كان تمامًا كبركان وحممه البركانية تفوح على سطحه ولا يتبقى سوى لحظات على الانفجار ليقضي على الأخضر واليابس ، وجهه يعطي لون الأحمر الداكن من فرط احتقان الدماء والغضب وهو يتطلع لها كأسد وجد فريسته التي يبحث عنها وسيتفنن في طريقة تعذبيها قبل أن يقتلها .
ازدردت ريقها برعب اعتلى كل معالمها وتراجعت للخلف في تلقائية ، بينما هو فتقدم نحوها ورفع يده ثم هوى به على وجنته في صفعة قوية اسقطتها أرضًا وهي تصرخ من الخوف والدهشة .. اندفع إليها كالثور الهائج وقبض على شعرها يجذبها من خصلاتها بدون رحمة صارخًا : _بتخونيني أنا يافريدة !! ارتفع صوت نحيبها وبدأت ترتجف من الرعب وهي تهتف متوسلة : _سامحني يا عدنان ابوس ايدك
وجدت صفعة أخرى تنزل على وجنتها من كفه الكبير وكانت أشد وأقسى من السابقة جعلتها تصرخ من الألم وهي تبكي ، خرجت صيحة منه نفضتها في أرضها نفضًا : _هو فين ال****** استمرت في البكاء القوى دون أن تجيب عليه فعاد يصرخ بصوته الجهوري : _انطقي فينه ؟ ردت عليه بصوت مرتجف وجسدها يرتجف معه : _خــ ... خر .. ج _اممم فاكر نفسه هيعرف يهرب مني تقهقرت في الأرض للخلف وهي تهتف بتوسل وسط بكائها: _خليني اشرحلك كل حاجة عشان خاطري ياعدنان
ضحك بشكل مرعب تمامًا كشبح وتقدم إليها هادرًا بسخرية : _هتشرحيلي متقلقيش وبالتفصيل كمان .. بس الأول اشرحلك أنا هعمل فيكي إيه قبض على ذراعها في عنف وبحركة مفاجأة يرغمها على الوقوف وهي تأبي فصرخ بها في صوت نفضها : _قــــومـــي وقفت بقدم مرتعشة وهي تبكي بصوت مرتفع فجرها هو خلفه كالحيوان وسط توسلاتها ونحيبها الشديد الغير مبالي لها .. اوصلها إلى سيارته وفتح المقعد المجاور له ثم ألقي بها في قسوة للداخل وهو يصيح بها :
_ادخلي يلا جلست في المقعد وهي ترتجف وتتابعه بعيناها الباكية وهي تراه يستدير حول السيارة ويستقل بالمقعد المخصص للقيادة المجاور لها وينطلق بالسيارة كالسهم .. خرج منها سؤالًا مرتجف وصوت مبحوح : _إنـ .. إنــ .. ـت ماخدني فين ؟ التفت لها برأسه وهتف بابتسامة ارعبتها أكثر من الجملة التي تفوه بها : _على قبرك همت بالتحدث مرة أخرى فصرخ بها في غضب هادر:
_مش عايز اسمع صوتك .. بتخونيني أنا بعد كل اللي عملته عشانك وحبي ليكي .. تستغفليني أنا وتخونيني لا وكمان مع مين .. مع نادر !! .. بس أنا هخليكي تشوفي عدنان الشافعي على حقيقته بجد
ارتفع صوت بكائها وهي تنكمش على نفسها في المقعد بارتيعاد ، بينما هو فاستمر في القيادة وهو مشتعل من فرط الغضب ، وبعد دقائق طويلة توقفت السيارة أمام منزل كبير نسبيًا في أحد المناطق الراقية والقليلة السكان .. نزل من السيارة والتفت من الجهة الأخرى وفتح الباب ثم أمسك بها من ذراعها وجذبها للخارج وهو يجرها خلفه لداخل المنزل .. تطلعت حولها بدهشة فلا تفهم سبب جلبه لها هنا وبذلك المنزل بالأخص .
فتح الباب ودخل هو أولًا ثم جذبها والقاها للداخل فكادت أن تسقط لولا أنها توازنت بقدمها قبل أن تقع ، اغلق هو الباب واقترب منها هامسًا بابتسامة مريبة وعينان تنبع بالغل : _متخافيش مش هقتلك .. بس قصاد كدا هخليكي تتمنى الموت يافريدة تراجعت للخلف في رعب وهتفت بدموع تنهمر على وجنتيها في صمت : _جبتني هنا ليه ؟! _عشان كل حاجة تنتهي في المكان اللي بدأت فيه اندفعت نحوه واستندت بيدها على صدره تهتف في توسل باكية بقوة :
_متطلقنيش يا عدنان ابوس إيدك .. اعمل فيا اللي إنت عايزه .. بس أنا مليش حد دفعها بجفاء واشمئزاز فسقطت فوق الأريكة .. اقترب هو وانحنى عليها يقبض على فكها بقسوة ويهدر أمام وجهها يتقن وقرف ممتزج بالوعيد :
_تعرفي نفسي اقتلك واخد روحك بإيدي عشان أطفي ناري .. بس متستاهليش ادخل السجن فيكي وأنا معايا بنت محتاجاني .. إنتي متستالهيش أي حاجة .. استغليتي حبي وثقتي فيكي وطعنتيني في ضهري .. بس العيب مش عليكي .. العيب عليا أنا عشان انتي اثبتيلي قد إيه أنا كنت غبي ومغفل لحظة مرت سكت فيها ثم لمعت عيناه بنار الغضب والخزي وهتف بوعيد حقيقي :
_إنتي مخدتيش مني غير الحب والاحترام بس دلوقتي جه الوقت اللي تشوفي فيه عدنان في وجهه الآخر ، دوقتي طعم الجنة وجه دور الجحيم .. جحيمي ! ثم تركها وانتصب في وقفته ليقبض على ذراعها ويجذبها خلفه باتجاه إحدى الغرف الصغيرة ويلقى بها في الداخل واقفًا عند الباب وهو يبتسم بعدم رحمة .. أدركت هي فورًا ما ينوى فعله ولما القى بها في تلك الغرفة الضيقة والصغيرة .. يعرف جيدًا أنها تخشي الأماكن المغلقة والضيقة .
وثبت واقفًا وهرولت إليه راكضة لكنه كان اسرع منها حيث أغلق الباب ووضع المفتاح في القفل واغلقه ، غير مكترثًا لصياحها وهي تضرب على الباب من الداخل وتهتف باكية : _افتح الباب ياعدنان ابوس ايدك متعملش فيا كدا إنت عارف إني بخاف من الأماكن المغلقة
وكأنه اخرج قلبه ووضع مكانه حجر لا يشعر ولا ينبض .. لم يؤثر به صياحها وبكائها وتوسلاتها بقدر ذرة بل لم يكترث لها حتى حيث استدار وسار للخارج مغادرًا المنزل بأكمله تاركًا أياها تصرخ متوسلة إياه .. فتح الباب وكان أمامه يقف احد رجاله فألقى عليه نظرة صارمة وحادة فهم الآخر من خلالها تعليماته فور دون الحاجة إلى حديث .. وتابعه بعيناه وهو يتجه نحو سيارته ويستقل بمقعده ثم ينطلق بها . ***
تقف في الحديقة وتسقي ورودها الحمراء وهي شاردة الذهن .. ترتدي عبائة منزلية طويلة لكنها دون أكمام .. بالكاد اكمامها تخفي أكتافها .. سمعت صوت سيارة تقترب من المنزل ظنته هو في باديء الأمر لكن حين رأت السيارة المختلفة عن سيارته ضيقت عيناها باستغراب وباللحظة التالية كان يخرج منها آدم . تركت الدلو المخصص لسقي الورود ووقفت تجاه آدم تتطلع له بحيرة وهو يقترب منها مسرعًا ويهتف : _عدنان فين يا جلنار ؟!
غضنت حاجبيها بحيرة وقد اقلقها تلهفه في السؤال عن أخيه بهذه الطريقة ولوهلة ظنت أن مكروه قد أصابه فهدرت بنبرة مهتمة : _مش موجود .. هو في حاجة حصلت ولا أيه يا آدم ؟!! مسح على وجهه بقوة متأففًا بقلق فهو يحاول الوصول له منذ أمس ولكنه لا يجيب على هاتفه .. رفع نظره لها فرأى القلق الحقيقي بدأ يرتفع لملامحها وهي تحدق به منتظرة منه أن يفسر لها ما يحدث .. فتنهد آدم بحرارة وتمتم : _عدنان عرف كل حاجة امبارح شهقت بصدمة وهتفت :
_عرف بفريدة ونادر ؟! هز رأسه لها بالإيجاب لتعود وتهتف ولا تزال الصدمة تعتلي ملامحها: _عرف إزاي ؟!! _معرفش مقاليش أي حاجة أنا أساسًا بحاول أوصله من امبارح بليل ومش بيرد عليا ولا عارف راح فين صعد الخوف والقلق لوجهها وهي تجيب عليه بعبوس : _هو كان هنا امبارح بليل متأخر وكان واضح عليه إنه متضايق بس أنا متوقعتش إنه يكون عرف .. قولت يمكن مشاكل في الشغل توجه آدم وجلس على أقرب مقعد وجده أمامه وهتف بصوت خشن :
_عدنان مكنش طبيعي إمبارح .. أنا خايف يكون عرف مكان فريدة ويعمل فيها حاجة ويضيع نفسه تسرب الارتيعاد إلى قلبها فور سماعها لكلمات آدم ووجدت نفسها تهتف بسرعة في توتر ملحوظ : _طيب حاول كلمه تاني يا آدم .. ولو رد عليك قوله أي حاجة خليه ييجي مثلًا قوله هنا تعبت .. على الأقل يهدى شوية عشان ميتصرفش بتهور _مش بيرد يا جلنار ماهو ده اللي مجنني _طيب والحل ايه دلوقتي ؟ _مش عارف مش عارف
أخذت تفرك يديها في قلق ظاهر على ملامحها .. لا تتمكن من إخفاء خوفها من أن يقوده غضبه لأفعال جنونية ويقتلها فيتسبب في دخول نفسه للسجن . *** كان يقف أمام روضة الأطفال يستند بجسده على سيارته .. عاقدًا ذراعيه أمام صدره وعيناه معلقة على الباب ينتظر خروج صغيرته .. يصدر زفيرًا بين كل آن والآخر في محاولات بائسة منه للتنفيس عن صدره المختنق .
خرجت هنا من البوابة وهي تحمل فوق ظهرها حقيبتها الطفولية الصغيرة وتركض باتجاه أبيها في وجه مشرق ، قابلها هو بابتسامته الدافئة والعاشقة رغم ما يمر به من خراب داخلي إلا أن رؤيته لملاكه الصغير كافية لرسم البسمة تلقائيًا على وجهه .. انحنى بجزعة للأمام يفرد ذراعيه ليستقبلها بمجرد وصولها إليه حاملًا إياها فوق ذراعيه ولاثمًا وجنتيها بحب متمتمًا : _وحشتيني ياروحي عبست هنا وزمت شفتيها للأمام في حزن متمتمة وهي
تشيح بوجهها عنه في تمرد : _لا أنا زعيانة ( زعلانة ) منك _زعلانة مني !! هنا بعتاب وغضب طفولي : _أيوة أنت مجتش امبارح وكمان أول امبارح ظهر الضيق على محياه فرد عليها معتذرًا بأسف : _أنا آسف ياحبيبتي كان معايا شغل .. وعد مش هتتكرر تاني ياملاكي
صعدت البسمة الساحرة لثغرها الجميل وهي توميء له بالموافقة فابتسم لها بحنان .. حرص على أن يأتي بنفسه ويأخذها من روضتها حتى يكون مطمئن فهو لا يأمن خطوة نادر القادمة ستكون أين .. وأيضًا كان يعلم أن رؤيته لها ستهدأ من نيران صدره قليلًا وربما ستنسيه الأمر مؤقتًا .
استدار بها من الجهة الأخرى للسيارة وفتح باب المقعد المجاور له ثم اجلسها به واغلق الباب واتجه نحو مقعده المخصص للقيادة ليستقل به بجوارها وينطلق بالسيارة .. خرج صوتها الطفولي وهي تسأل بحماس : _هنروح البيت يابابي _أيوة يا حبيبتي هنروح البيت ارتفع صوت رنين هاتفه وأخيرًا قرر أن يجيب عليه فأمسك به وضغط على زر الإجابة ثم فتح مكبر الصوت وهتف : _الو اندفع آدم به صائحًا بغضب :
_مش بترد عليا من امبارح ليه يا عدنان .. أنا لما غلبت روحت البيت عند جلنار قولت يمكن الاقيك هناك .. ولسا يدوب خارج من هناك عدنان بهدوء مريب وصوت أجش: _استناني في الشركة يا آدم وأنا هخلص كام حاجة ضروري وبعدين وهروح وراك .. نبقى نتكلم هناك _إنت فين دلوقتي وعرفت مكانهم ولا لسا ؟! عدنان بإيجاز ولهجة حازمة : _أنا بسوق يا آدم .. نتقابل في الشركة قولت
كان آدم على وشك أن يجيب عليه لكنه سمع صوت صافرة إنهاء الاتصال .. فانزل الهاتف من فوق أذنه وهو يتأفف بخنق وعدم حيلة ، ثم غير وجهة سيارته ليسير في طريق الشركة . *** _سبتي الشغل ليه وإزاي ؟!! زمت مهرة شفتيها بأسى وتمتمت بمعالم وجه عاجزة : _مش أنا اللي سبته يا سهيلة .. عم سمير عرف بالكلام الداير في المنطقة واداني بقية مرتبي وقالي شوية كلام كدا يعني بمعنى اصح إنه مش حابب يشغلني عنده في المكتبة بعد اللي سمعه عني
استشاطت سهيلة وهتفت بغيظ : _أما راجل قليل الأصل بصحيح .. طيب وإنتي هتعملي إيه دلوقتي ؟ رفعت مهرة كتفيها لأعلى بعدم حيلة وهدرت بعبث : _مش عارفة أنا شوفت أعلان لشركة محتاجين موظفين في قسم الحسابات فقدمت فيها وبكرا هروح اعمل الإنترڤيو وأشوف هتقبل بقى ولا إيه تنهدت سهيلة بأسى وحزن على صديقتها ثم تمتمت باهتمام : _طيب إنتي قولتي لخالتي فوزية على اللي حصل ولا لسا هزت رأسها بالنفي هاتفة في يأس:
_لا ما إنتي عارفة ياسهيلة تيتا تعبانة وأنا خايفة اقولها حاجة تتعب اكتر مستنية بس تسترد صحتها كويس وهقولها على كل حاجة اقتربت منها سهيلة وضمتها لصدرها معانقة إياها في حرارة ودفء متمتمة بتأثر : _متزعليش نفسك يا حبيبتي .. إن شاء الله اللي جاي كله خير .. وأنا واثقة إنك هتتقبلي في الشغل الجديد ده خصوصًا إنهم عايزين موظفين في تخصصك أخذت مهرة نفسًا عميقًا وردت بضيق ملحوظ في نبرتها: _آمين يا سهيلة .. آمين ***
وثبت واقفة بلهفة فور سماعها لصوت الباب وهو ينفتح .. فأسرعت مهرولة نحو الباب حتى تراه فوجدته يدخل ومعه صغيرتهم التي هرولت نحو أمها وتعلقت بقدمها هاتفا في سعادة : _بابي جه اخدني من الحضانة يا ماما رسمت ابتسامة باهتة على ثغرها بعين تنظر بها لصغيرتها والأخرى عالقة على عدنان الذي نزع حذائه عنه واتجه للداخل بصمت نحو غرفتهم . التفتت برأسها للخلف تتابعه في قلق ، ثم عادت برأسها تجاه ابنتها وهتفت بحنان أمومي ولطف :
_طيب روحي يلا ياحبيبتي غيري هدومك عشان ناكل كلنا مع بعض وثبت الصغيرة وهي تصيح فرحًا ثم ركضت مسرعة تجاه غرفتها حتى تبدل ملابسها كما اعتادت كل يوم بعد عودتها من دوامها .. بينما جلنار فتنهدت بقوة وسارت متجهة خلفه .. دخلت الغرفة وبحثت عنه فلم تجد له أثر لكنها سمعت صوت الماء في الحمام .. فتقدمت إلى الفراش وجلست فوقه تنتظر خروجه .. وبعد دقائق قصيرة خرج وهو يرتدي فقط بنطال وعاريًا الصدر .. حدقها بنظرة قوية للحظة ثم
هتف وهو يسير نحو الخزانة : _هنا مش هتروح الحضانة اليومين الجايين ضيقت عيناها بعدم فهم وسألت : _ليه ؟! تجاهل سؤالها واكمل بنفس لهجته السابقة : _وإنتي كمان مفيش خروج من البيت غير معايا ورايح _مش فاهمة ليه برضوا !! عدنان بعصبية خفيفة وحدة : _من غير ليه ياجلنار .. نفذي اللي بقوله وخلاص من غير نقاش تأففت بصوت مسموع وتوقفت لتسير نحوه في خطوات هادئة وتقف بجواره متمتمة بلطف : _إنت كويس ؟
رقمها بنظرة مطولة يمعن النظر بها يقرأ نظراتها الموجهة إليه ، فأدرك الهدف وراء سؤالها .. اشاح بوجهه وأخرج ملابسه بجيبها بنبرة قوية : _إنتي شايفة إيه ! جلنار بخفوت : _مش عارفة .. بس حبيت اقولك فكر في هنا قبل أي تصرف تعمله
لم يجيب ولم ينظر لها فقط سار مبتعدًا عنها وهو يشرع في ارتداء ملابسه .. ترى في عيناه قسوة وجبروت مريبين جعلوها هي من تخشاه لوهلة .. يبدو أن الطوفان قضي على الكثير وسوف يحتاج لوقت طويل حتى يعيد ترميم ذلك الخراب . غمغمت تسأله بترقب لرده رغم توقعها الرد إلا أنها سألت: _الغدا جاهز .. هتاكل معانا ؟ _لا حرفين فقط لكنه نطقهم بصوت غليظ ومثير للرهبة فتنهدت هي الصعداء بيأس ثم استدارت وغادرت الغرفة بأكملها . ***
كان يقف أمام النافذة الكبيرة يتحدث في الهاتف ومن خلال حديثه فهمت أنه يتحدث عن العمل .. فاقتربت منه ووقفت خلفه منتظرة أن ينتهي من حديثه ، وبعد دقيقة تقريبًا انتهى ثم التفت برأسه للخلف وابتسم لها بعذوبة وهو يمد يده ويتلقط فنجان القهوة من يدها هاتفًا : _ربنا يخليكي ليا يافطوم رتبت على كتفه بحنو مردفة : _ويخليك ليا ياغالي .. في مشكلة في الشغل ولا إيه هز رأسه بالنفي وهو يرفع الفنجان لفمه ويرتشف منه ببطء ثم
يجيب عليها بعد أن انزله : _لا مفيش مشكلة ولا حاجة الحمدلله ابتسمت فاطمة براحة ثم همست بخبث وهي تنكزه في ذراعه بخفة : _مش ناوي تفرحني بيك بقى ياحاتم ؟! حاتم بمداعبة وهي يبتسم ببساطة : _الاقيها بس وأنا مش هسيبها متخافيش غمزت له بلؤم أشد وهمست بنظرات ذات معنى: _طيب ما هي موجودة ! _موجودة فين ؟!!! كان سؤال مستغربًا يحمل بعض الاستنكار فضحكت هي واجابته بتحمس :
_نادين .. دي البنت قمر ما شاء الله أنا متوقعتش إنها تطلع كدا .. جمال وأدب ورقة يعني تبقى غبي لو ضيعتها من إيدك رفع حاجبه متطلعًا لخالته بدهشة من كلماتها وارتفعت الابتسامة لشفتيه تدريجيًا ثم تحولت لضحكة وهو يجيبها بعدم استيعاب : _احنا لسا يدوب لينا يومين يا فطوم .. لحقتوا تبقوا حبايب بالشكل دي وكمان عايزة تجوزهالي ! فاطمة بغيظ وهي تلكمه في ذراعه بلطافة:
_هو مش إنت اللي كنت قارفني كل ما اكلمك في التلفون نادين .. نادين .. نادين حاتم ضاحكًا بقوة : _أيوة عشان أنا معيش حد في امريكا غيرها ياخالتي وإنتي عارفة .. وهي أقرب حد ليا ! _طيب وفيها إيه بقى لما تبقى اقرب وتتجوزها قطع حديثهم صوت نادين الرقيق وهي تنزل الدرج وتهتف بمرح: _لا الحرارة بمصر هون كتير عالية أنا ماني قدرانة اخد نفسي .. الله يعينكن عن جد قهقهت فاطمة بقوة واكتفى حاتم بابتسامته الواسعة التي من بينها
همس بصوت منخفض لخالته : _قفلي على السيرة دي دلوقتي بقى هااا لم تبالي له فاطمة وعمدًا حتى تثير غيظه هتفت محدثة نادين بخبث دفين : _تعالي بس يانادين شاركينا الحديث عشان أنا تعبت من حاتم رقمها بنظرة مشتعلة ومغتاظة فكتمت ضحكتها وتابعت نادين وهي تقترب منهم وتهتف بنظرات مستفهمة تنقلها بين حاتم وبين فاطمة : _شو سوى ؟! هدرت فاطمة بنصف عين تنظر بها لحاتم في مكر:
_بحاول اقنعه إنه يتجوز ومفيش فايدة فيه .. تعبت معاه وأنا نفسي افرح بيه تلاشت ابتسامة نادين فورًا وتشنجت ملامح وجهها وهي تتطلع بحاتم وتهتف بتعجب : _يتجوز !! _أيوة ده هو داخل على 31 سنة كفاية أوي كدا .. لازم يتجوز ويكون ليه بيت وأسرة ولا إنتي إيه رأيك ؟! ظهرت الغيرة على وجهها وهي تجيب برفض وحدة امتزجت بغضب مكتوم : _لا أنا برأى مش لازم إلا إذا كان هو بدو يتجوز حك حاتم مؤخرة رأسه وهو يبتسم ببعض اللؤم ثم هتف مغيرًا
مجرى الحديث : _طيب ياخالتو خلاص مش وقته الكلام ده دلوقتي .. وانتي يا نادين اجهزي عشان في اجتماع شوية بليل تبع الشغل ولازم تكوني معايا تطلعت إليه بغيظ ونظرة مشتعلة ثم هتفت بالموافقة : _أي تمام راح أجهز نظراتها وطريقتها وهي ترد عليه جعلته لم يتمكن من منع ضحكته التي انطلقت بتلقائية وهو يلوح بيده في عدم حيلة ثم يسير مبتعدًا عنهم متجهًا إلى غرفتها . ***
فتح آدم باب الغرفة دون أن يطرق ودخل فوجد عدنان يجلس على الأريكة فاردًا ذراعه على أعلى الأريكة ويضع ساقًا فوق الأخرى وبيده سيجارة يدخلها في فمه ثم يخرجها وينفث الدخان في شراسة . فهم آدم بتلك اللحظة أن هدوئه الظاهري ما هو إلا قناع كاذب يرتديه أمامهم ومن الداخل هناك أعصار مدمرة لو خرجت لقضت على كل شيء .. هو لا يشرب السجائر إلا في حالات غضبه العاتية .. وكأنه يفرغ غيظه بها .
تحرك آدم وجلس بجواره فوق الأريكة يرمقه بنظرات ثاقبة ، ولكن عدنان كان ينظر في الفراغ أمامه دون أن ينظر لأخيه وهدر بعد ثواني معدودة : _عرفت من إمتى ؟ آدم بخشونة : _لما عملت الحادث عرفت _إزاي ؟ يسأل بسكون تام ولم يكن ذلك الهدوء مطمئن لآدم مطلقًا لكنه أصدر زفيرًا حارًا بعد دقيقة كاملة من الصمت وهو يجيب عليه يخبره بالحقيقة : _عرفت من جلنار
كان ينفث الدخان من فمه وبعدما صكت تلك الجملة أذنه صابه الذهول فكتم بقية الدخان في فمه دون أن ينفثه ورمق أخيه بنظرة حمراء هاتفًا : _جلنار كانت تعرف ! _أيوة راقبت فريدة يوم افتتاح المعرض وشافتها وهي رايحة لنادر وعرفت بعدها وأنا لما ضغطت عليها قالتلي يبدو أن الوحش استيقظ من جديد حيث ألقي بالسيجارة في الأرض واطفأها بقدمه يدهسها بعنف هامسًا بهدوء ما قبل العاصفة :
_وأنا آخر من يعلم .. ولا خلينا نقول المغفل اللي الكل عرف خيانة مراته وهو مش حاسس بيها أشفق على أخيه وهو يشعر بمدى المه الذي يمزقه من الداخل ويتظاهر بالقوة والثبات ، فأجاب عليه بأسى : _مش ذنبك إنك حبيتها ياعدنان وكنت بتثق فيها ومتوقعتش منها الطعن في الظهر ولا إنها قذرة وو*** بالشكل ده _مقولتليش ليه ؟! سؤال آخر يطرحه وبهمس منخفض أكثر .. أخذ إجابة سؤاله بالصمت من أخيه مما جعله يهب واقفًا وهو يصرخ معلنًا
هبوب الرياح المدمرة : _مقولتش ليه !!! صاح آدم مثله مغلوبًا على أمره : _كنت عايزاني اقولك مثلا مراتك بتخونك مع ال**** اللي بتعتبره صديق ومأمنه على شغلك وشركتك .. كنت عايزاني اقولك كدا في وشك !! ، حط نفسك مكاني وقولي كنت هتقدر تقولي ولا لا ياعدنان لحظات قاتلة من السكون المرعب مرت فأعتقد آدم أنه الانفجار الحقيقي سيأتي الآن لكنه على العكس تمامًا رآه يبتسم بشكل مريب ويهدر بخفوت في ملامح وجه لأول مرة يراها على وجهه :
_وجلنار اللي قالتلك !!! ادرك جيدًا شعوره الآن بعد جملته تلك فاستقام آدم واقفًا وتابعه وهو يتجه نحو النافذة يقف ينظر منها واضعًا كفيه في جيبي بنطاله ، تقدم إليه وهتف بصوت رزين : _الأهم دلوقتي هو إنك عرفت حقيقتها قبل ما يفوت الآوان ابتسم بسخرية وهو يهمس : _كل ده ولسا مفتش آدم بجدية:
_لا مفتش يا عدنان .. إنت كان عندك استعداد تطلق جلنار بسببها وكنتوا هتطلقوا بالفعل بس الحمدلله محصلش .. ودلوقتي اهي جات الفرصة انك تحافظ عليها هي وبنتك ومتخسرهمش تطلع لأخيه وهو يبتسم بدفء .. ثم رتب على كتفه وهمس باسمًا : _كبرت وبتديني نصايح كمان يا آدم ! بادله الابتسامة وهو يجيب عليه بصوت رخيم : _لا دي مش نصايح يا Boss أنا بقولك الحقيقة اللي إنت مكنتش شايفها اكتفى بابتسامته الباهتة فاستكمل الآخر باهتمام :
_مش هسألك عرفت مكانهم ولا لا عشان أكيد لقيتهم .. بس قولي عملت فيهم إيه ؟! _نادر هرب بس هجيبه هيروح مني فين يعني _وفريدة ؟! عدنان بنظرات نارية : _لا دي عقابها مختلف معايا تنهد آدم الصعداء براحة بعد أن فهم أنه لا ينوي أن يأذيها وهمس : _كويس إنك معملتش فيها حاجة عدنان بنظرات تنبع بالشر والغل : _بس قصاد كدا هخليها تدوق العذاب أشكال والوان *** في تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل ......
فتح باب المنزل ودخل .. ولم يكن المنزل هادئًا كالعادة كما اعتاد أن يجده بكل ليلة .. بل الأصوات المنبعثة من المطبخ أثبتت له أنها مازالت مستيقظة .. نزع حذائه بجانب الباب وتحرك في اتجاه المطبخ بخطوات متريثة بينما صوت خطواتها وتحركها فكان يصل لأذنه ويشعر به كأنه يراها أمام عيناه .
وصل أخيرًا ووقف عن الباب يتطلع لها بصمت وهو يراها تمسك بسكين وتقوم بتقطيع الخيار وترتدي إحدى قمصان النوم خاصتها القصيرة ، لم يمر الكثير من الوقت وهو يتأملها حتى هتف بصوت رخيم: _بتعملي إيه ؟ انتفضت في وقفتها بفزع وسرعان ما التفتت بجسدها كاملًا له تقول بصوت مزعور : _إنت إمتى جيت ؟!! انتظرت أن يجيب عليها لكنه كان ينظر بجمود وبعيناه الثاقبة فتنهدت والتفتت بجسدها مرة أخرى توليه ظهرها وتهمس :
_جعت وبعمل أكل ليا تحب اعملك معايا ؟ لم تسمع رد منه أيضًا سوى الصمت .. لحظات معدودة وشعرت به يتقدم نحوها في خطوات مدروسة .. يقترب ويقترب ، لا تنكر إن اقترابه المتريث هذا اربكها وخصوصًا عندما وجدته يقف بجوارها تمامًا شبه ملاصقًا لها ويجذب من يدها السكين هاتفًا بخفوت يحمل بحة صوته الرجولية المريبة: _خبيتي عني ليه ؟
رفعت رأسها لها وتطلعت في عيناه القوية .. ياله من جبار رغم خراب نفسه بعد كشفه لخيانة " فريدة " له إلا أنه يتفنن في إظهار القوة والشموخ أمامهم وكأن ما حدث لم يحدث .. طالت النظر في وجهه بثبات ثم مدت يدها وسحبت السكين من يده وعادت تكمل تقطيع الخيار هامسة : _مكنتش هتصدقني ! جذب السكين مرة أخرى من يدها لكن هذه المرة كانت بعنف وهو يجيب عليها بصوت غليظ : _ومجربتيش ليه ؟
رغبت في أن تجذب السكين من يده وهي ترمقه بحدة وتجيب عليه بغيظ لكنه رجع بيده خلف ظهره يمنعها من أخذ السكين: _عشان مكنش عندي استعداد استحمل كلامك الفارغ لو مصدقتنيش .. كانت هتحصل مشكلة كالعادة وأنا مليش مزاج اخش في جدال معاك وكنت ممكن تتهمني وتقولي إني غيرانة منها عشان كدا بقول إنها بتخونك عدنان بنظرات مستاءة وصوت بدأ يصبح خشنًا : _فتروحي تقولي لآدم ومتقوليش ليا
_أنا مقولتش لآدم هو اللي صمم إني اقوله لأنه كان شاكك في تصرفات فريدة زيك وزي وزينا كلنا ، ولما حس إني عارفة حاجة أصر إني اقوله أخذ نفسًا عميقًا محاولًا السيطرة على انفعالاته واجابها بشبه ابتسامة ساخرة ظهرت على شفتيه : _طبعًا إنتي شمتانة فيا دلوقتي ! هزت رأسها بالنفي بعد لحظات عابرة من الصمت وهدرت :
_تؤتؤ مش شمتانة .. بالعكس أنا عارفة كويس أوي احساس إنك تتطعن في ضهرك .. احساس إنك تدي الخير ومتاخدش غير الشر .. تمنح الحب وتحصل على الكره .. وإنت دلوقتي حاسس بكدا .. زي .. أنا في اللحظة دي بس اقدر اقولك بقينا متعادلين ياعدنان رمقها بنظرة مطولة وآخر كلماتها تردد في أذنه ( بقينا متعادلين )
.. ألقت الغاز بتلك الكلمات وكان يتوجب عليه هو إيجاد الحل .. هي من أعطته الخير ولم تأخذ سوى الشر .. منحته الحب وحصلت على الكره .. وحين لجأت لأبيها طعنها بظهرها وسلمها له ، عقدوا اتفاقيات دنيئة بينهم حتى يحصل هو عليها ويحصل أبيها على أمواله ومكانته .. هم الآن في خط التعادل فعليًا ولكن الحقيقة أنها هي الرابحة !
انتهت من تقطيع الخيار وكذلك طعامها كله فحملت الصحون فوق يديها وخرجت بهم تاركة إياه يقف متسمرًا كالصنم .. خرج خلفها بعد لحظات لكنه ذهب لغرفته ليأخذ حمامًا دافيء .. وبعد دقائق طويلة خرج وهو يلف نصفه السفلي بالمنشفة الكبيرة وبيده المنشفة الصغيرة يجفف بها شعره .. وجدها تقف أمام المرآة تقوم بتسريح شعرها بعد أن انتهت من تناول طعامها ، تأملها لثواني ثم القى بالمنشفة التي بيده على الفراش واقترب منها .. تركت هي الفرشاة وهمت بأن تستدير وتتجه للفراش حتى تخلد للنوم .. لكن تجمد جسدها بأرضه حين شعرت بذراعه يلفه حول خصرها من الخلف وحرارة جسده بعد حمامه الدافيء انتقلت منه إليها .. انحنى عليها من الخلف وطبع قبلة ناعمة فوق شعرها بجانب أذنها هامسًا
لأول مرة : _أنا آسف الفصل الخامس والعشرون عبر الرابط: (رواية امرأة العقاب كاملة)
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!