تحميل رواية امنيات اضاعها الهوى بقلم اسما السيد pdf
بقلم اسما السيد
الفصل 18 — رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسما السيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
ارتفع صوت المأذون يردد لثالث مرة دون أن تنتبه هيّ: _ رُبى منير راشد هل تقبلين الزواج يا ابنتي؟ _ أجل أقبل. لا تعي كيف نطقتها لكنها ليست مخيرة، هي مجبرة كما العادة، ولا عزاء لها، ولا لأمانيها، فها هي الآن تدعسها بأكملها تحت أقدامها مجددًا، والسبب هذه المرة لم يكن إلا سذاجتها، وثقتها المفرطة بمن هم ليسوا أهلًا لها. رَنا إليها بنظرة طالت عن الحد، كان بإمكانه فعل الكثير غير ذلك، لكنه هو من آثر الغرق معها وبها. نظراتها التي رنت إليه برجاء موجع جعلته طوع بنانها، علم حينها أنه غرق بلا عزاء. علّمته سذاج...
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسما السيد
دلف بيجاد لجناح جدته بعدما أرسل بطلبه. اقترب من جده وانحنى مقبلًا جبهته، مردفًا باحترام:
_ صباح الخير يا جدي.
_ صباح الخير يا ولدي.
_ أخبروني بأنك تريدني؟
_ نعم، اجلس يا بيجاد.
جلس بهدوء يستمع إليه، ليهتف الجد بعد برهة من الصمت:
_ هل علمت مكان أبيك؟
صمت بيجاد قليلًا، ليحسم أمره أخيرًا مجيبًا عليه:
_ لا يا جدي، لم أصل إليه بعد.
نظر الجد إليه مجددًا، يعلم أنه يخفي أمرًا عليه، لكنه آثر الصمت. ظل شاردًا يتأمل التغيير الذي صار عليه، قبل أن يهتف مجددًا بما صدمه:
_ بيجاد، إلى متى ستظل بلا زواج؟ العمر يمر وابنة عمك ما زالت تنتظر.
_ ها..
الصدمة جمته حقًا، أما زال جده يفكر بنيرة زوجة له.
_ ها ماذا يا بُني؟ لقد صبرت عليك لخمسِ سنوات حتى تلملم جراحك، لكن لن أصبر أكثر من ذلك.
_ أنا لا أفكر بالزواج يا جدي، ونيرة تحديدًا لن تكون زوجتي يومًا.
_ بيجاد، لا تنسى من أنا.
_ أنا أعي جيدًا من أنت يا جدي، لذلك أخبرك لا للمرة الألف.
_ لكني أريد حفيدًا.
أجابه باستنكار:
_ ها نحن أحفادك أمامك.
_ لا تكن لئيمًا يا بيجاد، أنت تعي ما أقصده.
_ هل تري يا جدي أن هذا هو الوقت المناسب لذلك الأمر؟ نحن غارقون بالمشاكل.
_ ولما لا يكون مناسبًا؟ ابسَبب أبيك، اللعنة عليه أينما حل، وكان! دعك من أمره الآن، لم يعد ابني بعد كل ما افتعله من سوءات.
انفعال الجد أصابه بالقلق عليه. اقترب منه، ونظر بعينيه برجاء:
_ لا تضغط عليَّ مجددًا يا جدي، يكفي ما حدث. إن أردت الزواج سأتزوج بمن يدق قلبي لها. دعك مما أفكر به؛ لأني لن أفعلها لو مت.
_ لكنك أولي بها، وهي أولي بك.
_ أمن أجل الثروة؟! اللعنة على هكذا ثروة، سأدعسها بقدمي، ولا أتزوج بها نهائيًا، ولو مت. وأنت تعي جيدًا لماذا؟
_ إذا ما سمعته صحيح؟!
_ ماذا سمعت؟
_ اغرب عن وجهي يا بيجاد، اغرب. أنتَ لا فائدة من الحديث معك، لقد سئمت.
_ أخبرني ماذا سمعت؟
_ قلت اغرب عن وجهي.
زفر بيجاد بغضب قبل أن يخرج من الجناح، ومن القصر بأكمله قاصدًا وجهة أخرى.
دق هاتفها باسمه، فَتنحت جانبًا بعيدًا عنهن، وعن أعينهم التي تتابعها بفضول، وأجابته:
_ بيجاد.
ود لو يصرخ قائلًا يا قلبه، لكنه بالنهاية صمت وهتف بشيء آخر:
_ أين أنتِ؟
_ بالأسفل أتناول الإفطار، وأثرثر.
ابتسم تلقائيًا عليها قبل أن يسألها بصوت أجش:
_ هل تحبين الثرثرة لهذا الحد؟
_ نعم جدًا، كل النساء تحبها.
_ وماذا عن المغامرات؟
أجابته بحماس:
_ أحبها جدًا، أنا أعشقها، ألا تتذكر؟
تذكر أول لقاء لهما حينما كانت تتسكع على الطريق تلعب اسكيتنج. هتف مستنكرًا:
_ لا تُذكريني مجددًا به.
_ ولما؟
_ أغ.. ار..
صمت قبل أن يكملها، ساببًا نفسه المندفعة، من ثم هتف:
_ هكذا.. أمامك نصف ساعة، إن لم تَتجهزي سيتركك صديقك، ويذهب للمغامرة وحدك.
_ يا إلهي، اقتلك والله! أقل من نصف ساعة، وأكون جاهزة.
استدارت بسعادة لتتفاجئ بأثير وهبة أمامها يستمعون باهتمام. هتفت هبة ببلاهة:
_ يا إلهي، أترين كيف يغير الحب المرء يا أثير؟
_ أري.. أري..
_ هل تتجسسون عليّ؟
_ حاشا لله، لقد استمعنا صدفة حينما مررنا من هنا.
هتفت أثير بِضحك بتلك الكلمات؛ لتَدفعهما ربى وتهتف بحنق:
_ ٱنتما لا حل لكما.
استنكرت ربى حديثها، وهتفت:
_ لا تنكري ربى، لقد استمعنا لكل شيء.
اجابتها ربى بغيظ:
_ أنكر ماذا يا متخلفة؟
_ أن الوسيم أوقعك بالعشق.
_ نحن صديقان..!
صديقان، ألا تعرفين معنى الصداقة؟
_ أعرف بالطبع معنى الصداقة الحقيقية، لكن صداقتكما من نوع مختلف، ليس لها إلا معنى واحد.
_ إذا أخبريني ما هو معناها يا فيلسوفة العصر؟
_ أنها صفة لعينة وضعتموها بغباء؛ لتغطي على مشاعر أخرى كلاكما يخشى أن تظهر للعلن.
_ أنتِ جننتِ تمامًا.
_ لست أنا من جُننتِ! أنتِ من جُننتِ به، وانت عاشقة يا ربى.
تركتها، وصعدت، لم تدع عقلها يفكر بشيء، لن تشوه الصداقة بينهما أبدًا. هي موقنة أن الصداقة تدوم عن الحب. ارتدت ثيابها، وحملت حقيبتها، وهبطت مسرعة ما أن استمعت لِصوت زامور سيارته التي باتت تميزه جيدًا، وخرجت مسرعة:
_ لقد أتى بيجاد.
ابتسمت ما أن جاورته، وهتفت بصوت يملؤه الشغف:
_ ظننتك ذهبت للعمل، ماذا حل معك حتى تقرر الهرب؟
_ تعكر مزاجي كثيرًا، فقلت بعض الجنون لا يضر.
_ أنت محق، ولكن ماذا عن الأطفال؟
_ لا تقلقي عليهما، سيلحقون بنا.
_ حسنًا، لِنأخذهما معنا.
تجاهل حديثها متعمدًا، وأردف بحماس:
_ ننطلق؟
_ سريعًا.
بعد دقائق، اتسعت عيناها من الصدمة، بينما امتدت يده حتى تمسك بيدها:
_ إلى أين سنذهب بتلك الطائرة؟
_ سر يا صديقتي، سر.
هتفت بوعيد:
_ بيجاد.
لِيجيبها بذات النبرة:
_ ربى، قلت لا تقلقي.
_ أفوض أمري إلى الله.
*****
عادت تتمايل كالسكيرة، لقد زاد الأمر عن الحد، وتشعر بجسدها يأن. فاقت كما العادة نادمة على هوانها، وتشعر بأن الله اقتص منها ما فعلته بشقيقتها نوار عن عمد. ليتها تمتلك حق تكرار الأيام، وكانت عدلت عن ما فعلته بها. روح نوار تلاحقها بالصحوة والمنام تسألها لما فعلت؟ إنها الآن تشعر وكأنها تنظر لها، وتضحك شامتة بها كما كانت تضحك عليها، ونوار تمسك بأقدامها تتوسلها أن ترأف بها، وتعطيها جرعتها اليومية من ذاك السم التي جعلتها تدمن عليه.
اصطدمت باحداهن، ولم تعي بمن اصطدمت. كانت بعالم آخر تمامًا، وهي تصعد الدرجات الفاصلة لغرفتها كالمغيبة. اتسعت أعين فيروز من هيئتها المزرية. كادت تكذب عيناها، وتنكر أنها ليست نيرة الأنيقة المتكبرة التي تصيح من مجرد كلمات بسيطة فقط. لكنها وجدتها تدلف لغرفتها بلا انتباه لها. انتابها الشك فتسللت من خلفها لتتأكد من ما خلفته ظنونها، وهي تشعر بأن بها شيء غير طبيعي؛ لتتسع عيناها ما أن خلعت نيرة ثيابها الرثة وتتفاجيء بجسدها الدامي، وأثر جلدات على جسدها مستحدثة.
عادت للخلف قليلًا بصدمة، تكافح ألا يخرج صوتها مصدومًا من فعلتها؛ لتصطدم بإحدى التحف الموضوعة بالزاوية. انتبهت نيرة، وخرجت مسرعة تحاول أن تختفي من نيرة. اختفت على الفور داخل الغرفة المجاورة.
_ يا إلهي.. أنقذني.
لكن نيرة لم تكن بحالتها المعتادة، وكأنها ليست بعقلها. عادت للغرفة، وكأن شيئًا لم يكن.
________
اتسعت أعين أثير ما أن عَرف عمار عن نفسه لها طالبًا مقابلة ربى. نظرت لهبة التي لم تكن بأقل صدمةٍ منها حتى تمالكت نفسها، وهيَّ تفكر سريعًا أنه لن يصدقها إن كذبت وانكرت وجودها، وقالت إنها ليست هنا. كان عَمار ينظر لها بأعيُن متفحصة، يشعر بِربكتهم، وحيرتهم، والحقيقة هو يعلم لما. هتف بهدوء:
_ أعلم القصة كاملة، وأعلم أن ربى هاربة من والدتها وأخيها..! اهدأوا، أنا هنا من أجل دعمها فقط.
كانت عيناه تحوي قصة أخرى من العشق، والأمل في أن يلقاها أمامه مجددًا. هو بالفعل لن يوشي بها مهما حدث، وهل يوشي المرء على نفسه مجددًا بعدما وجدها؟
هتفت هبة بعد صمتٍ دام لدقيقة:
_ ربى ليست هنا.
تملك الغضب منه قبل أن تهتف هبة مجددًا حينما لمحت الغضب بعيونه:
_ اهدأ أرجوك، ولا تثير المشاكل. صدقًا ربى ليست هنا اليوم كاملًا، وربما لفترة ليست قصيرة. لقد ذهبت برحلةٍ خاصة بعملها. يمكنك الرحيل الآن، وأنا أخبرها بمجيئك.
بعد دقائق، ألقى السلام ورحل. على كل حال هو لن يتركها مجددًا؛ لينتظر بضع ساعات أخرى، لا مانع لديه من انتظارها ما تبقى لديه من عمر.
لقد هوى قلب هبة بأقدامها ما أن علمت هويته، وتنفست الصعداء بعدما رحل بلا مشاكل تذكر. لقد علمت من هو، وتذكرت حكايته التي حكتها لهما ربى ذات يوم.
هتفت أثير بصدمة:
_ يا إلهي، لا أصدق وقاحة هذة العائلة! كيف وصل لها؟ وكيف يعود بعد كل خذلانه لها؟
_ ماذا سنفعل الآن؟ هل نخبرها؟
_ بالطبع سنخبرها، يجب أن تعرف، لكن بعد عودتها. دعيها لا تقلق وتستمع برحلتها قبل مجيئها.
_ لكن أنا خائفة حقًا يا هبة عليها، ومن أن يكون ذلك الشاب عائدًا من أجل أمر ما. إنها الفتاة الأتعس حظًا بالوجود.
لمعت عينا هبة بشيء ما قبل أن تهتف:
_ أتعلمين شيئًا؟ هذا الشاب ظهر بوقته.
_ يا إلهي، هل جننتِ؟
_ بالطبع لا!
_ بماذا تفكرين يا مصيبة؟
_ بِشعللة نار الغيرة بالوسط. ربما هذا الشاب وظهوره الآن يصيب ابن الزيني بغيرة حارقة، وهلع، ويجعله يعترف بعشقه لها.
_ أنتِ داهية.
_ أعلم.
_ والآن؟
_ الآن، دعي الأمور تجري بأعنتها.
_ وأصبحتِ شاعرة أيضًا.
_ نحن نختلف عن الآخرون يا عزيزتي، فقط انظري وتعلمي.
_ حسنًا، الله يجيرنا من تفكيرك الجهنمي.
_______
اتسعت عيناها ما أن استقل هو مكان كابتن الطائرة؛ لتهتف بذعر:
_ بيجاد، لا أرجوك! أنا لدي طفل لا أريد أن يربيه غيري.
ابتسم قائلًا:
_ لا تقلقي عزيزتي، صديقك كابتن طائرة ماهر.
_ لكن بيجاد.
_ ألا تثقين بي؟
_ بالطبع أثق بك!
_ إذا تنفسي بهدوء، واستعدي كما أخبرتك.
_ حسنا، أمري إلى الله، لكن..
_ لكن ماذا؟
_ صدقًا أنا خائفة.
بدقائق كانت تحلق بالفضاء؛ ليصلا بعد نصف ساعة وجهتهم؛ لتصرخ فرحة:
_ بيت الجبل، لقد اشتقت له حقًا.
_ ظننتك كارهةٍ له.
_ بالطبع لا!
تذكرت وجودها هنا من قبل، ومشاجراتها معه. كانت مضطربة ليس إلا، لكنها كانت صدقًا مستمتعة، خصوصًا بلون الرمال وتناسقها الإلهي البديع.
_ بالعكس، كنت مستمتعة، لكن مضطربة.
أمسك بيدها ورفعها بالقرب من فمه وطبع قبلة حانية عليها هامسًا بها:
_ أعلم عزيزتي.
همست:
_ بيجاد.
_ نعم.
_ لا تفعل هذا مجددًا.
_ أفعل ماذا؟
_ لا تدع شفتيك تلمس يدي.
_ ولما؟
_ أتحسس من لحيتك.
صوت ضحكته أحدث صدى قبل أن تدفعه هي بخفة مردفة:
_ لا تضحك.
احتضن خصرها بتملك ما أن فتح باب القصر لهم، هامسًا بأذنها:
_ ظننتك تعترضين علي قُبلتي.
_ بالطبع أعترض.
_ اصمتي ربى، وإلا قبلتك أمام الرجل.
_ لا تتواقح.
قطع شِجارهم صوت أحدهم:
_ أهلًا يا دكتور بيجاد، أنرت الجبل. أهلًا يا سيدتي.
_ ناديني ربى يا عم محمدي، كم مرة سأخبرك؟
ضحك الرجل العجوز، وهتف بشوق:
_ أين "عزالدين"؟ لما لم تجلبوه معكما؟ لقد اشتقت له.
_ سيلحقون بنا بعد ساعات مع منذر.
_ سيلحقون بنا؟!
_ نعم، منذر سيأتي بعدي وعز بعد انتهاء دوامهم.
_ يا إلهي، ألم أخبرك أن نتظرهم؟
تجاهل حديثها، وهمس بوقاحة:
_ أردت أن أنفرد بزوجتي قليلاً بعيدًا عنهم، ثم عدي يخشى ركوب الطائرة، ووجوده مع عز يجعله مشتت الفكر على الطريق، ملهيًا ولا يبكي.
اتسعت عيناها خجلًا، فما زال الرجل يقف أمامهم. لينظر محمدي لهما معًا بسعادة، يتأمل بحالة الدكتور التي تغيرت للنقيض تمامًا عن آخر مرة كانوا بها معًا. كان يستمع لشجارهم يوميًا، ويحسد نفسه على زوجته التي لا تتشاجر إلا نادرًا. ضحك الرجل وهتف بسعادة:
_ الله لا يفرقكم أبدًا، ويديم تفاهمكما.
اتسعت عينا بيجاد الذي فهم ما يرمي محمدي إليه؛ ليدفعها بخفة وهو يلعن صوتها الجهور بشجارها من قبل الذي فضحه.
بعد نصف ساعة:
كان يلقي بنفسه على الفراش قبل أن يهتف بتعب:
_ أشعر بالنعاس حقًا.
اقتربت منه، وهتفت بضجر:
_ هل أتينا للنوم؟
اعتدل وسحبها من يدها على حين غرة؛ لتسقط عليه وبين ذراعيه تمامًا، لتصرخ به:
_ بيجاد، هل جننت؟
مد يده، وخلع عنها حجابها، والقاه بعيدًا، وأردف بصوت أجش، ويده تحرر شعرها من عقدته التي تخنقه بها:
_ ستدخلين جهنم يا ربى!
اتسعت عيناها، وسألته:
_ أنا.. لما؟
_ بسبب ظلمك البَين لشعرك هذا.
_ وما به شعري؟
_ لا تدعيه يتنفس أمامي!
_ لا يحل لك رؤيته!
ارتسمت على وجهه نظرة مستنكرة؛ ليهتف بوقاحة بينما يده تفعل المثل، حيث امتدت تتحسس خصرها الذي يقيده به؛ لتنتفض بخجل:
_ بل كلك تحلين لي! أنتِ زوجتي يا ربى، كلما أدخلت هذا الأمر لعقلك سريعًا صار الأمر أسهل على كلينا.
ارتجف جسدها، وهي تدفع به؛ كي يتركها، لكن ازدادت يديه جرأة، حيث امتدت لأعلى فخذها يتحسسهُ بوقاحةٍ:
_ بيجاد، أبعد يدك، هل جننت؟
رفع يده ضاحكًا عليها؛ لتنتفض مبتعدة عنه، ليهمس هو برغبة "مذهلة".
أغمض عينيه بتعب، وعادت كلمات منذر تدوي بأذنه مجددًا بعد حواره معه صباحًا:
_ أنت عشقتها يا بيجاد، لا تنكر.
زفر بيجاد بغيظ من منذر وحديثه:
_ أنت لا تفهم شيئًا.
_ بل أنت من لا تفهم شيئًا يا صديقي، كليكما غارقون والجميع من حولكما يرى ذلك. يا إلهي، لقد استمعت لأم رضوان وزوجها يثرثرون عليكم بالكلام ذاته، أي نوع صداقة لعين ما تنشدونه؟
_ أوصل بنا الحال لهنا، لا تكمل يا منذر.
_ لا، لن أصمت. بيجاد، لا تضيع عمرك هباءًا. الله له حكمة بِجمعكما، لا تترك فرصة لها للهرب؛ فالنساء تعشق الهجوم. أَانا من سيخبرك؟
_ أخرس يا منذر.
_ اسمع مني فقط، وخذ خط الهجوم، لا تدع فرصة لها؛ لتهرب منك، وإن لزم الأمر قل أحبك.
فاق على صوتها تناديه:
_ تضحك وحدك أيضًا! لا، أنت جننت كليًا. أنا سأذهب لغرفتي.
انتفض صارخًا بها:
_ ربى، تعالي لهنا. أي غرفة؟
_ غرفتي!
_ تعالي يا ربى، زوجة محمدي هنا، إنها امرأة ثرثارة، ولن نسلم من لسانها. الجميع هنا يعلم أنك زوجتي.
_ ثم ماذا؟
_ ثم اقتربي وتأدبي لنتصرف كمتزوجين لأسبوع فقط.
_ نعم، أسبوع..! أنت قلت يومًا واحدًا.
_ لا، غيرت خطتي، أنا متعب، وقدمي تؤلمني، اقتربي وساعديني بفك هذا الجهاز يا ربى.
اقتربت منه، وبدأت بخلع نعلة ومن ثم جهازه؛ لتردف بحيرة:
_ يا إلهي، لما أشعر أنك تستغل طيبتي؟
_ وان يكن، أنتِ أيضًا اعترفتي لي باستغلالي.
_ ليست هذه كهذه!
انتهت، فأمسك بيدها قبل هروبها، وأردف برجاء أذابها:
_ اغلقي باب الغرفة، وستائرها، واقتربي ياربى، أريدك بشيء جاد.
دب القلق بقلبها من نبرته الجادة:
_ هل حدث شيء لا أعرفه؟
_ سأخبرك، لكن افعلي أولًا. أشعر بثقل بجفوني كلما نظرت للضوء.
همست وهي تهم؛ لتفعل:
_ يا إلهي، أنت متطلب، ليتني لم أصادقك.
_ سمعتك على كل حال، لا داعي للهمس.
عادت؛ ليخبرها ماذا حدث؛ فأمسك بيدها، وبسرعة البرق كان يجذبها لِتجاوره على الفراش، يحتضنها بتملك، وظهرها مقابل لصدره. صرخت بفزع، ودفعتته بقوة تسب به، فضحك، وهمس بأذنها:
_ اخرسي ربى، وإلا أخرستك بمعرفتي.
_ هل تهددني؟ اتركني بيجاد، لقد تماديت؟
_ أنا لا أهدد، أفعل على الفور.
_ اتركني يا بيجاد.
نظرت له بجنون، تدفعه بقوة؛ ليتركها. تركها بالفعل، لكن؛ ليمسك بوجهها بقوة، وشفتيه تأسر خاصتها، من ثم هتف من بينهما:
_ أحبك ربى.
لتستسلم كليًا له.
_ بيجاد! بيجاد! هل غفوت؟
اتسعت عيناه بصدمة، وكاد يسقط من على الفراش لتتضح الرؤية له، ليعلم أنه كان بحلم ليس إلا. اعتدل قبل أن ينظر لقدمه التي لا جهاز بها، لِيضطرب عقله، وينهره، ويتَشوش بالفعل. هل كان حلمًا أم حقيقة؟ لتهتف ربى ما أن لمحت حيرته تحسم الأمر:
_ لقد ألقيت نفسك على الفراش بتعب ما أن دلفت للغرفة، وأنا خلعتُه عنك لتغفو براحة، ودهنتُ مكان الجهاز الملتهب جدًا هذا، أنت تهمله، وهذا ليس جيد لك. هيا اعتدل كي أساعدك بارتدائه. لقد اتصل منذر قبل قليل، وقال أنه على وصول بالأطفال.
_ حسنا.
لاحظت وُجومه، فهتف بتساؤل:
_ ما بك؟
_ لا شيء.
_ هل حزنت لأني خلعت جهازك بلا إذن؟
_ بالطبع لا.
_ إذا لما يعلو الغضب قسمات وجهك؟
_ كنت بحلم، وددت لو كان حقيقة.
_ يا إلهي، أنت تتصرف كطفل حقًا! بماذا كنت تحلم؟
_ لا تضحكي.. لن أخبرك أنتِ تحديدًا به.
_ ولما؟ هل كنت تحلم بي؟
هتفت بخبث، لِيصدمها هو مردفًا بخبث أكبر:
_ يا إلهي، كيف عرفتِ؟
_ كنت تحلم بي!
_ نعم.
_ بما حلمت؟!
_ لن يروقك معرفته.
_ أخبرني لُطفًا.
_ كان حلم وقح بعض الشيء.
احمرت وجنتاها، وصمتت، بينما أكمل هو بلا خجل:
_ كنت بين ذراعي و..
_ لا تكمل أرجوك.
_ حسنا، على راحتك.
_ يا إلهي، صرت وقحًا.
_ أنتِ لا تعرفينني بعد.
_ يبدو ذلك.
شرد هو يرتدي نعلة الآخر، فصاحت:
_ بيجاد.
_ يا إلهي، صوتك يا ربى، صوتك.
_ بما شردت مجددًا؟
_ ماذا تريدين؟
_ أسرع.
_ حسنا.
_ انتهيت؟
_ نعم.
_ إذًا هيا.
_ ارتدي حجابك.
_ لكن لا أحد هنا!
_ وماذا عن منذر القادم، ومحمدي؟ هل يبدوان كامرأة لكِ أم ماذا؟
_ حسنًا، نسيت، سأرتديه، لا تصرخ هكذا!
********
لا تعلم أَتخبر بيجاد بالأمر أم شقيقها أم تصمت، وهي حرة. لقد صدمت بأمر نيرة الذي وصل لحد لم تتوقعه. كانت تقف شاردة بالقرب من الشرفة، ولم تنتبه إلا حينما اقتربت منها نيرة تبخ سمها بها كعادتها. لمعت أعين فيروز بالغضب. كانت تعايرها بأنها لم تستطع الإنجاب للان؛ فهتفت فيروز بقرف حقيقي منها:
_ أنتِ مقرفة مريضة يا نيره، وتستحقي كل ما يجري معكِ.
ألقت بحديثها هذا، وتركتها، وقد اتخذت قرارها لتذهب نيرة للجحيم، هي لا تهتم. مريضة مثلها تستحق ما يحدث معها، كما مؤكد فعلت بشقيقتها، الآن تأكدت أنها السبب.
________
أخبرني يا محسن كل شيء علمته؟
اقترب محسن من عبدالعزيز الزيني، وبدأ يسرد عليه كل شيء؛ ليصبح الأمر الذي كان يشك به يقينًا.
_ هل تزوجها حقًا؟
_ نعم، وهي معه الآن، لكن أين لا أعلم.
_ حسنا.
_ هل ستترك الأمر أم تريد تلقينهم درسًا؟
نظر الزيني له بصمت، من ثم هتف بحسم:
_ لا.. اترك الأمر لي.
_____
جاءها اتصال من هبة فابتعدت قليلًا عنه. لم تستطع أثير الصمت، فلمحت للأمر، فَألحت ربى عليها حتى عرفت ما يجري. أخبرتها هبه ما حدث بعجالة؛ لتعلو الصدمة وجهها، وترتجف أوصالها. مزيج عجيب ما بين الصدمة والحنين والخوف حل بها. هتفت بلا شعور بالذي اقترب منها، وأصبح خلفها حينما أتى بحثًا عنها:
_ هبة، أنتِ متأكدة مما تقولين؟ يا إلهي، هل عاد عمار حقًا؟ وكيف عرف عنواني؟
بعد تفكير دام لثوانٍ، هتفت هبة:
_ لا أعلم. لقد أخبرني أنه يعلم أنكِ هاربة من البلدة، وهو لن يوشي عنكِ بالتأكيد.
_ يعرف ماذا؟ يا إلهي، من أين علم بكل ذلك؟
امتدت يدها تلقائيًا لِسلسالها المعلق بعنقها التي ما زالت ترتديه، ليس حبًا بمن أتى لها به. إنما لأنها كانت عبارة عن آية قرآنية ترتديها لتحميها من نوبات هلعها التي كانت خالتها تخبرها أنها ربما مس من الجن. لا تنكر أنها كانت تتعسس عن اخباره بعض المرات حينما ينتابها الحنين، لكنها كانت تنساه مع أول حوار لها مع هبه وأثير، كأن شيئًا لم يكن. كانت ترجع الأمر لِفضولها ليس إلا. هو ماضيها البائس جدًا، ولم تكن تريد أن يعود يوم. الحيرة تملكت منها، ناهيك عن أنها تشعر بأنها محاصرة والمشاكل لا تنفك تحاصرها.
هتفت بحيرة:
_ يا إلهي، من أَخبره عني؟ سأجن؟ كيف سأتصرف معه الآن؟
ارتفع صوت أثير الجهوري كعادتها ليصل صوتها للواقف خلفها مباشرة:
_ يا إلهي، أثير الشاب وسيم لدرجة مهلكة، لو رأيته كيف كان سيأكلنا، ويود لو يفتك بنا ليصل لكِ؟ أقسم أنه ما زال غارقًا بعشقك، وأظن أنكِ كذلك، وسلساله الذي يزين رقبتك شاهدًا.
الصدمة تملكت منه، عيناه لمعت بشرٍ، وتملك لتقطع هي شروده، وهي تنهر بها:
_ أثير، تأدبي أفضل لك.
عاودت أثير تغزلها به لتأفف ربى من أفعالها وتدور حول نفسها بغضب، تتلقفها بالنهاية يديه؛ لتهمس بتوتر:
_ بيجاد.
___________