الفصل 37 | من 50 فصل

رواية امرأة العقاب الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
21
كلمة
5,946
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 74%
حجم الخط: 18

كان مقيدًا من الجهتين باثنين ضخام البنية يجرانه لمكان غريب ومهجور. يعي جيدًا ما ينتظره بذلك المكان. فبعدما وصل لمنزله ووجده يحترق، ومن بعده فورًا انفجرت سيارته، تأكد أن تلك الأحداث من فعل عدنان الشافعي. كان يعرف مكان تواجده طوال هذه الفترة ولم يقترب منه. والآن يحسم النهاية المحتومة له. كان يعلم بكل شيء عنه، لذلك تعمد حرق منزله الذي يدس به كل أمواله وكل ممتلكاته كبداية صغيرة لانتقامه.

أما السيارة فكانت إشارة أنه لو أراد لفجرها وهو بداخلها، لكنه لا يرغب بذلك. وصل أخيرًا إلى ذلك المكان الأشبه بصندوق ضخم مغلق من جميع الجهات دون منفذ، ما عدا الباب. انفتح الباب ودخل، وقد ترك الرجال يديه وتولى أحدهم مهمة زجه للداخل بعنف. حتى وقف وتصلب عندما رآه يجلس على مقعد خشبي، واضعًا ساقًا فوق الأخرى وبيده سيجارته، يرفعها لفمه، يسحب الدخان، ثم يخرجها وينفث الدخان بشراسة في عينان ثاقبة تخترقه بشكل مرعب.

لحظات معدودة واستدار الرجال لينصرفوا ويتركوه معه بمفرده. استقام عدنان من مقعده وعلى ثغره ابتسامة مرعبة، يهمس في سخرية: "إيه، كنت متوقع إني مش هعرف اصطاد فار غبي؟ تحركاتك وإمكانياتك متوقعة ومعروفة." بقى نادر واقفًا كما هو لا يتحرك، رغم الخوف الذي تمكن منه، وبالأخص عندما وقف عدنان أمامه مباشرة وغمغم بخفوت دب الرعب في أوصاله: "كنت سايبك بمزاجي، عشان أقتلك وأفكر على رواق هعمل فيك إيه." ثم انحنى على أذنه وأكمل بصوت

أشبه بفحيح الأفعى السامة: "تتوقع هعمل إيه في واحد خاني مع مراتي وأذاني في شغلي وحاول يأذي بنتي؟ لا والكبيرة أن المفروض أنا كنت بعتبره صديق! ياخي دي الناس بقت ***** أوي، ولا إنت إيه رأيك؟ خرج صوت نادر أخيرًا مضطربًا بعض الشيء: "لو قتلتني هتبقى إنت الخسران." ضحك بعينان مظلمة تنبع منها شرارة الانتقام: "ومين قالك إني هقتلك؟ الموت ليك راحة، وأنا عايز أتفنّن في تعذيبك."

كتف نادر بالكلمات الأخطر على الإطلاق في سذاجة منه لعدم إدراكه للطوفان العاتي الذي سيقوم الآن: "مراتك هي اللي باعتك وباعت نفسها ليا، هي اللي كانت بتجيلي كل ليلة وتنام في حضني وتقولي إنها بتحبني، يعني مش أنا اللي كنت بجبرها." أقسم أن النظرة التي استقرت ببندقيته أوقفت قلبه. وبالمعنى الحرفي لم يعد يرى اللون البندقي بعينيه، بل فقط السواد. ووجهه تقوّس كالوحش الهائج الذي سينقض على خصمه ويفتك به.

وعلى حين غرة وجد لكمة مبرحة وجهت له وأسقطته أرضًا من قوتها، وسط صوته الثائر: "عشان هي ***** زيك." كان سيهجم بالتكلم، لكنه باغته بضربة أخرى، وتوالت الكلمات من بعدها بجميع انحناء جسده. تارة يستخدم يده، وتارة قدمه. وكأن غمامة سوداء غطت على عينيه، لا يرى شيئًا أمامه سوى الظلام. وكل تفكيره منصب بأن يفرغ نيرانه الملتهبة وانهيار رجولته به كلها.

لم يتمكن من لمسها أو أذيتها، لكنه سيفعل به، وسيكون هو المحظوظ بنيل بطشه وطموحه القاتل. لم يستفق من حالته الثورانية إلا عندما رأى وجهه غارقًا بالدماء، كأنه سقط ببركة من الدماء، وجسده ملقى كجثة هامدة. لم يمت، لكنه فقد وعيه وتغيب عن العالم لعدم تحمله الضرب المبرح الذي تلقاه للتو. أفرغ به كل الكبت الذي كبحه بنفسه منذ اكتشافه لخيانتها له.

كان يكتم بداخله ويتصرف كأن كل شيء لم يكن، إلى الدرجة التي أشعرته بأن أنفاسه ستستمر بالتضييق عليه حتى تخنقه ويموت. والآن قد أفرغ القليل من تلك الطاقة المكبوتة. انتصب في وقفته بقوة لاهثًا، كأنه خاض سباقًا للعدو للتو. وحدق بنادر في غل ونظرات منعدمة الرحمة. وقبل أن يبتعد ليغادر، لكمه بقدمه في قسوة، ثم أكمل طريقه للخارج، وقال دون أن يتوقف عن السير، يلقي بتعليماته على رجاله:

"عينكم متغفلش عنه لحظة، وإلا هتكونوا إنتوا بداله." رغم أنه يسير باتجاه سيارته ويوليهم ظهره، يعني لا يراهم، لكنهم هزوا رؤوسهم بإيجاب في خوف يلمع بعينيهم. *** اليوم الثالث على التوالي ولا يوجد أي جديد. ما زالت كما هي، كلما يأتي ليراها يجدها تجلس على المقاعد المقابلة لغرفة جدتها. إما تكون ساكنة كالصنم وشاردة، أو تبكي. لكن اليوم هناك اختلاف بسيط بحالتها. كانت تمسك بصورة بيدها، تتطلع إليها بحزن وتبتسم في مرارة.

سار نحوها حتى جلس بجوارها، وغمغم بتعجب، ناقلًا نظره بينها وبين تلك الصورة التي تجمع رجلًا وامرأة جالسين على أريكة، وبالمنتصف تجلس بينهم طفلة صغيرة، وجميعهم يضحكون باتساع: "مهرة! طالعته بعينان دامعتان، ثم عادت مرة أخرى تتأمل الصورة بألم. فاقترب منها أكثر وهمس في اهتمام محفوظ بنبرته: "مهرة، ردي عليا، إنتي كويسة؟ انهمرت دموعها كالشلال فور سؤاله.

فقد كانت تنتظر أحدهم ليسألها ذلك السؤال المعتاد حتى تنهار، وهي تهز رأسها بالنفي كإجابة على سؤاله وسط بكائها. انفطر قلبه بألم لأول مرة، ولم يطاوعه أن يبقى ساكنًا هكذا دون أن يحاول التخفيف عن قلبها النقي والجميل. دموعها بات لا يتحمل رؤيتها، يتألم بشدة كلما يراها تبكي هكذا. تمنى لو أن بوسعه شيء ليفعله ويعيد لها جدتها حتى تعود الضحكة لشفتيها من جديد، لكن ما باليد حيلة.

رفع كفيه وأحاط وجهها، يديره ليصبح مواجهًا لها، ويغمغم بخفوت ساحر، يثبت عينيه على خاصتها بقوة: "اتكلمي وقولي، صدقيني هترتاحي. متخافيش مني واتأكدي إني هفهمك. أنا غير أي حد عرفتيه بحياتك يا مهرة." أومأت برأسها في تفهم، وتمتمت بعينان لامعة رغم الدموع والحزن: "عارفة، وعشان كدا بطمن وإنت جنبي يا آدم." ابتسم لها بدفء وحنو، بينما هي فكانت نظراتها تتعلق به كأنه طوق النجاة الوحيد.

طالت النظرات حتى قطعت هي اللحظات، وابتعدت عنه، تعيد نظرها للصورة التي بيدها لثوانٍ معدودة، قبل أن تبدأ بالحديث، تسرد له إحدى لحظاتها المظلمة:

"كنت لسه صغيرة، يعني عندي حوالي عشر سنين. وبابا كان معاه فرن، وفي يوم نزلنا أنا وماما وكنا رايحين له. كان لسه الصبح بدري، ومكنش في حد في الفرن أساسًا. ماما دخلت لبابا جوا، وأنا فضلت برا زي أي طفلة، وقعدت ألعب وأجري في الشارع. وفجأة مرة واحدة الفرن انفجر بسبب أنبوبة غاز، وكانوا هما لسه جوا. أنا كنت قريبة من الفرن برا، ومن شدة الانفجار النار لحقتني أنا كمان. بس على صوت الانفجار الجيران والناس بدأت تخرج ولحقوني أنا، لكن

بابا وماما مكنش لهم أثر نهائي، مجرد أشلاء تبقت منهم. أخدت سنين بعدها في حالة رعب وخوف، وكنت بتعالج من الحروق اللي في جسمي. ومن وأنا عندي 10 سنين، جدتي هي اللي خدتني وربتني معاها. كانت هي الأب والأم ليا من بعدهم. اهتمت بيا وعوضتني عنهم وبقت هي كل حياتي، مليش غيرها يعني. داوتني وعالجتني ومخلتنيش أحس بفراق الأب والأم أبدًا، رغم إنها كانت بتموت من جواها من حزنها على ابنها ومراته ونهايتهم القاسية، لكن فضلت قوية وصامدة

عشاني،

وتقولي: 'إنتي الحاجة الوحيدة اللي متبقيالي من أبوكي، بشم ريحته فيكي وبشوفه فيكي'. ووعدتني إنها مش هتسيبني وهتفضل جنبي ومعايا، مينفعش تخلف بوعدها دلوقتي وتسيبني." تمزق قلبه حزنًا وألمًا عليها. عيناه متأثرة بشكل هيأ لها أنها ستذرف الدموع من أجلها. لكنه استمر في التطلع إليه بحنو وحزن، ودون أن يشعر، فرد ذراعيه ولفهما حولها، يجذبها لصدره دون أن يتفوه ببنت شفة. لا يدري ماذا يقول لها، فمهما قال لن يخفف عن ألمها.

أحيانًا يكون الصمت هو أفضل رد حين نعجز عن إيجاد الكلمات المناسبة. وبعد برهة قصيرة من الوقت، قذف بذهنه حديثه مع الطبيب قبل أن يأتي لها. كان ينوي أن يخبرها بتلك الأخبار فور رؤيته لها، لكن ما سردته له أنساه كل شيء. هتف آدم بعينان لامعة بوميض دافئ: "أنا كنت عند الدكتور قبل ما أجلك على فكرة، وقالي إن حالتها تحسنت جدًا، يعني احتمال كبير تفوق الليلة أو بكرة. عمومًا، خلال الأيام دي بنسبة كبيرة جدًا إنها تفوق من الغيبوبة."

ابتعدت عنه بسرعة، وقالت بتلهف وعينان عادت تلمع بالأمل من جديد: "بجد؟ يعني جدتي هتفوق وترجع زي الأول؟ أومأ لها برأسه مبتسمًا في ود وسعادة برؤية تلهفها وابتسامتها التي تظهر بخفوت فوق ثغرها. ثم تمتم بلطف: "اممم، هترجع زي الأول واحسن كمان. بس ادعيلها تقوم بالسلامة، وادعيلهم كمان بالرحمة، هما في مكان أفضل مننا كلنا. والأهم من ده كله، بلاش عياط تاني بالله عليك." مهرة بحماس وعينان دامعة بلهفة وشوق:

"هي تفوق بس، وأنا الدموع مش هتعرف طريق عينيا تاني." التقط كفها يحتضنه بقوة، هامسًا في نظرة عميقة وواثقة: "هتفوق بإذن الله، خلي عندك يقين في ربنا." "ونعم بالله." *** في مساء ذلك اليوم... تحاول الوصول إليه عبر اتصالاتها المتكررة منذ خروجه بالصباح في هذه الحالة دون أن يخبرها بشيء، لكنه لا يجيب، ولا تعرف عنه شيء. لم يدعها حتى تسأله عن من كان يتحدث بالصباح، حيث رحل مسرعًا دون أي توضيح.

مما جعلها تتأكد أنه ذاهب لنادر بعدما عثر عليه. الوساوس والخوف ينهشان قلبها نهش. تقلق بشدة عليه خشية من أن يصاب بمكروه أو يتصرف بتهور ويؤذيه. حتى أنها حاولت أيضًا الاتصال بآدم أكثر من مرة لكي يلحق بأخيه، ولكن نتيجة اتصالاتها كانت نفسها. فظلت هي تقضي الساعات في رعب وقلق، لا تتمكن من الوصول إليه، وتفشل في التوقف عن الخوف والتفكير بالسوء أيضًا. أقسمت أنه حين يعود ستعنفه بشدة وتثور به كالعاصفة.

عيناها عالقة على ساعة الحائط منذ وقت طويل، وتفرك يديها ببعضهما من فرط توترها. وأخيرًا انفتح الباب ودخل منه بهدوء يحسد عليه. فوثبت واقفة وهتفت بشبه صيحة مستاءة: "مش بترد على التليفون ليه يا عدنان؟ من الصبح وأنا برن عليك ومش بترد عليا لغاية ما كنت هتجنن." نزع سترته عنه، وألقاها بعدم اهتمام، يزفر النيران من صدره دون أن ينظر لها أو يجيب عليها حتى. فاندفعت هي نحوه بسخط نابع من قلقها، تهتف: "عدنان، أنا بكلمك رد عليا!

اكتفى بجملة واحدة كانت بمثابة إنذار أول، لكنها لم تفهم: "مش وقته يا جلنار، أنا عفاريت الدنيا كلها بتتنطط قدام وشي." تقدمت ووقفت بجواره تهتف في عناد: "ريحني وقولي كنت فين وعملت إيه." التفت برأسه إليها بشكل مفاجئ، وحدقها بنظرة مميتة أرعبتها. كانت عيناه حمراء كالدم، فشعرت وكأن شرارات نارية تخرج منها، إن لم تبتعد ستحرقها معه. لم يكتفِ بتلك النظرة، بل هتف بصوت متحشرج ومحتقن، يلقي عليها هذه المرة تحذيرًا وليس إنذارًا:

"قولتلك مش وقته." ظلت ثابتة بأرضها تحدقه بدهشة وخوف بسيط. هي لم تراه بهذه الحالة حتى عندما اكتشف خيانة فريدة له. تابعته بنظراتها المدهوشة وهو يتحرك باتجاه الحمام ثم يختفي به. تقدمت من الفراش وجلست فوقه بعينان تجول في الغرفة بأكملها، وبالأخص على باب الحمام تنتظر خروجه. تعاني من حربًا عنيفة داخلها، طرف يريدها أن ترحل وتتركه، والآخر يصرخ بأن تظل معه وتبقى بجواره.

أمام كل ما يفعله من أجل إرضائها، لن تتمكن من الجفاء أكثر وتركته بهذه الحالة. ستظل معه رغمًا عنه وعن جموحه. دقائق قصيرة وخرج من الحمام عاريًا الصدر، يلف منشفة بيضاء كبيرة حول نصفه السفلي. توقفت واقتربت منه، تقف خلفه وهو يخرج ملابسه من الخزانة. فسمعته يهتف بجدية وغلظة: "جلنار، الأفضل تفضلي ساكتة، ولو مش هتقدري روحي اقعدي عند هنا. أنا مش عايز أتعصب عليكي وأهد كل اللي فات واللي اتعمل." عقدت ذراعيها أمام صدرها بنظرة قوية،

وغمغمت بخفوت وهدوء تام: "للأسف مش هقدر أفضل ساكتة، لأن سكوتك ده هو اللي بيخوفني أكتر." استدار بجسده لها وهدر غاضنًا حاجبيه: "بيخوفك من إيه؟ جلنار بصراحة دون أي تردد: "إنك تكون عملت فيه حاجة يا عدنان وضيعت نفسك." تمتم بصوت رجولي خشن: "معملتش حاجة فيه حتى الآن." "يعني إيه حتى الآن؟ تقصد إيه؟ عدنان بهدوء غريب: "متخافيش، مش هقتله." كانت ستهُم بالرد، لكنه أمسك بطرف المنشفة، مغمغمًا بوقاحة حتى ينهي

ذلك الحديث المثير لأعصابه: "عايز ألبس. لو حابة تفضلي واقفة كدا أنا معنديش مشكلة." أمسكت بيده قبل أن يفك المنشفة، وهتفت بحدة وغضب: "بتعمل إيه؟ بلاش قلة أدب! أنا خارجة برا أساسًا." ثم ابتعدت واندفعت للخارج مسرعة، متمتمة بصوت مسموع في غيظ: "أنا غلطانة إني مهتمة أصلًا، وقح ومش محترم صح." رغم حالته المخيفة والغضب الذي يستحوذ عليه بشكل كامل، إلا أنها نجحت في جعله يبتسم مرغمًا أمام ردة فعلها العفوية وكلامها. ***

توقف بسيارته على جانب الطريق، وفتح الباب ونزل، ثم قاد خطواته إلى داخل ذلك المقهى. وحين وصل للداخل، تجول بنظره بين الجميع يبحث عنها، فوجدها تجلس فوق أريكة صغيرة مقابلة للماء. ذلك المقهى وتلك الأريكة المفضلة لديها منذ سنوات. فحتى قبل أن يغادر لألمانيا، كانت كثيرًا ما تأتي للجلوس هنا بمفردها. تقدم نحوها بخطوات متأنية، وجلس بجوارها فوق الأريكة، هامسًا بعينان عالقة على المياه: "ياترى إيه سبب اتصالك؟ التفتت له

زينة وتمتمت بصفاء ضاحكة: "يعني محبتش أقعد لوحدي، فقولت أتصل بيك تيجي تقعد معايا ونتكلم مع بعض زي زمان. ده إنت ليك خمس سنين محدش بيشوفك." أومأ برأسه تجاهها، وحدقها بحب، هاتفًا: "لسه متغيرتيش يا زينة، زي ما إنتي." ابتسمت برقة وأجابت بنظرات ثابتة وجادة: "بس إنت اتغيرت أوي يا هشام، حاسة إنك واحد تاني تمامًا، غير ابن عمتي وصديقي اللي اتربيت معاهم." ارتسم على ثغره ابتسامة باهتة، وتمتم بنظرات ذات معنى:

"اتغيرت فعلًا غصب عني، بس قلبي لسه زي ماهو، ومش عارف أغيره." انحرف مجرى الحديث بالطريق الأكثر حماسًا بالنسبة لها، حيث اعتدلت في جلستها، واثبة وبقت مواجهة له تمامًا، تهتف بتشويق وفضول: "أنا قولت من الأول إنت فيك حاجة مش طبيعية، احكيلي بقى مين دي؟ هشام باستغراب: "هي مين دي؟ نكزته بكتفه في غمزة ماكرة، وهدرت بمشاكسة: "اللي مش عارف تغير قلبك بسببها. اخلص بقى يا هشام، قولي بالله عليك، هي من مصر طيب ولا من ألمانيا؟

ضحك بخفة على طفوليتها، ثم أزاح بوجهه يثبته تجاه المياه، يجيبها: "من مصر." تحمست أكثر، فقالت بوجه متسع بالابتسامة: "أعرفها طيب؟ اكتفى بإيماءة رأسه الخفيفة كإجابة على سؤالها، وسط نظراته الجانبية لها. فوصل حماسها للذروة بعدما حصلت على تأكيد سؤالها، وقالت: "اسمها إيه؟ قولي طالما أعرفها! هشام بابتسامة منطفئة: "مينفعش." "ليه؟ اختفت ابتسامته، وتمتم بمرارة: "اتخطبت." سقط حماسها من ذروته لنقطة الصفر، وعبست هي الأخرى، لكن

عادت تهتف بأمل تبثه إليه: "يمكن تفسخ خطوبتها؟ إنت إيه عرفك؟ هدر هشام بأسى وصوت يفيض ندمًا: "أنا اللي غلطان، مكنش ينفع أسيبها. لكن أنا استسلمت ومحبتش أجبرها عليا، بس المفروض كنت أحارب عشانها ومأسيبهاش كل السنين دي لغاية ما ضاعت مني." عبست أكثر وأشفقت عليه من فرط حزنها. ليخرج همسها الرقيق في تأثر بشجنه: "بتحبها أوي؟ تطلع بعينيه للحظات، نظرات كلها ندم وحزن، ثم تمتم بخفوت وصوت يحمل بحّة رجولته: "فوق ما تتخيلي."

أدمعت عيناها، فكلماته وحبه النقي والشديد لتلك الفتاة ذكّرها بحبها السابق الذي خرجت منه بائسة ولم تحصل سوى على الألم والأسى. لم تتمكن من منع دموعها، فانهمرت فوق وجنتيها، لتسمعه يهتف بحيرة وقلق: "بتعيطي ليه؟ رفعت أناملها فورًا تجفف دموعها، وتجيبه مبتسمة بلطافة جميلة: "لا عادي، أصل أنا بتأثر من الحكايات اللي زي كدا مش أكتر. أنا بقول نغير الموضوع أفضل بدل ما أعيط وأفضحك بجد." ضحك بخفة، ثم أومأ لها بالموافقة، هامسًا

في تأييد لرأيها: "ياريتا." استعادت رباطة جأشها وجففت دموعها تمامًا، ثم بدأت تتبادل معه أطراف الحديث عن مواضيع مختلفة، أهمها كانت عن طبيعة حياته بألمانيا. ولم تخلو جلستهم من الجانب الكوميدي والضحك المتبادل بينهم. *** صباح اليوم التالي... بعد رحيله بما يقارب لساعتين بالضبط، سمعت صوت طرق الباب. ركضت الصغيرة قبلها لكي تفتح، ولحقت هي بها.

تعمقت هنا بمقبض الباب وفتحته، ثم جذبت الباب إليها متراجعة للخلف معه، فتقابل أمامه امرأة طويلة تمسك بيدها حقيبة جميلة، وتتطلعها بابتسامة صافية. وصلت جلنار ووقفت خلف ابنتها، تحدق بتلك الفتاة الجميلة. ذات قوام طويل وممشوق، وتترك الحرية لشعرها الكستنائي، وتضع الكثير من مساحيق الجمال بوجهها. ضيقت جلنار عيناها باستغراب، وقبل أن تهتف، كانت الفتاة تهتف بعذوبة:

"أنا نرمين، ميك أب أرتست، ومستر عدنان بعتني لحضرتك عشان الميك أب." اتسعت عينا جلنار بدهشة، وغمغمت بعدم فهم: "عدنان؟ بعتك ليه؟ مش فاهمة." "هو بلغني إني آجي لحضرتك، وإنك لازم قبل الساعة سبعة تكوني جاهزة تمامًا. هو ده بس اللي بلغني بيه." سمعت الصغيرة صوت رنين هاتف أمها، فهرولت راكضة مسرعة حتى تجلبه لها، وعادت ركضًا إليها، تهتف بعدما رأت صورة أبيها على شاشة الاتصال: "بابي بيتصل."

التقطت جلنار منها الهاتف، ثم نظرت لتلك الفتاة، وتمتمت بأسلوب لطيف: "لحظة بس هرد وأرجعلك." هزت الفتاة رأسها بإيجاب في عذوبة، وبمجرد ابتعاد جلنار عن مسامعهما، اندمجت بالحديث مع الصغيرة. بينما جلنار فأجابت على الهاتف، وكان سؤاله هو يسبقها: "نرمين وصلت؟ أجابت بعدم فهم وشيء من الحزم: "مين البنت دي أصلًا وبعتها ليه؟ مش فاهمة." عدنان بخفوت جميل وصوت دافئ:

"هتفهمي كل حاجة بليل. نص ساعة بالكتير، وفي فستان هيوصل على البيت، البسيه وسبيها، هي عارفة شغلها وعارفة هتعمل إيه." جلنار بعدم فهم واستغراب شديد: "فستان إيه ده؟ عدنان فهمني إيه اللي بيحصل وإيه بليل؟ غمغم بصوت ينسدل كالحرير ناعمًا: "قولتلك بليل هتعرفي كل حاجة. إنتي اجهزي واعملي زي ما بقولك بس، عشان الساعة سبعة هاجي آخدك." لا تفهم أي شيء. يتكلم بالألغاز ويرفض إخبارها بشيء.

وكل ما هو مطلوب منها أن ترتدي ذلك الفستان الذي سيصل بعد نصف ساعة، وتترك تلك الفتاة تتولى مهمة تزيينها والاهتمام بمظهرها الليلة. أنزلت الهاتف من فوق أذنها متأففة بنفاذ صبر، ثم عادت مرة أخرى للفتاة، متمتمة في ود تشير لها بالدخول: "اتفضلي. آسفة إني سبتك واقفة كدا، بس هو مقاليش أي حاجة عشان كدا استغربت وكنت بكلمه دلوقتي." ردت الفتاة ببشاشة: "ولا يهمك. هو مستر عدنان واضح إنه مجهزلك مفاجأة."

اكتفت جلنار بابتسامتها البسيطة، وعقلها مشغول بجملتها. هل حقًا يجهز لها مفاجأة؟ وإن كان صحيحًا، فما هي إذًا؟ *** تسلل للمطبخ كاللصوص بعدما عرف أنها بالداخل. كان يسير باتجاهه ويلتفت حوله خشية من أن تأتي خالته وتراه. دخل وسار خلفها متأنياً دون أن تشعر به، ثم وقف بجوارها وهتف غامزًا بمداعبة: "الجميل بيعمل إيه في المطبخ! طالعته نادين مبتسمة وقالت في استنكار: "بعتقد أنو أنا اللي بيحقلي أسألك إنت شو بتساوي هون؟

أجاب حاتم بعبث: "ولا حاجة، كنت ماشي في البيت عادي ولقيت نفسي فجأة في المطبخ." ضحكت نادين وردت ساخرة: "والله؟ تجاهل سخريتها من إجابته وثبت كامل تركيزه على ضحكتها التي جعلته يميل عليها ويقول بهيام: "طيب قولتي إيه بقى؟ لسا مفكرتيش؟ أزاحت بوجهها عنه، وثبتت على الشطيرة التي تقوم بتحضيرها، هاتفة في دلال:

"في شيء اسمه صبر إذا ما بتعرفه. أكيد ما لحقت أقرر من امبارح لليوم. بالنهاية هاد زواج مش لعب عيال، يعني لازم آخد كامل وقتي بالتفكير. شو بيعرفني بعد الزواج شو بتعمل فيا مثلًا؟ تلاشى حماسه تمامًا وتجمد وجهه بحيرة ليجيبها: "هعمل فيكي إيه يعني؟ نادين ببرود متعمد إثارة جنونه: "ما بعرف، بس لازم أفكر منيح الأول قبل ما آخد قرار." اشتعال بنيران غيظه بالفعل، حيث هتف في لهجة لا تحمل المزاح:

"بقولك إيه، أنا مش عايز جنان، احسن أقسم بالله أتصل بالمأذون وأجيبه وأكتب كتابي عليكي غصب." نادين بعينان متسعة في دهشة: "لك إنت اللي مجنون والله، أي بناقص كمان؟ رأت النيران تشتعل في عينيه من فرط الغيظ وعدم صبره، لتضحك برقة وتقول في غنج: "راح علّمك الصبر يا روحي." ذاب أمام دلالها ونظراتها ونبرتها. فانفرجت شفتيه بشكل لا إرادي ونزل فكه لأسفل، خصوصًا بعد كلمتها الأخيرة.

بينما هي فأرسلت له ابتسامة ناعمة قبل أن تستدير وتنصرف وهي تحمل الصحن الذي تضع فوقه الشطيرة. ازدرد ريقه بصعوبة، وغمغم بصوت ذائب: "بتتدلع عليا؟ بس ماله تتدلع، حقها." *** كان صباح ذلك اليوم هو الأسعد على الإطلاق بالنسبة لها بعدما أخبرهم الطبيبة بالبشرى المنتظرة وهي استيقاظ "فوزية" من غيبوبتها المؤقتة. صرخت مهرة بسعادة عارمة، وبدون أي مقدمات كانت ترمي على آدم تعانقه كردة فعل لا إرادية منها.

فلم يبعدها هو أو يتردد كالعادة، بل سعد لسعادتها ورؤية وجهها يعود له النور من جديد، ولف ذراعه حول ظهرها بلطف. كانت تجلس مهرة مع جدتها بالغرفة ليسمعا صوت طرق الباب. فيخرج صوتها تسمح للطارق بالدخول. فتح آدم الباب برفق ودخل، وعلى وجهه ابتسامة ساحرة، ليقترب من فراش فوزية ويهمس: "حمد الله على سلامتك." ردت فوزية بود وصوت خافت: "الله يسلمك يا بني." ثم نظرت لمهرة بنظرات استفهام عن هوية ذلك الشاب، فتجيبها مسرعة

وهي تحدق بآدم مبتسمة: "ده آدم اللي حكيت لك عنه يا تيتا من شوية، مديري في الشغل، وكان واقف معايا طول الكام يوم اللي فاتوا، مسبنيش لحظة." لاحت الابتسامة العذبة فوق شفتي فوزية، ونظرت لآدم تقول بامتنان ومحبة: "ربنا يباركلك يا بني، تسلم على وقفتك جنب مهرة، مش عارفة أشكرك إزاي، دي ليها ساعتين بتحكيلي عنك." آدم بأسلوب راقٍ ومحترم: "أنا معملتش حاجة والله يا ست الكل، الحمد لله إنك قومتي بالسلامة بس." فوزية

بنقاء وابتسامة واسعة: "ربنا يكرمك ويوقفلك أولاد الحلال يا بني." أجابها آدم ممتنًا لدعواتها: "اللهم آمين. أنا هستأذن بقى، عايزين أي حاجة؟ "لا، عايزين سلامتك." كانت جملة تفوهت بها فوزية بنفس نبرتها السابقة، وحين استدار وغادر، وثبت مهرة واقفة ولحقت به للخارج. وقفت معه أمام باب الغرفة، هاتفة برقة جديدة عليها: "متشكرة يا آدم جدًا بجد." "على إيه؟ أي حد مكاني كان هيعمل كدا." هزت رأسها بالنفي تجيبه في جدية:

"لا صدقني محدش كان هيقف معايا وجمبي كدا زيك، وزي ما قولتلي امبارح إنت غير أي حد فعلًا." ابتسم لها بلمعة عينان مختلفة، وهمس بنظرات تحمل معاني صادقة: "وإنتي كمان." ثم تابع بنفس تعبيرات وجهه: "لو عاوزتي أي حاجة اتصلي بيا." هزت رأسها بالإيجاب في عينان لامعة بوميض جديد وعاطفي، وحين رأته يهم بالاستدارة ليغادر، أوقفاته بجملتها: "هو أنا ينفع آخد إجازة يومين كمان من الشغل لغاية ما زوزا تقوم بالسلامة وتخرج من المستشفى؟

ضحك والتفت برأسه لها، يهتف في إيجاب: "براحتك يا مهرة." ثم استدار وسار مبتعدًا بضع خطوات عنها، فأسرعت هي خلفه تنادي عليه: "آدم! توقف وقبل أن يهم بالاستدارة إليها، كانت هي تقف أمامه وتقول بإحراج وخفوت: "إنت اتكلفت بكل حاجة من بداية دخول تيتا المستشفى ودفعت كل حاجة تقريبًا، ممكن تخصم المصاريف دي كل شهر من مرتبى، يعنى لإني الحقيقة دلوقتي مـ...... سمعت صوتها الحاد يوقفها عن استرسال حديثها، ويهتف في صرامة

وبهجة لا تقبل النقاش: "ارجعي لجدتك، ومتقوليش الكلام ده قدامي تاني، بلاش هبل هااا." "بس أااا... آدم بغضب بسيط: "مـهـرة أنا قولت إيه! التزمت الصمت مجبرة، وهي تزم شفتيها بخنق وعدم حيلة. بينما هو فلانت قسمات وجهه من جديد، وودعها بابتسامته الجذابة قبل أن يبتعد ويسير بعيدًا عنها. استدارت بجسدها كاملًا للخلف، تتابعه بنظراتها، وبشكل لا إرادي كانت الابتسامة المغرمة تعتلي وجهها كله.

وسرعان ما أدركت حماقة تعبيرات وجهها، فتقوست معالمها بحزم، تهتف في حدة لنفسها: "الله في إيه؟ ما تجمدي شوية كدا يا مهرة! ثم استدارت وعادت نحو غرفة جدتها، تهتف بهيام كأنها تجيب على نفسها: "طيب ماهو جميل أوي بصراحة! عادت تجيب بحدة على نفسها، تعنفها: "هو إيه اللي جميل ده؟ ما تحترمي نفسك، أما إنتي مدلوقة بصحيح! أنهت الجدال الغريب واللطيف مع نفسها بذلك التأفف المرتفع الذي خرج من بين شفتيها في عدم حيلة. ***

في تمام الساعة السابعة مساءً... رحلت تلك الفتاة بعدما انتهت تمامًا من عملها على أكمل وجه، وبقت جلنار واقفة أمام المرآة تتطلع لنفسها بذهول وإعجاب. هي لم يسبق لها ووضعت كل مساحيق الجمال هذه فوق وجهها. تتمعن بنفسها كأنها ترى شخصًا غريبًا عنها. لكن بقدر استغرابها لهيئتها، إلا أنها أعجبت بالمظهر الجديد التي تظهر بها للوهلة الأولى.

وذلك الفستان الذي قام بشرائه لها، كان رائعًا، مضبوطًا تمامًا فوق جسدها، يعطيها لمسة أنثوية صارخة. كان من اللون الأحمر. ولم تحتاج للتفكير في سبب اختياره لذلك اللون خصيصًا. فهي زهرته الحمراء كما يصفها دومًا. كان الفستان طويلًا وينسدل بانسياق فوق جسدها، ضيقًا بعض الشيء. وأكمامه طويلة تصل لبعد مرفقيها، أما بالمنتصف فكان لديه فتحة بسيطة لا تظهر داخلها، ومن الظهر كانت فتحته بنفس قدر فتحة الأمام.

استفاقت على صوت الباب الذي انفتح ببطء، ودخل هو مرتديًا بنطالًا أسود ويعلوه قميص أبيض، وفوقه سترته السوداء. لم تتحرك أنشًا واحدًا، وحافظت على ملامحها جامدة، حتى وهي تراه يتأملها بحب وإعجاب يفيض من عينيه فيضًا. وثغره تعلوه ابتسامة دافئة. لا تنكر إن نظراته أخجلتها قليلًا، فقالت محاولة تدارك الأمر: "الميك أب أوڤر شوية، مش كدا؟ تقدم منها وهمس بعاطفة جيّاشة: "لو كنت أعرف إنك هتكوني بالجمال ده، كنت خليتها بينا بس."

جلنار بعدم فهم: "طيب ممكن بقى تفهمني في إيه بالظبط وليه خلتني ألبس كدا؟ انحنى عليها ولثم وجنتها بعمق، ثم همس بصوت أذابها: "مفاجأة، وكلها دقائق وتعرفيها." ثم ابتسم بحنق بسيط، وهدر في جدية تنبع بصوته: "إنتي خلتيني أندم إني اخترت الفستان ده. أنا من دلوقتي غيران عليكي." ابتسمت رغمًا عنها في تلقائية، وظهر توترها بوضوح على وجهها ووجنتيها الوردية، لتقول مسرعة تغير مجرى الحديث: "هنا فين؟ عدنان ضاحكًا بخفوت:

"مستنيانا في العربية برا، يلا عشان منتأخرش." هزت رأسها بالإيجاب وسارت معه للخارج، ليستقلوا بالسيارة. وقبل أن ينطلق بها، تقفز هنا من المقعد الخلفي تهمس في أذن أبيها بشيء لم تسمعه جلنار، التي قالت بتعجب: "في إيه؟ قالت هنا مسرعة بضحكة طفولية جميلة: "مفيش حاجة يا ماما." نقلت جلنار نظرها بينهم بحيرة وبعض الغيظ من الغموض الذي يهيمن عليهم، وهي الوحيدة التي لا تفهم شيء. *** وصلوا أخيرًا وبعد دقائق طويلة نسبيًا داخل السيارة.

نزل عدنان وهنا أولًا، ثم تبعتهم هي، وسارت بجواره للداخل. كانت ردهة طويلة مسطحة من الأعلى ومغلقة، ونهايتها حديقة المنزل الواسعة. فضيقت هي عيناها بريبة، وقالت: "مش دي الڤيلا القديمة بتاعتنا يا عدنان؟ اكتفى بإيماءة رأسه وهو يبتسم، وسارا معًا للداخل. تصلبت مكانها عند نهاية الردهة وبداية الحديقة، حين رأت الجميع ينتظرهم، حتى أن هناك أشخاصًا لا تعرفهم.

وبالمنتصف بينهم كانت هناك كعكة ضخمة تتوسطها صورتها التي رأتها بصعوبة عن ذلك البعد. استغرقت دقيقتين كاملتين تستوعب فيه ما تراه أمامها بصدمة. وتداركت أخيرًا ما يحدث عندما تذكرت أن اليوم هو يوم ميلادها. فتلفتت برأسها إليه في صدمة، كأنها تنتظر منه التأكيد على ما تراه. انحنى على أذنها وهمس في غرام: "كل سنة وإنتي معايا وجمبي يا رمانتي."

لمعت عيناها بعبارات السعادة، وللوهلة الأولى يرى الحب في عينيها بوضوح، مما جعله ينحني من جديد، ليلثم جبهتها، ثم تابع بغمزة رائعة: "قبل ما نبدأ الحفلة ونقطع الكيكة، تعالي هوريكي حاجة." أمسك بكفها وسحبها معه، فقالت وهي تتلفت خلفها على الجميع وتعود تنظر له، هاتفة بجدية وخجل: "مش وقته يا عدنان، خليه بعدين، الناس موجودة، مينفعش." لم يعرها اهتمامًا، واستمر بطريقه إلى الحديقة الخلفية من المنزل.

وقفا أمامها، وفتح الباب الخشبي الخاص بها، ثم دخل هو أولًا، ولحقت هي به. كان الظلام يعم المكان كله، ولا ترى شيئًا، إلا عندما رفع هو يده إلى كبس الكهرباء المعلق، وضغط عليه، فأضاءت الحديقة الصغيرة بأكملها. انفرجت شفتي جلنار بذهول مما تراه. الحديقة ممتلئة بالزهور الحمراء من كل جانب، وجميعهم متفتحين بشكل مبهر ورائع. أكثر ما تعشقه هو الزهور، وبالأخص الحمراء.

فانتابتها حالة من الذهول والسعادة الغامرة، جعلتها تندفع نحوهم جميعًا، تنحني فوق كل واحدة والأخرى تشم رائحتها الذكية. حتى وقعت عيناها على الشجرة الطويلة بعض الشيء والممتلئة بالزهور الحمراء. فضحكت بصمت، واقتربت منها بتأنٍ، ترفع يدها تلتقط إحدى الورود دون أن تقطفها، ثم تلتفت برأسها إليه مبتسمة، وتقول: "جلنار! تلك الورود كانت لزهرة الرمان المعروفة باسم (زهرة الجلنار)

لا تصدق أنه فعل كل هذا من أجلها فقط، بل لا تستوعب حتى ما تراه عيناها، وتشعر أنها بحلم ستستيقظ منه قريبًا. لكن شعرت بخطواته تقترب منها من الخلف، ليعانقها وينحني عليها، ليلثم شعرها ورقبتها، يعترف للمرة الثانية على التوالي، لكن بمشاعر أكثر فيضًا وغرامًا من السابقة: "بحبك! التفتت بجسدها كاملًا له، تحدقه مطولًا بسعادة داخلية تظهر فوق قسمات وجهها الجميل. لتجده يتابع بنظرات متأملة: "مش كفاية ولا إيه يا جلنار؟

لسا مصممة متدنيش فرصة؟ تطلعت بعينيه المغرمة حقًا، ونظراته الراجية، حتى بندقيته القاسية لم تعد تراها كالسابق أبدًا. اليوم مختلفة كثيرًا، تجعل عينيه أكثر جمالًا وبأسًا وقوة. خرج صوتها أخيرًا بعد دقيقة كاملة من الصمت القاتل بينهم، تجيبه:

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...