الفصل 22 | من 50 فصل

رواية امرأة العقاب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
21
كلمة
4,948
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 44%
حجم الخط: 18

شعر بتسارع أنفاسها بعد أن كانت منتظمة وهادئة، فأدرك أنها تتصنع النوم وسمعت ما قاله. تنهد الصعداء بابتسامة، ثم رفع جسده قليلًا عنها ومد أنامله يزيح خصلات شعرها عن وجهها وعينيها. ودقق النظر في وجهها فلاحظ ارتجافة رموشها فتأكد حينها أنها بالفعل مستيقظة.

أخذ يعبث بأنامله في خصلاتها برقة وانفاسه الدافئة تلفح رقبتها ونصف وجهها. وبعد لحظات من الصمت بينهم، هو مستمر في تمرير أنامله فوق خصلاتها ويغلغلها داخلهم وهي لا تزال تتصنع النوم. أصدر تنهيدة حارة ورأى أنه لا بأس من بعض الاعترافات البسيطة التي لا تعرفها. عاد يتحدث من جديد بصوت رخيم، ولكن هذه المرة هو يعرف أنها تسمعه:

_لما وافقت على الطلاق كنت مضطر لما ملقتش حل معاكي تاني. وتقدري تقولي كانت غلطة مني والحمدلله ادركتها قبل فوات الآوان. أنا متفقتش مع نشأت إني اطلقك وآخد هنا منك، أنا مش قذر للدرجة اللي تخليني احرم بنتي من أمها. لو كان في اتفاق بيني وبينه فكان اتفاق إننا نفهمك إني هاخد هنا منك لو أطلقنا على أمل إنك تتراجعي عن اللي في دماغك. وبرضوا ده تصرف غلط معترف بكدا، بس ملقتش طريقة غير دي. ولو كنتي برضوا صممتي على الطلاق مكنتش هاخدها منك أكيد.

سكت للحظة، ثم أخذ نفسًا عميقًا واسترسل كلامه بلهجة باتت أكثر قوة:

_لغاية ما خدتيها وهربتي بيها. مش عارف كان تفكيرك إزاي وقتها. كنتي بتحاولي تحميها مني عشان مخدهاش، أو عملتي كدا قصد عشان تحرقي قلبي على فراقها لإنك عارفة أنا روحي متعلقة بيها إزاي. ولو كان هروبك ده عشان الاحتمال التاني فأحب اقولك إنك نجحتي في كدا. كنتي السبب في إني عيشت شهرين في ألم ورعب وقلق. من كتر خوفي واحساسي بالعجز بقيت افكر إنكم ممكن يكون حصلكم حاجة. شوقي وخوفي على بنتي كان مش بيخليني عارف أنام حتى. كنتي

بتقوليلي هنتقم منك، بس إنتي انتقمتي شر انتقام لما حرمتيني من هنا. كنت في حالة غضب لا يمكن تتخيلها، ومن كتر غضبي كنت متوعدلك إني هندمك على اللي عملتيه ده. لأن وسط خوفي وقلقي على بنتي كنت قلقان والشك هيقتلني وأنا بفكر بتعملي إيه ورحتي فين وقاعدة مع مين. ولما عرفت إنك قاعدة مع اللي اسمه حاتم ده اتجننت وحجزت على أول طيارة وسافرت. وطول الطريق كنت منتظر اشوفك بس عشان اخد روحك بإيدي من كتر عصبيتي.

لحظة أخرى مرت وهو يتنهد بعمق ويعود ويكمل بنبرة رخيمة عادت لسابقها: _بس لما شوفتك معرفش ايه اللي حصل هديت 50 درجة ومعرفتش انفذ اللي كنت ناوي اعمله أول ما اشوفك. بعترف إنك وحشتيني ويمكن عشان كدا ضعفت لما شوفتك. كنت غيران أه وإنتي عارفة إني بغير ورغم كدا بتتعمدي تجيبي سيرة حاتم قدامي ولما بتعصب بتزعلي! يعني في الآخر الشهرين دول علموني حجات كتير أولهم إن قرار الطلاق كان غلطة ولا يمكن أكرره.

توقف أخيرًا عن الكلام ونظر لوجهها يتابع تعبيراتها. لا تزال رموشها ترتجف لكن أنفاسها هدأت قليلًا فانحنى وطبع قبلة على وجنتها ثم رجع بشفتيه للخلف إلى أذنها وهمس: _كنت ناوي اقولك الكلام ده من بدري وأعتقد إن ده انسب وقت. بما إنك مش فاهمة سبب رفضي للطلاق فيمكن دلوقتي تكوني لقيتي إجابة سؤالك. تصبحي على خير يا رمانتي.

ثم ابتعد عنها وتسطح على ظهره بجوارها واضعًا كفيه أسفل رأسه وبقى محدقًا في السقف لثواني قبل أن يغمض عيناه ويخلد للنوم. بينما هي فتحت عيناها والتفتت برأسها للخلف تتطلع إليه في دهشة ممتزجة بالقليل من الراحة. لم تكن أبدًا تتخيل أن مكالمتها مع أبيها وحديثهم معًا بالصباح سيؤثر به لهذه الدرجة. ابتسمت بثقة مع قليل من الخبث ثم عادت برأسها لوضعها الطبيعي وأغلقت عيناها تنوي النوم حقًا هذه المرة. ***

تسللت أشعة الشمس من خلف ستار النافذة الشفاف إلى عيناه، فسببت له الإزعاج. أخذ يتململ في الفراش بخنق ثم رفع يده لعيناه يفركها ويفتحها بصعوبة في وجه الضوء. اعتدل في نومته وهب جالسًا مستندًا بظهره على ظهر الفراش وهو يمسح على شعره نزولًا إلى وجهه متأففًا. التفت برأسه على جانب الفراش الفراغ منها وهم بأن يمد يده ويتلقط هاتفه ليتحقق من الساعة، لكن انفتح باب الحمام وخرجت منه وهي تجفف شعرها وترتدي منامة قطنية قصيرة.

تابعها بعيناه متفحصًا إياها وهي لا تعطيه اهتمام تتصرف وكأنه غير موجود. اقتربت ووقفت أمام المرآة ثم نفرت برأسها يمينًا ويسارًا تنفض الماء عن شعرها وتبدأ في تسريحه. عيناه لم تحيد عنها وما دهشه إن نظراتها لم ترتفع للمرآة عن طريق الخطأ حتى لتنظر له. قرر هو أن يبدأ بتحية الصباح حيث هتف مترقبًا لردها: _صباح الخير! ردت بنبرة جامدة من المشاعر بعد ثواني دون أن تنظر له: _صباح النور.

ازدادت نظراته قوة وهو يثبتها عليها متعجبًا من أسلوبها فقد توقع أن بعد ما قاله بالأمس ستلين قليلًا ولكن يبدو العكس الآن. نزل من الفراش واستقام واقفًا ثم تحرك باتجاه الخزانة. فتح الجزء الخاص بملابسه في الخزانة وبرأسه يلتفت للخلف قليلًا ينظر لها بتدقيق حيث أن المرآة تقع بالقرب من الخزانة فكانت هي تقف قريبة منه وتلاحظ بطرف عيناها نظراته لها وتتجاهلها عمدًا.

أخرج منشفته حتى يدخل ويأخذ حمامه الصباحي وعيناه لا تزال ثابتة عليها وما يثير غيظه تجاهلها له، يتطلع لها وكأنه ينتظرها أن تقول شيء ولكنها تتصرف كأنها لا تراه من الأساس. اغلق باب الخزانة بقوة والتفت بجسده ناحيتها وهتف بصوت غليظ: _أنا هروح الشغل واحتمال مجيش بليل. لم تجب واستمرت في تجاهله وهي مهتمة بتسريح وتجفيف شعرها، فسمعته يهتف بحدة وهو يقترب منها: _سمعتي أنا قولت إيه! خرجت عن إطار صمتها أخيرًا والتفتت

برأسها له تهتف ببرود: _سمعت.. براحتك أساسًا مش هتفرق معايا بحاجة. اتسعت عيناه من ردها واحتدمت نظراته وهو يجيبها بصوته الخشن: _اممم أنا قولت اعرفك عشان متعمليش زي كل يوم وتقولي إنت لسا تعبان ومينفعش تخرج. ابتسمت وهدرت بعدم مبالاة مثيرة للأعصاب: _لا مش هقول إنت مش طفل صغير وعارف مصلحتك أكيد.. روح خد الشاور يلا عشان تلبس ومتتأخرش على work.

رفع حاجبه مستنكرًا ردها وهو يبادلها الابتسامة ببرود ظاهري مزيف، بينما هي فزدادت ابتسامتها اتساعًا وهي ترى مجاهدته في الظهور بهدوء على عكس ما يخفيه خلف هذا الوجه. استدارت بجسدها مرة أخرى للمرآة واكملت ما كانت تفعله وتتطلع لوجهه في انعكاس المرآة فترى نظراته المشتعلة. باللحظة التالية اقتحمت الصغيرة الغرفة وهي تهتف بعفوية: _مامي.. ماما!

لكنها ابتسمت بساحرية بمجرد رؤيتها لأبيها وهرولت إليه فانحنى وحملها على ذراعيه ولثم وجنتها بحب هامسًا: _إيه الجمال ده يا هنايا. أمسكت الصغيرة بخصلات شعرها في رقة وقالت بسعادة من مغازلة أبيها لها: _مامي عملت ليا شعري كدا.. حلو؟ _إنتي كلك على بعضك حلوة يا ملاكي. ضحكت بخجل والقت برأسها تدفنها بين ثنايا رقبة أبيها تخفي استحيائها، فيبادلها هو الضحك. ثم رفعت رأسها بعد ثواني وتطللت لأمها التي تتابعهم مبتسمة بدفء فانحنت

على أذن أبيها وقالت بحماس: _بابي امتى هنقول لمامي؟ انحنى هو الآخر على أذنها وهمس: _لسا مش دلوقتي.. اوعي تقوليلها! هزت رأسها بالإيجاب في ابتسامة حماسية فطبع هو قبلة على شعرها وانزلها ثم اتجه إلى الحمام. بمجرد دخوله أمسكت جلنار بهنا وهمست بفضول: _إنتي وبابا مخبين إيه عني؟ هنا بتوتر وهي تهز رأسها بالنفي باسمة: _لا بابي قالي مقولكيش.

هتفت بجملتها وسحبت ذراعها بسهولة من قبضة أمها ثم هرولت للخارج وتركتها تتساءل بفضول عن ما يخفوه عنها! *** بمطار القاهرة الدولي..... كانت تقف بمنطقة صغيرة بعيدة عن أشعة الشمس وهو يقف بعيدًا عنها يتحدث في الهاتف مع أحدهم وماهي إلا لحظات حتى توقفت أمامه سيارة سوداء وترجل منها شابًا ثم بدأ يتبادل أطراف الحديث مع حاتم وهم يضحكون بصفاء، وانتهي حديثهم بتوديعهم لبعض وهو يشير له بأن يرحل وكأن مهمته قد انتهت.

فور رحيله التفت برأسه لها وأشار لها بأن تأتي فتحركت باتجاهه وصعدت بالمقعد الأمامي المجاور له وهو وضع الحقائب في حقيبة السيارة الخلفية وعاد لها ثم استقل بمقعده المخصص للقيادة. نظر لها وتمتم مبتسمًا باستغراب: _مالك؟ نادين بخنق وهي تلوح بيدها أمام وجهها: _the sun is too hot (حرارة الشمس مرتفعة جدًا) حاتم ضاحكًا: _مش للدرجة إنتي بس عشان اتعودتي على جو أمريكا.

اخرجت منديلًا ورقيًا مبلل ومسحت على وجهها وهي تزفر بينما هو فانطلق بالسيارة يشق الطرقات متجهًا إلى منزله. بقت هي تتابع الطرق من خلال زجاج السيارة تتفحص كل شيء تقع عيناها عليه في الطرق حتى هتفت بالأخير في رقة: _لوين رايحين؟ _على البيت. نادين بحيرة: _بيتكه؟ هز رأسه بإيجاب فسألته بريبة وتعجب: _وأنا لوين راح روح؟!! حاتم ببساطة مبتسمًا: _معايا يا نادين يعني هتروحي فين! اعتدلت في جلستها وقالت بتوضيح أكثر وبجدية:

_شو بتقصد يعني! .. راح نضل أنا وإنت بس بالبيت! طالعها بنصف نظرة وهو يبتسم بخبث ثم أجاب عليها بمشاكسة: _لو حابة نفضل وحدينا معنديش مشكلة. نادين بحزم بسيط: _حاتم لا تتواقح أنا عم اتكلم جد. قهقه بخفة ثم هدر بصوت هادئ: _لا مش لوحدينا يا نادين خالتي فاطمة مستنيانا وهتقعد معانا. تحمست بشدة وهتفت بعفوية: _عنجد.. تعرف أنا كتير كان نفسي اتعرف عليها وهلأ راح شوفها، أكيد بتشبهك.

_اممم بما إني شبه ماما الله يرحمها وهي شبه ماما فأكيد هيكون فينا شبه من بعض. أومأت بتفهم وهي تبتسم بساحرية ثم عادت لجلستها الطبيعية وهي تتابع الطريق من جديد، حتى توقفت السيارة بعد دقائق طويلة أمام بوابة كبيرة ولحظة وانفتحت البوابة ثم عبر بسيارته للداخل وهي تتفحص المنزل الكبير بنظرها من نافذة السيارة حتى توقفت ونزل هو أولًا ثم لحقت هي به.

وقفت تتلفت برأسها في كل الاتجاهات وعيناها تتنقل في كل مكان بالمنزل حتى هتفت بإعجاب تحدثه وهو يخرج الحقائب: _البيت كتير حلو يا حاتم. رأته يخرج الحقائب فهرولت هي إليه حتى تساعده في حملها وهي تهتف: _لا تحملها كلها أنا بساعدك. هتف بصوت رجولي حازم رافضًا: _سيبي ملكيش دعوة إنتي بلا اساعدك.

زمت شفتيها بغيظ من حدته وكانت على وشك أن تجيب لكنها رأته يحمل الحقائب ويسير بها باتجاه باب المنزل الذي فتح وظهرت من حالة سيدة متقدمة قليلًا في العمر وتهتف بلهفة وسعادة غامرة: _حاتم! أسرعت إليه في شوق فترك هو الحقائب وفرد ذراعيه يستقبل خالته معانقًا إياها بحرارة وعينان تلمع بشوق مماثل لها. فاطمة بفرحة: _وحشتني أوي يا حبيبي. اقترب وطبع قبلة حانية على جبهتها متمتمًا:

_وإنتي كمان والله وحشتيني أوي.. بيني وبينك أنا اتلككت بالشغل ده عشان الاقي فرصة واجي اشوفك. نكزه في كتفه بغيظ هاتفة: _وهو لازم يكون في شغل عشان تنزل مصر وتشوفني يا ندل. _اعمل إيه ما إنتي عارفة والله مش بلاقي وقت فاضي نهائي عشان انزل زيارة سريعة حتى وارجع. التفتت فاطمة برأسها تجاه نادين التي ابتسمت لها بحرج وتوتر فهتفت فاطمة ببشاشة: _وأخيرًا اتقابلنا ده مش بيبطل يشكر فيكي كل ما اكلمك. نادين بضحكة بسيطة وهي تتطلع

لحاتم باستحياء بسيط وتهتف: _عنجد.. وهو كمان كتير بيحكيلي عنك. بادلتها الضحك وهتفت: _لا احنا كدا لينا قعدة مع بعض بقى وتحكيلي كان بيقولك إيه عني. لف حاتم ذراعه حول كتف خالته وتمتم بمداعبة: _تعالي بس يافطوم وقوليلي عملالي إيه على الغدا لاحسن انا وحشني أكلك أوي. _عملالك كل الاكل اللي بتحبه.. اطلع إنت بس غير هدومك وخد دش وانزل وهتلاقي الأكل جاهز. خطف قبلة عميقة من وجنتها وهو يهتف ضاحكًا:

_ياسلام وهو أنا بحبها من قليل الست الطيبة دي. قهقهت بقوة ثم أمسكت بيد نادين وهتفت في عذوبة: _تعالي ياحبيبتي اوريكي اوضتك.. ده أنا جهزتلك اكتر أوضة مريحة في البيت كله. نادين برقة معهودة منها وهي تبتسم بود: _ميرسي كتير. *** قادت مهرة خطواتها الواثقة وهي تبتسم بشر وغل حتى توقفت أمام بقالة بدرية. تبادلا النظرات لبعضهم بحقد، فاندفعت نحوها مهرة وجذبتها من حجابها صائحة بها في غصب:

_بقى إنتي يا ولية يا زبالة تخدريني وتسلميني لـ ***** اللي اسمه ريشا ده. حاولت الإفلات من قبضة مهرة وهي تصرخ بها: _ابعدي ايدك دي. تركتها مهرة ثم ابتسمت بخبث وهتفت: _ده حتى اللي بيته من ازاز ميحدفش الناس بالطوب مش كدا ولا إيه. _قصدك إيه؟ كان يقف خلفها ميدو فالتفتت مهرة برأسها له ورمقته بنظرة ذات معنى فاندفع هو يبحث بين منتجات البقالة ويخرج أكياس ممنوعات، صرخت به بدرية بخوف وارتباك وهي تندفع إليه لتمنعه:

_إنت بتعمل إيه يا ****.. ابعد. أمسكت بها مهرة وابتسمت لها بغل ثم هدرت: _احنا بلغنا البوليس وزمانه في الطريق دلوقتي عشان يقبض عليكي. بدرية برعب وهي تصرخ بهستريا بعد أن رأت تجمع أهل المنطقة حول بقالتها: _المخدرات والبودرة ده مش بتاعتي. انحنت مهرة على أذنها وهمست بغضب مكتوم وعين تلمع بنار الانتقام:

_عشان تبقي تفكري كويس قبل ما تلعبي مع بنت رمضان وتحاولي تأذيها.. أنا عارفة إنك بتبيعي البودرة دي من بدري وكنت ساكتة.. بس إنتي ولية عرة وو**** مكانك في السجون. كانت تقف بالخارج سهيلة تتابع صديقتها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها وتحدق ببدرية في تشفي وسعادة وما هي إلا لحظات واقتحمت سيارة الشرطة المنطقة بعد أن حصلت على أخبرية أن هناك محل بقالة يبيع ممنوعات في منطقة شعبية.

ترجل الضابط من السيارة واقترب من المحل ثم نقل نظره بين مهرة والولد وبدرية فهتفت مهرة بابتسامة نصر: _أنا اللي بلغت يا باشا والمحل للست دي وبتبيع بودرة لعيال المنطقة. اندفعوا العساكر إلى المحل وبدأو في التفتيش وبالفعل عثروا على كميات كبيرة مخفية بين منتجات الطعام، بينما بدرية فكانت تقف مصدومة لا تستوعب ما يحدث أمامها وإذا بها فجأة تجد أحد العساكر يكبلها من ذراعها ويسحبها معه للخارج باتجاه سيارة الشرطة وهي تصرخ وتهتف

محاولة الدفاع عن نفسها: _ياباشا والله العظيم الحجات دي مش بتاعتي.. أنا فاتحة محلي من سنين وعمري ما بعت فيه حاجة مش ولا بد.. يا باشا ابوس إيدك اسمعني. ولكن لم يستمع لها أحد تستمر في الدفاع عن نفسها دون فائدة، فصرخت بالأخير وهي تلتفت برأسها تجاه مهرة وتتوعد لها: _منك لله.. بس ورحمة أمي ما هسيبك يا بنت رمضان. مهرة بضحكة متشفية: _حاضر هبقى آجي ازورك متقلقيش.

صعدت بسيارة الشرطة واستقل الضابط بمقعده بجانب السائق في الأمام ثم انطلقت السيارة وبدأت الهمسات والهمهمات من أهل المنطقة مع بعضهم البعض. بينما مهرة فعبرت من جانبهم هي وسهيلة غير مكترثة لنظرات الاستفهام الموجهة نحوها. *** في تمام الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل.....

فتح باب السيارة ونزل ثم رفع نظره لأعلى تحديدًا إلى غرفتها فوجد الأضواء مغلقة وفقط ضوء بني خافت منبعث من الغرفة. تنهد الصعداء بحرارة واغلق باب السيارة ثم تحرك باتجاه باب المنزل الرئيسي، مد يده في جيب بنطاله وأخرج المفتاح ليضعه في القفل ويديره لجهة اليسار فينفتح الباب ويدخل ثم يغلقه خلفه بهدوء شديد حتى لا يحدث ازعاج.

قاد خطواته أولًا باتجاه غرفة ابنته فوجدها نائمة في فراشها بثبات عميق ومتدثرة بغطائها الصغير، فاقترب منها وانحنى عليها يطبع قبلة سطحية رقيقة فوق جبهتها حتى لا تستيقظ ثم ينتصب في وقفته مجددًا ليستدير وينصرف بعد أن أغلق الباب بحذر وتركه مواربًا قليلًا.

تحرك إلى الغرفة المجاورة حيث غرفتهم. معتقدًا أنها سيجدها أيضًا نائمة لكنه بمجرد ما أن فتح الباب ودخل.. وجدها تقف تولي ظهرها للباب وتقوم بترتيب الفراش. تصلب بأرضه وهو يحدق فيما ترتديه.. قميص أخضر اللون قصير وبحمالات سوداء وعاري الظهر. فور رؤيته لها قذفت بذهنه ذكرى تخص ذلك القميص المفضل خصيصًا.

تتلفت حول نفسها يمينًا ويسارًا بعد أن ارتدته وهي تزم شفتيها بحزن شديد من يراها يظن أنها على وشك البكاء من فرط الحزن. تضع يدها على بطنها المرتفعة وتنظر لنفسها في المرآة بتحسر. التفتت بجسدها تجاه الباب عندما انفتح ودخل ولم تمهله لحظة حتى لينظر لها حيث صاحت بحزن طفولي: _عدنان! تفحصها بعيناه. ترتدي القميص لكنه غريب فوق جسدها نظرًا لحجم بطنها المرتفع بسبب الحمل وزيادات الوزن التي اكتسبته. رأت هي علامات الاستغراب على محياه

فصاحت وهي على وشك البكاء: _شكله وحش فيا صح.. ده اكتر قميص بحبه وبرتاح فيه. أجابها بجدية محاولًا اخفاء ابتسامته على حركاتها الطفولية: _لا مش وحش هو شكله بقى غريب عليكي بس حلو. جلنار بعينان لامعة بالدموع: _دخل فيا بالعافية.. بقيت شبه الكورة. ضيق عيناه بدهشة فور ملاحظته لدموع عيناها فاقترب منها وهتف بريبة: _إنتي بتعيطي عشان القميص مدخلش فيكي! انهمرت دموعها وقالت بصوت مبحوح: _نص هدومي مبقتش تدخل فيا يا عدنان.

ابتسم رغمًا عنه وهو يتنهد بعدم حيلة ثم لف ذراعه حول كتفيها وضمها لصدره متمتمًا بنبرة حاول إظهارها جدية دون أن يضحك: _مش معقول كدا يا جلنار أنا كل يوم اجي الاقيكي بتعيطي على حاجة مختلفة.. بعدين كلها كام شهر وتولدي وهدومك كلها ترجعي تلبسيها تاني مش مشكلة يعني! ابتعدت عنه وجففت دموعها بظهر كفها فانحنى هو برأسه لمستواها وطبع قبلة فوق شعرها ومد يده يتحسس بطنها بحب متمتمًا:

_بلاش زعل وعياط بقى الدكتور قال الانفعالات والزعل بتأثر على الطفل وعليكي، خلينا نعدي شهور الحمل دي على خير وإنتي تقومي بالسلامة والقردة الصغيرة دي تشرف بالسلامة. عودة للوقت الحاضر. التفتت جلنار بجسدها للخلف بتلقائية وفور وقوع نظرها عليه انتفضت شاهقة بفزع وقالت: _إيه ده إنت مش قولت مش جاي النهارده! ظل معلقًا نظره عليها بشرود دون أن يجيبها فعادت هي تهتف بصوت أعلى: _عــدنان!!! استفاق من شروده وغمغم بخفوت لكنه مازال

لم يستفيق من تأثيرها: _غيرت رأي. لاحظت هي نظراته المعلقة عليها بغرابة فنزلت بنظرها لجسدها وفورًا فهمت سبب نظراته، فأسرعت وجذبت رداء القميص الخاص به وارتدته فوقه. ثبتت قدميها بالأرض في قوة عندما رأته يقترب منها حتى وقف أمامها مباشرة وتمتم بابتسامة ساحرة: _آخر مرة شوفتك لبساه لما كنتي حامل في هنا. فضلت الصمت وهي تتطلع إليه في ثبات رائع. حتى وجدته يكمل بهمس خافت ونظرات معنى تحمل القليل من المكر:

_كنتي جميلة وقتها وانتي لبساه ومازلت. توترت وتسارعت نبضات قلبها لكنها تحكمت في زمام نفسها وردت عليها بجفاء: _أنا أساسًا كنت رايحة اغيره. وهتفت بالابتعاد والاندفاع نحو الحمام حتى تبدله لكنه قبض على رسغها يوقفها هاتفًا: _متغيرهوش! ازدردت ريقها بارتباك ولوهلة أحست بأنها ستضعف فدفعت يده بعنف وهتفت في قسوة: _أصل مرة واحدة حسيت إني مش مرتاحة فيه.

لقت بجملتها الجافة في وجهه ثم استدرات واندفعت نحو الحمام. رفع هو يده يمسح على وجهه متأففًا بخنق. فارتفع صوت رنين هاتفه في جيبه فأخرجه وأجاب على المتصل دون أن يتحقق من هويته أولًا: _الو. وأتاه صوت أمه المبحوح وهي تهتف بصعوبة: _أيوة يا عدنان أنا تعبانة وبرن على آدم مش بيرد عليا. هتف بزعر ملحوظ في نبرته: _انتي مخدتيش علاج الحساسية ولا أيه ياماما. _مش فاكرة يا عدنان أنا مش قادرة اخد نفسي.

_طيب أنا جايلك علطول أهو مسافة الطريق بس. انزل الهاتف من فوق أذنه واندفع للخارج فورًا مغادرًا المنزل، بينما جلنار فخرجت من الحمام بعدما سمعت محادثته معها وابتسمت بسخرية هاتفة: _مش بعيد تكون بتمثل عشان متخلهوش يقعد عندي.. اصبري عليا يا أسمهان قريب أوي هفضحك وهقوله كل حاجة.. والحقيرة التانية لولا إني خايفة من اللي هيعمله لما يعرف كنت فضحتها من بدري. *** _قالك إيه؟!

كان سؤال فضولي من فريدة التي تجلس بجوارها فردت عليها أسمهان بابتسامة خبيثة وبثقة: _جاي طبعًا.. كفاية أوي عليها كدا سبتلها ابني كتير. ابتسمت لها فريدة بلؤم وبقت جالسة بجوارها تنتظر وصوله وبعد مرور دقائق طويلة نسبية سمعت أسمهان صوت سيارته تتوقف بالأسفل أمام المنزل فهتفت مسرعة تحدث فريدة: _بصي بسرعة كدا من الشباك ده صوت عربيته ولا إيه.

هبت فريدة واقفة واسرعت نحو النافذة تنظر منها قرأته وهو يفتح الباب ويخرج من السيارة ثم يندفع للداخل مسرعًا فقالت باسمة: _أيوة هو وصلت. تسطحت أسمهان على الفراش جيدًا وتدثرت بالغطاء ثم رسمت معالم التعب المزيف على وجهها منتظرة دخولها عليها وبالفعل ما هي إلا لحظات حتى انفتح باب غرفته ودخل هو مسرعًا نحوها يهتف بقلق: _ماما عاملة إيه دلوقتي أنا كلمت الدكتور وهو جاي في الطريق! ردت عليه بصوت أخرجته متعبًا بمهارة كممثلة:

_لا يا حبيبي خلاص مش مستاهلة دكتور أنا كنت ناسية ما اخد العلاج ولما اخدته بقيت كويسة الحمدلله شوية. تنهد الصعداء براحة وهتف: _الحمدلله.. بس برضوا خلي الدكتور يكشف عليكي ونطمن اكتر. أسمهان برفض وصوت خافت: _يا عدنان ملوش لزمة والله يابني.. وأنا مش بحب الدكاترة إنت عارف فطالما بقيت كويسة ملوش لزمة تجيب الدكتو.

وصل آدم أخيرًا وكان في طريقه إلى غرفته لكنه رأى غرفة أمه مفتوحة ولمح أخيه يجلس بجوارها على الفراش ممسكًا بيدها فاقترب من الغرفة ودخل وهو يهتف باستغراب: _في إيه؟ التفت له عدنان برأسه وهتف بحدة ساخطًا: _مش بترد على تلفونك ليه يا أستاذ امك كانت تعبانة ورنت عليك مش بترد عليها. فرت الدماء من وجه آدم بقلق واسرع يقترب من أمه هاتفًا: _تعبانة! .. أنا تلفوني كنت عامله صامت والله ومشفتش اتصالاتها.

جلس بجوار أمه من الجانب الآخر للفراش وهتف بملامح وجه تحمل القليل من الفزع وهو ممسكًا بيدها: _عاملة إيه دلوقتي يا ماما وتعبتي إزاي؟ ضغطت أسمهان على يده في لطف وهي تجيب عليه بحب أمومي: _أنا بقيت كويسة الحمدلله ياحبيبي متقلقش. _أنا آسف والله مخدتش بالي من التلفون. أسمهان بابتسامة حانية: _خلاص يا آدم حصل خير يابني كفاية إنكم جنبي أنا حتى لو تعبانة لما شفتكم وإنتوا جنبي كدا بقيت زي الفل.

رفع عدنان كفها إلى شفتيه وقبّل ظاهره بحنو متمتمًا بحب نقي وصافي: _ربنا يخليكي لينا يا ست الكل. التفتت برأسها تجاه عدنان وحدقته بحنان جارف مغمغمة: _ويخليكم ليا وميحرمنيش منكم يا اغلي ما ليا. انتبه عدنان لفريدة التي تقف بجواره فرمقها بنظرة مميتة قذفت الرعب في قلبها وجعلتها تتراجع خطوة للخلف مبتعدة عنه. لم يتبقى إلا القليل حتى يتأكد من كل شكوكه بها حينها سيريها كيف يكون عقاب خيانتها وخداعه.

سمع صوت رنين هاتفه فأمسك به واستقام واقفًا ثم غادر الغرفة حتى يجيب على المتصل. لحقت هي به مسرعة ووقفت على مقربة منه منتظرة انتهائه من مكالمته. وفور انتهائه تقدمت نحوه وهمست: _عدنان. لم يستدر لها ولم يجيب فقط حاول التحكم في زمام انفعالاته فوجدها تلتف وتقف أمامه وتهتف بنظرة عتاب: _إنت ليك أيام مش بتيجي البيت وحتى مش بتسأل عليا.. للدرجة دي قدرت تسيطر عليك وخلتك تنساني.

تطلع إليها باشمئزاز وبغضب حقيقي وبغض تراه لأول مرة في عيناه فمدت يدها تهم بوضعها على كتفه وهي تهمس: _معقول مبقتش تحبني خلاص! قبض على رسغها بعنف قبل أن تلمسه. تأوهت بقوة من قبضته القوية على يدها وهي ترمقه ببعض الخوف ثم رأته ينحني بوجهه عليها هامسًا بصوت أشبه بفحيح الأفعى: _جهزي نفسك عشان دي ايامك الأخيرة يا فريدة. ثم ألقي بيدها ودفعها من أمامه ليتركها ويرحل، فتظل هي تقف بأرضها مدهوشة ومرتعدة بذات اللحظة. ***

بصباح اليوم التالي..... نزل من سيارته ووقف يتطلع إلى البناية الكبيرة. اندفع إلى الداخل بخطواته الواثقة، ثم استقل بالمصعد الكهربائي وضغط على زر الطابق الرابع فانغلق باب المصعد وارتفع به للطابق المطلوب. بعد لحظات انفتح الباب فخرج منه وتلفت هو برأسه ينقل نظره بين الشقتين ثم تحرك باتجاه شقة اليسار. طرق الباب عدة طرقات قوية وماهي إلا لحظات وفتح له الباب.

فور رؤيته لعدنان هم بأن يغلق الباب مسرعًا في زعر لكن عدنان وضع قدمه يحول بين الباب وإغلاقه وهو يحدقه بنظرات قاتلة، ثم بيده دفع الباب في قوة ودخل هاتفًا بابتسامة مريبة بعدما رأى الرجل يتقهقهر للخلف في ارتيعاد: _مالك خايف كدا ليه متخفش أنا قولت اجي نشرب حاجة مع بعض علي رواق وإنت بتحكيلي كل حاجة عن نادر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...