الفصل 48 | من 89 فصل

رواية انا لها شمس الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم روز امين

المشاهدات
16
كلمة
5,841
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 54%
حجم الخط: 18

خليل القلب، أليف الروح، صفي الفؤاد أنت يا شمسي، يا من ملكت الكيان ولا أحد يدرك أمر عشقك غيري. أحببتك بكياني وكينونتي وبكل حواسي، وهل يوجد من الحب شيئًا أعظم؟

ولجت لعالمي المحطم، لتضيف بصمتك، وبوشم عشقك الراقي وشمّت قلبي. أشرقت روحي وبالغرام حولت كلي، من بائسة فاقدة للانتماء يائسة، لفراشة منطلقة ألوانها جذابة زاهية، بسعادة ورشاقة تتجول بين الزهور هائمة راقصة. لا أعلم كيف كانت ستمضي حياتي من دونك، فحقًا هنيئًا لي باقتحامك لعالمي يا من للقلب أصبحت دومًا مؤنس. إيثار غانم الجوهري بقلمي روز أمين *** الثانية عشر ظهرًا بتوقيت القاهرة

خرج من الحمام المرفق بالجناح الخاص به وبخليلة الروح التي أصبحت للقلب أقرب من حجرة البطين الأيسر. مرت سنوات عديدة على زواجهما وما زادتهما إلا ارتباط روحيهما ومتانة العلاقة بينهما حتى أصبح كلا منهما يتنفس للآخر. كان يلف نصفه الأسفل بمنشفة كبيرة، تتساقط قطرات المياه من شعر رأسه المبلل لتتدلى على صدره العاري كحبات الندى. تطلع باحثًا بعينيه عن حبيبته، وجدها تقف أمام مرآة الزينة تصفف شعرها الحريري. ابتسم بجاذبية حين وجدها ترتدي مئزر الاستحمام الخاص به. أقبل عليها ثم احتضنها من الخلف دافنًا أنفه بحنايا عنقها يشتم عبيرها قبل أن ينطق وعينيه تتجولان

على ذاك الرداء الأسود: -مش هتبطلي الخصلة اللي فيكي دي، مفيش بورنس من بتوعي إلا ولبستيه يا هانم، ويا ريتهم على مقاسك. أعادت فرشاة الشعر إلى مكانها لتلف ساعديها للخلف حول عنق خاطف الأنفاس لتأخذ نفسًا عميقًا وبقلب هائم غارق في عشق ذاك النبيل تحدثت: -عاوزة أحس طول الوقت بقربك وإنك محتويني، أشم ريحتك حتى وإنت بعيد عني. تنفس بعمق لينطق بعينين بالغرام هائمتين: -أنا على طول معاكي يا حبيبي، حتى لما ببعد قلبي بيقرب.

بعينين متوسلتين نطقت: -خليك على طول جنبي يا فؤاد، اوعدني إن عمرك ما هتبعد ولا هتسيبني. -هو فيه حد بيبعد عن روحه؟ ده انتِ بالنسبة لي النفس اللي أنا عايش بيه يا بابا. قالها وهو يشملها بمشاعر عميقة وصل معناها لعمق قلبها لتبتسم بسعادة منتقصة شعر بها. لفها لتقابله ثم حاوط وجنتيها بكفي يديه لينطق بطمأنينة عله ينتزع من قلبها الحزن العميق الذي سكنها منذ شهرين، مدة رحيل نجلها البكري عنها ليأخذ معه السكينة وراحة البال:

-مش عاوز موضوع "يوسف" يأثر عليكي بالشكل ده. اغرورقت عينيها وامتلأت بالدموع ليكمل هو بعدما مال ولثم وجنتها برقة: -الحزن مش لايق عليكي يا نور عيوني، السعادة اتخلقت علشان تسكن عيونك. وضعت كفها تحتوي وجنته ثم نطقت متأثرة: -أنا آسفة يا حبيبي، أنا تعبتك معايا كتير الفترة اللي فاتت. غمز لها ليهمس مشيرًا للفراش في محاولة منه بتخفيف وطأة ما يعانيه قلب الأم:

-اللي حصل بينا من شوية والدلع اللي شفته جوه حضنك كفيل إنه يمحي أي حاجة حصلت. ثم جذبها ليقربها عليه وتابع مسترسلًا بصوت يفيض حنانًا: -وبعدين إيه تعبتك معايا دي، انتِ بنتي قبل ما تكوني مراتي يا إيثار، يعني أنا موجود في الدنيا دي علشان أسعدك وأخفف عنك أي حمل. ثم تابع وهو يشعر بعجز: -يا ريتني كنت أقدر أمد إيدي جوه قلبك وأشيل منه كل الوجع، وأحط مكانه فؤاد وبس. ليتابع غامزًا:

-بما إن فؤاد هو الوحيد اللي بيقدر يسعد حبيبة حبيبها. ابتسمت لتجيبه: -ومين قال لك إن قلب إيثار فيه حاجة غير عشق فؤاد؟ عشقك وشم قلبي وطبع عليه بختم قلبك يا باشا. مال يلتهم شفتيها في قبلة عميقة بث من خلالها مدى عشقه الذي يتزايد مع مرور السنوات. بعد مدة فصلا قبلتيهما كي يستطيعا التنفس ليسألها بجدية: -هتروحي ليوسف النهاردة؟ بمجرد ذكر ذاك المتمرد سكن الحزن عينيها لتومي قائلة:

-آه يا حبيبي، "عزة" بتجهز له كام أكلة من اللي بيحبها ولما تخلص هنتحرك. سألها: -تحبي أروح معاكي؟ حركت رأسها بنفي قائلة: -بلاش المرة دي، حابة أتكلم معاه شوية على انفراد، يمكن ربنا يهديه ويرجع معايا. لتنطق والألم زاد بمقلتيها: -شهرين بحالهم وهو بعيد عني، شهرين وأوضته فاضية وسريره بارد، كل ما أدخلها وألاقي كل حاجة في مكانها إلا هو ببقى هتتجنن. حركت رأسها بجنون لتتابع مستنكرة:

-عقلي مش مستوعب إن "يوسف" خلاص قدر يستغنى عني يا "فؤاد". -إيه اللي بتقوليه ده يا حبيبي، يستغنى عنك إيه بس... ليتابع لزرع الثقة بداخلها من جديد: -كلنا عارفين انتِ إيه بالنسبة لـ"يوسف"، هو بس بيمر بأزمة نفسية وهيعدي منها ويرجع أحسن من الأول. ابتعدت لتنطق بحدة وصوت عالٍ نسبيًا والألم ينهش داخلها:

-يعدي إيه بس، بقالي تلات سنين من ساعة اليوم المشؤوم إياه وأنا بصبر نفسي وأقول هتعدي، بكرة ينسى ويرجع لطبيعته ويرضى بنصيبه ويتقبله. لتصيح وقد انفجرت عينيها بالدموع بعدما فقدت السيطرة عليها: -لكن الواقع صدمني، اللي بيحصل عكس اللي كنت بتمناه ومستنياه، الولد كل يوم بيغضب أكتر ويتمرد أكتر، لدرجة إنه أعلن راية العصيان وسابني وراح سكن في شقة لوحده. ابني سابني ورضي عليا أتوجع في بعده وعلشان مين؟

علشان الناس اللي أذوني ووجعوا قلبي سنين. هرول عليها ليجذبها وبقوة أسكنها بأحضانه. ملس على ظهرها بحنان وهو يقول: -اهدي يا إيثار، اهدي يا حبيبي، ابنك لا باعك ولا رضي بوجعك، ابنك راجل والمفروض تفتخري إنه تربيتك. -مش على حساب حرقة قلبي من بعده عني يا "فؤاد"، أنا أولى برعايته، أنا أمه... قالتها ببكاء ونحيب لتتابع بشهقات مرتفعة: -أنا اللي ضيعت عمري عليه وحاربت الدنيا كلها علشانه، ميكونش ده جزائي في الآخر.

أجلسها فوق الفراش واحتضنها وبات يهدأ من روعها بكلماته ولمساته الحنون على ظهرها ورأسها حتى استكانت روحها وهدأت. بعد قليل كان يرتدي ملابس بيتية ليسألها: -أنا نازل أقعد مع بابا شوية وانتِ حاولي تنامي لك ساعة علشان تبقي فايقة وتقدري تتكلمي معاه بهدوء. وافقته الرأي ليدثرها تحت الغطاء ثم قبل جبهتها وأغلق لها الستائر وخرج بعد أن أغلق الباب خلفه. ***

داخل الحرم الجامعي الخاص بكلية العلوم بجامعة القاهرة العريقة، ولجت من البوابة الخارجية بعدما أظهرت البطاقة التعريفية الخاصة بها ليسمح رجال الحراسة المسؤولين عن أمن وحماية الجامعة بدخولها، وذلك بعدما تأكدوا من هويتها. تحركت للداخل منطلقة مباشرة باتجاه قاعة المحاضرات الخاصة بها. كانت أعين بعض زملائها بالفرقة الأولى تتوجه صوبها لتتحدث إحداهن وتدعى "أيتن": -السندريلا الصامتة وصلت. لتضحك أخرى وهي تقول:

-بكرة تنطق وتنطلق في الكلام زي ما انطلقت في اللبس. نطقت "أيتن" من جديد باستغراب: -نفسي أعرف إيه اللي شقلب كيانها بالشكل ده، البنت بين يوم وليلة كل ستايل لبسها اتبدل، وكأنها اتحولت لواحدة تانية. لتتابع بطريقة مستنكرة: -من بنت بسيطة بتلبس من على ناصية الحواري. لتنطق مستطردة بحاجب مرتفع بدهشة: -لواحدة بتلبس من أفخم وأرقى محلات البلد، ده غير الموبايل اللي بقى معاها. لتسخر أخرى ناطقة بتهكم:

-وبعد ما كانت بتتشعبط في أتوبيس الشعب، بقت رايحة جاية بـ Uber. زفرت إحدى الفتيات لتقول بما يمليه عليها ضميرها: -ما تخرجوها من دماغكم يا بنات، دي من يوم ما جت الكلية وهي في حالها وعمرها ما أذت حد لا بكلمة ولا بفعل. نطقت المدعوة "أيتن" والفضول يكاد يفتك بها: -هو فيه حد مننا قال إنه عاوز يأذيها يا بنتي، كل الموضوع إن التغير الجذري اللي حصل لها ملفت جدًا وزود الفضول عندي. -أنا بقى عندي اللي يرضي فضولك ويريحك يا "أيتن"...

جملة نطقتها إحدى الفتيات لتتابع وهي تعدل من ياقة قميصها بتعالٍ مفتعل: -أنا قعدت معاها إمبارح وسحبت منها الكلام، بس تعبتني قوي على ما اتكلمت، شكلها حويطة مش سهلة زي ما كنا فاكرين. لتهتف الأخرى بكثير من التلهف: -طب انطقي وقولي إيه الحوار. ضحكت أخرى وهي تقول ساخرة: -أكيد ألفت لها فيلم هندي خيبان، وقالت لها أصل خالي اللي في كندا مات ومكنش ليه وريث شرعي غيري. أطلقتن جميعهن ضحكاتهن الساخرة لتقاطعهن تلك الـ"أيتن" بحدة وغيظ:

-بطلوا تفاهة بقى، وانتِ كملي وقولي قالت لك إيه السندريلا. أجابتها الفتاة وهي ترفع حاجبها لأعلى: -بتقول إنها كانت عايشة مع عمها، وإن أخوها الوحيد كان مسافر ورجع، وأخدها تعيش معاه. ثم استرسلت وهي ترفع قامتها لأعلى: -وأنا بقى بذكائي توقعت إن أخوها ده كان مسافر الكويت ولا دبي، وهو ده السر ورا التغيير الكبير اللي حصل لها. ******

داخل ذاك المنزل العريق والمليء بالدفء والحنان، تعالت أصوات تلك الغاضبة صاحبة الثلاثة عشر عامًا، وهي تهرول لتهبط الدرج بغضب حاد لتلاحق ذاك المشاكس ذو الستة أعوام وهي تصرخ قائلة بصياح حاد: -مش هسيبك يا "مالك"، لازم تتحاسب علشان تحرم تعمل كده تاني. -إلحقني يا بابي، "تاج" عاوزة تضربني...

نطقها ذاك المشاكس الذي يهرول مسرعًا فوق الدرج ليتسع بؤبؤ عيني "عزة" التي ظهرت من العدم كعادتها لتذهل بذاك الصغير المدلل معرضًا أن تنزلق إحدى ساقيه ويخر واقعًا، لتقفز مهرولة تلتقطه وتقوم بتخبئته بين أحضانها بينما يصيح الآخر وهو يدفن رأسه بكتفها: -إلحقيني يا زوزة، خبيني بسرعة. صرخت تلك الغاضبة وهي تحاول أن تطاله بيداها من تلك التي تراوغها: -محدش هيرحمك مني المرة دي يا "مالك". همست عزة بأذن الصغير:

-هببت إيه يا شبر ونص خلاها اتحولت زي امنا الغولة كده؟ رفع كتفيه لينطق متنصلًا من جريمته: -مش عملت حاجة صدقيني. صرخت الأخرى وشرارات الغضب تقفز من مقلتيها: -إوعي يا زوزة أحسن لك. لتتابع بنفس الحدة والغضب: -اخرجي من الموضوع وخليكي بعيد. استدارت الأخرى سريعًا لتواليها ظهرها كي تحمي الصغير منها وهي تقول: -عارفة يا "تاج" لو لمستيه، محدش هيقف لك غيري، أنا بقول لك أهو. ثم همست للصبي:

-أبوك وجدك قاعدين في الجنينة، إجري بسرعة عليهم بدل ما ترنك علقة ولا تعلقك على باب المطبخ وإنت كلك على بعضك متجيش قد صباع الفينو الفرنساوي. نطقت كلمتها الأخيرة لتفلته وما إن طالت ساقيه الأرض حتى فر وبسرعة البرق توارى عن أنظار تلك التي صرخت بسخط وهي تدب الأرض بساقيها بتذمر طفولي: -على فكرة بقى، محدش هيبوظ الولد ده غيرك يا "عزة". بنظرة ساخرة طالعتها لتلوي فمها في تهكم واضح وهي تقول:

-اسم الله يختي على العقل اللي بيشر منك، اللي يسمعك كده يقول إنك مبتغلطيش أبدًا. زفرت الفتاة لتنطق بسأم: -أوف بقى. نطقتها لتهرول خلف ذاك الصغير. في الخارج وبالتحديد بالحديقة، كان يجلس ذاك الشامخ "علام زين الدين" بصحبة زوجته ونجلاه يحتسون مشروبًا باردًا ليمدهم بعضًا من الانتعاش بأيام فصل الصيف الحار. انتبه الجميع على صياح ذاك الذي يهرول باتجاههم قائلًا باستنجاد: -إلحقني يا بابي، "تاج" عاوزة تضربني.

طالعه الجميع بينما نطق "فؤاد" وهو يدعوه لاتخاذ الحيطة: -بالراحة يا حبيبي لتقع. فوجئ بتلك التي تلحق به وهي تهتف بشراسة: -تعالى هنا يا "مالك"، صدقني ما هسيبك المرة دي بالذات. التصق ذاك المشاكس بصدر أبيه وتحدث بصوت خافت: -إحميني منها يا بابي. قهقه علام بصوت مرتفع وهو يعلق على حديث ذاك المشاكس: -انت مشكلة يا "مالك". ليسأل "فؤاد" مستفسرًا مدللته الثائرة: -فيه إيه يا "تاج"؟ ليتابع وهو يطالعها بنظرات لائمة:

-بتخوفي أخوكي بالشكل ده ليه، مش خايفة ليقع وهو بيجري منك؟! زفرت لتدق الأرض بساقيها تعبيرًا عن ما أصابها من غضب عارم من تصرفات شقيقها التي أصبحت قمة الإزعاج بالنسبة لها: -يا بابي بقى، "مالك" بيتعمد يدمر لي كل حاجتي. طالعتها جدتها لتسألها بهدوء: -اتكلمي بطريقة أهدى من دي يا "تاج"، وقولي بوضوح أخوكي عمل لك إيه؟ أشارت بغيظ على ذاك الذي ينظر إليها بترقب من داخل أحضان أبيه:

-استغل وجودي في التواليت ودخل أوضتي وفتح موبايلي وقعد يلعب فيه، وحذف لي أكتر من تطبيق. أمسك بذقن صغيره ليجبره على النظر لوجهه وسأله مستفسرًا: -انت فعلًا عملت كده؟ أنزل بصره مدعيًا الخجل لينطق بشفاه ممتدة للأمام: -مش كنت أقصد يا بابي، أنا كنت بلعب وغصب عني اتحذفوا. بعينين عاتبة ناظره لينطق بحزم: -أنا مش بتكلم عن النقطة دي يا "مالك". ليتابع مستنكرًا تصرف نجله:

-انت إزاي تسمح لنفسك تمسك تليفون أختك وتنتهك حرمة خصوصيتها، انت متعرفش إن ده تطفل واقتحام صريح لخصوصية الغير؟ -يعني إيه الكلام ده يا بابي؟! سؤالًا وجهه بعفوية وبلاهة ليتدخل "علام" لائمًا نجله: -انتهاك واقتحام إيه بس يا سيادة المستشار اللي بتتكلم عنهم ولد عمره ست سنين؟! أشار الصغير بكفيه لينطق بعينين متسائلة: -أنا مش عارف يا جدو. أطلقت عصمت ضحكات مرتفعة لتشاركها إياها فريال لتنطق من بين قهقهاتها:

-انت بلوة مسيحة يا ملوك. بينما فتح "علام" ذراعيه لاستقبال حفيده القريب للقلب قائلًا: -تعالى عندي يا قلب جدو وأنا هفهمك. أفلت حاله ليسرع إلى "علام" حيث أجلسه فوق ساقيه وتحدث بهدوء بعث الطمأنينة في قلب الصغير: -بص يا حبيبي، هو ينفع حد يدخل على حد التواليت؟ هز الصغير رأسه نافيًا ليتابع الآخر بحكمة:

-أهو فتحك لتليفون الشخص بالظبط زي ما بتدخل عليه التواليت، زائد إنه عيب جدًا تمسك حاجة غيرك، لأن التصرف ده بيخليك مش محبوب بين الناس. ببلاهة أجابه: -بس "تاج" مش متصورة وهي بتعمل بيبي يا جدو. احتّدت ملامح "فؤاد" لينطق بحزم وشدة: -ولد، اسمع الكلام وقول حاضر. ربع ساعديه بحدة وتحدث بعدما مط شفتيه للأمام كاعتراض منه على تلك الطريقة التي يخاطبه بها والده العزيز: -حاضر. كانت تربع ساعديها في وقفتها وهي تتطلع على الوجوه بملامح

وجه متجهمة لتنطق باعتراض: -ها يا بابي، وبعدين؟! طالع صغيرته ليسألها مستفسرًا: -قولي سؤالك بطريقة مباشرة. نطقت بجدية: -أوك، حضرتك اتكلمت مع الأستاذ "مالك" وجدو كمان، وميرسي ليه بجد وعدكم إنه مش هيمسك فوني تاني، بس أنا مشكلتي متحلتش حضرتك. نطقت "عصمت" بهدوء: -انتي هتعملي مشكلة من موضوع تافه يا "تاج"، أخوكي من غير ما يقصد حذف لك كام تطبيق، ادخلي على جوجل ونزليهم تاني. زفرت بضيق ثم انتبهت لوجود الجميع لتشتكي والدتها

لأبيها علها تجد النصر منه: -بابي، كنت عاوزة أطلب منك حاجة مهمة. طالعها بعينين ممتلئتين بحنان فائض وهو يقول: -قولي يا حبيبي. تحركت إليه لتجلس فوق حافة مقعده ثم حاوطت كتفيه بساعديها لتستند بذقنها فوق رأسه وتقول بدلال: -عاوزة أنزل تطبيق الـ TikTok على الأيفون. أغمض عينيه ثم أجابها بصوت هادئ: -مش انتِ طلبتي مني الطلب ده من إسبوعين وقولت لك قولي لمامي؟ زفرت بقوة لتقول بلهجة اعتراضية: -مامي رفضت. رفع كتفيه للأعلى قائلًا

بطريقة ناهية للنقاش: -خلاص، يبقى الموضوع انتهى والنقاش فيه مجرد إضاعة للوقت. هبت واقفة لتبتعد ثم تحدثت باعتراض: -يا بابي مامي بقت متحكمة جدًا وبتدخل حرفيًا في كل حاجة في حياتي، ثم الـ TikTok تطبيق عادي جدًا وكل أصحابي منزلينه، وبينزلوا عليه فيديوهات ليهم كمان. نطقت "عصمت" بجدية: -إيثار معاها حق في النقطة دي يا "تاج"، هي من حقها تتابع أي حاجة تنزليها على فونك. -مفيش ولا واحدة من صاحباتي مامتها بتمسك فونها... قالتها

بحزن لتكمل بصوت مختنق: -لكن أنا تليفوني مباح لمامي طول الوقت، تفتش فيه براحتها وتتابع كل حاجة باشترك فيها. تلك المرة تدخلت "فريال" لتقول بهدوء: -يا حبيبتي التيك توك ده تطبيق خطر جدًا على حد في سنك، ومعظم الناس اللي عليه للأسف بيستخدموه غلط، ده غير إن معظم الفيديوز اللي موجودة عليه كلها إسفاف وانحطاط أخلاقي وعته. هتفت الفتاة بحدة: -طب ولما حضرتك شيفاه بالبشاعة دي، ليه سمحتي لـ"بيسان" تنزله وبتتفاعل عليه كمان.

أجابتها بهدوء: -أولًا لأن "بيسان" عندها واحد وعشرين سنة، يعني كبيرة وفاهمة الصح من الغلط، ده غير إن المحتويات اللي بتابعها كلها محترمة وبتستفاد منها سواء علميًا أو استفادة حياتية. -"تاج"... ناداها والدها بحزم لتلتفت إليه وهو يتابع بصرامة لا تقبل النقاش: -الموضوع ده اتقفل من اللحظة اللي إيثار رفضت فيها، آخر مرة هيتفتح، مفهوم؟ برغم اعتراضها وحزنها العميق إلا أنها استجابت لتنبيه والدها لتجيبه بصوت خافت: -أوك يا بابي.

تطلع على من تملكت الفؤاد وهي تخرج من باب المنزل الداخلي لتنير حياته كشمس ساطعة. كانت تتحرك بثياب أنيقة متكاملة استعدادًا للخروج. تجاورها "عزة" تحمل بيديها عدة أكياس محملة بالطعام الساخن، وأيضًا تلك العاملة "وداد" التي تحمل أيضًا بضعة أكياس. تحركتا إلى السيارة لتضعا ما بأياديهم داخل صندوق السيارة الخلفي. بينما أقبلت إيثار على عائلتها ليسألها ذاك الحبيب بعينين تتابع كل ما بها بدقة وتمعن:

-إيه يا بابا، رايحة لـ"يوسف" خلاص؟ نطقت بقلب يئن من أفعال نجلها الذي بدأ بالتمرد والعصيان عليها مؤخرًا وتمادى بتصرفاته: -آه يا حبيبي، عزة عملت له كام أكلة من اللي بيحبهم وهنروح نوديهم له. هرولت الفتاة باتجاه أمها لتنطق متلهفة: -خديني معاكي يا مامي أشوف چو، أصله وحشني قوي. حاوطت كتف صغيرتها لتقول بإقناع: -بلاش المرة دي يا "تاج"، أنا هحاول أخليه ييجي معايا، ولو رفض هاخدك ونروح له بعد يومين.

-بلغيه سلامي وقولي له جدك "علام" زعلان منك قوي يا "يوسف"... كلمات نطقها ذاك الخلوق بقلب حزين لأجل فراق من احتضنه منذ الصغر وتربى بين كنفه حتى أنه نسي أن ذاك الملاك لا يحمل دم تلك العائلة. لقد عامله على أنه فردًا أصيلًا من العائلة، وبالمقابل تمرد ذاك العاصي وحمل حاله ورحل تاركًا خلفه قلوبًا تتحرق شوقًا لذاك الحبيب والابن الغالي. تنهدت بألم لتتحرك صوب ذاك الحنون ثم مالت على رأسه تقبلها بحنان وهي تقول:

-علشان خاطري متزعلش منه يا بابا، والله "يوسف" بيحبك وبيحترمك جدًا. ثم تابعت بغصة مرة وقفت بحلقها وكادت أن تخنقها: -بس اللي حصل له كان فوق احتماله، أنا رايحة له وهحاول أقنعه يرجع معايا. تألمت والدة زوجها لحالها ثم نطقت للتخفيف من وطأة حزن قلب تلك الأم: -إن شاء الله هيسمع كلامك وهيرجع معاكي يا بنتي، "يوسف" بيحبك وأكيد مش هيرضى بوجع قلبك عليه. -يا رب يا ماما، ادعي لي أقدر أقنعه. وقف ليجاورها ثم تحدث بجسارة:

-أنا هاجي معاكي ومش هسيبه المرة دي غير ورجله على رجلي. تريده معها بكل خطوة تخطوها بالتأكيد، لكنها تخشى تعنت نجلها ورفضه لطلب فؤاد للمرة اللاعدد لها، فحبيبها بالقمة بالنسبة لها وبالطبع لن ترضى له التصغير من نجلها المتمرد. أمسكت كفه لتنطق وهي تشمله بعينين تحملان من الحنان ما يكفي ويفيض لعائلة بأكملها: -خليني أروح له المرة دي لوحدي يا حبيبي. طالعها بعينين تخشى خيبة أملها من جديد لتتابع كي تطمئنه: -متقلقش عليا.

أجابتها عينيه قبل لسانه: -لو مقلقتش عليكي، هقلق على مين يا إيثار؟ خرج صوت "فريال" متنهدًا وهي توصيها: -سلمي لي عليه كتير يا "إيثار". أومأت بهدوء ليتشبث الصغير بساقيها وهو يترجاها بعينيه: -خديني معاكي عند چو يا مامي.

كادت أن تعترض لولا توسلات عينيه وكالعادة رضخت لأمر ذاك المدلل، فهذا الساحر قد أخذ ملامح والده بالكامل ليصبح نسخة مصغرة منه مما جعله يحفر مكانًا ويمتلك عشقًا مضاعفًا بقلب والدته العاشقة لكل ما يتعلق بذاك الفؤاد مالك الفؤاد. تنهدت وهي تنظر لزوجها الذي نطق مستسلمًا: -خديه معاكي يا بابا وخلي بالك منه كويس. أومأت برأسها لتنسحب ممسكة بكف صغيرها الذي تحرك بجوارها وهو يقفز بساقيه للأعلى بحبور شديد تحت غضب "تاج"

التي تحدثت باعتراض: -كل حاجة مالك مالك، الوضع بقى خنيق. قالت كلماتها بتذمر وانطلقت للداخل. أما "إيثار" فكانت تتحرك تحت نظرات حبيبها حيث قام بوضع كفيه بجيبي بنطاله لينظر باتجاهها هي والصغير بعناية. قابلتها العاملة لتنطق: -رصينا كل حاجة في شنطة العربية يا هانم. -متشكرة يا "وداد"...

قالتها للعاملة التي انصرفت للداخل أما "عزة" فاتخذت مقعدها المجاور لمقعد إيثار، أعطت لها الصغير لتجلسه على ساقيها وتحركت للجهة الأخرى وقبل أن تستقل مقعدها خلف طارة القيادة أوقفتها تلك الجميلة التي ولجت من البوابة الخارجية، إنها "بيسان ماجد"، فقد أصبحت شابة بملامح جميلة وجسد ممشوق. أقبلت عليها لتسألها وعلامات اللهفة ترتسم على وجهها وهي تسألها: -حضرتك رايحة تزوري يوسف يا طنط؟

طالعتها بنظرات حزينة على تلك العاشقة لتومي لها بإيجاب فتابعت الأخرى بابتسامة مريرة وقلب يعتصر ألمًا: -قولي له إني مش مسمحاه على اللي عمله فيا، قولي له كمان إن منتهى الظلم إنه يعاقبني معاه على ذنب لا أنا ولا هو لينا علاقة بيه. وضعت كفها لتحتوي به كتف تلك الرقيقة لتخرج صوتها المتألم بكلمات تجدد بها الأمل داخلها قبل تلك الجميلة: -انتِ عارفة إن اللي عمله يوسف ده وضع مؤقت ومسيره يرجع لحياته من تاني.

حركت رأسها يمينًا ويسارًا لتجيب على حديثها: -وضع مؤقت بالنسبة لحضرتك وبالنسبة لرجوعه هنا للقصر اللي سايبه من شهرين، لكن وضعي معاه مختلف، دي السنة التالتة من يوم ما قرر ينهي علاقتنا. ضغطت على كتفها بنعومة لتنطق من جديد في محاولة لبث روح العزيمة داخل قلب الفتاة: -"يوسف" عمره ما حب ولا دخل قلبه غيرك يا بوسي، وانتِ عارفة الكلام ده كويس قوي. تعمقت بنظراتها داخل مقلتي الأخرى لتقول بنظرات قوية لائمة:

-اللي أعرفه إن اللي بيحب حد عمره ما يفكر يأذيه، ويوسف أذاني كتير قوي بقرار بعده عني. -هيرجع، والله ليرجع... قالت جملتها بتأكيد وأمل يملؤ عينيها لتكمل بقلب أم صارخ: -مهو مش معقول أضيع عمري عليه واشتريه، وفي الآخر هو يبيعني. تنهدت الفتاة لتقطع وصلة انسجامهما صوت تلك التي احتدت بحديثها: -ما تيلا يا إيثار، هتفضلي لطعاني في العربية كده كتير أنا وابنك وقاعدة تتسايري انتِ والغندورة. لتوجه حديثها للأخرى بتوبيخ:

-وانتِ يختي، من الصبح وإنتِ نايمة بتتمرغي على سريرك في بيتكم، محلالكيش الكلام إلا وإحنا ماشيين؟! ابتسامة فلتت من ثغر "إيثار" لترفع كتفيها قائلة باستسلام: -"عزة". ابتسمت الأخرى وهي تقول: -توصلي بالسلامة حضرتك. -الله يسلمك يا حبيبتي... قالتها لتستقل مقعدها وتنطلق بصحبة سيارتين من الحراسة لا يتركاها حيال خروجها من المنزل، سواء للشركة أو لغير ذاك. نطقت "عزة" بجدية:

-بقول لك إيه، "يوسف" لو نشف دماغه ومرضاش يرجع معانا أنا مش هسيبه، هفضل معاه لحد ما ربنا يهديه ونرجع سوى. وكأن كلماتها مادة كاوية نزلت على قلبها لتزيد من لهيب ناره. خرج صوتها متألمًا: -وتسبيني انتِ كمان يا "عزة"؟! -هسيبك وأروح فين بس يا حبيبتي، هو أنا أقدر أعيش من غيرك. لتتابع بإيضاح: -بس انتِ عارفة، أنا روحي متعلقة بيوسف من صغره، والبيت بقى وحش قوي من غيره. لتهتف بقوة جعلت من الأخرى تفزع:

-وأهو بالمرة أعقده في عيشته من كتر زني وأخليه يقول حقي برقبتي، ويرجع القصر، والبت ترجع لعمها زي الأول ونخلص من الهم ده بقى. لتسترسل بغضب وسخط عارم: -منك لله يا نصر يا بنهاوي انت واللي اسمها إجلال، كنت قارفنا وإنت عايش، وسايب خلفتك بعد منك ترازي فينا وتنكد علينا حياتنا. -بالراحة يا زوزة صوتك عمل لي صداع... قالها ذاك المشاغب لتهب هاتفة تحت ضحكات الصغير:

-بس يا أبو لسانين، والله ما فيه حد مغلبني في الدنيا دي كلها قدك وقد لماضتك. -كلمتي "يوسف" وقولتي له إننا رايحين له، بدل ما ندب المشوار على الفاضي ونرجع زي ما روحنا. أجابتها وهي تتابع الطريق بعينيها: -معقولة هروح من غير ما أقول له يا عزة. *** داخل شقة سكنية بمنطقة متوسطة الحال

يجلس ذاك المتمرد فوق مقعد من الجلد، فقد أصبح شابًا يافعًا يمتلك جسدًا رياضيًا يرجع لممارسته الرياضة بشكل منتظم، بشعر فحمي شديد النعومة، أخذ من ملامح والده كثيرًا لدرجة أن من يراه يظنه "عمرو" بشبابه، مرتديًا نظارته الطبية ويتابع عمله على جهاز اللاب توب الخاص به. فبرغم أنه مازال طالبًا بالفرقة الثالثة كلية الهندسة تخصص هندسة إلكترونية، إلا أنه يعمل على الإنترنت مع أكثر من تطبيق منذ أن كان بالفرقة الثانية، فمنذ ذاك

اليوم المشؤوم قد كرس حياته للعمل للهروب من نظرات البشر وهمومه التي باتت تلاحقه وتكاد تفتك برأسه كلما تذكر ماضي عائلته الغير مشرف. استمع إلى صوت جرس الباب لينتفض بانتشاء كطفل اشتاق لمنبع حنانه، فبرغم أنه من قرر واختار البعد لعدة أسباب لديه، إلا أنه مازال مفتقدًا حنان عائلته التي تربى بكنفها. فتح الباب ليصرخ الصغير الذي قفز لأعلى ليلتقطه "يوسف" ويثبته داخل أحضانه لتنطق "عزة"

وهي تستدعي حارس البناية: -تعالى يا اخويا دخل معايا الحاجة في المطبخ على ما يخلصوا سلاماتهم. أما الصغير فصاح بصوت حماسي: -چو حبيبي، وحشتني كتير. -وانت كمان وحشتني يا ملوك... قالها وهو يحتضنه بحنان فائض ثم نظر لتلك التي تراقب ملامحه باشتياق جارف. أنزل الصبي ليقترب على تلك التي تحسست وجنتيه وعينيها تجول على كل إنش بوجهه وبدون حديث جذبها ليثبتها بأحضانه وهو يقول: -وحشتيني يا حبيبتي.

ضمته بقوة لتدفن أنفها بملابسه وتشتم رائحته التي اشتاقتها حد الجنون. قالت بصوت مختنق: -لو كنت وحشتك حقيقي مكنتش سبتني. أبعدها قليلًا ليطالعها بنظرات عاتبة وهو يقول: -تاني يا ماما، هنرجع للكلام في الموضوع ده تاني؟! تحركت للداخل لتنطق بحدة واعتراض: -إوعى تفتكر إني هستسلم لقرارك وأقف أتفرج عليك وإنت بتضيع نفسك وبتخسر مستقبلك. -بضيع مستقبلي؟! قالها مستنكرًا ليتابع بإبانة:

-أنا بدرس وفي نفس الوقت بشتغل وشايل مسؤلية نفسي ومسؤلية أختي.

تألمت لحال نجلها وما حدث له من تغيرات كثيرة قضت على جميع أحلامه، فمنذ أن كان طالبًا في المرحلة الثانوية، استعد بكل ما به بأن يحقق حلمه ويصبح وكيلًا للنائب العام وقد هيأ نفسه وتلك الجميلة "بيسان" التي كانت معه بذات الحلم، فكونهما بنفس العمر ونفس السنة الدراسية حلما بأن يلتحقا بكلية الحقوق ليلتحقا بعدها بالسلك القضائي، ليكملا مشواريهما العلمي والحياتي معًا، حيث عشق كلاهما الآخر واتفقا على الزواج فور تخرجهما. لكن، ليت

كل ما يتمناه المرء يدركه، فقد تحطمت أحلامه على صخرة حادة عندما انتهى من المرحلة الثانوية وحصل على مجموع هائل، حينها فقط قررت إيثار بمصارحة الفتى برفضها التحاقه بكلية الحقوق وأبدت له رغبتها بالتحاقه بكلية العلوم الهندسية، وعندما رفض وتشبث بقراره اضطرت لمصارحته وكشف المستور، بمساعدة فؤاد. ثار الفتى ودخل بنوبة من الرفض والاستنكار ثم تملك منه الاكتئاب مما جعل فؤاد يعرضه على طبيب نفسي كي يساعده، وبالفعل استجاب الفتى

للعلاج لكن بقى داخله جزءًا ممزقًا، وصار حساسًا بطريقة مزعجة، فبات يفسر كل نظرة موجهة إليه وكل كلمة حنون على أنها شفقة وهذا ما رفض تقبله. تحمل عامين كاملين بمنزل فؤاد ولكن قضاهما بعزلة تامة. ابتعد عن "بيسان" رويدًا رويدًا وبالأخص بعدما بدأ يفهم تلميحات ماجد له وعدم تقبله فكرة تقرب يوسف من ابنته، وقد أعطى له الحق في خشيته على نجلته. بدأ يسأل والدته وعلم منها وجود شقيقته "زينة" التي تجلس بمنزل عمها "حسين" حيث آواها بيته

واحتضنها تحت كنفه وحاوطاها بحنانه هو وزوجته رغم ضيق الحال.

ذهب لزيارة عمه وقد ذهِل وحزن كثيرًا عندما رأى حالتهم المنعدمة، حزن لأجل شقيقته حين رأى ملابسها المهترئة وخجلها وانعدام الثقة بحالها الناتج عن ما عانته منذ نشأتها الأولى، وشعور الذل والعار الملازمان لها منذ أن وعَت على الحياة. من هنا قرر أن يتحمل مسؤوليته كرجل تجاه تعيسة الحظ تلك. عمل بجد حتى استطاع جمع مبلغ ليس بالقليل، وقام بتأجير ذاك المسكن وذهب لعمه ليأخذ شقيقته، وكانت تلك نقطة فاصلة بحياتها، فقد ساعدها على تغيير حياتها للأفضل حسب إمكانياته المتاحة، فهو يعمل بمجال الإلكترونيات في عدة مواقع إلكترونية ويتقاضى مقابلًا من العملة الصعبة، وهذا كان كافيًا ليتكلف عبء المعيشة ويحيا حياة محترمة هو وتلك البائسة.

كان أمامه اختيارين كلاهما أصعب من الآخر، إما أن يظل بجانب والدته ويرضيها ويتخلى عن رجولته ومسؤوليته الواجبة تجاه شقيقته، أو يقوم بواجبه ويرضي ضميره وتحمل مسؤوليته تجاه "زينة"، وقد اختار إرضاء ضميره ورجولته للأضعف منهما. سألته أولًا كي لا تتحدث بكلمات من الممكن أن تقوم بإيلام روح الفتاة: -هي زينة موجودة؟ أجابها بهدوء: -لا يا ماما، عندها محاضرة متأخرة وهتخلص بعد نص ساعة. نطقت لكي ترضي ضميره:

-بص يا حبيبي، أنا مش ضد تفكيرك في أختك وبأنك تصرف عليها، بالعكس، اعمل لها مرتب شهري محترم بس رجعها تعيش مع عمك حسين من تاني، مروة مراته كويسة، والبنت أكيد كانت مرتاحة معاهم. اتسعت عينيه ذهولًا لينطق بحدة: -وأتخلى عنها زي ما أبوها عمل؟! -عوزاني أهرب من مسؤليتي زي ما هو هرب وسابها ومسألش عنها ولا عني من يومها؟! ليتابع مستهجنًا: -وبدل ما أبقى شبهه في الشكل أبقى بشبهه كمان في الندالة والحقارة؟! صاحت ودموع الألم بعينيها:

-لاحظ إنك متمسك بالكل إلا أنا. ثم استرسلت ودموعها هرولت فوق وجنتيها: -أنا اللي ربيتك وحميتك من الدنيا كلها، مستحقش منك كل الوجع ده يا ابني، والله ما استحقّه. اقترب منها ليمسح دموعها قائلًا بصوت متأثر لأجلها: -يا حبيبتي حاولي تفهميني، أنا مكاني هنا مع أختي، مش في قصر علام باشا زين الدين. واسترسل متوسلًا: -المفروض تساعديني على إني أحفظ ماء وجهي وكرامتي قدامهم. صرخت معترضة:

-لتاني مرة بتفكر في الناس وبتعمل حسابهم إلا أمك، أنا راحتي فين في وسط كل ده يا "يوسف"؟ وأكملت وقلبها يئن ألمًا: -انت ليه مش قادر تقدر موقفي وحالتي في بعدك، أنا بموت كل يوم بتبات فيه برة البيت يا "يوسف"، مبقتش بتهنى في نومي طول ما أنت مش معايا ومعرفش عنك حاجة، ده حتى طعم الأكل لما اتغير زي كل حاجة في حياتي ما اتغيرت من يوم ما سبتني، مش عارفة أعيش حياتي بشكل طبيعي يا حبيبي. نطق الصغير وهو يمسح وجنتيها بأنامله الرقيقة:

-مش تعيطي يا مامي علشان خاطري. احتضنت صغيرها أما "يوسف" فأخرج تنهيدة موجعة ليجيبها مفسرًا: -يا ماما أنا مبقتش صغير علشان تقلقي عليا وحياتك تقف علشان أنا بعدت، اعتبريني سافرت أكمل تعليمي برة، مش ده كان طلبك في الأول؟! قاطع حديثهما تلك التي صاحت بحدة وهي تجاوره الجلوس: -بقول لك إيه يا ابن إيثار، قدامك حل من اتنين، يا إما تقوم تلم هدوم المحروسة أختك وترجعها تعيش عند عمها من تاني وترجع معانا وتريح قلب المسكينة دي.

واسترسلت بابتسامة شيطانية: -يا إما تستحمل رزالتي وزني على ودانك الليل قبل النهار لحد ما تقول حقي برقبتي. قطب جبينه بعدم استيعاب لتتابع هي بجدية: -هو أنا مقولتلكش؟ -لا مقولتليش... قالها متهكمًا لتجيبه: -أصل أنا بالصلاة على النبي كده، مش ناوية أتحرك من هنا غير ورجلي على رجلك، آه والله زي ما بقول لك كده. عقب على حديثها: -اسمعيني كويس يا "عزة"، أختي أنا مش هسيبها ولا هتخلى عنها لو على رقبتي، وقعد هنا انسي.

لوت فاهها لتسأله ببلاهة: -ليه يا اخويا إن شاء الله؟! زفر ليخرج ما بداخله من ألم لأجل شقيقته ليقول مفسرًا: -"زينة" حد خجول جدًا ودايمًا حاسة إنها عبء على الكل حتى عليا أنا شخصيًا، لو قعدتي معانا هتحس بغربتها أكتر. نطقت إيثار بألم يمزق أحشائها: -تعبتني معاك يا ابني، حرام عليك اللي بتعمله ده يا "يوسف". أشاحت عزة باتجاهها لتنطق في محاولة منها للتأثير عليه عله يتراجع:

-يرضيك اللي انت عامله في أمك ده، يعني هو ده جزات تربيتها فيك يا واد؟ ألقى رأسه للخلف يستند على الأريكة لينطق بروح منهكة: -على فكرة، اللي بتعملوه معايا ده بيوجعني وبيزود عذابي. ثم اعتدل ليمسك بكفي والدته يترجاها: -أنا تعبان يا ماما، ومش قد دموعك دي ولا توسلاتك، كلامك بيقتلني لأني مش هقدر أنفذه. واسترسل بتعقل:

-انت حواليكي ناس كتير بتحبك، أنكل فؤاد وإخواتي وجدو علام وتيتا عصمت، عندك خالي أيهم ومراته وولاده، وتيتا منيرة واخوالي، شغلك ونجاحك وطموحاتك الكبيرة. واستطرد متألمًا: -لكن زينة ملهاش حد غيري، أنا كنت قارب النجاة اللي انتشلتها من غرق محتم، إزاي بتطلبي مني أرميها تاني بأيديا للموت والضياع بعد ما مسكت أيديها وادتها أمل؟! لم تدرِ ما عليها فعله، فصغيرها ممزق ما بين الواجب وحبه لها. أكمل برجاء:

-علشان خاطري سامحي وسبيني على راحتي. تنهدت عزة لتنطق: -لو ربنا يرزقها بعريس وتتجوز والموضوع يتحل من عنده. استمع لصوت تكة المفتاح لينطق سريعًا: -علشان خاطري محدش يتكلم قدامها في أي حاجة. أمسك رأس والدته ليقبلها بحنان ووقف يستقبل تلك التي ولجت لتقف مرتبكة حين رأتهم أمامها. تحرك باتجاهها ليحثها على التقدم والوثوق بالنفس: -تعالي سلمي على ماما وعزة يا حبيبتي. -إزي حضرتك يا خالتي... كلمات خرجت منها بنبرة مرتبكة لتجيبها

إيثار بابتسامة هادئة: -ازيك يا زينة، عاملة إيه في دراستك. كانت تتشبث بحقيبتها وتضغط عليها والارتباك ظاهرًا عليها لتنطق بنفس التلبك: -الحمد لله كويسة. -إزيك يا زينة يا جميلة يلا مزعلة مامي... قالها ذاك المشاغب لتجذبه عزة وتلتقطه حاملة إياه وهي تتجه إلى المطبخ لتهمس مستنكرة: -تعالى يا أبو لسان فالت يا فضاح ياللي هتودينا في داهية. ثم تحدثت إلى الفتاة: -ادخلي يا حبيبتي غيري هدومك على ما أجهز السفرة علشان ناكل مع بعض.

أومأت بخجل لتنسحب وتغلق بابها عليها. تنفست الصعداء وتوجهت ترتمي جالسة فوق طرف الفراش. يا لحظ تلك المسكينة، دائمًا ما يراودها شعور مرير بالغربة أينما ذهبت. حين كانت طفلة كانت منبوذة من الجميع حتى والدها. كان يحملها ذنب خراب حياته وابتعاد حبيبته ونجله المقرب إلى قلبه. وحين انتقلت مع عمها وزوجته، طالما راودها شعور الانكسار وبرغم معاملة مروة الحسنة لها، إلا أنها كانت دائمًا تشعر بأنها عبء مضاف فوق أعبائهما، فكان شعور

المرارة لا يفارقها حين تبتلع القليل من الطعام وهي تعلم أنه طعام أطفالهم وهي تشاركهم به. أما الآن فالأمر اختلف كليًا في وجود شقيقها، وبرغم أن حالته المادية هائلة وانتقلت معه وتحولت لفتاة أخرى، إلا أن شعور الذنب بات يلازمها. حملت حالها ترك شقيقها لوالدته ومنزل عائلته البديلة لأجلها، وكأن شعور العبء والمرارة بات يلازماها وأصبحا جزءًا لا يتجزأ من حياتها البائسة.

ابتسمت حين تذكرت شقيقها وما فعله لأجل عمها حسين، فبرغم أنه لا يمتلك المال الكثير إلا أنه بات ينفق كل ما يتحصل عليه من مال عليهم، فقد خصص مرتبًا شهريًا بقيمة خمسة آلاف من الجنيهات المصرية، يقوم بتحويلها لزوجة عمه كي يعينهم على الحياة. المبلغ يظهر بسيطًا لكنه بمثابة كنز بالنسبة لظروفهم السيئة.

انتفضت بجلستها لتهب واقفة حين استمعت لصوت طرقات فوق الباب ليدخل شقيقها بعدما سمحت له. اعتصر قلبه ألمًا حين وجدها مازالت بملابسها تفرك كفيها ببعضهما مما يدل على مدى خجلها. اقترب ليقول بنبرة حنون: -مغيرتيش هدومك ليه يا "زينة"، "عزة" حطت الأكل على السفرة خلاص. ابتلعت لعابها لتقول بارتباك ظهر بينًا بعينيها: -أنا مش حابة أبقى عزول في وسطكم يا يوسف، روح كل معاهم وأنا هبقى آكل لوحدي في المطبخ لما يمشوا.

نزلت كلماتها على قلبه كسوط جلدت كل ما قابلها ليصرخ داخله لأجلها. أمسك كفيها وجدهما باردتين كالثلج لينطق بصوت هادئ كي يبث بداخلها الطمأنينة: -ليه بتقولي كده يا حبيبتي، دي ماما وعزة بيحبوكي جدًا، دي عاملة لك المحشي اللي انتِ بتحبيه. ابتسمت بهدوء ليتابع بحزم: -لو مخرجتيش علشان تاكلي معايا، أنا كمان مش هاكل. ابتسمت واطمأن داخلها لتخرج بصحبته. وجدت إيثار تقوم بتوزيع الطعام داخل الصحون لتوجه لها الحديث:

-يلا يا "زينة" قبل ما الأكل يبرد، "عزة" عاملة لك محشي الفلفل والبتنجان اللي بتحبيه مخصوص علشانك. جلست وبدأت بتناول الطعام بأريحية بعدما شعرت بالترحاب من الجميع وبالأخص كلمات "عزة" المضحكة ومشاكستها هي والصغير مما خلق جوًا لطيفًا ساعدها على الارتخاء. *** ظهر اليوم التالي

داخل شركة الزين وبالتحديد حجرة الاجتماعات، تترأس تلك الطاولة بحكم منصبها الجديد، فقد استلمت إدارة الشركة لتصبح رئيس مجلس الإدارة بعد تنحي "أحمد الزين" عن منصبه نظرًا لكبر سنه وإصابته بمرض السكري، ففضل الابتعاد والراحة بعيدًا عن مشاحنات العمل حيث تزيد من توتره. كان من المرجح اختيار "بسام" نظرًا لما له من سنوات عديدة قضاها بخدمة الشركة وبالطبع يعلم الكثير ليجعله مؤهلًا لذاك المنصب، لكن تصويت الجميع وقع على اختيارها

نظرًا لذكائها وحسن تدابيرها لمنصبها طيلة الأعوام الثلاثة عشر التي قضتهم بالعمل داخل الشركة منذ أن تسلمت مهام منصب مدير المالية، وأيضًا كان يستعين بها "أحمد" كي يستفيد من ذكائها ومهارتها مما زاد من خبراتها ليؤهلها لذاك المنصب الكبير، ومنذ ذاك الوقت تحول "بسام" بمعاملته لها. عدلت من وضعية نظارتها الطبية لتنظر بتمعن بتلك الأوراق الموضوعة أمامها فوق الطاولة، ثم تحدثت

وهي توزع نظراتها للجميع: -سعر المناقصة حلو جدًا، والعرض اللي شركتنا مقدماه مناسب لينا وليهم. ثم استرسلت: -إن شاء الله المناقصة المرة دي ترسى علينا، ومتروحش مننا في آخر لحظة زي ما حصل مع المناقصة اللي فاتت. تحدث "أيهم" بعملية: -فوزنا بالمناقصة اللي فاتت كان شيء مفروغ منه، لولا العرض اللي قدمته شركة "الصخرة" في آخر وقت، وكأن الموضوع كان مترتب له أو مقصود.

احتدّم داخل "بسام" الذي يجلس على المقعد المقابل لتلك الـ"إيثار" من الجهة الأخرى ليرفع حاجبه وهو يلقي على الآخر سؤالًا بنبرة حادة: -تقصد إيه بإن الموضوع كان مقصود يا أستاذ "أيهم"؟! رفع كتفيه للأعلى لينطق بلامبالاة: -مقصدش حاجة يا باشمهندس، أنا بتكلم في الـ... لم تدع شقيقها يكمل جملته لتطرح سؤالها الأهم على ذاك الحانق:

-السؤال الأهم اللي المفروض كلنا نسعى لمعرفة الإجابة عليه يا باشمهندس، هو إننا نعرف مين الناس اللي ورا شركة "الصخرة"، لأن من الواضح إن الشركة قوية ونازلة بتقلها في السوق. وتابعت بتفخيم له علها تستطيع أن تخمد نيران الحقد الذي ملأ قلبه تجاهها منذ أن تولت إدارة شؤون الشركة:

-وأظن محدش غيرك يقدر يمدنا بالمعلومات دي، حضرتك ما شاء الله ليك سنين في السوق وعندك شبكة علاقات ضخمة تقدر من خلالها تعرف بمنتهى السهولة المالك الحقيقي للشركة. لم يرق له تملقها وعلم بخديعتها له فتحدث بنبرة حادة: -وحضرتك مهتمة ليه قوي كده بإنك تعرفي مالك الشركة؟! استندت بظهرها على المقعد وتحدثت وهي تعدل من وضع نظارتها قبل أن تجيبه بما أحرق قلبه:

-لأن ده منافس قوي وداخل السوق بشراسة، والقاعدة الأولى في البيزنس بتقول إن المفروض نعرف كل منافسينا وندرس قدراتهم كويس علشان نقدر نأمن شغلنا. أحال بوجهه عنها فهو غاضب للغاية ولم يتقبل إلى الآن أن ترأسه امرأة، بل والأدهى أنها لا تحمل دم العائلة. علمت أنه لم يصفُ بعد فتجاهلته لتنظر للمحامي المختص بأمور الشركة قائلة: -المهمة دي بقت مسؤوليتك يا أستاذ عزمي، عاوزة أعرف كل المعلومات عن أصحاب الشركة دي وفي أقرب وقت.

أبدى موافقته لتقف وهي تلملم أوراقها وتقول بعملية: -الاجتماع انتهى، تقدروا تتفضلوا على مكاتبكم. *** بمطار القاهرة الدولي، داخل صالة استقبال كبار الزوار

كانت تتحرك بخطوات ممشوقة كجسدها، مرتدية ثيابًا عصرية بجودة عالية تدل على ثرائها الفاحش، ترفع شعرها للأعلى على هيئة كعكة منمقة لتضيف لجمالها جمالًا. تتحرك بجوارها فتاة بعمر السابعة وطفل آخر بعمر الثالثة تحمله العاملة المسؤولة عن تربيته. يجاورها رجلان كلا منهما يدفع بعربة محملة بالحقائب. قابلها أحد الرجال المرتدي لزي رسمي ليقول بابتسامة ترحيبية: -أهلًا وسهلًا "رولا" هانم، نورتي مصر يا فندم. رفعت قامتها لتقول بكبرياء:

-ميرسي كتير. لتنطق بلكنتها العربية: -بليز لو بدي عذبك خدنا عالبيت بسرعة، كتير تعبنا بهيدي السفرة وبدنا نرتاح. -أوك يا هانم... نطقها وتحرك أمامها باحترام ليرشدها نحو السيارة التي ستقلهم إلى المنزل الفخم حيث صمم لهم خصيصًا منذ عدة أشهر عندما قررت هي وزوجها العودة إلى مصر لمباشرة أعمالهما.

تحركت السيارة بعدما استقلت هي الكنبة الخلفية شاركتها الجوار الصغيرة، بينما استقلت العاملة المقعد المجاور للسائق وبحوزتها ذاك الصغير الغافي بسلام. سألتها الفتاة بنبرة هادئة: -ماما، ايمتى راح ييجي البابا لعنا؟ أجابتها ومازالت نظراتها تتفحص الطرقات بتمعن واستطلاع لذاك البلد الذي تزوره للمرة الأولى بحياتها: -راح ييجي عن قريب يا قلبي، بس ليخلص اكم شغلة وحيجي دغري. سألتها من جديد بفضول شديد:

-وجدو والتيتا كمان راح ييجوا لهون؟ -لشو كل هالأسئلة "نور"، من لما وصلنا وإنتِ صرعتي راسي من كتر الحكي. -سوري ماما... قالتها الصغيرة بعدما أنزلت رأسها للأسفل بملل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...