الفصل 27 | من 50 فصل

رواية امرأة العقاب الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
24
كلمة
3,547
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 54%
حجم الخط: 18

لحظات من الصمت القاتل مرت .. بعد أن دخل ورأى حاتم .. لم تتمكن من سماع صوت بالغرفة سوى صوت زمجرته وهو يحدق في حاتم شزرًا كأسد يستعد لينقض على فريسته ويلتهمها .. اضطربت من وجوده ونظراته المخيفة التي لا تبشر بخير أبدًا .. فالتفتت برأسها تجاه حاتم لتجده يتطلع إلى عدنان بثبات انفعالي رهيب وعلى ثغره ابتسامة ساخرة بها بعض التحدي . خرج صوت عدنان متحشرجًا وهو يقترب باتجاه حاتم : _إنت بتعمل إيه هنا !

نقلت جلنار نظرها بينهم في خوف ، واحد لا يبالي ويبتسم عمدًا حتى يثير خصمه .. بينما الآخر احتقنت ملامح وجهه بالدماء وبدأ يضغط على قبضة يده يجهزها للكمة مبرحة سيوجهها للثاني . رفع عدنان قبضة يده المغلقة حتى يلكم حاتم في وجهه هاتفًا بنبرة خرجت تحمل كل أشكال الغضب والشر: _سبق وحذرتك متقربش من مراتي .. بس شكلك مش بتفهم بالذوق

تفادى حاتم لكمته ورفع هو يده بدوره ليوجه اللكمة لعدنان بقوة .. مال عدنان بوجهه للجانب وهو يبصق نقطة الدم التي سالت من جانب شفتيه .. التهبت عينيه وأصبح لونهم أحمرًا حتى أن معالم وجهه تقوصت بشكل مرعب ويبدو أن الوحش استيقظ بالفعل .. حيث انتصب في وقفته وهذه المرة وجه لكمة لحاتم كادت أن تطيح به أرضًا من عنفها وسالت دماء أنفه على أثرها وكان على وشك أن يكمل ويعود ليوجه له المزيد لولا أن جلنار هرولت ووقفت بينهم تمسك بيد

عدنان صائحة بهلع ورجاء : _عـــدنـــان ارجوك بلاش مشاكل القى نظرة نارية على حاتم الذي كان يرمقه بنفس النظرة وهو يتحسس دماء أنفه .. فأخفض نظره لجلنار يتطلع لها بغضب ثم عاد ينظر لحاتم وهو يهدر بتحذير : _ده آخر تحذير ليك .. بعد كدا أنا مش مسئول عن اللي هعمله جلنار بانفعال بسيط : _عدنان كفاية بقولك قبض على ذراعها بحزم وسحبها معه للخارج ، سارت خلفه حتى غادروا الغرفة ونزعت قبضته عنها بعنف فباغتها بصيحته الجهورية :

_امشي قدامي على العربية يلا هرولت أسمهان نحوهم وهي ترسم على وجهها ملامح الذهول المزيفة وتقول : _في إيه يابني إيه اللي حصل ؟ استغلت جلنار الفرصة والتفتت برأسها للخلف تنظر لحاتم الذي يقف وعيناه ثابتة على عدنان بغل .. فرسمت معالم الأسف والحزن على معالمها وهو تهمس بصوت غير مسموع : _أنا آسفة .. آسفة اماء برأسه لها يرسل إشارة لا بأس بملامح وجه لينة .. فالتفتت هي تجاه عدنان الذي أجاب على أسمهان بإيجاز : _مفيش حاجة ياماما

ثم التفت برأسه إلى جلنار ورمقها بنظرة مميتة يغمغم في خفوت مخيف أكثر من نبرة صوته المرتفعة : _سمعتي أنا قولت إيه ! حدقته بنظرة مستاءة وغاضبة .. ثم تطلعت إلى أسمهان بسخط أشد ، الآن أدركت أن ما حدث لم يكن إلا أحد مخططاتها الشيطانية .. استقرت في عيني جلنار نظرة حاقدة وخبيثة تحمل في طياتها الوعيد قبل أن تندفع لخارج القاعة بأكملها تذهب في طريقها لسيارته كما قال أو أمرها بمعنى أدق ! ***

داخل منزل عدنان تحديدًا بغرفتهم بعد مرور ما يقارب الساعة منذ خروجهم من حفل الخطبة ..... خرجت صيحة مرتفعة وعصبية من جلنار التي كانت تجيب عليه: _إنت شاكك فيا يعني !! صاح بها في صوت جهوري : _أنا مقولتش شاكك فيكي .. أنا سألتك سؤال واضح ، كنتي بتعملي إيه في الأوضة مع حاتم ياجلنار جلنار صائحة : _متزعقليش فاهم ولا لا .. ده بدل ما تروح تشوف مامتك اللي عملت كدا عن قصد بتزعقلي وتتعصب عليا كأني أنا المذنبة ! هدر منفعلًا :

_جاوبي على السؤال من غير لف ودوران ومتجننيش .. ثم إن إيه دخل ماما في الموضوع !! ابتسمت بسخرية واجابت عليه مزمجرة: _مامتك هي اللي قالتلي أنها شافت هنا بتدخل الأوضة اللي هناك يعني عشان اروح اشوفها أنا .. وبما إنك جيت ورايا فأكيد هي اللي قالتلك إني دخلت الأوضة طبعًا .. يعني من الآخر هي كانت عارفة إن حاتم جوا وعشان كدا اتحججت بهنا وخلتني ادخل وبعدين قالتلك إنت .. عشان تعمل مشكلة وتخليك تشك فيا

هدأت ثورته الهائجة قليلًا واستمر في التحديق بها بسكون للحظات فاحست بأنه لا يصدقها بعد أن قابلت رده بالصمت والتمعن بالنظر لتصيح به بغضب : _كلمها وأسالها لو مش مصدقني وسرعان ما ارتسمت الابتسامة على ثغرها لتكمل مستنكرة : _ولا تكلمها إيه ملوش لزمة .. هتنكر طبعًا وهتطلعني أنا الكذابة وإنها بريئة وملاك

جلنار ليست بامرأة تتقنن فنون الكذب وحين تحاول تفشل وتصاب بالتلعثم والتوتر ، اعتاد دومًا أن يذكرها بأنها لا تستطيع الكذب أمامه و الآن هو لا يشك بصدق ما تقوله فلا يستبعد أن والدته تفعل هكذا حقًا خصوصًا أنه يعلم بمشاعر النقم التي تكنها لزوجته ، لكن لا مانع من أن يستخدم سلاحه الأقوى حتى يتأكد .. حيث اقترب ووقف أمامها مباشرة يخترق عيناها بنظراته الثاقبة ويغمغم بهمس مترقب: _يعني إنتي مكنتيش تعرفي إنه موجود في الأوضة ؟

عقدت ذراعيها أمام صدره تقف أمامه بثبات وتضع عيناها بعيناه في شجاعة وثقة متمتمة : _قولتلك لا أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه زفيرًا متهملًا بعد أن هدأ تمامًا ونيران غيرته المرتفعة انخفضت قليلًا .. أردف بصوت خافت ومنذرًا : _طيب ياجلنار .. بس صدقيني لو شفتك مع البني آدم المستفز ده تاني ردة فعلي مش هتكون مسالمة أبدًا ضحكت بصمت في استهزاء وتشفي بعد أن لمست الغيرة الحقيقية في نبرته ونظرته ، وهدرت تجيب عليه ببرود وتحدي قبل

أن تهم بالابتعاد من أمامه: _صدقني إنت .. أنا لو شفت حاتم وكلمته تاني فهيكون بس عشان احرق دمك واشفي غليلي منك قبل أن تخطو خطوة مبتعدة عنه كان يمسكها من ذراعها يوقفها وينحنى على أذنها من الجانب يهمس في نبرة تثير الرعشة في البدن: _وماله شوفيه .. بس قبل ما تعملي كدا ابقى افتكري كلامي كويس هاااا لم يحرك شعرة واحدة منها بل على العكس ازدادت ابتسامتها اتساعًا التي اختفت باللحظة التالية فورًا بعد أن سحبت ذراعها بحدة هاتفة:

_ابعد إيدك عني .. واحد مريض لم يعلق ولم يبدي ردة فعل .. كظم غيظه وبلع اهانتها مجبرًا حتى لا ينفعل عليها .. اكتفى فقط بمتابعتها وهي تتركه وتسير نحو الحمام . *** رأته يقف عند السيارة ويمسك منديل ورقي بيده يمسح دماء أنفه فتسمرت بأرضها للحظة تتطلع إليه بصدمة وسرعان ما تمكن منها هلعها حيث هرولت إليه شبه راكضة تهتف: _حاتم شو صار ؟! انزل المنديل واجابها بغلظة : _مفيش حاجة .. اركبي يلا عشان نمشي

بتلقائية أمسكت بوجهه بين كفيها تمعن النظر به بقلق .. وتهدر بزعر : _ليش عم تنزف .. إنت منيح ؟ انزل يديها بلطف وتمتم بصوت حاول إخراجه لين : _كويس يا نادين والله .. يلا بقى قالت بعناد : _خبرني الأول شو صار لك ! حاتم بنظرة صارمة وصوت خشن: _نادين مش وقته أنا على أخرى أساسًا .. بعدين هقولك ثم استدار وفتح باب مقعده الخاص حتى يستقل بالسيارة لكنه التفت برأسه أولًا لها فيجدها لا تزال تقف خلفه ترمقه بحيرة .. خرج

صوته الرجولي بنظرات حادة : _اركبي يانادين !! تأففت بخنق والتفت حول السيارة لتفتح الباب وتستقل بالمقعد المجاور له .. هم بأن يحرك محرك السيارة لينطلق بها لكنها اعتدلت في جلستها حتى تصبح في مقابلته تمامًا ومدت أناملها تلمس برقة جانب أنفه وتهمس باهتمام وعبوس : _بتوجعك ؟

لمستها الناعمة جمدته فجعل ينظر لها بسكون لكن عيناه تطلق إشارات الإنذار كدليل على تأثره .. ولوهلة تمنى لو لا تسحب يدها لكنه فاق بسرعة من مفعولها السحرى وأمسك بكفها يهز رأسه بالنفي إجابة على سؤالها ، وبلا وعي ينزل بأناملها إلى شفتيه يطبع قبلة ناعمة عليهم وهو يبتسم لها بدفء .

ضربت صافرات الإنذار في عقلها هي الأخرى فسحبت يدها فورًا في ارتباك وخجل ملحوظ بعد قبلته الدافئة .. واعتدلت في جلستها تتطلع أمامها بصمت وتحتضن كفها الذي قبله بين كفها الآخر تخبأه عن عينيه ! *** بعد انتهاء حفل الخطبة ....... تجلس زينة على أريكة طويلة نسبيًا ويجلس هو بجوارها .. كانت جلسة منفردة لهم فقط بعد الحفل .

مرت عشر دقائق حتى الآن وهي مازلت تتأمل المكان من حولها بجمود دون أن تتطلع له حتى أو تتفوه بكلمة واحدة .. فتنهد هو مغلوبًا على أمره وانحنى عليها عليها قليلًا حتى يجذب انتباهها له هامسًا : _مبروووك نظرت له أخيرًا فور همسه بالقرب من أذنها وابتسمت باستحياء متمتمة : _الله يبارك فيك رائد بغمزة مشاكسة : _عقبال كتب الكتاب ياحبيبتي تلونت وجنتيها بالون الأحمر وسارعت في تغيير مجرى الحديث حيث قالت بخفوت :

_مش ناوي تقولي بقى تعرفني من فين ؟ ضحك بخفة وادرف : _إنتي لسا فاكرة !! _طبعًا .. لا يمكن انسى ودلوقتي هتقولي يا رائد بيه تنهد الصعداء بقوة ولا تزال الابتسامة تزين ثغره ثم اعتدل في جلسته ليصبح مواجهًا لها مباشرة وبدأ في الحديث بهدوء تام ونظرات خبيثة : _أنا المدير النرجسي والمستفز !

رددت كلمة " نرجسي " بين شفتيها بتفكير .. تذكر أنها عملت لفترة وجيزة لدى شركة ترجمة صغيرة وكانت تبغض مديرها دون أن تراه بسبب ما تسمعه من الموظفين عنه وأوامره الصارمة للجميع . لحظات طويلة مرت حتى أدركت جملة رائد فصاحت بصدمة : _إنت بتهزر مش كدا !! انطلقت منه ضحكة عالية تبعها رده عليها بالنفي :

_لا مش بهزر .. إنتي متعرفنيش لأني مكنتش ببقى موجود اغلب الوقت ومحدش بيشوفني كتير بس أنا اعرفك أكيد .. وبعدها بفترة ماما لما جات الشغل بالصدفة عندي وشافتك قالتلي إنك بنت طنط ميرفت رفعت يدها تمسح على وجهها بذهول وهي تجيبه بعدم استيعاب : _أنا مش مستوعبة .. وإزاي متقوليش يا رائد ده كله

_هتفرق في إيه إنتي سبتي الشغل من بدري .. وأنا كدا كدا كنت ناوي اقولك بس حبيت نصبر شوية لغاية ما تتعرفي عليا اصل لو كنت قولتلك من البداية كنتي ممكن تكرهيني اكتر لمجرد إنك ماخدة الفكرة دي عني ابتلعت ريقها بإحراج بسيط ثم تطلعت له ببراءة تهمس بنبرة تعتذر قبل أن تهتف بالاعتذار حتى: _إنت عرفت منين إني كنت بقول عنك كدا ! غمز لها في مكر ضاحكًا وهدر :

_أنا بعرف كل حاجة فكان طبيعي اعرف اللي بتقوليه عني وحظك إني عرفت بعد ما ماما قالتلي انتي مين وإلا للأسف تصرفي كان هيبقى مش لطيف زينة بغرور وثقة : _أنا أساسًا سبت الشغل بنفسي كنت بني آدم لا تطاق من غير ما اشوفك رفع حاجبه بابتسامة لئيمة ورد عليها مستنكرًا في ترقب : _ودلوقتي إيه ؟! حركت رأسها يمينًا ويسارًا بحركة مترددة تهمس في برود مقصود: _عادي لا وحش ولا حلو _لا والله !!! قهقهت بقوة واردفت مسرعة

بعدما لاحظت غيظه من ردها : _بهزر .. اكيد اختلفت وجهة نظري عنك يعني .. واتغيرت للأفضل عادت الابتسامة تزين شفتيه ليقول بمداعبة : _بداية مبشرة الحمدلله *** بعد مرور ساعات قليلة ..... خرجت من الغرفة متسللة على أطراف أصابع قدمها وبرأسها تتلفت حولها وعيناها تتجول بكل مكان بحثًا عنه ، حتى رأت ضوءًا خافتًا منبعثًا من غرفته الخاصة بالعمل .. سارت بحرص أشد دون أن تصدر أي صوت كلص يخشى أن يمسك به صاحب المنزل .

وصلت إلى باب الغرفة .. أمسكت بالمقبض في حذر وتطلعت له خلسة من الخارج فرأته يقف وينحنى على الأدراج يضع بعض الأوراق الخاصة بعمله بها ، تابعته بعيناها لدقيقة تمامًا حتى وجدته يغلقهم وينتصب في وقفته مستندًا لمغادرة الغرفة .. فتركت المقبض وتراجعت للخلف مسرعة تركض على أطراف اصابعها نحو الغرفة .. دخلت وأغلقت الباب بالمفتاح من الداخل ووقفت خلفه تنتظر وصوله وبالفعل أقل من خمس دقائق سمعت صوت خطواته تقترب من الغرفة وحين أمسك بالمقبض واداره حتى يفتحه لم يفتح .. ظل يعيد الكرة أكثر من مرة ظنًا منه أن قفل الباب تعطل .. حتى أتاه

صوتها من الداخل وهي تقول : _متحاولش أنا قافلة الباب بالمفتاح ! اتسعت عيناه بريبة وهيمن عليه الصمت للحظات حتى رد عليها بعدم فهم : _نعم !!! جلنار بابتسامة متشفية وبحدة تخرجها باحترافية في صوتها الناعم: _زي ما سمعت مش هتقعد معايا في نفس الأوضة ياعدنان .. روح نام في أي أوضة تاني أو نام على الكنبة برا تمالك أعصابه ورد عليها بثبات انفعالي مصطنع: _افتحي الباب ياجلنار وبلاش شغل الأطفال صاحت به من الداخل بغضب: _شغل أطفال !!!

عدنان بنبرة محذرة وهو يصر على اسنانه بغيظ : _افتحي ومتخلنيش اعلي صوتي والبنت نايمة في الأوضة اللي جمبنا جلنار ببرود مقصود وهي تضحك بتشفي دون أن يراها : _وتعلي صوتك ليه .. أنا قولتلك الحل البيت كبير الحمدلله والأوض كتير ضرب بقبضة يده القوية على الباب يهتف باسمها مصحوبًا بزمجرته : _جـلـنـار فزعت قليلًا من ضربته لكنها لم تبالي وقالت هذه المرة بغضب حقيقي متخلية عن برودها :

_ورايح مش هتنام معايا في أوضة واحدة ياعدنان .. إنت في أوضة وأنا في أوضة .. كفاية أوي لغاية كدا انفعل بشدة فعاد يضرب على الباب من جديد محاولًا إخفاض نبرة صوته مما جعله نبرته تخرج متحشرجة بشكل مخيف : _هو إيه ده اللي كفاية .. افتحى الزفت ده بدل ما اكسره فوق دماغك جلنار بإصرار وعناد : _مش هفتح واللي عايزه اعمله كور قبضة يده ورفعها لأعلى في حركة تلقائية كمحاولة شبه بائسة لتمالك انفعالاته ثم رد عليه كاظمًا غيظه بصعوبة :

_ماشي ياجلنار لينا كلام الصبح سمعت صوت خطواته وهي تبتعد عن الغرفة فابتسمت بخبث ثم أصدرت تنهيدة طويلة واتجهت إلى الفراش لتتسطح فوقه وتتدثر بالغطاء مستعدة للنوم . *** في صباح اليوم التالي ...... توقفت مهرة أمام مقر الشركة ترفع نظرها لطول ارتفاع البناء وهي تطلق تنهيدة طويلة .. وصلها الرد بالأمس وحصلت على الموافقة في العمل .. وهاهي في أول يوم لها الآن . كانت ترتدي بنطال عريض قليلًا من اللون الأبيض يعلوه ( بادي كات )

وفوقه جاكت جينز من اللون البني .. والحذاء الرياضي المفضل لها ترتديه .. أما شعرها فكانت ترفعه لأعلى وتترك نصفه ينسدل من الخلف ليأخذ شكل التسريحة المشهورة ( ذيل حصان ) أخذت تسير في فناء الشركة الواسع من الداخل حتى وصلت للمصعد الكهربائي .. وقفت تنتظر المصعد وكان يقف بجوارها آدم الذي لم تلاحظه ، حين التفت هو للجانب برأسه ورآها .. امعن النظر بها للحظة مبتسمًا قبل أن يعود برأسه لوضعها الطبيعي ويتمتم بجدية

بسيطة وهو يتفقد ساعة يده : _الساعة 9 وربع والمفروض تكوني هنا 9 نظرت له مدهوشة ، تتساءل متى جاء هذا ؟! .. فابتسمت بلطافة وغمغمت معتذرة : _أسفة .. الطريق كان زحمة شوية .. بس مش هتتكرر تاني

رمقها بطرف عيناه بنظرة غريبة لم تكن صارمة لكنها مريبة .. حتى انفتح باب المصعد فظلت هي واقفة تنتظر أن يدخل هو أولًا فوجدته يتنحى جانبًا ويبسط يده تجاه المصعد يشير لها بأن تدخل .. فابتسمت له بطريقتها المرحة المعتادة ودخلت أولًا ثم هو بعدها . تابعته وهو يضغط على رقم الطابق فانحنت عليه بعفوية تهمس في قلق ملحوظ : _هو الاسانسير ده آمان ؟ التفت لها برأسه وهدر بتعجب : _آمان إزاي يعني ! هدرت بسرعة تشرح له مقصدها:

_أصل أنا ركبت اسانسير في مرة وعطل بيا وكنت وحدي ومحدش حس بيا غير بعدها بساعتين .. بس الحمدلله اليوم ده كنت جاية من فرح وكنت مشترية أكل كتير وحلويات فضلت اتسلى عليهم وانا محبوسة لولا كدا كانوا دخلوا لقوني انتقلت لرحمة الله من الخوف .. بس تعــ ...... كتم على فمها بيده وهتف بحدة وانفعال بسيط : _هشششش ايه راديو !! .. أنا مالي إنتي هتحكيلي قصة حياتك تطلعت إليه بعينان مضطربة قليلًا وانزلت يده تبتسم ببلاهة مغمغمة :

_على فكرة لسا التشويق جاي أنا محكتلكش لما اشتغل حصل إيه _مش عايز اعرف يامهرة زمت شفتيها بقرف وردت عليه متذمرة : _دي مش اخلاق مديرين على فكرة لم يعطيها اهتمام وتجاهلها بينما هي فانتبهت للجاكت الذي يرتديه وسرعان ما هدرت بعفوية : _بس حلو الجاكت الجلد ده .. تعرف أنا كان معايا واحد زيه بس اااا .... آدم بغيظ من ثرثرتها الكثيرة : _مـــهـــرة ابتلعت بقية الكلمات في جوفها ومطت شفتيها بيأس ومضض ثم اشاحت بوجهها للجانب الآخر

وهي تتمتم بصوت غير مسموع : _عدو البهجة .. بس يلا هستحمله عشان وسامته بينما آدم فتأفف بعدم حيلة مغمغمًا بينه وبين نفسه : _أنا اللي جبته لنفسي والله انفتح باب المصعد وخرج هو أولًا .. يسير بخطوات سريعة تجاه مكتبه ، هرولت هي خلفه تنده عليها بتلقائية : _آدم توقف على أثر صوتها يسمعها تهتف باسمه لأول مرة .. التفت لها برأسه فضحكت هي ببلاهة بعدما أدركت ما تفوهت به للتو وغمغمت بخفوت يحمل القليل من الإحراج : _بـيـه !!

تحدثت بجدية وامتنان حقيقي مع ابتسامة صافية فوق ثغرها : _شكرًا .. يعني إنك وافقت توظفني رأت ابتسامته اللطيفة تظهر على وجهه أخيرًا وهو يوميء برأسه لها كرد على شكرها دون أن يتحدث .. بادلته هي الإبتسامة حتى استدار وأكمل طريقه فاستدارت هي الأخرى واتجهت لمكان عملها . ***

تتجول أمامه منذ الصباح بطبيعية وبرود يثير الأعصاب .. تتجاهله وتتصرف بأسلوب جديد مستفز .. وهو لا يتمكن من احتجازها حتى يضع حد لما تفعله .. يكتم غيظه منها بصعوبة ولا يستطيع حتى الاقتراب منها بسبب وجود هنا .

عيناه لا تنزل عنها ، في كل خطوة تخطوها تلازمها نظراته المشتعلة والمتوعدة .. انتبه لاختفاء صغيرته .. فهب واقفًا واتجه لغرفتها .. رآها تجلس فوق فراشها ومن حولها العابها تلعب بهم باندماج .. ابتعد من أمام غرفتها واندفع لجلنار يقبض على ذراعها ويجذبها معه للغرفة .. دفعها برفق للداخل ودخل خلفها ثم اغلق الباب .. ليسمعها تهتف باستياء وعدم فهم : _بتعمل إيه !!

تقدم نحوها بأعين ملتهبة فتقهقرت للخلف بتلقائية حتى اصطدمت بالحائط خلفها ، لا تنكر أن حالته الغريبة اخافتها قليلًا ، لم تكن تتوقع إنه سيغضب هكذا ، وجدته يستند بكفه على الحائط بجانب رأسها وينحنى عليها يهتف أمام وجهها وحرارة غضبه تشعر بها في وجهها : _أنا اللي المفروض اسألك إيه اللي بتعمليه ده !!!

اضطربت بشدة فحاولت أن تعبر من الجانب الفارغ حتى تخرج لكنه اغلق الطريق عليها من الجهتين بعد أن رفع يده الأخرى يسندها على الحائط من الجانب الآخر بجوار رأسها ويتمتم بغيظ وغضب : _إنتي في أوضة وأنا في أوضة ! .. ده مين اللي طلع القرار ده ! جلنار بثبات وحزم : _أنا عدنان بصوت غليظ : _بس أنا مش موافق هدرت ساخرة بعصبية : _وأنا مخدتش رأيك .. مش عايزة اقعد معاك في أوضة واحدة وأكيد مش هنتظر موافقتك صاح بها مستاءًا :

_يعني غلطانة وقوية كمان ! صرخت منفعلة : _أنا مش غلطانة وإنت عارف .. مامتك هي اللي خططت ومكنتش أعرف إن حاتم موجود في الأوضة أساسًا مسح على وجهه متأففًا بغضب هادر واجابها بنفاذ صبر : _وأخرة تصرفاتك دي إيه يعني ؟!! سنحت لها الفرصة لتتلذذ به على طريقتها ، حيث عقدت ذراعيها أمام صدرها وهدرت بشموخ : _تعتذر مني _ليه ؟! كان سؤال شبه استنكاري منه فردت عليه بقوة : _عشان اللي عملته امبارح مثلًا ! _عملت إيه !! بروده

استفزها فصاحت به مغتاظة : _تشدني في ايدك زي الحيوانات وتزعق فيا وتبهدلني وأنا مليش ذنب .. إيه ده كله ومعملتش حاجة تستحق إنك تعتذر عليها ! سكت لثواني وهو يحدق بها بنظراته الثاقبة وبالأخيرة هتف باقتضاب من أسلوبها الفظ يحقق لها ما تريده : _حقك عليا أنا اتعصبت عليكي فعلًا امبارح هزت رأسها بالرفض تخفي ابتسامتها المنتصرة وتجيب عليه بجفاء: _تؤتؤ أنا آسف مش حقك عليا

عض شفاه السفلى بغيظ مكتوم وكور قبضة يده ثم ضربها على الحائط بجانب رأسها في خفة .. رغم أنه يرى نظرات التحدي والسعادة في عيناها إلا أنه غمغم كالمجبور : _أنا آسف .. حلو كدا !!! هزت رأسها بالنفي متمتمة في ثبات : _لا اعتذارك وحدك مش كفاية عدنان قاطبًا حاجبيه باستغراب : _امال عايزة إيه ؟ هدرت بابتسامة صفراء تضمر خلفها المكر : _مامتك .. أسمهان هانم تعتذر مني وقبل أن ترى ردة فعله على ملامحه أو تسمع رده حتى استكملت

عاقدة ذراعيها أمام صدرها : _وحاجة تاني كمان لم تسمع منه أي رد فقط رأت قسمات وجهه متطلعًا لها ببعض الدهشة رافعًا حاجبيه .. كأنه ينتظر منها أن تبدأ في طلبها الثاني أو أمرها بمعنى أدق .. فأخذت هي نفسًا عميقًا وتطلعت في عيناه بقوة تجيبه بثقة : _تعتذر من حاتم هنا بالفعل احسته كأنه قدر يغلى من الغضب حيث نزل بيده يقبض على خصرها في غيظ ويهتف بنبرة محتقنة:

_اعتذر مني واعتذرت هتخلي مامتك تعتذر وعديتها .. لكن إنتي شكلك مينفعش معاكي الأدب تململت من قبضته على خصرها ترد عليه بجدية : _وفيها إيه لما تعتذر منه .. أنت غلطت في حقه والمفروض تعتذر خرجت منه صرخة هادرة بغضب حقيقي هذه المرة : _جــلـنـار .. متختبريش صبري ومليون مرة اقولك متجبيش سيرته قدامي .. خليني هادي معاكي كدا افضل حاولت أبعاد يده عن خصرها لكنها فشلت فتطلعت في عيناه بشراسة وهدرت :

_وأنا كمان مليون مرة اقولك متلمسنيش .. شيل إيدك أحكم قبضته عليها أكثر بعند وقربها منه أكثر مبتسمًا بشيطانية فقالت هي محذرة أياه : _عدنان ابعد عني هز رأسه بالرفض في استمتاع ، فاستشاطت غيظًا ورفعت قدمها تضغط على قدمه بقوة .. بحركة تلقائية منه لانت قوة قبضته عليها فدفعت يده وهمت بأن تغادر مسرعة لكنه لحق بها وجذبها إليه وكان على وشك أن يبحر بها للحظات على طريقته الخاصة لكن طرق ابنتهم على الباب وسط

صوتها الرقيق قطع اللحظة : _بابي .. مامي دفعته جلنار بكامل قوتها ترمقه شزرًا ثم استدارت وفتحت الباب لابنتها فتقابلها بابتسامة متصنعة ثم تمر وتعبر من جوارها مغادرة .. اقتربت هنا من أبيها الذي حملها فوق ذراعيه وهمس بضيق من توقيتها الخطأ دومًا في القدوم : _دي تاني مرة ياهنايا .. كدا هبدأ أشك إنك متفقة مع أمك ردت عليه بعدم فهم وبراءة جميلة : _مش فاهمة يا بابي عدنان متنهدًا بعدم حيلة : _اجمل بابي من اجمل هنا في الدنيا

ارتفعت ابتسامتها لشفتيها الصغيرة ولفت ذراعيها حول عنق أبيها تعانقه بقوة فيبادلها هو العناق لاثمًا شعرها ووجنتيها بحب . *** في تمام الساعة الثامنة مساءًا ......... كانت أسمهان تجلس بغرفة الصالون على مقعدها الوثير تمسك بيدها كتاب تقرأ به في تركيز وبيدها الأخرى كوب عصير فراولة طازجة .. رفعت نظرها عن الكتاب عندما سمعت صوت الباب ينفتح .. وفور رؤيتها لعدنان الذي دخل واغلق الباب خلفه تركت الكتاب وقالت بحنو وسعادة :

_اهلًا ياحبيبي تعالى تحرك باتجاه الأريكة الواسعة المقابلة لمقعدها وجلس فوقها متطلعًا لأسمهان بغضب دفين ، فضيقت عيناها بحيرة وسألته: _مالك ياعدنان ؟! لوى فمه بحركة تلقائية منه حين يكون مستاء وهتف بحزم : _ممكن تفهميني إيه اللي عملتيه امبارح ده ياماما !!! توترت في باديء الأمر وسرعان ما تخطت الأمر تجيبه بتصنع البراءة: _عملت إيه امبارح ؟! عدنان بعصبية بسيطة :

_ماما إنتي فاهمة قصدي كويس .. هل التصرفات دي تليق بيكي يا أسمهان هانم ؟ .. أنا عارف إنك مبتحبيش جلنار بس متوصلش بيكي للدرجة دي .. اللي عملتيه امبارح ده ملوش غير تفسير واحد هو إنك معملتيش حساب ليا نهائي .. ده إهانة ليا أنا قبل ما يكون كره منك لجلنار تأثرت قليلًا بتوبيخ ابنها لكنها لم ترضخ حيث صاحت بسخط تخفي ورائه اضطرابها من كشف مخططها : _هي قالتلك إيه بنت الرازي .. وكمان إنت صدقتها وجاي تحاسبني !!

عدنان بانفعال بسيط : _أنا مش بحاسبك أنا بقولك إنك غلطتي .. وغلطتي في حقي أنا عايزة تخليني أشك فيها وأنها هي كمان بتخوني ! .. إنتي آخر شخص اتوقع منه تصرف زي ده يا أمي لان قلبها وحزنت على ابنها فنهضت من مقعدها وتوجهت نحوه تجلس بجواره وتملس على كتفه بحنو هامسة في اهتمام:

_ياحبيبي إنت وأخوك اغلى حاجة عندي .. صدقني بنت نشأت دي ملهاش آمان ، أنا عايزالك الخير واشوفك مبسوط ومرتاح مع زوجة تليق بيك وبينا .. لكن جلنار دي آخر واحدة تنفع تكون زوجة ليك هز رأسه بخنق ونفاذ صبر ثم أمسك بيدها التي فوق كتفه ينزلها برفق ويهتف بلهجة صارمة وصلبة :

_بنت نشأت دي مراتي وأم بنتي وكمان أم حفيدتك .. والمفروض تعتذري منها على اللي حصل امبارح .. لما تعتذري منها ده هعتبره تقدير ليا كأنك بتعتذري مني أنا .. ده طبعًا لو أنا فارق معاكي ! ثم استقام واقفًا واكتفى بتوديعه لها من خلال نظراته قبل أن يستدير وينصرف تاركًا إياها تشتعل كجمرة النار من الغيظ ... الفصل الثامن والعشرون عبر الرابط: (رواية امرأة العقاب كاملة)

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...