وفجأة، أحس ريان بجسد وأذرع قوية تعانقه. لم يكُن سوى أيهم، فبادله ريان العناق وهو يتفهم مشاعر الآخر. بقيَ وقتًا وهو يعانقه، يستشعر أنفاس أيهم المضطربة، ويده تمسح على ظهره وكأنه يواسي نفسه به. وفجأة ابتعد عنه وتحرك إلى الخارج بعينين اختلطت بها الشعيرات الحمراء. لقد مرّ بمعركة داخلية قاسية استنزفت كامل قواه.
تحركت أعين ريان إلى ذلك الجامد بأرضه وعيناه ثابتة على تلك الجثة. كان بيجاد ما زال واقفًا يطالعها بصدمة. حمد الله بداخله كثيرًا، ولكن ذلك الشعور الذي شعر به عندما رآها تسقط أمامه وهو يظنها حوراء، كان أكثر شعور سيء راوده، شعورًا لم يستطع تجاوزه إلى الآن. تحرك ريان مارًا من جانبه، ووضع كفه بقوة على كتف بيجاد ثم قال بنبرة هادئة: _يلا.
ثم خرج وتبعه البقية بعدما أمسك هشام بيد صديقه الآخر وخرج به وكأنه أب يخشى ضياع ابنه. وكان سؤال واحد يدور في عقولهم وهو: كيف علم أنها ليست حوراء؟ كان أيان يقف بملل. لم يأتِ رجل واحد فارًا حتى يتصدى له! وما إن ظهروا له حتى تحدث أيان بقلق من حال بيجاد وتلك الدماء التي تغطي ريان: _مالك يا بيجاد؟ وأنت.. ريان، إيه الدم ده؟
نظر ريان بجمود إلى كفيه المليئة بدماء الرجال، ولكن الجديد عليها هي دماء تلك الفتاة. ليقول بجمود وهو يصعد سيارته وقد رافقه صديقيه وأيهم وآسر أيضًا وكأن ليس بهم قوة للقيادة: _مش دم. نظر ريان إلى بيجاد الذي يجلس بجانبه وينظر أمامه فقط، ثم نظر إلى أيهم وآسر وهشام من المرآة ليعلم ما يدور في ذهنهم. وقد تولى هشام أمر السؤال: _عرفت إزاي؟ وهنا تحدث آسر بتفكير: _أكيد من شعرها، مفيش بنات شعرها كده!
_أكيد من شعرها صح، علشان مفيش حد شعره كده. ريان الذي تجاهل حديثه حتى لا يخطئ ظنه فيجعله يحيط علمًا بتلك الحقيقة. سأله هشام مجددًا: _عرفت إزاي يا ريان؟ _عيونها. ثم انطلق بالسيارة في سرعة شديدة، بينما قال هشام: _عيونها إزاي؟ لا مؤاخذة! كانت تشبهها تمامًا و... نظر له ريان نظرة سريعة جعلت هشام يقطع حديثه صامتًا، وعلموا أنه لا يود الحديث حول ذلك الأمر. وفجأة تحدث أيهم بنبرة خالية من المشاعر: _وقف.
توقف ريان للحظات ثم أوقف السيارة جانبًا وأملى عنوانًا ما، وهو يعلم أن وجهته الآن إلى ذلك الشاذلي. وبعد ترجله من السيارة، اقتربت منه سيارته التي تولى قيادتها أحد الحرس. تركها له ثم رافق زملائه في سيارتهم الخاصة. بعد وقت، توقفت السيارة أمام فيلا بيجاد وهشام. ودلفوا بها كي يزيلوا عنهم أثر الدماء قبل عودتهم إلى حيث الفتيات.
أعطى بيجاد آسر ملابسًا منه كونه يقاربه في الجسد. أما ريان فكان لديه بالفعل ملابسًا هنا وغرفة مخصصة له، فقد كان كثيرًا ما يبقى الليل برفقتهما. وبعدما انتهوا، كان آسر يقف مع بيجاد في غرفته يتحدث حول عدم قتل أيًا من ريان أو أيهم لذلك الشاذلي كونه يريده في عمله. وبيجاد كان بعيدًا كل البعد عن انتباهه معه. دلف عليهما ريان ليصمت آسر ويتحرك للخارج. بينما علم بيجاد أن القادم يريد التحدث معه. وقبل أن يتحدث ريان، كان
بيجاد يقول بنبرة باردة: _كل الحكاية إني بعتبرها أختي يا ريان. يمكن أنت متفهمش الموضوع ده، بس أنا بجد أخدتها أخت ليا. في اليوم اللي أنت اتجوزتها فيه، أنا كنت فرحان. فرحت إنك خلاص لقيت نصك التاني، ولإني هيكون معايا أخت أنا حسيت ناحيتها بمشاعر الأخوة من أول مرة شوفتها فيها. بس صدقني لو الموضوع ده هيأثر على علاقتنا وصداقتنا، فأنا مستعد أبعد تمامًا.
كان ريان يستمع له ويرسم على وجهه الغضب، ولكن بداخله سعيد. لا ينكر أنه يغار عليها من الجميع، حتى من شقيقها. ولكن هو يثق بصديقه ويعلم أنه من المستحيل أن ينظر لها نظرة خاطئة، وأنه صادق في كل ما يقول. ورغم ذلك، هو بالتأكيد لن يسمح له بالتعامل معها مثل أخيها. إن كان ذلك شعوره، فليحتفظ به لنفسه. هي زوجته وهو ابن عمه، ولا صلة بينهما.
ولكن آخر حديثه أصابه بالغضب. الأبله يتحدث عن الابتعاد وهو صديقه. جذبه يوقفه بالقوة أمامه ثم عانقه قائلًا: _غبي وهتفضل طول عمرك غبي. لحد إمتى هفضل أقول إني أخسر الكون عشانك أنت والمتخلف التاني! ومستحيل أي شيء يفرقنا عن بعض مهما كان ده إيه أو مين. وبعدين أنا متأكد إنك مستحيل تفكر في حاجة غير إنها أختك، بس كان رد فعلك أوڤر يا بيجاد. ده أنا جوزها ومعملتش كده. ضحك بيجاد بخفة ثم تحدث بمرح لن يتخلى عنه وضحك على حديث صديقه:
_والله رغم صدمتي، بس بقول الحيوان ده ليه مش متحرك؟ قبض ريان على مقدمة ثيابه قائلًا بحدة: _قولت إيه يا روح خالتك؟ قهقه بيجاد وعاد يعانق صديقه، يضمّه بداخله على تلك الثقة التي يحملها بداخله له. وفجأة وصلهما صوت الضلع الثالث لهذا المثلث: _أنتوا بتحضنوا بعض من غيري؟ والله من غيري ما ليكم ريحة ولا طعم ولا شكل حتى يا معفنين. _بطل كلام، هيجي فوق راسك في الآخر.
ابتسم هشام بخفة واقترب منهم وتشارك الثلاثة عناقًا جماعيًا، ورُبط بين قلوبهم جسر قوي لصداقتهم المتينة. وفجأة تحدث هشام بفضول: _بقولك يا ريان، ريحني وخليني أعرف أنام الليل وقولي عرفت إزاي إنها مش مراتك. ضحك ريان على الفضول الذي ظهر بعينيه: _قولتلك عيونها. _إزاي وعيونها كانت تشبه عيونها بالظبط؟ ضحك بيجاد على حديثه وهتف ريان بجمود: _أكيد مش هقولك حاجة تخص مراتي. هز هشام رأسه وهو يشعر بالحماقة هاتفًا: _صحيح!
تنهد ريان ثم قال بهدوء: _يلا نرجع للقصر. أومأ له وتحركوا للأسفل، ليقول بيجاد متسائلًا: _فين آسر؟ _مشي. أجابه هشام بهدوء ليرحلوا هم أيضًا إلى قصر ريان. وما إن وصلت السيارة أمام القصر حتى ترجل منها ريان متحركًا إلى الداخل بسرعة شديدة. تعجب بيجاد وهشام وتبعاه قبل أن يتوقفا يطالعان ذلك المشهد أمامهما. حسنًا، أمام الجميع.
ريان يحتضن زوجته يخفي وجهه في كتفها. الصديق القوي، يبدو أن قشرة قوته تشققت وهو الآن يمررها. كان الأمر صعبًا. لقد ظن حقًا أنها هي في الآونة الأولى قبل أن يكتشف خدعة ذلك الشاذلي بسبب دموعها، فزوجته العزيزة تعاني من مرض نفسي يمنعها من البكاء أمام أحد عداه وشقيقها... وبالطبع خالقها. بينما إياد الذي يتابع ذلك لم يعجبه الأمر البتة. الحقير يحرج صديقته والأسوأ... شقيقتيه الأخريان في وضع حرج بسببه.
حمحم بخشونة جعلت حوراء تزداد خجلًا. حاولت إبعاده عنها ولكن لم تستطع، لتهمس له بخفوت راجية أن يتركها، ولكن الآخر لا شيء يعنيه، ليحترقوا جميعًا. انسحبت كيان وليان رفقة غيث وأيان إلى الأعلى بهدوء. وبيجاد وهشام وكذلك آسر يعلمان سبب احتضانه لزوجته بذلك الشكل. حسنًا، في الحقيقة هم لا يهتمون كثيرًا. تحرك إياد مندفعًا لهما. جذب شقيقته من بين ذراعي ذلك الوقح يوقفها خلفه قائلًا بحدة:
_لو نخلي عندنا شوية حياء يكون كتر خيرك والله. عين ريان القاتمة ثبتت على وجه إياد بشكل مخيف. من هو ليبعد عنه زوجته؟ أمسك ذراع حوراء وجذبها نحوه بقوة آلمتها، بينما يردد بصوت هادئ مخيف: _زوجتي وأنا حر، ويستحسن متكررهاش تاني. _أختي قبل ما تكون زوجتك، افهم ده يا حيلتها. أحاط ريان خاصرتها بتملك بينما يردد بقوة: _كانت... كانت أختك، إنما هي دلوقتي زوجتي وبس، زوجة ريان الكيلاني.
طريقته أغاظت إياد الذي اندفع قائلًا بقوة هو الآخر. لا يعلم ما أصاب الآخر ولكنه يستفزه بشكل كبير: _برضاك أو من غيره هي أختي وغصب عنك. _قولتلك كانت، هي دلوقتي ملكة الذئب، لا أختك ولا أختها، هي تخصني أنا وبس. غضب إياد من حديثه الذي يفرق بينه وبين شقيقته، ليقوم بجذبها له تحت نظرات ريان القاتمة يردد بنبرة حادة:
_معرفش حصلك إيه، بس لما تتزفت وتعقل كلامك تعالى اترجاني عشان أسلمك أختي تاني، إنما أسيب أختي مع واحد مهووس زيك ده. ضغط ريان على أسنانه حتى برزت عظام فكيه. وفجأة كانت يده تهبط بلكمة قوية على وجهه. إياد الذي ما إن رآه حتى دفع حوراء بعيدًا عنه حتى لا تتأذى، والتي بدورها شهقت بفزع وخوف على شقيقها تستمع إلى صوت ريان الجهوري:
_إياك تفكر تقرب منها أو تلمسها تاني، وإلا هخليك تندم، ومتختبرنيش في إني بعمل إيه في اللي يفكر يقرب من ممتلكاتي. ممتلكات؟ هل هي الآن ممتلكة؟
بينما أسرع بيجاد وهشام في التدخل بعدما كانا يأخذان دور المشاهد. رأى كل منهما أن المسألة شخصية، ولكن تفاجأوا أن بعد نطق ريان لتلك الكلمة لم يحصل على رد من إياد سوى لكمة عنيفة. رفض بها أن يتحدث بذلك الهوس المرضي عن شقيقته. وبلمح البصر كان ريان يردها له بقوة أكبر. تقدما منهما سريعًا ووقف بيجاد أمام ريان يدفعه إلى الخلف، بينما هشام وكذلك أريب التي أسرعت إلى شقيقها وقفا أمامه. بينما تحدثت حوراء بغضب ترميه على زوجها:
_أنت إزاي تمد إيدك على أخويا يا ريان؟ ثم استدارت بقلق إلى أخيها تمسح على وجنته هامسة بأسف: _أنا بجد آسفة، مش عارفة هو بيعمل ولا بيقول كده ليه، أنا آسفة. لحظة هجيب تلج.
ثم تحركت بسرعة أسفل نظرات ريان الغير مفهومة. ثم حولت مقلتيه إلى إياد، ولو كانت النظرات تقتل لتحول إياد إلى رماد محترق. ترك الجميع وتحرك إلى الأعلى يمنع نفسه بصعوبة من العودة وتحطيم فك ذلك المزعج المدعو بأخيها. وبالنسبة لها.. سيلقنها درسًا لن تنساه. سيعلمها أنه لا يحق لأحد أن يقترب أو يلمسها سواه حتى وإن كان أخاها. مهووس.. أجل هو كذلك.
جلسوا في هدوء مريب بعد صعود ريان إلى الأعلى. بينما قلق بيجاد وهشام من انسحابه الهادئ ذاك. بينما كانت نظراتهما تتحرك نحو تلك التي تجلس جوار أخيها تضع الثلج على وجهه وهي تطالعه بحزن، بينما تسأله بهمس وهي غير راضية عن ابتسامته في وجهها: _بيوجعك وبتخبي عني صح؟ أومأ نفيًا، ثم همس لها بحنان: _روحي شوفي زوجك. هزت رأسها باعتراض قائلة: _لا، أنا زعلانة منه ويستحسن مروحش دلوقتي. ضحك إياد بينما قال بهدوء:
_الغبي مبيقدرش يتحكم في غيرته وسايبها كده على الله. وغيرته من تعلقه وحبه ليكي. أيوا هي غلط شويتين بس أنا هقومه. أنتِ دلوقتي روحيله ومتفكريش في حاجة، تمام؟ رمقته باعتراض ولكنه دفعها بيده في خفة لتنهض مجبرة وتحركت إلى الأعلى. جاء رنين هاتف أريب لتستأذن أخاها في الرد ليقول بهدوء: _متتأخريش، هستناكي عشان نمشي.
أومأت له وتحركت إلى الخارج تجيب صديقتها قمر. وعلى بعد منها انتهى آسر من مكالمة والدته ووقف ينظر إلى تلك الضاحكة بقوة وهي تتحدث في الهاتف. ورغمًا عنه شعر بفضول نحو هوية من تتحدث معه. وما إن اقترب خطوات منها حتى سمعها تقول ضاحكة: _عيب عليك يا سيف، أكيد موافقة حتى لو هعيش معاك في بيت عصفور، هو أنا أطول؟ عقد حاجبيه بضيق. من هو سيف ولمَ تتحدث معه بذلك الود؟ وما إن أنهت المكالمة حتى سارع في سؤالها وهي قد تفاجأت من ظهوره:
_بتكلمي مين؟ رفعت حاجبها وكذلك رأسها تطالع ذلك المتطفل بحدة قائلة: _نعم! وأنت مالك؟ اندفع آسر بغضب فاجأها: _إيه... شكله حبيب القلب ومش عايزة تقولي، وعاملة فيها البنت المحتر... قبل أن يكمل حديثه كان يتلقى صفعة. تساءل بداخله كيف يمكن أن تكون هذه القوة في تلك اليد الصغيرة. وكان أيهم قد دلف من باب القصر الخارجي وقد سمع كلمات آسر ورأى تلك الصفعة التي جعلته يرفع حاجبيه لوهلة. ثم وصله صوتها الحاد:
_قبل ما تتكلم وتتشطر بلسانك اعرف أنت بتكلم مين، وإلا وربي مش هيكون ده آخر واحد تاخده على خلقتك. وصدقني لو حاولت تتعرض لي تاني بمجرد كلمات بس أنا مش هسكت وهجيبك بطولك ده تحت رجلي، أنت فاهم. _إيه اللي بيحصل هنا ده؟ التفتت بأعين حادة إلى أيهم قائلة: _ابعد الشخص ده عني، أنا هسكت المرة دي بس لو كان في مرة جاية هزعله.
ثم شملت آسر الثابت في وقفته بهيئة مخيفة لم تخفها. بنظرة من أعلاه لأسفله باحتقار ثم تحركت إلى الداخل. بينما أيهم فقد تابعها بنظرة تهكمية. هل قالت بأنها ستصمت هذه المرة؟ كل هذا وستصمت! ثم وجه نظره إلى ذلك الجامد بأرضه وعلى وجهه علامات الغضب الشديد. لا يزال في صدمته أن فتاة لا يتعدى طولها صدره قد صفعته للتو بل وهددته أيضًا. هذا إن تجنب ذكر تلك النظرات. لمعت عيناه الزيتونية بغضب ووعيد. بينما تحدث أيهم ببرود:
_من الأول كان لازم توزن كلامك بدل الإهانة دي. أهو شفت ردها واللي أكيد مش عاجبك. ابتسمت شفتاه رغمًا عنه وهو يمسك بفك آسر يديره للجانب مرددًا: _وريني كده.. دفع آسر يده بغيظ وهو يتوعد لتلك القصيرة.
لا تزال واقفة أمام باب الغرفة حائرة. حديث أخاها عن غيرته ورد فعلها جعل عقلها مشوش. لا تعلم أتحزن منه أم تراضيه. زفرت بقوة وتحركت إلى داخل الغرفة مغلقة الباب خلفها ببطء. نظرت إليه وهو يجلس على الأريكة وعلى قدميه حاسوبه الخاص، والذي بدا من تركيزه به أنه يعمل. وفجأة لاحت صورته وهو يلكم من هو بمثابة العالم لها. لتسرع في القول مندفعة: _أنا مش فاهمة أنت عملت كده ليه، ممكن تقولي إزاي تضرب أخويا بالشكل ده؟
وإن كانت تتوقع إجابة فقد أخطأت. هو لم ينظر لها حتى. لتشعر بالغيظ منه وتحركت نحوه تغلق الحاسوب وتأخذه من بين يديها تلقيه على الفراش قائلة: _رد عليا أنا مش بكلم نفسي. رفع عينيه لها يطالعها بنظرة أخافتها، لكنها تسلخت بشجاعة زائفة قائلة: _متتبصليش كده، لما أكون بكلمك تسيب أي حاجة وتسمعني. وضع قدم فوق الأخرى وأراح ظهره إلى الخلف متحدثًا بجمود: _ها.. وبعدين؟ عقدت حاجبيها بعدم فهم: _بعدين إيه؟ أنت هتسمعني وترد عليا.
أمال رأسه متحدثًا ببرود: _قولي اللي عندك وخلصينا، وبعدين هشوف أرد عليكِ ولا لأ. كانت نظراته جامدة قوية ناحيتها. شعرت بالحزن من تعامله وظلت تطالعه بصمت. ليتنهد ريان ونهض عن الأريكة متحركًا إلى الفراش بينما يردد: _شكلك فاضية وأنا معنديش وقت. قاطعته بحزن قبل أن تتحرك لداخل المرحاض، ليزفر ريان بضيق. لا يحب أن يحزنها ولكن عليه أن يعلمها كيف تختاره على الجميع.
وقفت أمام المرآة تنظر إلى انعكاسها. لأول مرة يطالعها بتلك النظرة، ولأول مرة يحادثها بهذه النبرة، ولأول مرة يتجاهلها بهذه الطريقة. تشعر بألم في قلبها. شعرت أنها أحزنته بطريقة ما، بينما لطالما أراد هو إسعادها فقط. لكن ماذا فعلت هي له في المقابل؟ لا شيء. ندمت وبشدة على حديثها معه بتلك الطريقة. كان عليها أن تحادثه بهدوء وتفهم كيف كان يفكر وبماذا يشعر حتى يتصرف بتلك الطريقة.
خرجت بعد وقت من المرحاض لتراه كما هو على الفراش يركز على الحاسوب. نكست رأسها بحزن وتحركت نحوه تجلس أمامه. سحبت الحاسوب منه ببطء بينما هو رفع عينيه لها تاركًا لها الحاسوب. تابعها بينما تريح رأسها على قدميه قائلة بهمس مختنق بغصة بكاء: _آسفة. رفع ريان رأسه يتنهد بقوة. هذه الغبية تجعله يتراجع عن الكثير مما يفكر به. حاول دفعها عن قدمها برفق مرددًا بجمود: _قومي يا حوراء، ورايا شغل. رفعت عينيها له تقول بصوت أشبه بالبكاء:
_آسفة، أنا آسفة والله متزعلش مني، أنا عارفة إني مش بعملك حاجة رغم إنك بتعمل كل حاجة عشاني، بس أنا والله بحبك ومستعدة أعمل أي شيء مهما كان عشانك.
انهمرت دموعها لتكون كالمطرقة من حديد على قلبه الجامد. ليتشقق ويتراجع عن كل ما توعد به لها. ضمها إليه بينما هي تشبثت به بسرعة تعتذر له. زفر بقوة ومسح على خصلاتها دون حديث. أراد أن يعلمها درسًا وقد أقسم على هذا. والآن هو يفكر في كفارة قسمه وقد ذهبت كل توعداته هباءً. فليذهب قلبه إلى الجحيم. الأهم هي. لا شيء أهم منها في حياته. ومع اعتذاراتها المتكررة همس لها بجانب أذنها برفق بينما يده تمسح على رأسها:
_خلاص مش زعلان منك، بالأساس حاولت أزعل بس مقدرتش. أنتِ من غير ما تعملي حاجة وبمجرد وجودك جنبي بيعجزني عن رد ده ليكي. بمجرد أنك حواليا أنتِ أدتيني الدنيا كلها. أنا مش عايز حاجة غير إنك تفضلي جنبي وفي حضني والأهم تبتسمي. _وأنا مقدرش أبعد عنك بعد ما ربنا كتب لي حياة جديدة على إيدك. أنا بحبك أوي. _وأنتِ عشق الذئب.
همس بها برفق مقبلًا رأسها ثم أراح رأسه إلى الخلف ويده تضمها إلى صدره بقوة. سخر في نفسه من حاله. ورغم ذلك لم يغضب من نفسه. بالأخير هو أحبها، ولن يبخل على من أحبها بكل حنانه. الساعة الرابعة عصرًا. أخذها بيده إلى منزل أخاها وها هو يقف أمامها يقبل خديها قائلًا: _هخلص شغل وراجعلك على طول. أومأت له مبتسمة وبأعين لامعة، بينما استدار ريان إلى إياد قائلًا بتحذير: _وأنت خليك بعيد عنها. _ريان، قولنا إيه؟
قالتها حوراء بتنهيدة. لقد تعبت حتى أقنعته بأن يستثني أخاها من حاجز احتكارها له. وبعد محاولات مستميتة وافق، ولكن ها هو من الثانية الأولى ينكر اتفاقهما ذاك بقوله: _أنتِ مش شايفة بيبتسم إزاي، هو اللي بيستفزني. ضحكت بخفة قائلة: _ميقصدش، يلا روح لشغلك ومتتأخرش عليا. _أوامر الملكة مطاعة. قالها بعبث وهو يغمزها بعينه لتضحك بخفة. بينما تحرك إلى الخارج ليجد الرجال بانتظاره ليتحرك برفقته إلى وجهته. تحدثت ليان بضحك
موجهة حديثها إلى إياد: _يا باين خاف على نفسك، ده مبيتهزرش معاه. أجابها إياد دون النظر لها: _ومين قال إني بهزر! اقتربت منه حوراء تداعب وجنته قائلة: _أوه، أميري الغيور. رفع رأسه بعيدًا عن يدها قائلًا: _بعلمه الأدب مش أكتر. ضحكت حوراء وعانقته عنوة، ليبتسم إياد وهو يمسح على رأسها بينما هي تردد: _هو بيحبك على فكرة. أجابها ساخرًا: _واضح. رفعت رأسها له بينما تستند بذقنها على صدره: _وأنا بحبكوا أنتوا الاتنين.
وفجأة تحدثت كيان وليان معًا: _ريان / أبيه… انتفضت حوراء تنظر خلفها ولم تجده. لتنظر لهما بغيظ بينما هما ضحكا ومعهما آية وأريب التي قالت: _شكلك مضحك بجد. عضت حوراء شفتيها تشكو إلى أخاها: _شوفت، بيضحكوا عليا. _واللي يرضي الأميرة... _عاقبهم، وأولهم القصيرة دي. نهضت أريب قائلة بضحك: _إيه الغل ده يا أخت حوراء. صرخت ضاحكة ما إن اقترب منها إياد لتركض مبتعدة عنه قائلة: _لا يا إياد والنبي هيبتي.
شهقت بينما تضع يدها على فمها بينما تنظر إلى أخاها الذي رفع حاجبه يطالعها بجدية مرددًا: _تعالي. تحنحت حوراء قائلة بتوتر: _زلة لسان يا إياد و... _حوراء، لو سمحت. تنهدت حوراء وجلست حواء آية. بينما قالت أريب باعتذار: _أنا مكنتش أقصد، طلعت بالغلط. _أريب أنا قولت تعالي، هتخليني أعيد كلامي كتير؟ أخفضت رأسها تقترب منه أسفل نظرات كيان وليان واللتان لا تفهما ما الخطأ الذي اقترفته دون أن تنتبها له.
ما إن وقفت أمامه حتى أمسك وجنتها بين إصبعيه قائلًا: _هفضل أفهم فيكِ لحد إمتى إنه مينفعش يا عاقلة إنك تحلفي بغير الله؟ تأوهت أريب قائلة: _أنت بتوجعني. _جاوبيني، مش ناوية تفهمي ليه؟ _والله فاهمة بس طلعت غصب عني، أنا آسفة، ممكن تسيبني. تركها ما إن لاحظ حزنها ليراضيها بقبلة على وجنتها قائلًا:
_متزعليش مني يا أميرتي، أنتِ عارفة إني بحبك وبخاف عليكِ وعايزك من الناس اللي هيتباهى بيهم الرسول ﷺ يوم القيامة بإذن الله. يلا اقعدي مع البنات وأنا هحضرلكم الغدا قبل ما أمشي للشغل. أومأت له وتحركت لتجلس بين شقيقتيها لتقول آية مبتسمة: _أنا لو منه كنت كسرت دماغك، بس نعمل إيه، هيفضل إياد الحنين مهما حصل. أنتِ عارفة إنه بيحبك وبيعمل كل حاجة لمصلحتنا إذا كان في الدنيا أو الآخرة. أومأت لها أريب لتقول حوراء ضاحكة:
_شوفوا المطيع، سبحان الله. _أنتوا حلوين قوي. قالتها كيان مبتسمة ثم سألتهما ليان عما حدث، لتجيبها آية مبتسمة: _مينفعش نحلف أو نحلف حد بغير اللّٰه. مثلًا مينفعش نقول (والنبي متعملش كذا... إنما نقول باللّٰه متعملش كذا. وفي ناس بتحلف بغير اللّٰه ودا مينفعش. مثلًا بيقولوا (والنبي أو والكعبة أو والمصحف الشريف أو وحياة سيدنا النبي إلخ) وكل ده مينفعش. الصح نقول (واللّٰه أو أقسم باللّٰه أو وربي...
المهم يكون باللّٰه وليس بغيره. صمتت بينما أكملت أريب بتأنيب ضمير: _تحريم الحلف بغير اللّٰه، وقد جاء فيه قوله ﷺ : «إنَّ اللّٰه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفًا فليحلف باللّٰه أو ليصمت». وأن ابن عمر رضي الله عنهما سمع رجلًا يقول: "لا والكعبة"، فقال: "لا تحلفوا بغير اللّٰه، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من حلف بغير اللّٰه فقد كفر أو أشرك»". _أنا أول مرة أعرف. قالتها ليان بدهشة وأيدتها كيان، لتقول حوراء مبتسمة:
_والحمد لله إنكم عرفتوا، على الله بقى أسمع واحدة منكم بتحلف بغير الله. أنهت حديثها محذرة بمرح، ليضحكن معًا وقضين وقتًا ممتعًا رفقة بعضهن وقد ازداد ترابطهن. توقفت سيارات الذئب أمام مخزن في مكان شبه نائي. لا تسمع له سوى صوت الرياح المخيفة وصوت صرخات مرعبة. احتلت ابتسامة مرعبة على وجه الذئب وتوجهوا جميعًا إلى الداخل. كان يقف مكبلًا يديه فوق رأسه بسلاسل من حديد وكل جزء من جسده ينزف دمًا.
أصبح كالفريسة بين مجموعة من الأسود التي تحمل غضبًا تجاهه. تقدم أيان وغيث منه ولم يرحماه أبدًا. أفرغا له كامل طاقتهما وكلاهما ينتقم لنفس الفتاة، ولكن هذا تكون له شقيقة، وهذا تكون له العالم بأكمله. _كفاية، أنتوا هتاخدوه لوحدكم ولا إيه؟ قالها بيجاد متزمرًا، فقد وقع الاختيار عليه بأنه سيكون آخر من يضع بصمته عليه ويخشى أن تزهق روحه قبل أن يأتي دوره، بينما يجلس الذئب على مقعد يضع قدمًا فوق الأخرى.
ليصلهم صوت شاذلي الذي تحدث بوعيد بينما يطالع ريان من بين جفنيه المتورمين: _هتندم يا ذئب، هخليك تتعذب حياتك كلها زي اللي واقف جنبك ده. كان يقصد أيهم في حديثه والذي اسودت ملامحه بغضب، قبل أن يبتسم بشكل مخيف وخلع عنه تيشيرته لتتسع أعين شاذلي بصعوبة ورعب، فهو قضى بالأمس أبشع لحظات حياته مع هذا الأيهم.
وها هو بسبب لسانه سيمر بذات اللحظات مجددًا. التقط أيهم سوطًا وبدأ وصلة ضرب عنيفة استمتع الجميع بصرخات الآخر وكأنهم يستمعون إلى معزوفتهم المفضلة. كان جمودهم مخيفًا، وبدا له واضحًا من أعينهم أنه لن يتدخل أحدهم راحمًا له. _لو قتلته هزعل وأنا زعلي وحش، خليني آخد دوري على الأقل وبعدها اعمل اللي تعمله. قالها بيجاد يتذمر مجددًا وهو يرى أيهم الذي تزداد قوته لا تضمحل مع الوقت. كان غضبه تجاه هذا الشخص أكبر من أي شيء.
بعد وقت طويل خفت صوت شاذلي وبدا تنفسه ثقيلًا وذلك الأيهم لا يتوقف عن جلده ولكمه بكل قوته، ليهمس آسر إلى بيجاد: _روح يا بيجاد ابعد أيهم عنه. هتف بيجاد بسخرية: _والله ما هيحصل، أنت مش شايف شكله إزاي، ده مش بعيد يجلدني معاه، روح أنت يا إتش. صعد هشام بعينيه بكرف عينه بسخرية ثم تحرك إلى أيهم ليقول بيجاد وكأنه يودعه: _هتوحشني يا صاحبي، متقلقش هدعيلك كل يوم وهجيب لك ورد كمان، قولي بتحب لون الورد إيه عشان أزين بيه قبرك؟
_لون دمك. قالها هشام ساخرًا قبل أن يقف على بعد قريب من أيهم قائلًا: _كفاية يا أيهم. لم يجد إجابة من الآخر الذي ازداد غضبه وهو يزيد من سرعته وقوته في ضرب ذلك الشبه فاقد الوعي. ليقوم هشام بإمساكه من الخلف وجذب منه ذلك السوط الذي امتلأ بدماء الآخر. ليسرع آسر وبيجاد في جذب أيهم بعيدًا ليصلهم صوت ريان المنزعج: _ليه وقفتوه، كنت مستمتع. أجابه بيجاد بسخرية: _اعذرنا، بس قولنا إن ده دورك.
نظر له ريان نظرة فهمها بيجاد ليركض له هاتفًا بسرعة: _والله لتستنى لحد ما نعالجه ونلحقه قبل ما يموت وبعدين استلمه، الله يكرمك أنا هزعل لو غار في داهية من غير ما آخد دوري. ابتسم ريان بغير مرح قائلًا: _ماشي، يلا بسرعة. قال أيان بجمود وهو يغادر المكان: _لو خلصتوا ولسه فيه الروح اتصلوا عليا. ما هذا الرعب الذي يحيط بك يا شاذلي؟ في أي مصيبة سوداء ألقيت بنفسك؟ رن هاتفها لتلتقطه بابتسامة ونهضت بعيدًا عن الفتيات قائلة بمرح:
_قمري وليلي وكواكبي ومجرتي، وحشتيني. ضحكت الأخرى قائلة: _وأنت وحشت سيف يا أختي. ضحكت أريب وقالت بهمس: _بقولك يا قمر، أنا عندي خطة وعايزاكِ تساعديني فيها. _ربنا يستر، قولولي. بدأت أريب في سرد ما تفكر به لصديقتها التي رحبت بتلك الفكرة وبشدة. لتغلق أريب وأسرعت في مهاتفة أخيها الذي ذهب للشركة تستأذنه في زيارة صديقتها، ليوافق بعد تحذيرات طويلة، لتسرع في تبديل ثيابها واستأذنت الفتيات ورحلت رفقة الحرس.
_كفاية يا ريان هيموت في إيدك. عانقته آسر وهو يقف بعيدًا عنه ولكن كان ذلك الذئب لا يسمع لشيء، فقط يفكر في ما فعله هذا الحقير بابنة عمه وكيف يتعذب أيهم بسببه. والأهم... كيف علم بطول شعر زوجته! هتف بيجاد بقلق وصوت منخفض: _حد يبعده كده أنا مش هلحق بجد. نظر بيجاد وآسر إلى هشام الذي نظر لهم ليفهم نظرتهم جيدًا ليهتف بجمود: _المرة دي لا. قال آسر: _إيه يا إتش، ده حتى صاحبك! _وصاحب البغل اللي جنبك كمان. قالها هشام مستنكرًا،
ليقول بيجاد بسرعة: _أنا عرفت مين هيبعده. ردف آسر وهشام معًا: _مين؟ _الغالي.. هتف بها بيجاد وهو يشير على أيهم، ليقول هشام بسخرية: _على أساس إنك مش واخد بالك من الابتسامة اللي على وشه، ده مستمتع ولا كأنه بيتفرج على فيلم. أنا هروح وأمري على الله. احتضنه بيجاد هاتفًا: _هتوحشني يا صاحبي، الصعب إنك هتموت على إيد صاحبي التاني.
أزاحه هشام ونظر له بسخرية ثم توجه نحو ذلك الذئب الشرس. وبعد عناء طويل استطاع هشام وبيجاد وآسر السيطرة على الذئب وتهدئته بعض الشيء. ندم ريان ملابسه ونظر إلى شاذلي الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة يهمس له بفحيح: _وربي ما هتشوف الرحمة. ثم تحرك إلى الخارج بينما نظر له بيجاد بتقييم قبل أن يقول مبتسمًا بحماس وهو يشمر عن ساعديه: _وأخيرًا، تعالى في حضن أخوك. _عايز عرض ممتع.
قالها أيهم وهو يريح ظهره على المقعد ليقول بيجاد مبتسمًا: _إذا كان كده خلينا نستنى كمان شوية يعالجه الدكتور. وبعد وقت طويل تعالت فيه ضحكات بيجاد المخيفة مع صرخات شاذلي الذي أقسم أن كل ما مر عليه لم يكن شيئًا مقابل هذا البيجاد وحده. لهذا تركوه هو الأخير. كان مخيفًا ومرعبًا وكان يضحك ويمزح وهو يتشكل في تعذيبه، ليهلل صراخه وكأن هناك من يقطع جسده جزءًا جزءًا. وكان ذلك مطربًا وشافيًا لقلب أيهم ولو قليلًا.
مرت ساعات حتى تركوه بين الحياة والموت أسفل يدي الطبيب الذي أخبرهم بها صراحة: _توقعوا مني اتصال في أي وقت، حالته مش مستقرة وأشك أنه هيعيش لأكتر من خمس ساعات. اجتمعوا في فيلا بيجاد وأبدلوا ثيابهم. كان يقف أمام المرآة يحاول الهدوء حتى ترجع عيناه لطبيعتها. وفي الغرفة المقابلة كان يجلس أيهم بين يديه صورة لزوجته يقبلها هامسًا: _بتمنى تكون صرخاته وصلت لكِ يا بسمتي، وأوعدك لو لسه الروح فضلت في جسمه هيستمر عذابه.
دلفت أريب إلى الڤيلا ومعها قمر ووالدها سيف الدين. ما إن رأتهما حوراء حتى نهضت وتقدمت منهم بعدم تصديق هاتفه بفرحة: _سيف! قمر... اسرعت تعانق سيف الدين الذي استقبلها بفرحة غامرة وهو يراها معافاة تسير على قدميها. قال سيف الدين بسعادة ظهرت في نبرته: _ما شاء الله يا بنتي، أنا مبسوط عشانك، ومبارك لزواجك. _الله يبارك فيك، وحشتني قوي. _وأنتوا كلكم وحشتوا قلبي يا حوريتي.
فزعت حوراء على صرخات قمر باسمها قبل أن تعانقها بقوة، لتضحك حوراء وهي تبادلها قائلة: _مجنونة وهتفضلي مجنونة. هتف سيف الدين: _آيتي فين؟ أجابته أريب: _تعالي شوف آيتك. وتوجهوا إلى آية والتي لم تصدق أنها تراهما الآن. فقد مر وقت طويل جدًا. امتلأت عينيها بالدموع هاتفة: _سيف الدين.. اقترب منها سيف قائلًا بحنان: _قلبه وروحه، وحشتيني يا حبيبتي. _وأنت وحشتني قوي يا سيف، أخبارك إيه! _الحمد لله بقيت أحسن بشوفتكم في أحسن حال.
ابتسمت له قائلة: _الحمد لله. احتضنتها قمر بشدة ثم هتفت بمرح وهي تنظر إلى كيان وليان: _إيه ده إيه ده إيه ده، ده احنا اتعرفنا على حلويات. ضحكت حوراء والجميع عليها وهتفت حوراء: _دي كيان أخت زوجي، ودي ليان بنت عمه. وقفت قمر بعدم تصديق تطالع تلك النصف تركية والنصف روسية بانبهار ثم هتفت بصراخ: _يا حلاوة، مين كان يصدق إني هجتمع بيكم وأنا كنت بشوفكم على الشاشات بس.
ضحكت الفتاتان عليهما ويبدو أن هناك علاقة صداقة تطرق الأبواب، بينما قالت كيان بفرحة لتعرفها على فتاة جديدة: _أخبارك إيه يا قمر؟ هتفت قمر بمرح: _والله أنتِ اللي قمر، احم... أنا الحمد لله فل وعسل. _وأنا أقول صوت الصراصير دي ظهرت فجأة إزاي؟ اتسعت أعين قمر بعدم تصديق وهتفت كعادتها على أقل الأشياء بصوت مرتفع وهي تنظر إلى إياد الذي دلف للفيلا: _إيــــــاد … _بس بس ودني، إيه بالعة مايك. قاطعته قمر قائلة باستعلاء:
_تصدق أنا غلطانة، مش هرد عليك. أتبعت حديثها تخرج له طرف لسانها ليقول إياد بينما يتجه إلى سيف الدين: _طفلة. عانق سيف الدين مرحبًا به بحبور وسعادة. اشتاق حقًا لهذا الرجل الطيب: _أخبارك إيه؟ _الحمد لله في نعم. _دامها عليك، وبعدين ربنا يكتب ليك الجنة لأنك مستحمل الصوت ده. قصد بحديثه قمر التي زمت شفتيها مشيحة بوجهها عنه ليبتسم إياد قائلًا بحنان: _إيه ده، القمر زعل؟ هتفت قمر بحزن: _أيوا والقمر مخاصمك. _حتى بعد ده.
قالها إياد وهو يخرج من جيبه قطعة شوكولاتة التقطتها منه قمر هاتفه بسعادة: _مقدرش أزعل منك يا إيدو. _تصدقي أنا غلطان، هاتي الشوكولاتة. قالتها متذمرًا بسبب ذلك اللقب المستفز، لتضحك قمر وهي تبتعد بسرعة بينما تتابعن الشقيقات الثلاث بضحك. لقد اشتاقوا حقًا لتجمعهم هذا، كانوا مبتسمين جميعًا عدا واحدة، تتابع ما يحدث بغيرة شديدة.
استأذن منهم إياد وتحرك بعيدًا يطلب رقمًا يطلب منه طعام للجميع. في هذه اللحظة دلف الذئب بطلته الخاطفة للأنفاس وجماله الساحر وخلفه أولئك الذين يأسرون قلوب الفتيات بدون رحمة. نهضت حوراء وتقدمت منه بابتسامة جميلة أسرت قلبه للمرة الألف ليبادلها هو بابتسامة عاشقة وقبل رأسها لتهتف هي بخجل: _ريان تعالى عايزة أعرفك على حد. أومأ لها ريان وتقدم معها للداخل وتبعه الجميع إلّا أيان الذي أتاه اتصال وبقي في الخارج.
رأى ريان رجلًا يظهر عليه كبر السن ولكنه وسيم يجلس بجانب آية. هتفت حوراء بابتسامة جميلة: _ريان ده سيفو، أقصد عمو سيف الدين. سيف ده ريان زوجي. صافحه ريان بهدوء قائلًا: _أهلًا بحضرتك. هتف سيف الدين بحنان: _أهلًا بيك أنت، ما شاء الله عليك سمعتك سبقاك، بس خلي بالك أنت واخد حتة من قلوبنا يعني تحافظ عليها زي عينيك. أومأ له ريان قائلًا: _في قلبي مش عيوني بس.
ابتسمت حوراء بخجل، واقترب بيجاد وهشام وأيهم وغيث سيتقبلون هذا الرجل الذي تهتم له حوراء كونهم تعاهدوا على أن يعتبروها كشقيقتهم وهذا أقل فعل لأجلها. بعد ذلك قالت حوراء: _دول أخواتي اللي كسبتهم مع الأيام. ابتسموا لها بينما قال سيف الدين: _ما شاء الله، ربنا يسعدهم. أمنت على دعائه ثم قالت: _ريان، دي قمر بنت سيف. أومأ لها ريان بصمت. وما كادت تتحدث حوراء مجددًا حتى سبقتها قمر بتلقائية:
_الذئب ومين ميعرفهوش، ده كل بنات العالم معجبة بيه. شهقت واضعة كفها على فمها وشعرت بحرج شديد بينما نظر ريان إلى زوجته غامزًا بعبث، لتهمس له بينما تنظر أمامها مبتسمة: _لينا نقاش طويل في الموضوع ده. مال ناحيتها قائلًا بحب: _عمري كله ليكي. رمقته بطرف عينها تتحكم في ابتسامتها بصعوبة هامسة: _بتخرب الخناقات من قبل ما تبدأ. ابتسمت له ريان ليبدو وسيمًا جدًا. لما على زوجها أن يكون بتلك الوسامة؟ لتجده يهمس لها مجددًا:
_بس أنا مش هتنازل عن عقابك على سيفو دي. ابتسمت له ببلاهة ولم تتحدث، ليس الآن على الأقل. تحدثت قمر وعيناها تدور على الواقفين: _أضلاع المثلث بيجاد وهشام، الأستاذ أيهم والأستاذ غيث. ابتسمت لها بيجاد مشيرًا لها بيده لتبتسم له بحماس. لا تصدق أنها تراهم أمامها مباشرة وجميعًا هكذا. بينما غيث كان منشغلًا بتلك ليان، وأيهم وهشام لم يبتسما أو يعيراها اهتمام. ولا أحد يستطيع لومهما فهذه طبيعتهما.
بينما كانوا يتحدثون دلف أيان بوسامته الشديدة لتقع عيناه على تلك الغريبة والجميلة أيضًا. تقدم منهم قائلًا: _السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ردوا السلام وتعرف على سيف الدين ثم نظر إلى تلك الفتاة مع قول حوراء: _ودي قمر بنته. هتف أيان بصوت لم يسمعه سوى أخيه أيهم: _قمر وهي قمر. وكز أيهم ونظر له بحدة، ليحمحم أيان قائلًا بجدية: _اتشرفت أنا يا... قمر. أنهى حديثه بنبرة عابثة لم تلاحظها كون ذلك اسمها.
وطيلة الوقت كانت عيناه على تلك القمر والتي ينظر لها باعجاب شديد. بينما هي فلم تكن حالها أفضل منه، فهي لم تكن تتوقع بأن تلتقي بالذئب يومًا ما ولا حتى بأحلامها. لتلتقيه الآن هو وجزء من عائلته، وأصدقائه بيجاد وهشام الذين طالما أعجبت بوسامتهم وعلاقتهم التي يتحدث عنها الجميع. فهؤلاء الأصدقاء الثلاث رمزًا للوسامة والغرور.
وبعد وقت قضوه جميعًا بمرح شديد وبالطبع ما عدا ريان وأصدقائه فهم معتادون على الجدية وقلة الحديث باستثناء ذلك البيجاد المرح. غادر سيف الدين وقمر بعدما وعدوهم بزيارة أخرى وغادر البقية وتوجه كل منهم إلى منزله أو بالمعنى الصحيح، إلى قصره أو فيلته.
عاد بيجاد وهشام إلى فيلتهما وبصحبتهم كل من أيهم وأيان وغيث، وعاد الذئب إلى القصر بملكته وشقيقته التي ما زالت الكثير من الأسئلة تدور برأسها حول أريحية إياد مع تلك القمر. ومعهم ليان التي تحسنت حالها الجسدية والنفسية بينهم. ما إن دلفت كيان إلى القصر حتى قبلت ريان من وجنتها: _تصبح على خير يا أبيه، تصبح على خير يا حور.
قبلها ريان أعلى رأسها وذهبت إلى الأعلى ورافقتها ليان. وفور رحيلهما نظر إلى تلك التي أسرعت إلى الأعلى ليضحك بخفة وتبعها إلى الأعلى بسرعة. دلف إلى الغرفة ليجدها تخفي جسدها أسفل الفراش مدعية النوم ليبتسم بخبث ثم توجه إلى المرحاض وأبدل ثيابه ثم عاد لها هامسًا: _لا يا روحي لسه ورانا نقاش على سيفو دي. وبدأ يدغدغها لتترك تمثيلية نومها وعلت ضحكاتها بينما هو يستمتع بذلك. بعد وقت كانت مغمضة جفنيها براحة وهي تغط في نوم عميق.
بينما هو كانت يده تعبث بشعرها بحنان وينظر إلى ملامحها بشرود. ذلك الشعور الذي شعر به في بادئ الأمر كان شعورًا سيئًا جدًا. لا ينكر أنه ظن لوهلة أنها حورائه ولكن دموع تلك الفتاة كشفتها. وما يشغل تفكيره هو كيف علم بطول شعرها، فهو لم يستطع أن يفرق بين الاصطناعي وشعرها. فكانت نفس اللون الأسود الليلي، وطوله الساحر. ولكن مهلًا، فالذئب لن يترك هذا الأمر يمر مرور الكرام هكذا. سيعلم حقيقة هذا الأمر مهما كلفه من ثمن.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!