل حية جوانا ليوم وفاتنا، حية بذكرى طيبة وروح بتمدنا بالأمل، في كل ذكرى ليها بيكون يوم بجدد فيه عهد الحفاظ عليكم وإني أهتم بيكم زي ما كانت هتهتم بيكم لو كانت هنا. تحدثت بنبرة مبحزحة خرجت مع دموعها:

_لو ربنا كتب لينا النجاة في الدنيا فهو كتبها فيك يا إياد، شخص الدنيا أبدًا ما هتكرره، وأبدًا ما هيكون فيه زيه، لأنك إياد واحد بس أخو حوراء وآية وأريب وبس، أنا بحبك أوي وربي اللي يعلم بدرجة حبي وتمسكي بيك لإني أنا نفسي معرفش هي وصلت لأي مرحلة لأنها فاقت كل المراحل اللي عرفها البشر، ربي يديمك لينا ويحفظك لأجلنا. _ويديمكم ليا يا أميرتي، ارتاحي، أنا هنا علشانك، علشان أميراتي.

أراحت رأسها على صدره، لقد تزاحمت كل المشاعر عليها، فقد الحزن والخذلان والحب والشوق، كانت مشاعر لا يمكن أن تجتمع معًا ولكن هي حملت تلك المشاعر بسبب عدة أشخاص في حياتها وللأسف، لم يكونوا أشخاصًا ثانويين. ذلك الزوج الذي اشتاقته كثيرًا للأسف هو ليس هنا خاصًة في هذا اليوم، لقد سافر منذ ما يقارب الشهر لأجل عمل ولا تستطيع التواصل معه سوى عن طريق بعض الرسائل التي تحمل حبه وشوقه لها ولكن من دون صوته!

لتبيت الليلة صاحبة بداية يوم ذو تاريخ بائس عليهم، برفقة اخوتها، نامت آية وأريب، وبقيت هي مع أخيها تشاركه ألمها وفجعتها. احتضنها إياد وظل يهدئها حتى وجد اهتزاز جسدها يتوقف لينظر لها ليراها قد نامت، ليبتسم بحزن فهي هكذا دائمًا، تبكي بشدة ثم تنام. ظلت وستظل طفلة تهرب من حزنها بالنوم. عدل من وضعيتها على الفراش بحذر ثم دثرها بالغطاء جيدًا وقبل رأسها بحنان ومسح هو تلك الدمعة التي فرت من عينيه وخرج متوجهًا إلى غرفته.

بعد رحيله وبعد انتصاف ساعة الليل، انزعج من تكرار رنين هاتفه والذي لم يكد يكمل ساعتين نائمًا، نظر لهاتفه وأجاب بصوت خامل قبل أن يستمع لصوت الآخر ليتنهد ونهض عن فراشه خارجًا من الغرفة، تحرك ناحية باب الفيلا يفتحه ليقابله جسده، زوج شقيقته. "أنت نا صدقت سفري ورجعتها لعندك، انسى يا خبيبي مراتي في وجودي أو غيابي هي مراتي وهتفضل في بيتها، زمنك خلص."

تنهد إياد ولم تكن لديه القدرة على المشاغبة مع الآخر الذي كان رغم حديثه ينتظر بفارغ الصبر رؤيتها، عاد لقصره ليجده خاليًا إلا من شقيقته والتي أخبرته أنها الليلة فقط ذهبت للبقاء مع اخوتها، هل اختارت الليلة التي سيعود بها صدفة أم ماذا؟ _اهدى على نفسك هي في أوضتها، وبعدين زمن إياد في حياة أميراته أبدًا ما يخلص. همهم ريان وتحرك بلهفة ناحية الدرج ليوقفه صوت إياد الجاد: _ريان…

التفت له برأسه بفراغ صبر، يود الذهاب لها ورؤيتها، ليقول إياد ما جعل قلبه يتألم ويسب عمله وكل شيء أبعده عنها في مثل هكذا يوم: _الليلة ذكرى وفاة والدتي، وللأسف نفس اليوم اللي عبد القادر أخدها فيه مني، يعني مش أحسن حاجة، فاهم؟ صمت ريان قليلًا قبل أن يعود إلى إياد وبدون حديث كان يعانقه بطريقة فاجأت إياد وأذهلته حتى أخذ وقتًا ليستوعب ما فعله، هو ودود معه ولكن لم يصل الأمر إلى عناق كهذا!

لم يأخذ وقتًا طويلًا حتى بادله العناق كان في حاجته، يمد شقيقاته بالطاقة وينسى نفسه، الآن فقط شعر بغصة في حلقه وحرقة في عينيه وضعف يغزو جسده، هل ينهار الآن؟ أيفعلها بين ذراعي زوج شقيقته؟

لم يكن بيده الاختيار أو الثبات أمام عناق ريان القوي له، يؤازره ويواسيه بدون كلمات بعلم أن لا فائدة لها في هكذا فاجعة، فقد الأم كان ولا زال الكارثة التي حلت على رأسه ولم يستطع تخطيها إلى الآن، ولكن ها هو يجد الفرصة ليواسي بها شخص مثله، فقد والدته... وللأسف زوجته منهم. ظل محتضنًا له لمدة طويلة أفرغ فيها إياد شحناته السلبية وبعضًا من دموع عينيه، والكثير والكثير من التنهيدات الحارة التي كانت تملأ صدره.

ابتعد إياد عنه وقال بصوت مختنق مبتسمًا بحزن ولم تخرج منه سوى كلمة حملت في نبرته بها الكثير: _شكرًا. ربت ريان على كتفه قائلًا: _متتعودش على كدا، كتفي لمراتي بس. ضحك إياد بيأس عليه وهز رأسه موافقًا ثم اصطحبه إلى الأعلى وتركه أمام غرفتها وتوجه هو إلى غرفته ويبدو أن النوم الذي حصل عليه بصعوبة قبل ساعات سيحصل عليه سريعًا هذه المرة كون الثقل شاركه مع شخص آخر، دائمًا ما تهون الأمور الثقال وقت مشاركتها.

نظر لها حيث تتوسط الفراش غافية والحزن بادٍ على ملامحها النائمة، اقترب منها وتسطح خلفها يجذبها إلى صدره في عناق دافئ يتمنى أن يصل لها داخل عقلها، يهمس لها جوار أذنها وكفه تمسح على خصلاتها الحبيبة على قلبه: _أول مرة أحس إني جيت في الوقت الصح تمامًا، مكنتش هسامح نفسي لو عدى اليوم دا عليكِ وأنا مش جنبك، بس أنا هنا، وهفضل دايمًا علشانك هنا، وأوعدك إن كل شيء هيكون بخير.

ويبدو أن صوته الحنون ودفئ جسده وصلا إلى عقلها بالفعل، لتتململ ثم تستدير في نومتها تضع رأسها على صدره هامسة من بين نومها: _ريان… _قلبي وروحي، ريان هنا دايمًا علشانك يا فاتنة ريان. لم تجبه، كانت تمتمة لاسمه وقت نومها وهو لم يكن بحاجة لأن تتحدث بل اكتفى بضمها له يقبل رأسها كل لحظة وأخرى يعبر عن اشتياقه لها، وهي في غفوتها وجدت راحتها لتنعم بنوم هانئ.

في صباح هذه الليلة، تشارك الأخوة تجهيز الفطور ولم تذهب إحداهما لأختهما بعدما أعلمهما إياد أن زوجها برفقتها وقد عاد ليلًا. تحدثت أريب ببسمة مشرقة تزيح بها غمام الحزن الذي يحيط بهم: _كويس أنه جه، كانت زعلانة وقرفانة أنه طول في سفره. _اتلمي طيب وخلي كبايات العصير قدام كل كرسي، ليقابلها إياد مبتسمًا لتفعل ما قاله بسرعة بينما آية تضحك عليها، لتقول أريب بغيظ منها وهي تترك ما بيدها:

_على فكرة مش مجبرة، أنا مش هعمل حاجة والاستاذة دي بتضحك عليا. ضحك إياد على غيظها واقترب منها مقبلًا جبهتها يقول بحنان: _حقك يا أميرتي، اقعدي جنبها وأنا هجهز كل حاجة، حقك عليا. عكزت شفتيها تطالعه بعدم رضا، ليعقد حاجبيه قائلًا: _حقك عليا والله خلاص متعمليش حاجة. احتضنته فجأة وهي تقول بصوت مختنق تجاهد رغبتها في البكاء أو الاستسلام لحزنها منذ الليلة الماضية:

_وأنت كمان مش مجبر يا إياد ورغم كدا بتعمل كل حاجة علشانّا، مش عارفة من غيرك حياتي كانت هتبقى إزاي، افضل دايمًا معايا بالله عليك، والله ما هقدر من غيرك. وتلك الجالسة نهضت وقد زرفت عيناها عبراتها تضمه هي الأخرى قائلة:

_رغم أنها بتقول كلام كتير ملهوش لازمة بس هي المرة دي معاها حق، إحنا ولا حاجة ولا هنقدر نكون حاجة من غيرك يا إياد، كنت ليا الأب الحامي والأم الراعية والأخ المساند والصديق المغيث، عملت لنا حاجات لو فضلنا عمرنا كله بنحاول نسدد منها مش هنقدر، شكرًا ليك ولكل لحظة ابتسمت فيها في وشنا في وقت غلطنا وعرفتنا الصح وعلمتنا من غير ما تجرحنا، شكرًا لأنك بتراعي كل حرف وخطوة بتعملها حفاظًا علينا، ربنا يديمك لينا يا أحن وأجمل أخ في الدنيا.

وذلك الأخ الذي شعر بتضخم قلبه حبًا وامتنانًا لتواجدهن حوله، حمد الله كثيرًا لأنهن يحببنه، ضمهن لصدره يقول بنبرة دافئة حنونة اعتادت قلوبهن على امتصاصها منه ليشعرن بالسعادة:

_لو حد قالي إني هصحى على الدلال والجمال دا كله كنت نمت بدري أوي علشان الليل يعدي، وبعدين أنا بعمل كل حاجة علشاني يا أميرة منك ليها، يعني أنا اللي عايز أشوف ضحكتكم وفرحكم وأنا اللي عايزكم تحبوني وأنا اللي عايز وجودكم معايا، والراجل لما يعوز حاجة بيعمل علشانها أي حاجة، يعني أنا لا بتجمل ولا أي حاجة عليكم بالعكس أنا شخص استغلالي جدًا ليكم، هو حد ربنا يكرمه بالإناث المدللات ويتجبر عليهم؟ دا يبقى جاحد والله.

ضحكتا عليه بينما هو سارع في إعطاء كل منهما قبلة على جبينها ليأتيهما صوت الثالثة التي قالت بانزعاج مزيف: _إيه دا؟ لا يلا بينا يا ريان دا إياد نسيني خلاص. نظر لها ليجدها تقف جوار زوجها تطالعهم ببسمة واسعة ووجه مشرق، يبدو أن أثر ريان ذو مفعول سريع وقوي، أشار لها وكانت أسرع ملبية يعرفها التاريخ وهي تضع نفسها وسط هذا العناق الأخوي الدافئ، بينما عقد ريان ذراعيه يراقبها بأعين مبتسمة. ضمه إياد له قائلًا:

_أنسى روحي إزاي، نفسي أريب وعمري آية وروحي حوراء، قوليلي أقدر أنسى واحدة منكم إزاي؟؟ قبل رأسها ثم أكمل بأكثر جدية وحنانًا، يراعي عواطفهن في هكذا يوم فقدن فيه المصدر الأول للحنان: _صدقوني يا أميراتي لو في حد لازم يكون ممتن فهو أنا، والله أنا بحمد ربي على رزقي بيكم، وكل اللي بعمله دا حقكم واللي أنا وللأسف مقصر فيه.

قاطعه ثلاثتهن بقولهن السريع والمعترض على ما يتهم به نفسه باطلًا، فإن كان هناك من أدى الأمانة حقها فهو إياد، فتحدثت أولهن آية باعتراض: _لا مش مقصر، وعمرك ما كنت، متقولش كدا تاني. _أيوا لو سمحت متقولش كدا تاني علشان هزعل. _وأنا كأريب هزعل وزعلي وحش وبيكلف كتير. ضحك عليهن وضحكن فور رؤية ابتسامته، ليقاطعهم ريان بقوله: _وبعد استئذان العواطف الجياشة، أنا عايز مراتي. دفعتها له أريب بخفة قائلة: _عرفنا أنها مراتك، خدها أهي.

ضحكت حوراء بينما سارعت أريب في العودة لها وعناقها، ثم جلسوا حول مائدة الطعام ومعهم ريان مجبرًا بسبب زوجته، لم يتأخر حيث نهض مرددًا: _مضطر أمشي علشان كيان لوحدها، يلا يا روحي.

ودعت حوراء أشقائها ورحلت برفقته وأخذت برفقتها آية كون إياد سيذهب لعمله وأريب لدراستها، كان سيلغي أمر ذهابه للعمل ولكن ما إن وجدهن سيكملن يومهن بشكل طبيعي لم يعترض، بل كان أكثر من مرحب وهو يتمنى أن يتخطوا هذا الحزن، وقد كان سابقًا يبقى برفقتهم اليوم بأكمله يغدقهم بحنان أكثر وأكثر ويمضي اليوم عليهم ويكون قد صنع فيه الكثير لسماع ضحكاتهن ورؤية سعادتهن فيَسعد.

دلف للقصر تاركًا كف زوجته رغمًا عنه كونها تجاور شقيقتها، ابتسم وهو يستمع لصوتها العالي والسعيد ثم جسدها الذي يركض صوبه، فتح ذراعيه يضمها في عناق قوي يهمس لها: _كياني وروحي كله، وحشتيني. _وأنت وحشتني أوي يا أبيه.

قالتها بصوت باكٍ كونها لم تعتاد على الابتعاد عنه مدة طويلة، وإن غاب عنها يكون دومًا على تواصل معها عبر مكالمة تحمل صوته وصورته لها، وإن شعر بأن بعده سيطول كان يرسل لها طائرته الخاصة تأتي بها له تقضي معه أيام سفره وكان يراعيها رغم انشغاله في العمل. ولكن هذه المرة كانت غريبة وتتمنى عدم تكرارها، أن ينشغل لدرجة أنه يرسل رسائلًا فقط بين الحين والآخر لهو أمر محزن لقلبها الذي اعتاد قربه، وكان هو أكثر من يشعر بها.

ضمها كثيرًا ودللها بكلماته أكثر، ثم غمزها بعينه قائلًا: _ليكِ هدايا عندي ترضيكِ. رمقته لنظرات فضولية منتظرة، ليضحك عليها ورفع هاتفه يقول بين عينيه الرماديتين المختلطة بخطوط خضراء تطالع زرقاويها بحب: _ابعت الحاجات يا سليمان. أنهى المكالمة ولحظات حتى دخل سبع رجال يحملن الكثير والكثير من الحقائب والصناديق المغلفة، تركوها أيضًا وقد فصلوا بعضها عن بعض، أتى بالعاملات وأشار لهن على الموضوعات على الجانب الأيمن:

_طلعوهم للجناح، ومفيش داعي أقول إن آخركم الجناح. أماءن له بصمت وتحركن يفعلن ما قال، بينما أشار للبقية قائلًا: _طلعوهم لأوضة الهانم كيان. نظرت للعاملات وهن يحملن الحقائب والهدايا لأعلى ليضحك ريان على فضولها قائلًا: _روحي شوفييهم وتعالي قوليلي، لو مش عجبتك حاجة اختاري أعوضك عنها إزاي.

صرخت كيان بحماس وقبلته على وجنتها ثم ركضت إلى الأعلى لترى ما أحضره لها أخاها من هدايا، أما تلك التي حملتها العاملات للجناح الخاص به كانت لزوجته. نظر ريان إلى زوجته التي اندمجت في الحديث مع بيجاد وبسمة واسعة على شفتيها جعلته يقلب عينيه ثم حدّج بيجاد بنظرات قاتمة جعلت الآخر يضحك ببلاهة قائلًا:

_مش يلا ولا وإيه يا أتش، أنا جيت معاك علشان كوكو كانت لوحدها غير كدا فأنا مكنتش هتأخر عن شغلي وأنت دلوقتي معطلني، يلا اتحرك يا كسول. رمقه هشام بسخرية قبل أن ينظر إلى حوراء وآية وحياتهما برأسه بصمت ثم غادر رفقة بيجاد وتبعهم ريان بأن قال لزوجته: _هخلص شوية شغل وهرجع، لو عاوزتي حاجة قوليلي.

أماءت له بطاعة رغم نظراتها التي كانت تصرخ باشتياقها له وأنها اكتفت من انشغاله بالعمل، ولكن صمتت كونه حتى إن بقيَ ستنشغل هي عنه بالبقاء رفقة أختها. وما إن خرج ريان وجد هشام ينتظره أمام سيارته وبقي معه بيجاد، نظر له متعجبًا من عدم تحركهما ليحرك بيجاد كتفيه بعدم معرفة للسبب وأنه بقي ليعلم خوفًا من أن يكون هناك مشكلة مع أحدهما، ولكن مع تعجب ريان علم أن المشكلة مع هشام. _خير؟ فيه إيه؟ نظرا ناحية هشام الذي سأله بهدوء:

_كنت عايز أعرف لو في حاجة مع أخت المدام، يعني كان باين أنها تعبانة وعيونها كـ… توقف عن الحديث وهو يدرك ما يتفوه به بل وما انشغل به، وجد نظراتهما الخبيثة تعلقتا عليه وهذه المرة لا يلومهما، هو الغبي الأحمق هنا. مال بيجاد على السيارة يتابع بتسلية بينما عقد ريان ذراعيه مرددًا: _ها كمل، وعيونها مالها؟ مشتاقة؟؟ سأله ساخرًا ليضحك بيجاد بينما رمقهما هشام بغيظ قبل أن يقول بغضب من نفسه قبلهما يتحرك لسيارته بينما يرى

نفسه تنجرف خلف هذا الطريق: _ظريف أوي، اتحركوا ورانا شغل، أنا اللي غلطان أساسًا. أوقفه ريان بقوله الهادئ وهو يتصنع اللامبالاة بينما يتجه لسيارته: _براحتك، فكرت أنه ممكن تكون عايز تعرف فيه إيه النهاردة يخليها زعلانة بالشكل دا. توقف هشام ونظر ناحيته بدون حديث، ليغمزه ريان قائلًا:

_لو ما اعترفش لسانك كل حاجة تانية فيك بتعترف يا ابن العامري، ومش ريان الذئب اللي تخفى عنه حالتك أنت أو البغل التاني دا، عمومًا النهاردة ذكرى وفاة والدتها، معلومة يعني مش أكتر لا سمح الله بما إنك بعت والعياذ بالله مش مهتم والحاجات دي. تعالت ضحكات بيجاد مع وصول سبة من هشام لهما ثم تحركه بالسيارة مغادرًا تبعه كلاهما. توجهت ناحية العمل، وريان بعقد في نفسه أنه لن يأخذ وقتًا كثيرًا حتى يعود ويبقى جوارها.

كان يومًا رغم ما له من ذكريات إلا إنه جميلًا، ها هو يحمل ذكريات جميلة تزاحم على تلك الحزينة، لم يمكث ريان طويلًا في عمله وعاد للبقاء رفقتها وقد فاجأها بإعداد نزهة للعائلة جميعها معًا، هي اخوتها وهو وشقيقته ومعهما بيجاد وهشام، كانت نزهة جعلتهم يستطيعون التنفس من بين حزن قلوبهم على المفقود، ولم يكن أي مفقود، بل كانت الأم.

وبينما يجلسون معًا في نادي، كانت آية تجلس جوار أخيها تضحك على مشاغبات كيان مع بيجاد وتتفاجأ أحيانًا من مزاحه الثقيل معها وهو يجذبها بقوة أسفل ذراعه، ثم تعود للضحك ما إن يعنفه هشام وريان بحدة يذكرونه أنها ليست أحد أصدقائه في الجيش.

وقفت تستأذن فور أن رن هاتفها برقم صديقة لم تتواصل معها منذ فترة، تحدثت معها أسفل نظرات إياد الحامية من مكانه، في ذلك الوقت كان هشام نهض يحضر بعض المشروبات لهم، ليتوقف وهو يستمع لبعض الشباب المراهقين يتغزلون بها دون دراية منها، بدت هيئاتهم أنهم ما زالوا يدرسون وربما في الكلية ويحملون من الطيش ما يحمله أي فتى مراهق يجرب نزعته وفطرة انجذابه للجنس الآخر لأول مرة وبشكل قوي.

وها هو يحدث حيث تحرك أحدهم ناحيتها يستأذنها في الحديث وهي التي توترت في البداية ما إن سمعت صوت رجل غريب من خلفها، ابتسمت ببشاشة وهي تراه مجرد فتى، أذنت له بقوله: _آسف على الإزعاج بس أنا حبيت أقولك حاجة لو تسمحيلي. _اتفضل. أكمل يتملقها في الحديث وهو يخرج شيئًا من جيب بنطاله:

_صادفتها النهاردة في محل وشدتني من جمالها، رغم إن مليش صديقة أهديها ليها بس اشتريتها، ودلوقتي عرفت إن النصيب كان هيجمعني باللي أجمل منها علشان كدا جهزني للقياكِ، لو ممكن تقبليها مني. نظرت إلى ما في يده لتجدها سوار لامع جميل الشكل وبراق، نظرت إلى الفتى متحدثة ببسمة صغيرة وقد أخجلها بتملقه: _شكرًا لك ولكن…

وقبل أن تكمل حديثها تحدث الفتى مصرًا على أخذ هديته، وعلى مقربة منها يقف هشام عاقدًا ذراعيه أمام صدره يطالع الأمر مستنكرًا، تلك الفتاة لا تجب الرجال البالغين فقط! رفع حاجبه وهو يراها تأخذها منه بوجنتين متوردتين تزامنًا مع وقوف إياد جوارها يطالع الفتى بنظرات متفحصة، حسنًا ويبدو أن الفتى أدرك توضيح الأمر إلى آية بعد أن تركها هاربًا وكأنه حبيب تم إمساكه متلبسًا وهو يتغزل بمحبوبته من قبل والدها.

ضحكت آية وأظهرت السوار إلى إياد تخبره بالأمر ليقلب إياد عينيه وأخذها عائدًا إلى الطاولة مرددًا بحنق: _أبعد نظري عنك دقيقة ألاقي واحد بيحاول يخطبك، إيه الغلب اللي أنا فيه دا. ضحكت مجددًا برقة تحت نظرات هشام الذي حرك بصره على وجهها ثم إلى ذلك الفتى الذي يراقبها عن بعد وكأنه حقًا أعجب بها!

مرّ اليوم على أكمل وجه، مبهجًا وسعيدًا ويحمل ذكريات دافئة، وفي اليوم التالي بعد انتصاف الشمس للسماء، تسير بعد انتهاء دوامها إلى الخارج لتتنهد ما إن أحاط بها رجال الحرس يرافقونها حتى السيارة، تأففت بضيق وما كادت تتحدث حتى توقفت على صوت يصيبها بالازعاج: _إيه الصدف البشعة دي؟ التفتت له وأفسح لها رجال الحرس مسافة للرؤية، وضعت بسنة باردة على شفتيها تجيبه بنبرة أشد برودة: _مش أشبع من طلّتك والله.

خلع نظارته لتظهر زيتونيتيه التي تواجه عيناها البنية في نظرات حادة، يقول ساخرًا وهو يشير إلى نفسه بغرور: _طلّتي! وهو في أبهى من طلّتي يا قصيرة أنتِ؟ أماءت له قائلة بسخرية: _آه، حلاوة خطوتك وأنت بتبعد عني، يلا يا سكر مش فضيالك. _مش عيب يا قصيرة تتكلمي مع من يكبرك عمرًا وطولًا بالشكل دا! _عيب لما تكون أمي، غير كدا هقولك كلمة تزعلك والله.

تحركت ناحية السيارة وهي تستمع إلى حديثه الذي قررت تجاهله، بالأساس تشعر بصداع في الرأس وليست في مزاج له حقًا، لا الآن ولا لاحقًا: _وماله يا بنت عبد القادر، لولا أخوكِ وإن بقى في شيء يربطك بصاحبي ريان كنت علمتك إزاي تتكلمي معايا. وتلك الكلمات المستفزة جعلتها تنظر له من نافذة السيارة مرددة بتهكم: _تعلميني أتكلم معاك بتاع إيه؟ أنت مين أصلًا علشان أتكلم معاك، يلا يا أستاذ عدنان خلينا نمشي بلا قرف.

راقب رحيل السيارة وهو يردد باستنكار مغتاظًا منها: _قرف!! وماله، ماشي. كانت قد استأذنت أخاها الذي في عمله أنها ستسير قليلًا دون أن تبتعد عن محيط المنزل، وبصعوبة وافق بعد أن أخبرته أن رجل من رجال الحرس سيكون على بعد منها لحمايتها، رغم أنها لا تعلم مماذا تحديدًا!

لم يحب يومًا فكرة الحرس ورجال غرباء يحوطون شقيقتيه بزعم الحراسة، هو حارسهم وحاميهم منذ البداية ولكن تلك الأمور التي قصها عليه ريان وبعض المخاطر التي تعرضت لها شقيقته أثناء عمله أو ابتعاده عنها أجبرته على الموافقة قلقًا عليهما خاصًة أنه أضحى ينشغل لوقت أكثر في العمل. وبينما تسير آية على جانب الطريق تستمع بمداعبة النسيم لوجهها، فزعت فجأة على إثر قطة قفزت أمامها فجأة جعلت صرخة خفيفة تخرج منها وهي تبتعد عن جانب الطريق.

ضحكت على ما أصابها من رعب وهي تنظر إلى القطة وقررت أن تعود إلى جانب الطريق حتى تتجنب أمورًا أسوأ، ولكن يبدو أن ذلك الأمر الأسوأ قد حدث بالفعل، حيث اقتربت منها سيارة بسرعة كبيرة يبدو أن سائقها فقط تحكمه بها. اتسعت عينيها بذعر تلبس جسدها حتى ثبتت قدماها بمكانها، أغمضت عينيها برعب مع شعورها بألم مروّع ينتشر بجسدها الذي تلقى اصطدام السيارة أولًا ثم الأرض التي استقرت عليها فاقدة وعيها!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...