دقائق قصيرة مرت حتى بدأت الطائرة في التحرك وبلحظة ارتفاعها عن الأرض قبضت جلنار بيدها على ذراع مقعدها وارجعت رأسها للخلف مغمضة عيناها بقوة بعدما داهمها الدوار فجأة وتسارعت أنفاسها ونبضات قلبها بشكل مريب أثار القلق في نفسه .. علق نظره عليها يتابع تغيراتها المفاجئة ، وحدة أنفاسها تزداد وبدأت تجد صعوبة في التقاطها ، فور رؤيته لها على هذا الوضع هب من مقعده ووقف أمامها منحنيًا بجزعة للأمام ويقول بأعين قلقة :
_جلنار إنتي كويسة ؟ لم تجيبه فقط فتحت عيناها وهي تطالعه بأعين ضعيفة وتحاول تهدئة أنفاسها المتسارعة ، تملك منه الزعر وصاح مناديًا على أحد من طاقم العمل بالطائرة الذي جاء فورًا مسرعًا ، وسمع عدنان يهتف دون أن ينظر له فقط منشغل بزوجته : _هات مايه بسرعة امتثل لطلبه فورًا بينما هو فهتف بأعين تحمل القلق الملحوظ ويحتضن وجهها بين كفيه : _خدي نفس ياجلنار
ثم أخذ شهيقًا طويل وأخرجه زفيرًا متهملًا حتى تفعل مثله .. ففعلت هي بصعوبة وسط نبضاتها العنيفة ، لحظات معدودة بالضبط ووصل الماء .. التقط الكأس منه وأعطاه لها هامسًا باهتمام : _خدي اشربي
جذبت الكأس منه بيد مرتعشة ورفعته إلى شفتيها تشرب بتمهل وهو يساعدها في إمساك الكوب ، ثم مد أنامله يبعد خصلات شعرها عن عينيها بلطف حتى لا تزعجها ويتابعها بعيناه المترقبة حتى انزلت الكأس من فمها وقد ظهر على ملامحها هدوء أنفاسها قليلًا ، سألها بخفوت مهتم وقلق ممسكًا بكفها : _هااا احسن دلوقتي ؟
هزت رأسها بالإيجاب في أعين ضعيفة وقسمات وجه بريئة تسرق القلب .. تنهد بارتياح واستطرد بحزم يوبخها في عنف بسيط ، وبإبهامه يملس على ظهر كفها الذي يحتضنه بين قبضته .. كأن نبرته وقمساته الغليظة تقسو ولمساته تحنو ! _أكيد نسيتي تاخدي المهدئ قبل ما تركبي الطيارة صح ! جلنار بخفوت رقيق : _أيوة عدنان باستياء من إهمالها :
_الإهمال ده ميتكررش تاني ياجلنار .. المفروض إنك عارفة أن إنتي مش بتستحملي الارتفاع والطيارة وعندك رهاب منها وبتجيلك النوبات دي يبقى مش محتاجة حد يفكرك أو يقولك خدي المهدئ اقتربت هنا من أمها ووقفت بجوار مقعدها تقول بنظرة مرتعدة ونبرة طفولية حزينة بعدما تابعت بعيناها حالة والدتها المريبة وزعر والدها وهو يحاول تهدئتها : _إنتي كويسة يامامي ؟
نظرت لها بعين كلها دفء وحب ثم انحنت بجزعة من على مقعدها وحملتها على قدميها تلثم وجنتها بحنو متمتمة بابتسامة ساحرة : _أنا كويسة ياروح مامي متخافيش
ابتسمت لها هنا بارتياح بسيط ظهر على ملامحها الصغيرة ، بينما هو فظل نظره معلقًا عليها يتفحصها بنظراته جيدًا كأنه يتأكد من انتظام أنفاسها وعودتها لطبيعتها ، وبعد ثواني من التحديق بها وهي منشغلة بالحديث مع ابنته ومداعبتها ، انتصب في وقفته ووجد نفسها بتلقائية ينحني على رأسها ويطبع قبلة على شعرها بلطف ثم يبتعد عنهم ويتجه نحو حمام الطائرة .. رفعت هي رأسها عن ابنتها بدهشة بعدما أحست بقبلته والتفتت برأسها للخلف إليها تتابعه بنظراتها المتعجبة وهو يتجه نحو الحمام ، فزمت شفتيها بحيرة ولم تشغل عقلها بالتفكير كثيرًا حيث سرعان ما عادت بنظرها إلى ابنتها تستكمل حديثها المرح معها !
*** تجلس أسمهان على الأريكة بغرفتها والتساؤلات والشكوك تنهش عقلها .. لم تصدق الكذبة التي قالها لها " سمير " ، لابد أن الأفعى الصغيرة " فريدة " تعد مكيدة دون علمهم ، ولن يهدأ لها بال إلا حينما تكشف مكيدتها ويتسنى لها التخلص منها .
لن تترك أرث إمبراطورية الشافعي لابنة الخادمة أو لابنة ذلك الحقير نشأت .. لقد صبرت وتحملت فريدة لسبع سنوات بل وتظاهرت بالود والحب معها فقط حتى لا تخسر ابنها ، لكن الآن هي على يقين أنها إن لم تتخلص من الأفاعي المحيطة به فبالتأكيد ستخسره بالفعل ! ستخلصه من جشع تلك الفقيرة " فريدة " وكذلك مكر ابنة الرازي .. ومن ثم ستزوجه هي من امرأة يستحقها تكون له خير الزوجة والأم ، وكذلك امرأة تليق بمركز عائلتهم الكبيرة ومركزه !
انتشلها من شرودها صوت توقف سيارة بالاسفل فهبت واقفة واقتربت من النافذة تنظر منها وإذا بها تجد فريدة تخرج من الباب الخلفي للسيارة وهي ترتدي نظارة شمس وملابسها الفخمة وتتجه نحو الداخل ، فابتسمت أسمهان بمكر وهي تهمس :
_كان لازم تاخدي حذرك الأول قبل ما تعرفي بتلعبي مع مين يابنت الخدامة .. استحملت قرفك كتير عشان ابني بس لغاية هنا وكفاية ، جهزي نفسك عشان الأيام الجاية دي آخر أيامك في العز وبعدين هترجعي للشارع والزبالة اللي جيتي منها ثم دخلت إلى الداخل مجددًا والتقطتت هاتفها تحاول اجراء اتصال بابنها المختفى منذ أيام وبعدما أتاها نفس الصوت الذي يخبرها بكل مرة أن الهاتف مغلق .. تأففت بقوة وصاحت في سخط امتزج بالقلق:
_روحت فين بس ياعدنان ! .. ياخوفي لتكون لقيت اللي ما تتسمى بنت نشأت ! *** وصلت زينة إلى منزل خالتها بعدما طلبت منها أن تمر عليها وهي ذاهبة للمنزل .. لبت طلب خالتها على مضض حينما توقعت نوع الحديث الذي تريد مشاركتها فيه ، فهي منذ أيام تحاول التعافي من مشاعرها الوهمية وليست في حالة تسمح لها بالانخراط مجددًا في أوهامها أو مجرد لمعة أمل بسيطة تدفعها إليها خالتها بكلماتها التي لا فائدة منها .
خرجت أسمهان من غرفتها فور رؤيتها لابنة أختها واستقبلتها بحرارة وحب كعادتها بينما زينة فكانت جامدة لا تظهر أي معالم حتى أنها لم تتجول بنظرها في المنزل بحثًا عنه ككل مرة تذور منزل خالتها فيه .. مما أثار الشك في نفس أسمهان التي جذبتها من ذراعها واجلستها على الأريكة وسألتها بريبة: _مالك يازينة ؟! _مليش ياخالتو مرهقة شوية بس سكتت أسمهان لبرهة من الوقت وهي تمعن النظر في ملامحها تحاول توقع سبب ضيقها وبؤسها فهتفت بترقب :
_آدم زعلك في حاجة !! رمقتها زينة بيأس وتمتمت لأول مرة بصوت مبحوح دون خجل أو ارتباك كعادتها: _خالتو بليز متكلمنيش عن آدم .. أنا وإنتي عارفين إنه مبيحبنيش ومش هيحبني تنهدت أسمهان وقد ظهرت القوة على ملامحها فقالت بنظرة جانبية لئيمة : _ومين قالك إنه مبيحبكيش ! وقع أثر جملتها على أذنها وقع الرعد .. حيث حدقت بخالتها في صدمة امتزجت بالفرحة الداخلية والأمل الذي سرعان ما عاد يلمع في عيناها وهي تهتف بتلهف وعدم تصديق:
_هو قالك إنه بيحبني ؟! ضحكت أسمهان وقالت بهدوء في نظرة تنضج بالخبث: _مقالش وحتى لو مبيحبكيش بس أنا عارفة ابني كويس وعارفة هو بيعزك إزاي .. يعني لو استغليتي النقطة دي لصالحك هتكسبي قلبه بسهولة وآدم مش زي عدنان خالص ، آدم بأبسط الأشياء والأفعال تقدري تكسبيه وتخليه يحبك انطفأ اللمعان في عيناها من جديد واجفلت نظرها أرضًا بحزن متمتمة :
_أنا مش في باله أساسًا ياخالتو وخلاص مبقيش عندي طاقة أحاول تاني حاسة إني بهين نفسي ، ومش بعيد يكون بيحب واحدة تاني عشان كدا مش ملتفت ليا خالص أسمهان بحزم ونبرة جادة : _وفكرك إني هقبل إنه يتجوز واحدة غيرك زينة بابتسامة منطفئة: _أنا اللي مش هقبل لو مكنش بيحبني أسمهان بثقة وعينان كلها خبث : _هيحبك متقلقيش
لم تنظر لخالتها فقط استمرت في التحديق بالفراغ أمامها في بؤس ، وتحاول منع الأمل من التمكن منها من جديد ، حتى لا تعطى لنفسها آمال واهنة مبنية على حججة وهمية ! ***
رنين الهاتف لا يتوقف منذ لحظات وهو منشغل بآخر التجهيزات لافتتاح معرضه الذي سيكون بعد يومين ، لكن الرنين الصاخب يشتت ذهنه وبدأ يزعجه فترك ما بيدها واتجه نحوه والتقطه وكان على وشك أن يجيب على المتصل بعصبية وانفعال لكنه هدأ فور رؤيته لاسم أخيه يصدح على الشاشة .. أجاب مسرعًا وتمتم : _إيه الأخبار يا Boss عدنان بصوته الخشن : _أنا وصلت مصر وجاي في الطريق .. إنت فين ؟ آدم باندهاش بسيط : _وصلت مصر !
.. طيب اتصل بيا حتى وقولي ، على العموم أنا في المعرض _جبت سيرة لماما ولا فريدة على حاجة ؟ هتف آدم ضاحكًا بخفة : _عيب عليك أصلًا ماما كل يوم بتسألني عليك وأنا بسببك هتحدف في نار جهنم من الكدب اللي بكدبه عليها ثم استكمل وهو يسأله بجدية واهتمام هذه المرة : _المهم طمني جلنار وهنا كويسين ؟
كان يقف مستندًا بظهره على السيارة فالتفت برأسه للخلف حيث كانت جلنار تجلس في المقعد المجاور لمقعده الخاص بالقيادة بينما صغيرته فقد غفت بالمقعد الخلفي ونامت .. عاد يشيح بنظره عنهم وأجاب على آدم : _كويسين .. استناني في البيت عشان عايز نتكلم شوية آدم باقتصاب بسيط ممزوج بمرح : _لازم دلوقتي ! انتصب عدنان في وقفته والتفت حول السيارة ليفتح باب مقعده ويجيب على أخيه بصرامة : _دلوقتي يا آدم .. سلام
اغلق الاتصال واستقل بالسيارة بجوارها وسط نظراتها الدقيقة له وهي تقول بخفوت: _آدم ده ؟ رد عليها دون أن ينظر لها في صوت أجشَّ : _امممم .. هنروح عند ماما الأول عشان تشوف هنا وبعدين هوديكي البيت اشتعلت نيران الغيظ في عيناها فهتفت في صوت حاولت خفضه : _مش هروح البيت ده أنا .. مامتك عايزة تشوف هنا يبقى تاجي في بيتي _هتروحي ياجلنار .. أنا مش بخيرك ، بعدين هما كلهم كام ساعة وهتمشي جلنار بعصبية وتصميم :
_ولا دقيقة حتى ، مش كفاية هستحمل مامتك كمان هستحمل فريدة وحركاتها المستفزة عدنان ببرود تام : _خلاص يبقى اوصلك البيت واخد بنتي واروح بيها تشوف جدتها ضحكت ساخرة وقالت بشراسة : _بنتي مش هتبعد عني لحظة واحدة .. أنا إيه اللي يضملي إنك تاخدها ومترجعهاش ليا تاني أو مراتك الحرباية دي تعمل حاجة في بنتي استقرت في عيناه نظرة متقدة حدقها بها لكنها لم تكترث وهتفت باستهزاء :
_إيه لتكون اضايقت عشان غلطت في سفيرة الأفاعي بتاعت سيادتك ! أوقف السيارة جانبًا وانحنى بوجهه عليها يهمس في نبرة مريبة وغضب مكتوم : _أنا مش عايز اتعصب واعلي صوتي عشان البنت نايمة .. خلي يومك يعدي علي خير ويا تيجي معايا من غير كلام كتير .. يا تروحي على البيت وتستنينا هناك
صرت على أسنانها بغيظ تحاول تمالك أعصابها وهي تطيل النظر في وجهه وبالأخص عيناه القاسية ، فبادلته نظرته القاسية بأخرى خالية من المشاعر فقط البغض الذي يظهر .. بينما هو فهدأت نفسه الثائرة قليلًا وقال وهو يعود وينتصب في جلسته ليبدأ في تشغيل محرك السيارة من جديد : _أفهم من سكوتك ده إنك هتيجي خلاص
لم تجيبه فقط ظلت تضرب بمشط قدمها على أرضية السيارة في شكل متتالي بغيظ واحتدام جعل وجنتيها البيضاء إلى حمراء ، واستمر اهتزاز قدمها هكذا للحظات طويلة وهو يتابعها بعيناه حتى وجدته يضع كفه على فخذها يمنعها من الحركة أكثر ويقول بحدة: _اثبتي عصبتيني !! دفعت يده عن جسدها ورمقته بنظرة شرسة لم تغضبه بقدر ما أعجبته وجعلته يبتسم بتلذذ ، وكانت صيحتها المنذرة فور نظرتها تمامًا : _قولتلك مليون مرة متلمسنيش
رمقها بنظرة جانبية في ابتسامة كانت شبه باردة لكنها في الحقيقة تضمر خلفها سخط مكتوم ووعيدًا لها حين ينفرد بها بمنزلهم ، ستكون قد حانت لحظة عقابه الحقيقي لها ! *** في مساء اليوم وفقًا لفرق التوقيت بين مصر وكاليفورنيا . كان بإحدى الحانات المشهورة يجلس على المقعد المرتفع أمام البار .. وبيده كأس قصير بيضاوي يمده إلى الشاب الذي يقف على البار فيملأ جزء صغير منه ، ليعود هو بالكأس إلى فمه ويبتلع النبيذ كله دفعة واحدة .
لا يأتي إلى هنا إلا نادرًا واليوم شعر بأنه في حاجة ليتغيب عن الواقع لساعات ويتناسى همومه ، وصلته الأخبار برحيلها صباح اليوم معه .. لم تخبره حتى ومنذ آخر مقابلة بينهم أو بالأحرى منذ عودة ذلك الشيطان لم تسأل عنه وتجاهلت وجوده تمامًا ، هل كل ما فعله من أجلها ذهب هباءًا هكذا بلحظة واحدة !
.. لكنه هو المخطئ ، كان عليه أن يتفهم من البداية حنينها وعشقها الدفين للرجل الذي كان سببًا في تدمير زهرته المتفتحة ، هو من أوهم نفسه ومنح ذاته آمال حمقاء مثله وصدقها .. والآن يتسكع ويتخبط في أحزانه الساذجة.. كما وصفها !! بدأ يفقد توازنه شيئًا فشيء وكذلك وعيه من فرط كمية النبيذ التي تناولها ، وكان على وشك أن يمد الكأس مرة أخرى حتى يملأه له لولا اليد الرقيقة التي قبضت على رسغه أولًا ثم انتزعت الكأس من قبضته وهتفت
في عتاب باللغة الإنجليزية: _حاتم .. لقد بحثت عنك بكل مكان ، ماذا تفعل هنا ؟! رفع نظره لها وابتسم ببلاهة ثم أمسك بالكأس مرة أخرى ورفعه أمامها يريها ما الذي يفعله وهم بأن يقربه من فمه لكنها انتشلته من يده بحدة وقالت: _يكفي .. يبدو إنك شربت كثيرًا ، هيا سأصطحبك للمنزل أجابها بصوت ثملًا بعدم اكتراث وهو برفض النهوض : _سأبقى لبعض الوقت .. اذهبِ إنتِ اخرجت من حقيبتها نقودًا ودفعتهم لصاحب الحانة ثم أمسكت بذراع حاتم تساعده
على النهوض وهي تهتف بغضب : _هيا سنذهب لن اتركك أكثر من ذلك .. ستؤذي نفسك نهض من على المقعد وسط جذبها له وبمجرد وقوفه اختل توازنه وكان على وشك السقوط لولا أنها لحقته وحاوطت خصره بذراعها فرفع هو ذراعه بتلقائية يضعه على كتفه ليستند عليها وسارا معًا للخارج . همهم في نبرة مهمومة : _ذهبت وتركتني !
لم تجيب عليه فقط ظلت تحاول مساعدته على السير حتى لا يسقط وتتجه به نحو سيارتها حتى اصبحا على بضع خطوات صغيرة منها فسمعته يهتف للمرة الثانية بعدم وعي وهو يبتسم بابتسامة لعوب : _إنتِ جميلة جدًا اليوم ، ما رأيك في أن نقضى بعض الوقت اللطيف معًا ! رفعت رأسها لها وحدقته بدهشة ثم قالت بابتسامة جانبية في حدة متحدثة بلغتها الأم اللبنانية : _ما راح حاسبك هلأ مشان شكلك مو بوعيك أبدًا ، بالصبح بس تفيق بيكون النا كلام تاني
قهقه بخفة ثم وصلا إلى السيارة ففتحت هي باب المقعد الخلفى وساعدته على الدخول والجلوس وقبل أن تغلق الباب وتتجه إلى مقعد القيادة الخاصة بها ، هتف هو يستكمل كلماته الغير واعية وهو يغمز : _لن اتركك اليوم .. فليكن بعلمك ! أجابته بغيظ محاولة كتم ابتسامتها من كلامه الغريب: _اصمت ولا تجعلني اندم على قدومي إليك ياوقح
ثم أغلقت الباب واتجهت إلى مقعدها وحركت محرك السيارة منطلقة بها نحو منزله الخاص بينما هو فأرجع رأسه للخلف واغمض عيناه بعدما بدأ النوم يصعد لعيناه ولا يستطيع مقاومته ... *** خرج نادر من مكتبه وقاد خطواته نحو مكتب عدنان ، وقف أمام المكتب والتفت برأسه يمينًا ويسارًا يتأكد من عدم ملاحظة أحد له ، فمد يده وهم بأن يمسك بالمقبض لولا الصوت الأنوثي الذي استوقفه ، فالتفتت بجسده للخلف ناحيتها لتهتف الفتاة في تعجب :
_نادر هو إنت داخل مكتب عدنان بيه ليه ؟! رفع حاجبه مستنكرًا سؤالها وأجابها بحزم وغطرسة : _نعم ! الفتاة في رسمية وجدية : _مستر آدم منبه إن محدش يدخل مكتب عدنان بيه طول ما هو مش موجود نادر بأعين ساخرة وشرسة وغير مكترثًا بما قالته : _وأنا مش أي حد يا ليلي ياحبيبتي .. الأوامر دي تمشي على الموظفين كلهم في الشركة إلا أنا
ثم التفت بجسده مرة أخرى ناحية الباب وفتحه ودخل وأغلقه خلفه ، واندفع فورًا نحو مكتب عدنان .. حاول فتح الإدراج ولكن كلها كانت بأقفال فأخرج من جيبه المفاتيح التي أعطته لها فريدة بعدما أخذتهم من عدنان ، وفتح واحدًا تلو الآخر يبحث بكل واحد منهم عن ملف بعينه حتى أخيرًا عثر عليه .. رفعه لأعلى أمام عيناه يحدق به بنظرات شيطانية ويقول بسعادة ولؤم:
_أخيرًا لقيتك .. خلينا نتفرج ونستمتع بمشاهدة الامبراطور الأكبر لأل الشافعي وهو بيخسر تعب ومجهود سنين أخفى الملف في سترة بذلته واتجه نحو الباب وانصرف لكنه نسى أن يغلق الأدراج كما كانت بالمفاتيح ! *** توقف بالسيارة أمام قصر الشافعي وبمجرد وقوف السيارة فتحت " هنا " عيناها ببطء لتسمع صوت أبيها وهو يهتف باسمًا : _يلا ياهنايا عشان نشوف نينا
اعتدلت جالسة وتلفتت بعيناها الناعسة حولها حتى أدركت المكان فابتسمت بعفوية وأخذت تفرك عيناها لتزيح أثر النوم عنهم .. بينما هو فنزل من السيارة وفتح باب المقعد الخلفي ومد ذراعيه لها فتعلقت به وحمله هو على ذراعيه بعدما لثم شعرها بعدة قبلات حانية ، ثم نظر إلى جلنار التي مازالت جالسة بمقعدها ولم تنزل وقال بنبرة باردة: _هتفضلي قاعدة في العربية ولا إيه !
هزت رأسها بإيجاب في مضض فهي ليست في مزاج يسمح لها لمقابلة والدته وفريدة ، لم يظهر أي تعبير فقط اغلق باب المقعد الخلفي واستدار متجهًا بابنته إلى الداخل بينما هي فقالت قبل أن يبتعد عنها في خنق : _متتأخروش
لم يجبها فقط استمر في طريقه للداخل حتى وقف أمام الباب الرئيسي وانزل ابنته من على ذراعيه لتتولى هي مهمة الطرق على الباب في حماس برئ لرؤية جدتها ، وبعد لحظات قصيرة فتحت لهم سيدة في نصف الأربعين من عمرها ولجمت الدهشة لسانها وهي تحدق بعدنان وهنا التي تقف أمامه .. وسرعان ما ارتسمت البسمة المشرقة على شفتيها وقالت بفرحة عذبة : _حمدلله على السلامة ياعدنان بيه وانحنت قليلًا على هنا وقبلتها بحب وهي تقول بمشاكسة :
_وحشتينا ياهنون ابتسمت هنا بخجل بسيط على خادمة منزل والدها التي تعرفها وتحبها كثيرًا وردت عليها برقة : _وإنتي كمان ياطنط ضحكت السيدة وضمتها إليها معانقة إياها بينما عدنان فرد مبتسمًا بود وهو يدخل ويغلق الباب : _ماما فين يا أم ياسين ؟ انتصبت في وقفتها وصاحت بصوتها المرتفع في سعادة : _يا أسمهان هانم .. عدنان بيه وصل ومعاه هنا
وصل صوتها إلى فريدة أولًا التي اتسعت عيناها بصدمة فور سماعها لاسم " هنا " .. هذا يعني أنه وجد جلنار ! ، وثبت واقفة من فراشها كالذي لدغتها عقرب وهرولت إلى الخارج وعند خروجها كانت أسمهان قد خرجت أيضًا من غرفتها وعلى وجهها ابتسامة فرحة بعودة حفيدتها رغم الدهشة التي اجتاحتها بالبداية مثلها بسبب عودة جلنار ، إلا أن فرحتها بعودة حفيدتها انستها الأمر مؤقتًا .
كانت أسمهان متقدمة وفريدة خلفها في نزول الدرج ، حتى وصلا أخيرًا فاقتربت أسمهان من الصغيرة وحملتها تطبع قبلاتها الحانية على وجنتيها متمتمة : _وحشتيني ياقردة .. عاملة إيه ياحبيبتي ؟ هنا بلطافة معهودة منها وهي تبتسم باستحياء : _كويسة يانينا .. إنتي كمان وحستيني ( وحشتيني ) عادت تلثم وجنتيها بشوق وهي تضحك بخفة .. بينما فريدة فتحركت باتجاه عدنان وعانقته بضيق ملحوظ متمتمة بخفوت : _حمدلله على السلامة
طبع قبلة سريعة على شعرها دون أن يلاحظ أحد وبالأخص ابنته وقال بنظرة دافئة بعدما أدرك سبب ضيقها : _أنا آسف .. اضطريت إني اسافر فجأة فريدة بتذمر وصوت خافت : _إنت حتى متصلتش بيا ياعدنان وقولتلي .. أنا متفهمة خوفك على بنتك ولهفتك أكيد أول ما عرفت مكانها بس كنت قولي على الأقل القى نظرة على أمه ووالدته ووجدهم مندمجين مع بعضهم وغير منتبهين لهم تمامًا فانحنى عليها مجددًا وهذه المرة سرق قبلة عميقة من وجنتها
وتمتم غامزة بمداعبة : _طيب خلاص مش وقته الكلام ده دلوقتي .. أنا هصالحك ياجميل بعدين ابتسمت بابتسامة جانبية بسيطة وعقدت ذراعيها أمام صدرها بينما أسمهان فأخيرًا تحدثت وقالت بقرف واضح : _امال بنت نشأت فين ؟ تنهد الصعداء وهتف بصوته اصبح غليظًا : _برا مستنية في العربية فريدة بغضب : _هو إنت ناوي ترجع معاها ولا إيه ! _هوصلها البيت هي وهنا يافريدة وهرجع في إيه !!! جزت على أسنانها بغل بينما أسمهان فهتفت
في لؤم ووعيد لمحه بعيناها: _طيب ما تخليها تاجي عشان اشوفها وارحب بيها كويس مسح على وجهه متأففًا وقال بحزم : _مش وقته ياماما .. أنا في دماغي مية حاجة ومش عايز مشاكل ولا خناق انتبهت فريدة أخيرًا إلى هنا فتحركت باتجاهها ومدت يدها لتصافحها في ابتسامة متكلفة : _عاملة إيه ياصغننة ؟ طالعتها هنا مطولًا في تفكير وسرعان ما هرولت نحو والدها وتشبثت بقدمه تقول بنفور واحتدام : _مامي قالتلي إنتي وحشة ومس ( مش ) بتحبينا
رفعت فريدة نظرها إلى عدنان وحدقته بحاحبان مرفوعان بابتسامة ساخرة فانحنى هو على ابنته وحملها هامسًا لها في صوت حازم يحمل بعض الرفق : _عيب ياحبيبتي .. طنط فريدة بتحبك طبعًا ، اعتذري منها يابابا يلا هزت رأسها بالنفي ودفنت وجهها الصغير بكتفه العريض فهتفت أسمهان وهي تحاول إخفاء ابتسامتها: _سيبها ياعدنان خلاص على راحتها متغطش عليها زفر بحرارة وعصبية بدأت ترتفع لمحياه ثم انزلها على الأرض وقال بخشونة :
_أنا هطلع اغير هدومي فوق ونازل *** أخبرته بألا يتأخر ولكنه تجاهلها تمامًا وهاهو بالداخل منذ وقت طويل وحتى محاولاتها للاتصال به لا يجيب عليها ، استشاطت غيظًا وغضبًا ونزلت من السيارة ثم رفعت نظارتها لأعلى تثبتها عند مقدمة شعرها وقادت خطواتها نحو الداخل وهي عبارة عن جمرة نيران متوهجة .. وقفت أمام الباب وطرقت عدة طرقات متعددة على الباب ففتحت لها بعد ثواني معدودة أسمهان التي طالعتها بابتسامة خبيثة وقالت بحقد:
_أهلًا ببنت الرازي جلنار بعدم مبالاة بنظراتها وبتجاهل تمامًا تجولت بنظرها في أرجاء المنزل وهي تقف على عتبة الباب وهتفت : _بنتي فين ؟ التهبت عيني أسمهان فقبضت على ذراعها بعنف وجذبتها إليها تقول بوعيد ونظرات تنضج بالشر : _إنتي فاكرة نفسك مين عشان تاخدي حفيدتي وتهربي بيها .. لا وكمان بتتسرمحي مع الرجالة دفعت يدها عنها بعنف وصاحت بها بعصبية دون أي خوف أي اكتراث لأي شيء : _حاسبي على كلامك معايا يا أسمهان هانم
قهقهت أسمهان بقوة في استهزاء وكانت على وشك أن تجيب عليها لولا فريدة التي اقتربت منهم ووقفت أمام جلنار بالضبط وقالت في مكر وأعين مشتعلة: _معلش اعذريها يا ماما .. تلاقيها جات مغصوبة ومكنتش قادرة تسيب حبيب القلب اللي هربت معاه ثم اقتربت بوجهها منها كثيرًا وهمست في خبث قاصدة استفزازها : _صراحة مندهشتش وواضح إنه مش جديد عليكي .. أنا قولت من الأول إن إنتي ****
نزل عدنان على أثر الصوت المرتفع بينما كانت جلنار تقف شامخة كالجبل أمامها بكل قوة وصلابة لكن آخر ما توفهت به من إهانة فظة وجهتها إليها جعلها تخرج عن إطار هدوئها المزيف وانفجر بركانها الخامد ، فرفعت كفها في الهواء وهوت به بكل قوة فوق وجنتها ثم تمتمت في نظرات نارية وتحذير مريب ومخيف : _مفضلش إلا واحدة بيئة زيك تغلط فيا .. اعرفي مقامك كويس يافريدة ومتنسيش أنا مين الفصل العاشر 10
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!