رواية امنيات اضاعها الهوى — الفصل 9 — بقلم اسما السيد
اتسعت أعين عبدالعزيز الزيني حينما أخبرته نيرة قاصدة ما حدث.
وسرعان ما صرخ صرخة استمع الجميع إليها:
_ بيجاد.
كان بجناحه الخاص مازال يتآكله الغيظ مما فعلته ابنة عمه المبجلة.
لو ظل دقيقة أخرى لارتكب إثمًا بقتلها.
تلك الفتاة تخرج أسوأ ما به فعلًا.
ما أن وصله ما فعلت بل وجرأتها بالحديث عنه هكذا جن جنونه.
لم يتوقع بأقصى أحلامه أن تفعل ما فعلت حقًا.
لم تكن صدمته وحده بل اتسعت أعين الجميع بصدمة من فعلة نيرة عدا أبيه الصامت صمتًا مريبًا، وهو يعي لما؟
مازال لا يستوعب جرأتها في قص ما فعلته بلا أدنى شعور بالذنب.
بل واعترفت بأفعالها بهدوء مريب.
مازالت جرأتها ووقاحتها تبهره حقًا، وهي تخبر شقيقها بكل جرأة:
_ أنا لا حدود لي يا فيصل.
أنا امرأة راشدة أفعل ما أراه مناسبًا، ويعود عليّ بالنفع.
من أنت كي تحاسبني؟
مازال يشعر بالاشمئزاز من موقف أبيه، وتأييده لها.
كان يعلم أن أبيه فاسق غير متزن ما أن يتعلق الأمر بالنساء.
لكن أن يصل فسوقه لهذا الحد هذا ما لم يتوقعه أبدًا.
أبيه كان ومازال زير نساء بالمعنى الحقيقي، يسيل لعابه على أي أنثى حتى لو كانت بعمر ابنته.
اتسعت أعين بيجاد، وهو يشعر بالصدمة والنفور يحتلان كيانه، وهو يحاول فهم ما يحدث من حوله.
والشك بدأ يملأ قلبه من ناحية والده أكثر من ذي قبل بعدما صاح بهم حتى يتركوا له هذا الأمر بعد أمر الجد له بأن يأتي خلفه.
صراخه ارتفع مردفًا أنه سينهي الأمر كما تسبب به، جعل الشك يتسلل لقلبه.
تُرى هل هذه لعبه محكمة من والده؛ ليصل لشيء ما أو صدقًا لا دخل له بما يحدث؟
نفض عنه تفكيره هذا، وهو يؤنب نفسه لتفكيره السلبي بأبيه دومًا.
لما لا يفترض الخير هذه المرة؟
بالنهاية هو لا يهمه إلا أن تنتهي تلك المهزلة، ولأول مرة يريد أن يرتاح، ويزيح من على قلبه حمل هذه المسألة تمامًا الذي كلما تذكرها يشعر بشيء غامض يدفعه للتروي.
لكن سرعان ما عادت الوساوس له ما أن تذكر ما افتعله أبيه مع الإعلام من كارثة العام الماضي وصلت لحد اتهام والدته بالرشوة حينما كانت تقدمها لإحدى القنوات حتى تغلق أفواههم.
ولم تنتهي إلا بتدخله هو بالأخير ناهيك عن كثير من الأشياء التي لا تنسى له.
ليعترف بيجاد أن أبيه لا يستطيع التصرف بالأزمات بل يزيدها اشتعالًا ليس إلا.
مسح بيجاد على وجهه بقوةٍ، وشعور بالاشمئزاز والتعب أصابه قبل أن يتكئ على عصاه من وجع قدمه، ويخرج من ذلك الجناح الذي يجمعه بهم هنا، وبالماضي بأكمله ناشدًا مكان راحته.
لكن ما أن خرج من جناحه اتسعت عيناه ما أن استمع لصراخ جده الآتي من مكتبه.
رؤيته لنيرة تخرج بأعين لامعة بالنصر جعله يعلم أن هناك كارثة لا محال.
دلف بتعب مردفًا:
_ جدي ماذا حدث؟ لما تصرخ؟
ألقى الجد إليه ذلك الهاتف بغضب ليلتقطه بيجاد، وينظر لما به بصدمة وأعين محتقنة بالدماء، وهو يفكر أوصل الأمر لهذا الحد!
دخول والدته باكية، ومن خلفها زوجة عمه جعل دمائه تفور قبل أن يأمره الجد بالتدخل الفوري؛ لإنهاء الأمر أو تركه برمته له ولأبيه.
_ بيجاد أنهي هذا الأمر على الفور، أخرس الألسنة وَلقن تلك المذيعة، وإعدادها درسًا قبل انهائه أتفهم؟
زفر بتعب، وأجابه بغموض:
_ حسنًا..
ليخرج مسرعًا بعدما أودع ابنته بعهدة شقيقته ورحل كعادته.
________
نحن لن نصمت على تلك المهزلة بالتأكيد..
كانت هذه كلمات نيرة المتوعدة، وهي تجلس مع زوجة عمها ووالدتها بغرفتها بعدما جمعتهم بها.
بالنهاية الأمر يخص ثلاثتهم، فهما الثلاثة من عشاق تلك الحفلات السرية.
أما فيروز فهي بعيدة كل البعد عنهما أو بالأحرى فيصل لا يسمح لها أبدًا.
_ بالتأكيد لن نصمت بعد تلك المهزلة!
أجابتها زوجة عمها بحقد، كانت تعلم أن زوجة عمها خير من يدعمها خصيصًا بعدما نال الأمر منها.
ظاهريًا الجميع يظن والدتها الأكثر شرًا، لكن زوجة عمها هي أصل الشر؛ لذا هي تستغل هذه النقطة جيدًا.
_ حسنًا هذا ما أريده دعمكم فقط.
********
أقسم لست أنا من فعلت؟
بكت ربى هذه المرة بحق حينما وصلتها رسالة تهديد مسموعة صريحة هذه المرة من فريد الزيني صارخًا عليها بجعلها تتجرع الندم.
انكمشت بأحضان هبة، وهي تشعر بأن المعبد تهشم عليها.
_ ربي اهدأي من أجل عز الدين فهو لا يجب أن يراكِ هكذا.
رفعت رأسها، وهي تشعر بالخوف يسيطر عليها:
_ بالأساس كل خوفي عليه.
لقد هددوني به، وظننت أنهم يهددون فقط، لكن أن يصلوا لتلك الحقارة!
_ يا إلهي إن شاء الله خير ياربي.
_ يارب خيرًا.
*******
نظرت فيروز لساعتها التي تخطت منتصف الليل.
اطمأن قلبها على عدي بعدما أودعه بيجاد في عهدتها مجددًا قبل هروبه من القصر.
هبطت الدرج بهدوء؛ لتصل للأسفل تجلب كوبًا من الماء؛ لتضعه بغرفة عدي قبل نومها.
زفرت براحة فالقصر غارق بالصمت أخيرًا بلا مشاكل تذكر.
كم تعشق الهدوء هذا، لكن تيبست قدميها ما أن استمعت لصوت نيرة الآتي من غرفة مكتب أبيها، وكأنها تتشاجر معه، وهم يعتقدون أن لا أحد هنا فالخدم بالنهاية يرحلون إلى بيوتهم قبل الثانية عشر.
ما أن التقطت أذنيها صوتهما، وما يتحدثون، ويخططون له ارتجف جسدها من هول ما تستمع له.
كادت تسقط كوب المياه الذي بيدها لولا تحكمها بآخر لحظة بنفسها، وبارتجافتها.
عادت للخلف مسرعة ما إن اقتربت أصواتهم من باب الغرفة.
أسرعت للصعود إلى غرفة ابن شقيقها، وهي بحالة صدمة لا مثيل لها لا تعي ما تفعل.
تسأل نفسها بصدمة كيف هذا؟ وكيف يفعل أبيها هذا من أجل أن يصل لأحداهن؟
_ أوصلت بهم الحقارة لهنا؟
لم تستطع إلا الهروب لجناح أخيها، وطفلته، وقد عقدت عزمها هذه المرة أنها لن تدعهم ينالون ما خططوا له.
رفعت هاتفها، واتصلت بأخيها الذي أجابها على الفور:
_ فيروز حبيبتي أنتِ بخير!
_ أخي أنصت لي جيدًا، وأتوسل إليك أن تنقذ هذه الفتاة من براثن أبيك.
_ اهدئي فيروز، وأخبريني ما يحدث؟
قصت عليه ما استمعت له ليجيبها بهدوء:
_ حسنًا اهدئي سأتصرف، وأنت تصرفي، وكأنك لم تعرفي شيء.
_ حسنًا.