ارتدت الملابس الطبية الخاصة بالزيارة .. ووقفت أمام باب غرفته للحظة تسحب أنفاسها لصدرها في راحة ثم تخرجها زفيرًا متمهلًا ، وعلى ثغرها ابتسامة سعادة وشوق .
فتحت الباب ببطء شديد حتى لا تسبب إزعاج ، ودخلت ثم اغلقته خلفها ببطء أشد من السابق ، استدارت بجسدها له ورأته نائم في الفراش والأجهزة الطبية حول الفراش من الجهتين وبيده إبرة متصلة بانبوبة صغيرة تصل إلى زجاجة المحلول المعلقة بجانب فراشه .. تلألأت الدموع في عيناها في لحظة لكنها شدت على محابسهم بسرعة واقتربت بخطواتها الهادئة منه ، وقفت بجانب فراشه بالضبط واستغرقت لحظات قصيرة وهي تمعن النظر في وجهه الشاحب ، فلم تتمكن من حجز دموعها أكثر فانهمرت على وجنتيها بغزارة .. مدت يدها الناعمة وامسكت بيده الكبيرة ، احتضنت كفه بقوة تستشعر لمسة يده التي ترغب بالشعور بها لأول مرة .. وعيناها لا تتوقف عن زرف الدموع .
توقفت عن البكاء وتجمدت ملامحها حين شعرت به يضغط بوهن على كفها الممسك بيده ، وباللحظة التالية يفتح عيناه ببطء في تعب وتخرج همسة خافتة منه : _جلنار تهللت اساريرها وعلت الابتسامة الواسعة شفتيها فور سماعها لصوته ورؤية عيناه ، طالعته بنظرة دافئة دون أن تجيب ، فمال هو برأسه بعض الشيء وتطلع لوجهها وعيناها الغارقة بالدموع فلاحت شبح ابتسامته الواهنة على شفتيه وهمس بصوت بالكاد يسمع وهو يزيد من ضغط يده على كفها :
_متعيطيش أنا كويس ردت عليه أخيرًا بصوت ناعم كلمسة يدها تمامًا بعينان معاتبة ودامعة : _كنت عايز تفارقني واحنا متفقناش على فراق زي كدا ازدادت ابتسامته اتساعًا وحرك إبهامه بضعف على كفه الصغير يملس عليه متمتمًا بصوت بدأ يظهر عليه التعب الحقيقي : _متخافيش .. طول ما فيا النفس .. يبقى .. مفيش فراق وضعت كفها الآخر فوق يده وملست على ظهره بلطف متمتمة باهتمام وقلق :
_طيب متتكلمش كتير عشان متتعبش .. وشد حيلك أنت بس وقوم بالسلامة يلا عشان هنا واحشتها اوي وكل دقيقة بتسألني عليك وعايزة تشوفك خرجت همسة خافتة بابتسامة جانبية بها بعض اللؤم : _هنا بس ؟! ابتسمت وهي تشيح بوجهها الجانب الآخر في عدم حيلة منه ، ثم قالت بوداعة : _أنا هطلع عشان مينفعش أفضل وقت طويل .. وإنت ارتاح
سحبت يدها من بين يده ببعض الصعوبة كأنه لا يرغب بتركها ، ثم ألقت نظرة مطولة عليه تبادلا فيها النظرات قبل أن تستدير وتنصرف مسرعة . خرجت وبدأت تنزع عنها الملابس الطبية فاقترب منها آدم وتمتم يسألها : _كلمك ؟ هزت رأسها بالإيجاب في ابتسامة وهتفت: _أيوة الحمدلله هو كويس .. بس طبيعي بيتعب من الكلام الكتير زي ما قال الدكتور فمخلتهوش يتكلم كتير وطلعت علطول تنهد آدم تنهيدة حارة براحة ، ثم ابتسم وطالعها بنظرة ذات معنى :
_الحمدلله .. وإنتي بقى ؟ فهمت ما يرمي إليه فبادلته الابتسامة وقالت بخفوت وهي شبه ضاحكة تعطيه الإجابة المقصود سؤاله من أجلها : _بقيت كويسة .. المهم إنت مش هتدخل تشوفه _لا لا أنا تمام .. وهو حالته مستقرة وكويس الحمدلله يعني ممكن بكرا الصبح يطلع من العناية وهشوفه ثم استكمل كلامه في شيء من المشاكسة اللئيمة وهو يضحك:
_بعدين أنا اخدت ثواب فيكي إنتي وماما ، حالتكم تصعب على الكافر .. بس ماشاء الله اللي يشوفك وإنتي طالعة من عنده ميشوفكيش وإنتي داخلة رفعت جلنار حاجبها مبتسمة باستنكار وقالت بضحكة مكتومة : _لم الدور يا آدم ! قهقه بصوت مرتفع قليلًا ثم هتف ببعض الجدية : _طيب خلينا في الأهم .. تعالي نقعد شوية عايز اتكلم معاكي قبل ما توصل ماما وفريدة
توقعت الأمر الذي يرغب في تبادل أطراف الحديث معها عنه ، فتنهدت مغلوبة على أمرها وسارت خلفه دون اعتراض . *** ملازمة فراشها منذ ساعات وتعبث في هاتفها ، تتصفح موقع التواصل الاجتماعي ( الانستغرام ) .. ضغطت على منطقة البحث فارتفعت لوحة المفاتيح أمامها .. سكتت للحظة تهمس لنفسها بصوت مسموع : _هو كان اسمه إيه .. آه آدم الشافعي
كتبت اسمه باللغة الانجليزية فظهرت لها نتائج لأشخاص لا تعرفهم .. بحثت بينهم قليلًا حتى عثرت على ملفه الشخصي حيث كان يضع صورته ، ضغطت على الملف وفتح ، استغرق لحظات حتى يتم تحميل جميع الصور وبدأت هي تشاهد الصور واحدة تلو الأخرى وفي مقدمة الصور كانت صوره من داخل افتتاح ذلك المعرض .. صورًا كثيرة له مع أصدقاء له وعائلته وصوره بمفرده وبعضًا من الصور كانت مع فتيات من الطبقة المخملية أيضًا ، لكن الذي لفت نظرها أكثر شيء بين كل هذه الصور هي صوره الكثيرة التي تظهر فيها طفلة صغيرة معه .. صور جميلة يظهر بها مدى حبه لتلك الطفلة وهو يلتقطون معًا صورًا طريفة ودافئة .
توقفت عن التقليب بين صوره للحظة وهي تحدق في اللأشيء أمامها بشرود امتزج بالدهشة وهي تهز رأسها بالنفي وعدم الاستيعاب : _لا لا أكيد مش بنته ! ارتفع صوت جدتها وهي تصيح منادية عليها من الخارج ، فالقت بالهاتف بجوارها على الفراش والقت هي الأخرى بجسدها ووضعت رأسها على الوسادة وتدثرت بالغطاء متصنعة النوم ! .. فتحت فوزية الباب ودخلت ثم قالت وهي تتجه نحوها : _بت يا مهرة إنتي نمتي ؟ جلست بجوارها على حافة الفراش وهزتها
برفق في كتفها متمتمة : _مهرة قومي عايزة اقولك حاجة مهمة تأففت لتوقعها " الحاجة المهمة " التي ترغب بمشاركتها معها .. اعتدلت جالسة وهي تتطلع لجدتها بابتسامة مغلوبة وتهتف : _نعم يازوزا ؟ فوزية بعفوية وبتساءل حقيقي : _أنا سمعت الإعادة بتاعت المسلسل اللي بتسمعيه والحلقة خلصت على إن الولا ابو شعر اصفر ده اضرب بالنار .. هو هيموت ولا لا ؟ مسحت مهرة على وجهها وهي تتأفف بقوة أشد وهدرت بنفاذ صبر :
_ياتيتا ارحميني ابوس إيدك .. دي عاشر مرة تسأليني السؤال ده .. بعدين قولتلك اسمه اردا مش الولا الأصفر لوحت فوزية بيدها في قرف ثم قالت وهي تحاول نطق الاسم : _اسمه إيه .. ارداف !! مهرة بصدمة : _ارداف !! .. اه اسمه ارداف ياتيتا _ما تخلصي قولي هيموت ولا لا يابت أمسكت بهاتفها عن طريق الخطأ وقالت بعدم حيلة : _والله مش عارفة .. استني أما اكلملك ارداف واسأله هتموت ولا لا الحلقة الجاية !
.. أكيد معرفش يعني ما انا بتفرج معاكي زي زيك لمحت فوزية صور آدم على الهاتف فقالت فورًا بدهشة : _مين ده ؟!! أدركت مهرة الخطأ الفادح الذي ارتكبته دون قصد وابتسمت ببلاهة متمتمة وهي تخفي الهاتف عن أعين جدتها: _ده الولا الأصفر ارداف .. بس صبغ شعره وخلاه اسود جذبت فوزية الهاتف من يدها عنوة وهي تدقق النظر في صورة آدم وتهتف باستهزاء : _لا مش هو .. ده احلى من ارداف اللي عامل زي صفار البيض ده قهقهت بصوت عالي
وهتفت مهرة من بين ضحكها : _إيه ده يازوزا إنتي بتعاكسيه قدامي ! تجاهلتها فوزية ولم تجب عليها فقط ظلت تتطلع في صورة آدم .. تحاول تذكر أين ومتى رأته ، حتى قفز الموقف وصورته في ذهنها فقالت مسرعة : _مش ده الشاب اللي قابلانه عند الصيدلية وكان هيخبطني بالعربية ؟! هزت مهرة رأسها بالنفي حتى لا تفتح على نفسها ابوابًا من الأسئلة اللامتناهية .. وقالت نافية : _لا مش هو يازوزا التاني كان بني آدم غتت ، ده واحد تاني فوزية بثقة تامة:
_لا هو أنا متأكدة ، الحمدلله لسا بعقلي وصحتي وفكراه كويس .. اسمه إيه كمان ؟ قربت الهاتف من وجهها أكثر لتستطيع قراءة اسمه وتمتمت تقرأ اسمه بصعوبة بسبب ضعف النظر : _آ..دم .. الشافعي ثم نظرت إلى مهرة وقالت بنظرة ثاقبة : _وإنتي عرفتي اسمه منين عشان تبحثي عنه ؟! لوت مهرة فمها مغلوبة على أمرها وقالت : _المعرض اللي اخدتني سهيلة معاها ليه .. طلع هو صاحب المعرض وعرفت اسمه من هناك _المعرض اللي وقعت سلسلتك فيه ؟!
_أيوة هو يا زوزا .. على حظي النحس السلسلة متلاقيش غير هناك وتقع مني ! رتبت فوزية على ذراعها بحنو متمتمة : _ولا يهمك يابنتي .. متعرفيش الخير فين ، أنا هقوم انام وانتي كملي نومك اماءت لها بالموافقة وتابعتها وهي تنهض وتتجه نحو الباب ، فور انصرافها أخذت مهرة نفسًا عميقًا واخرجته زفيرًا قوي ثم أغلقت الهاتف ووضعت رأسها على المخدة من جديد ثم مدت يدها واطفأت ضوء الغرفة ، وبعد دقائق قليلة غاصت في ثبات عميق . ***
ارتفع رنين الباب فظنت انتصار أن جلنار قد عادت .. ضيقت عيناها باستغراب وهتفت وهي تسير نحو الباب : _حاضر حاضر .. هو إنتي لحقتي تروحي تشوفيه ! وصلت إلى الباب ثم أمسكت بالمقبض وإدارته وجذبت الباب إليها .. فتصلبت بأرضها كالصنم حين رأت نشأت أمامها . كانت هنا في الداخل وحين سمعت صوت رنين الباب ركضت وهي تهتف بحماس: _ماما لكنها وقفت تحدق في جدها بدهشة .. لم تراه منذ أكثر من شهرين وقاربت على ثلاثة أشهر ، فانطلقت
منها صيحة عالية بفرحة : _جدو ! انتبه نشأت على أثر صوتها الرقيق فعلت الابتسامة المشرقة وجهه وهو يتقدم خطوة للداخل وينحنى للأمام بجزعة فاردًا ذراعيه لها يحثها على الركض والانضمام لحضنه ففعلت الصغيرة فورًا والقت بجسدها الصغير بين ذراعين جدها الذي امطرها بوابل من قبلاته وهو يتمتم بشوق حقيقي : _وحشتيني أووي ياحبيبة جدو هنا بصوتها الطفولي الساحر: _وإنت كمان .. إنت كنت فين ياجدو ؟
أبعدها عنه قليلًا وحدقها بنظرة دافئة متمتمًا بأسف: _سامحيني ياحبيبتي زمت هنا شفتيها بحزن وتمتمت : _تعرف ، بابي تعبان وماما راحت تشوفه وقالتلي إنها بكرا هتاخدني عشان اروح اشوفه كمان نشأت ببعض الحزن المماثل لها : _عارف ياحبيبتي ، متخافيش بابا هيبقى كويس إن شاء الله اعتدل في وقفته وتطلع لانتصار متمتمًا بنبرة عادية : _عاملة إيه يا انتصار ؟ انتصار بمضض : _بخير الحمدلله يانشأت بيه .. جلنار راحت تشوف عدنان يعني مش موجودة
_عارف يا انتصار أنا جاي اتكلم معاكي إنتي ظهرت معالم الحيرة على وجهها وضيقت عيناها باستغراب ثم افسحت له الطريق ليدخل وأغلقت الباب خلفه .. تحركت أمامه نحو الصالون وجلست على أحد المقاعد الواسعة وجلس هو على الأريكة المقابلة لها وفوق قدميه جلست هنا بين ذراعين جدها الذي أخفض نظره لها وقال بحب وهو يطبع قبلة فوق وجنتها : _تعرفي تجبيلي ماية ياهنون ؟
هزت رأسها بالإيجاب في ابتسامة واسعة ثم نزلت من فوق قدميه تركض نحو المطبخ حتى تجلب لجدها الماء كما طلب منها .. بينما هو فهتف بإيجاز في نبرة مهتمة ولأول مرة تشعر انتصار بخوفه وحبه الحقيقي لابنته:
_أنا عارف إني لو كلمت جلنار وطلبت منها تيجي تقعد معايا لغاية ما عدنان يتحسن ، مش هتوافق .. فأنا جيت عشان اقولك بس واوصيكي بنتي وحفيدتي أمانة في بيتك يا انتصار .. وأنا هخلي رجالة تبعي يقفوا عند بوابة العمارة تحت عشان اكون مطمئن اكتر عليهم _وكل ده ليه يعني ؟!
_عشان حادث عدنان كان مدبر .. وممكن اللي أذاه يحاول يأذي بنتي وحفيدتي وأنا مش هسمح بده ، صلاح بيراقب جلنار في كل خطوة ، وفي تلاتة هيبقوا تحت بيحرسوا العمارة ، لغاية ما يقوم عدنان بالسلامة وانا هتكلم معاه ضربت انتصار على صدرها شاهقة بهلع وهتفت بخوف : _يامصيبتي يعني ممكن يأذوا جلنار ؟ نشأت بحدة ونظرة قوية :
_قولتلك مش هسمح أن حد يمس شعرة من بنتي أو حفيدتي يا انتصار .. كل اللي طالبه منك بس إنك تخلي بالك عليهم وتبلغيني بكل تفصيلة بتحصل ، وكمان ياريت متقوليش لجلنار إني جيت أو تجيبي ليها سيرة بخصوص مراقبة صلاح ليها وحتى الرجالة اللي هيقفوا تحت لو سألت قوليلها أي حاجة غير إنهم تبعي هزت رأسها بالموافقة وقد فرت الدماء من وجهها بسبب الهلع ثم سألت بقلق : _طيب ومعرفتوش لغاية دلوقتي مين اللي ورا الحادث ده ؟
وصلت هنا ووقفت أمام جدها وهي تمد يدها الصغيرة حاملة كوب الماء الصغير وهاتفة برقة : _المايه ياجدو التفت برأسه لها ولم يتمكن من الرد على سؤال انتصار ، فجذب كوب الماء من يد حفيدته وهو ينحنى لاثمًا وجنتها ومتمتمًا وهو يشرب الماء : _شكرًا يا اميرة جدو وضع كوب الماء فوق الطاولة الصغيرة وهتف وهو يملس على شعرها بلطف ودفء : _انا همشي ياهنا دلوقتي بس اوعدك إني هاجي تاني إن شاء الله خلاص ردت عليه بحزن : _خليك شوية متمشيش طبع
قبلة رقيقة فوق شعرها وهتف: _مش هينفع ياجدو عشان ورايا شغل .. بس وعد زي ما قولتلك هاجي تاني والمرة الجاية هقعد كتيييير أوي لغاية ما تزهقي مني ، تمام ؟ اماءت برأسها في يأس مغلوبة على أمرها ثم ضمها لصدره بعانقها بلطف ويثلم وجنتيها بقبلاته الحانية قبل أن يستقيم ويوجه كلامه إلى انتصار بجدية هاتفًا : _زي ما اتفقنا _تمام يا نشأت بيه
سار باتجاه باب المنزل وانصرف فظلت انتصار واقفة مكانها تفكر بحديثه والقلق والخوف ينهش قلبها نهش وفقط تردد من بين شفتيها ( ربنا يستر ) *** _احكيلي بقى إيه موضوع فريدة بالتفصيل كان ردًا قويًا من آدم على سؤال جلنار له بنوع الحديث الذي يرغب في التحدث به معها .. فصمتت هي لبعض الوقت متطلعة إليه بتردد حتى قالت أخيرًا بعدما حسمت أمرها :
_طيب هحكيلك بس متجبش سيرة لعدنان دلوقتي خالص على الأقل لغاية ما يقوم بالسلامة ويطلع من المستشفى _طيب قولي ياجلنار بس يلا أخذت نفسًا عميقًا قبل تبدأ بسرد كافة التفاصيل التي حدثت منذ خروجها من المعرض خلف فريدة حتى تهديدها لها بالمستشفى ، وكان آدم يستمع إليها وعيناه تخرج شرارات نارية من فرط الغضب ، يقفل يده ويضغط على قبضته بقوة .. يرغب الآن بالذهاب لذلك الوغد الذي يدعى " نادر " ويخنقه بيديه .
انتهت جلنار من التكلم فخرج من فم آدم لفظ بذيء يسب ويشتم به كلٌ من نادر وفريدة ، ثم هب واقفًا ينوي الذهاب لنادر لكن جلنار أمسكت به وقالت بحدة: _رايح فين يا آدم .. مينفعش ده واحد حقير وممكن يعمل أي حاجة ويأذيك آدم بصوت مرتفع قليلًا وهو يصيح بانفعال : _وانتي متخيلة إني هسيب **** بعد اللي عمله في عدنان ، أنا كنت شاكك فيه أصلًا ودلوقتي اتأكدت منو مفيش حد **** ليه مصلحة يأذي عدنان غيره هو وال**** فريدة
هتفت جلنار محاولة تهدئته وهي تمسك بذراعه حتى لا يفر من بين قبضتيها: _ولا أنا كمان متأكدة أنا شاكة زيك يا آدم أنهم هما اللي ورا الحادث ده ، ابوس ايدك اهدى عشان خاطري وخلينا نفكر الأول بهدوء هنعمل إيه ونكشفهم إزاي ، لأن دول شياطين واحنا مش ضامنين ممكن يعملوا إيه انطلقت من آدم ضحكة ساخرة رغم ملامح وجهه المخيفة وهو يلوح بيده في بعض الدهشة : _فريدة .. ومن سنة واكتر ومع *****
لمحت جلنار فريدة وأسمهان وهم يركضون نحوهم فضغطت على يد آدم متمتمة بنظرة جادة : _جم .. متخلهاش تحس إنك عرفت حاجة وامسك نفسك قدامها يا آدم وصلت أسمهان إليه شبه ركضًا وارتمت على ابنها وعانقته بفرحة غامرة متمتمة : _عدنان فاق يا آدم .. اللهم لك الحمد والشكر يارب
ملس على ظهرها بيده في رقة وعيناه عالقة على فريدة ، تستقر في عينه نظرات قاتلة تكاد تفتك بها وتسرق أنفاسها ، وبالفعل هي ارتبكت من نظراته فاشاحت بنظرها بعيدًا عنه متسائلة عن سبب تلك النظرات المرعبة التي يرمقها بها . هتف آدم بابتسامة رسمها بصعوبة بسبب الغضب الذي يهيمن عليه ورد على أمه : _فاق ياماما الحمدلله وكويس .. ادخلي شوفيه واطمني عليه بنفسك عشان ترتاحي اكتر هزت أسمهان رأسها في سعادة وهتفت بحماس وتشوق :
_طبعًا هدخل اشوفه انتبهت إلى جلنار التي تقف بالقرب من آدم وتتابع ما يحدث بصمت فرمقتها بنظرة حاقدة كلها نقم وقرف ! *** في صباح اليوم التالي ..... تم نقل عدنان إلى غرفة عادية بعد تحسن حالته الصحية واستقرارها تمامًا . سحب آدم مقعدًا وجلس بجوار فراش أخيه وتمتم باسمًا : _حمدلله على السلامة ياعم .. شيبت شعر راسنا من الخضة والله ضحك عدنان ورد عليه مداعبًا وهو يغمز بعيناه : _عمر الشقي بقى ثم هتف متسائلًا بجدية :
_عملت إيه في اجتماع الصفقة اللي كان المفروض امبارح ؟ آدم بنبرة رجولية خشنة : _اجلته لغاية ما تقوم بالسلامة وتظبط كل حاجة بنفسك ، لكن قولي إنت ناوي علي إيه صحيح ؟ تنهد بقوة وعلى ثغره ابتسامة لئيمة متمتمًا : _هتشوف استني بس اطلع من المستشفى واتفرج ضحك آدم وهو يغمز لأخيه بلؤم مماثل ثم هدر بجدية أشد من السابق تكاد تكون غضب ونقم:
_سواق العربية النقل اللي خبطتك هربان بس الرجالة قالبين الدنيا عليه وهيتجاب ونتأكد مين اللي ورا الحادث ده _إنت شاكك في مين ؟! _هقولك بس مش دلوقتي ، لما نمسك الحقير ده الأول اقتحمت هنا الغرفة حيث فتحت الباب بقوة رغم جسدها الضئيل وركضت نحو أبيها صائحة بفرحة غامرة : _بابي ظهرت إشراقة وجهه فور رؤيته لها واعتدل في نومته بصعوبة ليستقبل صغيرته ، التي قفزت فوق فراشه وجلست بجواره ثم ارتمت عليه تعانقه بشوق حقيقي هاتفة
بصوتها الطفولي اللطيف : _وحشتني يابابي لم يجبها فقط زاد من ضمها إليها وهو يستنشق رائحتها المحببة لقلبه ويتمتم بنبرة مختلفة كلها مشاعر أبوية نقية : _وإنتي كمان وحشتيني ياهنايا ظلت بين ذراعيه للحظات وهو مغمض عيناه ويتمتم بصوت خافت ودافيء : _كنت خايف مقدرش اشوفك تاني يا قلب بابا
ابتعدت عن حضنه وحدقته بعين لامعة بكل براءة وحب نقي مثلها تمامًا وعلى وجهها ابتسامة عريضة ، ارغمته على الابتسام فاقترب من جبهتها وطبع قبلة حانية مطولة .
التفت آدم برأسه ينظر لجلنار التي تقف على مسافة ليست ببعيدة تتطلع لهم بعينان دامعة ومتأثرة ، فظهر شبح الابتسامة على شفتيه ثم هب واقفًا وسار نحو الباب ينوي الرحيل حتى يترك لهم بعض المساحة الشخصية كعائلة ، وأثناء مروره من جانب جلنار رمقها باسمًا بمشاكسة وغمز لها بعيناه الخضراء ، فرمقته هي بنظرة حادة تكتم ابتسامتها وتابعته بنظراته حتى رحل عن الغرفة ، فتحركت باتجاه مقعده وجلست عليه ثم همست برقة : _حمدلله على سلامتك
التفت لها برأسه وابتسم بدفء ثم قال : _الله يسلمك انحنت هنا على أذن والدها وتمتمت بخبث طفولي ضاحكة : _بابي تعرف .. ماما كانت تعيط كتير وقالتلي إنها بتعيط عشان زعلانة إنك تعبان اتسعت عيني جلنار وهي ترمق ابنتها بغيظ بينما هو فكتم ضحكته وهمس لصغيرته بمكر وعيناه ثابتة على جلنار : _امممم ما أنا عرفت ياحبيبة بابي .. هي كانت بتعيط كتير أوي يعني ؟! هزت رأسها بإيجاب وردت بخفوت وبعض التوتر من نظرات أمها لها : _أيوة كتيييير أوي
اماء برأسه وهو يبتسم بمشاكسة ثم رمق جلنار بنظرة دقيقة .. مثبتًا نظره على عيناها الحمراء والمتورمة من كثرة البكاء .. ثم هتف بمكر مقصود باسمًا : _امممم ماهو واضح عليها ياهنون فعلًا ارتبكت من نظراته المثبته على عيناها فوجدت نفسها بتلقائية تشيح بوجهها للجهة الأخرى بعيدًا عنه ليضحك هو بصمت ويتطلع لابنته هامسًا بعد أن لثم وجنتها بقلبة سريعة: _روحي يابابا قولي لعمو آدم ، بابا بيقولك جيب ليا الشوكولاته اللي بحبها قفزت فرحًا
وصاحت : _بجد _أيوة بجد ياملاكي يلا اجري الحقيه قبل ما يمشي ، هتلاقيه واقف برا نزلت من الفراش وهرولت راكضة للخارج بجسدها الصغير وفستانها الطفولي اللطيف مثلها تمامًا ، بينما هو فتابعها حتى رحلت ثم ادار نظره نحو الجالسة على المقعد ولا تزال تشيح بوجهها عنه ناحية النافذة المفتوحة ، فتحرك في فراشه ببطء على الجانب الذي تجلس هي فيه وخرج صوته الوديع : _ششششش رمقته بطرف عيناها في نظرة خاطفة وسريعة فابتسم وهتف : _بصيلي هنا
التفتت برأسها مرة أخرى ناحيته في اقتضاب ، تخفي توترها وخجلها بتصنعها الحزم والجدية ، لكنه غمز لها بابتسامة لعوب وهمس بصوت يحمل بحة جديدة : _عيطتي للدرجة اللي خلت عيونك يبقى منظرها بالشكل ده ! ابتسمت بسماجة وتمتمت بتصنع عدم الاهتمام رافضة الاعتراف بخوفها وحزنها الشديد عليه: _لا ده أنا عيني كانت وجعاني وفضلت ادعك فيها كتير فورمت وبعدين أنت متعرفش ااا .....
توقفت عن الكلام حين وجدته يمسك بكفها محتضنًا إياه بين قبضته الضخمة ، ويتطلع إليها بعينان حكت الكثير عن الذي يرغب بقوله لها الآن ، قد يكون مندهشًا وسعيدًا ، عليه الاعتراف أن آخر شخص كان يتوقع أن يحزن كثيرًا عليه بوضع كهذا هي جلنار ، لكنها اصابته بالدهشة فعلًا . رفع كفها ببطء لشفتيه وطبع قبلة عميقة على ظاهره مغمغمًا بنظرة ذات معنى : _أنا اللي اعرفه إن عيون زهرتي الحمرا مش لايق عليها العياط أبدًا
لأول مرة ينعتها بزهرته الحمراء .. لطالما اعتاد أن يقول لها " رمانتي " نسبة إلى اسمها الذي يعني " زهرة الرمان الحمراء " . سرت رعشة متلذذة في أنحاء جسدها من ملمس شفتيه واحتكاك ذقنه بكفها ، وكأنها الوهلة الأولى التي يلمسها بها !
، شبهها بالزهرة الحمراء وقد تحولت بالفعل لحمراء ، تلونت وجنتيها بلون الدماء وانعقد لسانها فاستمرت بالتحديق به بصمت تام ، كان وجهها كلوحة إبداعية من صنع الخالق عز وجل جعلته يذوب من فرط جمالها ، عيناها البندقية وبشرتها البيضاء مع وجنتيها الحمراء وشعرها الأسود الحريري .. بتلك اللحظة قذفت في ذهنه أكثر من فكرة منحرفة لكنه كبح رغباته بصعوبة .
انفتح الباب وظهرت من خلفه فريدة فانزل يد جلنار تدريجيًا ، التي التفتت برأسها للخلف تتطلع لفريدة باشمئزاز .. أسرعت فريدة إلى عدنان وارتمت عليه تعانقه بقوة وتهتف برقة مقصودة حتى تثير غيظ جلنار: _حمدلله على سلامتك ياحبيبي .. كنت هتجن من الخوف عليك لم يبادلها عناقها كعادتها بل اكتفى بأنه ملس بيده على ظهرها في لطف وتمتم بنبرة فاترة : _الله يسلمك يافريدة .. أنا كويس متقلقيش
انطلقت من جلنار ضحكة بسيطة كلها استهزاء وهي معلقة نظراتها الشرسة على فريدة من ادعائها أنها كانت في حالة هلع من فرط خوفها عليه ، ولم تتمكن من منع نفسها من الرد حيث قالت بخبث أنوثي وابتسامة مائلة للجانب في سخرية : _صحيح يافريدة .. نادر كان موجود يوم الحادث وبعدين مشي فجأة متعرفيش ليه ؟
فقدت فريدة النطق للحظة وابتعدت عن عدنان بعلامات وجه ظهرت عليها الاضطراب لكنه لم يلحظ لاهتمامه بجلنار وسؤالها عن نادر وطريقتها الغريبة في الحديث .. هتف عدنان بصوت رجولي غليظ: _وإنتي مالك بنادر ؟! جلنار بنظرات لا تزال ثابتة على فريدة وكلها غل وغضب : _لا أصل شوفته واقف مع فريدة بيتكلموا التفت عدنان بنظره لفريدة يرمقها بحدة وعينان تلوح بها علامات الاستفهام ينتظر منها تبرير ، فابتلعت هي ريقها وردت بقوة متصنعة:
_عادي كان بيسألني عن وضعك وقولتله ابتسمت جلنار بلؤم ثم هبت واقفة وقالت بنظرات غريبة ليست لجلنار الرقيقة ابدًا : _أنا هروح اشوف هنا استدارت وسارت لخارج الغرفة بأكملها بينما فريدة فتحركت وجلست على مقعدها وهي تتفادي نظرات عدنان المشتعلة لها ، كان يحدقها بأعين لا تملك ذرة ثقة ويخبرها من خلالهم " لم اصدق أي كلمة ! " ، نظراته مميتة اربكتها حقًا لكنها تصنعت التجاهل وقالت بإشراقة وجه:
_تقوم بالسلامة بس وترجع البيت وأنا بنفسي هعملك كل الاكل اللي بتحبه ياحبيبي .. ورايح مش هسمح لأي حاجة انها تخلق مشاكل بينا ، أنا كانت هتجرالي حاجة من خوفي عليك رمقها بنظرة جانبية قاسية ، لم يعد اعمي حتى يصدق كل كلمة تتفوه بها .. هو الآن كالأسد المتربص لفريسته ينتظر منها أن تخطأ حتى يتلهمها ، وبات لا يطيق رؤيتها هو فقط انتظار اللحظة المناسبة التي سيتأكد فيها من شكوكه حينها ستكون الفريسة قد سقطت بين فكي الأسد . ***
بمساء مدينة كاليفورينا في أمريكا ..... خرجت من غرفتها بعد سماعها لصوت طرق الباب .. سارت في خطوات هادئة باتجاه الباب وهي ترتدي " بيجامة " منزلية لطيفة وترفع شعرها لأعلى بمشبك كبير . وصلت امام الباب ونظرت من العين السحرية فرأت حاتم .. أصدرت زفيرًا حارًا بغيظ ثم تراجعت خطوة للخلف وفتحت الباب له ، وقفت تسد الطريق عليه حتى تمنع من الدخول هاتفة بقرف مصطنع : _خير شو بدك ؟ حاتم بتصنع الجدية محاولًا تمالك ابتسامته
من الانطلاق على شفتيه : _ممكن افهم يا آنسة مجتيش الشغل ليه النهاردة .. ولا هو عشان إنتي رئيسة التحرير في الشركة ومع المدير دايمًا في كل حاجة يبقى هو هيسكت عن الإهمال وعدم الانتظام ده استدارت وسارت عائدة للداخل وهي تقول بسخرية وعدم مبالاة : _شو راح تعمل يعني يا حــاتم بيك ضحك في ظهرها دون صوت ثم دخل وأغلق الباب خلفه متمتمًا بثقة وحزم مزيف : _هعمل كتير يا آنسة
لاحت الابتسامة المستنكرة على وجهها فتوقفت والتفتت بجسدها كاملًا له وهدرت بنظرة كلها تحدي وبثقة تامة : _إذا بتقدر تقلعني من الشغل .. قلعني رفع حاجبه وثلاث ثواني بالضبط من التحديق الصامت بها ، لم يتمكن من كبح ضحكته اكتر من ذلك حيث انفجر ضاحكًا على كلمتها الأخيرة ، بينما هي فضيقت عيناها باستغراب وهتفت بغضب من سخريته : _على شو عم تضحك ؟! أجابها وهو يجاهد في تمالك نفسه من الضحك :
_لا ولا حاجة متركزيش معايا .. وأكيد يعني مقدرش اطردك يا نادين ، أنا جيت عشان نتكلم ونحل الموضوع اللي مضايقك مني ده نادين باقتضاب : _أي موضوع بالضبط فيهم ؟ _ماشاء الله هما بيزدوا ولا إيه مع الوقت ؟! نادين بعصبية وغيظ : _الموضوع الاساسي ياللي تخانقنا مشانه ياحاتم ولا اللي سويته قبل ما امشي حك مؤخرة رأسه وهتف باعتذار وهو يضحك :
_لا اللي سويته ده كنت بهزر عشان اعصبك وانكش فيكي مش اكتر .. وعلى العموم حقك عليا ياستي أنا آسف ، هاا إيه الموضوع الاساسي بقى هدأت ثورتها وردت عليه ببرود : _خلاص مو مهم .. ماني زعلانة حاتم باستنكار وسخرية على طريقتها في الكلام : _لا والله ماني زعلانة !! .. امال الحوارات اللي عملتيها دي إيه لزمتها حان دورها هي لتضحك لكنها كتمت ضحكتها وتصنعت الحدة والبرود وهي تدفعه بخفة تجاه باب المنزل هاتفة :
_ميرسي ياحاتم على اعتذارك المقبول ، وهلأ معلش مضطرة اقلك تصبح علي خير مشان أنا بدي انام اتسعت عيناها بدهشة وهي تدفعه نحو الباب حتى يغادر فقال باستهزاء وبعض الضيق : _اه ده أنا بطرد رسمي بقى .. طيب اعزميني حتى على كوباية مايه ظهر شبح ابتسامتها على شفتيها وهي تجيبه باللهجة المصرية: _المايه قاطعة وصل إلى الباب فلوحت له بكفها تودعه في ابتسامة مثلجة ثم أغلقت الباب في وجهه ، فاستمعت له يهتف بغيظ حقيقي من خلف الباب :
_ماشي يا نادين .. الساعة ستة الصبح الاقيكي اول واحدة موجودة في الشركة ولو اتأخرتي دقيقة هزعلك بجد المرة دي انفجرت ضاحكة بقوة وهي تستند على الباب من الداخل تستمع له وهو يملي عليها تلعيماته الصارمة ، وتشعر بالنشوة لأنها نجحت أخيرًا في إثارة غيظه ! ***
مرت ساعات طويلة حتى غابت الشمس واستر الليل ستائره ، قضت الصغيرة هنا النهار كله بجوار أبيها حتى تعبت في آخر اليوم فأخذتها جلنار وعادت بها لمنزل الخالة انتصار ، وأثناء عودتها لعدنان مرت على منزلها جمعت بعض الملابس له ثم خرجت واكملت طريقها للمستشفى . منذ أمس تلاحظ سيارة تتبعها بشكل مريب وبكل مرة تقول ربما هي يتهيأ لها ، لكن هذه المرة تأكدت تمامًا أن تلك السيارة تلاحقها .
فتوقفت بسيارتها بجانب الرصيف في الشارع لتتأكد هل ستقف تلك السيارة خلفها أم لا لكنها رأتها تعبر بجوراها وتكمل طريقها ، فتنفست الصعداء قليلًا براحة وعادت تشغل محرك السيارة من جديد وتنطلق بها . بينما صلاح فتوقف في أحد الشوارع الموازية وهو يحمد ربه أنها لم تكشف أمره وإلا كان لقى عقابه العسير من نشأت ، رآها وهي تعبر من الطريق الرئيسي بسيارتها فانطلق هو خلفها ولكن هذه المرة بحرص حتى لا تلاحظه مرة أخرى .
وصلت أمام غرفته أخيرًا بالمستشفى اخذت نفسًا عميقًا قبل أن تفتح الباب وتدخل ، فالتفت هو برأسه في اتجاه الباب وهتف باستغراب: _جلنار !! .. إيه اللي جابك تاني ؟ أغلقت الباب خلفها واقتربت منه وهي تلقي بالحقيبة الصغيرة جدًا فوق المقعد والتي تحتوي على ملابس له ثم تقول بعفوية : _هقعد معاك .. مينفعش تفضل وحدك في المستشفى ابتسم وقال موضحًا لها ببساطة :
_دي مستشفى ياروحي ومليانة دكاترة وممرضات يعني مش لوحدي ولو عوزت حاجة الممرضات موجودين اشتعلت نظرتها وهي تقول بشراسة : _really ( حقًا ) طيب nurses ( الممرضات ) موجودين عشان يتابعوا حالة المريض مش يلبوا احتياجات المريض يا أستاذ يامحترم ضحك وقال بمشاكسة غامزًا : _هي إيه الاحتياجات دي بظبط بقى ؟! تأففت بصوت عالي وقالت بنفاذ صبر متجاهلة جملته الوقحة :
_أنا قولت لآدم يروح البيت ويرتاح شوية .. تعب جدًا ، ليه يومين مش بينام وقاعد في المستشفى معاك هنا _أنا قولتله يمشي هو اللي راسه ناشفة جلنار بوداعة واشفاق: _جزاته يعني إنه مش عايز يسيبك وحدك .. حقيقي يمكن اكتر واحد كان خايف وقلقان عليك هو آدم ، عشان تعرف قيمة اخوك بس تنهد وهدر بخفوت ونبرة صادقة تنبع من القلب: _إنتي عارفة إن أنا بعتبر آدم ابني مش اخويا .. أنا اللي مربيه هزت رأسها بإيجاب وهي تجيب
بنظرات متأثرة تنبع بالحب : _عارفة ربنا يخليكم لبعض اعتدل في جلسته قليلًا وغيّر مجرى الحديث في لحظة متمتمًا بلؤم مقصود : _قولتيلي إنتي هنا ليه بقى ؟ استقرت في عيناها نظرة نارية رمقته بها جعلته يضحك ويهتف متداركًا الأمر بخبث أشد : _آه عشان تلبي احتياجات المريض .. طيب بما إنك جبتي هدوم للمريض وهو عايز يغير هدومه ، نفذي مهمتك وساعدي المريض بقى
جزت على أسنانها بغيظ ، وكادت أن تنفجر في وجهه كالقنبلة ، لكنها تمالكت أعصابها بصعوبة ومدت يدها في الحقيبة تخرج منها قميص وبنطال وتقترب منه ثم تضع الملابس بين يديه هاتفة بمضض : _لا ماهو المريض الحمدلله ايده ورجله سليمة يعني مش محتاج مساعدة همت بالاستدارة والابتعاد عنه فقبض على رسغها وجذبها إليه فارتدت للأمام لتصطدم بصدره وتصبح فوقه تمامًا ، خرجت همسته اللعوب أمام وجهها وهو يغمز : _ويهون عليكي المريض !
حركت رأسها بحركة سريعة ومدروسة حتى ترجع خصلات شعرها خلف ظهرها ثم قالت بنظرة ثاقبة كنظرته بالضبط وببرود لكن نبرتها كانت كلها أنوثة ونعومة : _أه يهون ثم دفعت يده عنها واستقامت واقفة تقول بحزم : _متلمسنيش تاني أجابها بابتسامة تخفي ورائها نيران غصب بدأت تشتعل : _امممم رجعت ريما لعادتها القديمة مالت بجسدها عليه وهمست أمام وجهه في صوت أنوثي امتزج بين الشراسة والنعومة :
_جلنار القديمة اللي كانت وقت ما تحب تقرب منها تلاقيها موجودة وبتلبي طلبك ووقت ما تكون مش حابب تسيبها وترميها ومتسألش فيها كأنها نكرة ، خلاص مبقتش موجودة .. وأنا لو زعلت وخوفت عليك فده هيكون بسبب العشرة والسنين اللي بينا وإنها ماهنتش عليا .. لكن غير كدا متوهمش نفسك بأوهام ملهاش وجود
اطال النظر في عيناها بتمعن .. لم تعد زهرته الناعمة والرقيقة حقًا ، التي تقف أمامه الآن هي كزهرة الصبار القوية والصلبة التي تنمو في اشد وأقسى الظروف ومن يحاول الاقتراب منها تؤذيه بأشواكها الحادة . راقه كثيرًا التحول الجذري في رمانته الحمراء وعلى عكس المتوقع ابتسم وقال بنظرات ذات معنى مثبتًا عيناه على خاصتها : _ومين قالك إني عايز جلنار القديمة !
لحظة واثنين وثلاثة وهي مستمرة بالتحديق به حتى استقامت واقفة فورًا وهتفت وهي تشير باتجاه الحمام الداخلي للغرفة : _انا رايحة الحمام لم تنتظر أي رد منه بل استدارت ودفعت بنفسها إلى الحمام مسرعة بينما هو فمسح على وجهه نزولًا لذقنه وهو يتنهد باسمًا بعدم حيلة ! ***
كان آدم في فراشه وعلى وشك الاستسلام لسلطان نومه لولا رنين هاتفه الصاخب الذي ارتفع ودوى صوته الغرفة بأكمله .. فأصدر تأففًا حارًا بخنق ثم مد يده والتقطه يجيب على المتصل دون أن يتحرى أولًا من هويته : _الو أتاه الصوت الرجولي على الطرف الآخر وهو يقول بجدية : _لقينا سواق العربية يا آدم بيه عبر الرابط: (رواية امرأة العقاب كاملة)
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!