"أتدرين، أكثر ما أوجعني من الرحيل ذاته، هو وقوعه من دون وداع، رحلتي دون إبداء حجة لاتخاذك منفردة هذا القرار المصيري، لتتركيني في حيرة من أمري واقفًا على رفات أحلامي، أتأمل بعمق وحال عقلي هو الذهول محاولًا استيعاب حجم الدمار، وأتساءل، ما الذي حدث؟ ومتى؟ وكيف؟ بالله، أخبريني ماذا سأفعل بقلب ما زال بلهفة حبك نابضًا؟ كيف سأسكت صدى صوتك المرافق لي بصحوتي ومنامي؟
ذكرياتنا والضحكات التي يصدح صوتها في ثنايا مسامعي، أمنياتنا أفكرتِ بها؟ أتذكرين أسماء أطفالنا التي اخترناها معًا بعد عناء من التفكير؟ ماذا سنفعل بها؟ هل سنتقاسمها بيننا؟ بالله لا تتركيني لحيرتي بلا إجابات. أليس من العدل أن تخبريني ما وراء تبديد آمالنا وضياع الأحلام؟ أواعية أنتِ لما فعلتِ؟
لقد حولتِ رونق أحلامي إلى كوابيس مفزعة، لا عليكِ عزيزتي، دعكِ من كل مهاتراتي، ولتلقي بكل ما هزيتُ به الآن في جب النسيان، ولتستمعي جيدًا إلى حزمة قراراتي، سأنتصر على هزيمتي الساحقة في معركة غرامك، سأجاهد لسحق آلامي وآهاتي وإخراج عشقك من الوجدان، وسأستطيع هزيمة طغيانك بقوة الإيمان، سأتابع طريقي كفارس امتطى جواد الرحيل بصمت دون الالتفات لما فات، وداعًا أبديًا يا من احتلتني عشقًا وشيدتِ معها قصورًا لأكتشف بنهاية المطاف، كم كانت واهية هي ومصنوعة من الرمال."
"يوسف عمرو البنهاوي" بقلمي "روز أمين" _لم تشعر بحالها سوى وهي تهرول إلى والدها وتلقي بحالها داخل أحضانه طالبة منه العون وهي تقول بصوت يرتجف من شدة هلع ما رأت: -إلحقني يا بابا، أنا في مصيبة. استمع ذاك القريب من وقوفهما حديثها ليتعجب من والدها الذي يراه للمرة الأولى وبصحبته أسطولًا من السيارات ورجال الحراسة.
برغم غصته المرة وعدم سكونه النفسي بكل مرة يرى بها تلك الخطيئة، إلا أن قلبه للحظة ارتجف خشية من أن يكون أصابها مكروهًا، فبنهاية المطاف هي ابنته شاء أم أبى، من الظاهر أن ما زال جزءًا منه إنسانًا يشعر بآلام الآخرين، نطق مستفسرًا باستغراب: -مالك يا زينة، إيه اللي حصل؟! ابتعدت عن أحضانه وما زالت تتشبث بساعديه كالغريق الذي يتعلق بقشة، تلفتت حولها بهلع لتتفاجأ بذاك الـ "رامي" يقف خلفها مباشرة، ولم يتردد بسؤالها
النابع من خوفه عليها: -مالك، فيه حد بعت لك حاجة خوفتك؟ وضعت كفها على فمها وباتت تتمعن النظر إليه بحيرة قاتلة، أتخبره بما حدث بحكم سابق معرفته بذاك الندل "مازن"، أم تنتهج الكتمان للحفاظ على الشكل العام لها أمامه، بلحظة حسمت أمرها وقررت مشاركته للفاجعة عله يستطيع الوقوف بجانبها بحكم شهامته التي تعلمها جيدًا من مواقفه السابقة، نطقت بنبرة مرتجفة من شدة هلعها: -الحيوان اللي اسمه "مازن"، باعت لي رسايل بيهددني بيها.
سألها "رامي" مستفسرًا: -عبارة عن إيه الرسايل دي؟ ضيق "عمرو" عينيه ليسألها متعجبًا بعدما وجدها تحادث ذاك الشاب بأريحية: -مين ده يا زينة؟! التفتت من جديد لأبيها لتنطق والهلع ما زال يتملك من جسدها المرتعش: -ده الأستاذ "رامي كمال"، طالب في الفرقة الرابعة كلية تجارة. ابتسم الفتى على روتينية حديثها وعفويتها، فأراد التدخل حتى يرفع عنها الحرج أمام أبيها: -أنا زميل زينة هنا في الجامعة، وعارف الولد اللي بيضايقها.
-بيضايقك إزاي؟ سؤالًا طرحه "عمرو" بقلب مرتجف صدقًا على تلك المسكينة تعيسة الحظ، وقبل أن يكمل حديثه أشار الشاب بكفه جانبًا: -فيه كافيه قريب جدًا من هنا، تعالى حضرتك نقعد فيه ونفهم من "زينة" إيه اللي حصل، وبالمرة أحكي لك على اللي حصل قبل كده من الولد اللي اسمه "مازن" وصاحبه إياد، ونرتب مع بعض تحركاتنا.
أومأ له وتحرك الجميع وجلسوا، جن جنون "عمرو" فور مشاهدته لبعض الصور التي أرسلها ذاك الحقير عديم الأخلاق للفتاة، وكانت عبارة عن صور مركبة بوجه "زينة" على جسد أخرى عارية تمامًا سوى من قطعتين ملابس فاضحتين، ويبدو من هيئة الصور الخلاعة، وما ثار من غضبه هي تلك الرسائل التهديدية المرفقة للصور، حيث طلب منها الاتصال به كي يساومها أو بمعنى أوضح يتم ابتزازها بتلك الصور المفبركة.
لم تتجرأ على إعطاء الهاتف إلى "رامي" لرؤية الصور لسببين، أولهما لقبح وبشاعة المنظر، والسبب الآخر والأهم هو وجود وجهها على ذاك الجسد، حتى ولو كانت الصور مركبة والكل يعلم هذا، لكن يبقى الخجل والحياء هما أهم ما يميزا الفتاة، كور عمرو كفه حتى ابيضت عروقه وبرزت ليهتف بسباب حاد أخجل الفتاة أمام زميل دراستها: -يا ابن الـ ... ، وحياة أمي لعلقه على باب الجامعة، وخلي دكر من أهله ييجوا يخلصوه من إيدي. نطق الشاب بمنتهى الذكاء:
-إهدى يا "عمرو" بيه وحاول تتمالك أعصابك، الموضوع محتاج يتحل بمنتهى الهدوء علشان سمعة "زينة". وتابع بحرص وخوف عليها: -الموضوع حساس ومحتاج تعامل من نوع خاص. لم يقف سوء حالتها النفسية وعدم تركيزها حائلًا بأن تستمع لكلماته مستشعرة من بين حروفه حنانه والخوف عليها، مما جعلها تشعر ببعض السكينة رغم ما تعيشه من حدث مرعب من الممكن أن ينهي على مستقبلها بالكامل، هتف عمرو بطريقة متهورة كعادته:
-أنا الكلام ده مينفعنيش، الواد ده لازم يتعمل معاه الصح علشان يبقى عبرة لأي كلب يتجرأ على بنت عمرو البنهاوي. وتابع بزهو وغرور: -ده مجنون ولعب في عداد عمره، ما يعرفش هو وقع نفسه مع مين. نطقت وما زال صوتها مرتجفًا بتأثر: -من فضلك اسمع كلام "رامي". حركت رأسها لتتابع بترجي أظهر كم ارتعابها: -أنا مش عاوزة شوشرة. وتابعت بلهفة حين تذكرت: -خلينا نكلم يوسف وهو هيتصرف. صمت يتمعن بكلاهما ليتحدث لغرض في نفس يعقوب:
-خليني أنا أحل المشكلة الأول وبعدين نبقى نبلغه. ليتمعن بعيني الفتاة مسترسلًا بإقناع: -مش عاوزين نشغله عن دراسته. أومأت بطاعة حرصًا على مستقبل شقيقها الغالي، ليتابع هو حديثه بسؤاله إلى الشاب: -قولي يا "رامي"، أنت تعرف عنوان بيت الواد ده؟ تمعن الشاب قليلًا لينطق بهدوء: -الحقيقة ما عرفش، بس بسيطة، ممكن أسأل واحد صاحبي في اتحاد الطلبة.
قام بإجراء اتصالاته لمعرفة عنوان المدعو مازن وبالفعل حصل عليه واتجه عمرو إلى العنوان بأسطول سياراته ورجاله مصطحبًا معه زينة ورامي الذي أصر على مرافقتهم للمساعدة، ولسوء الحظ أو لحسنه لم يعثروا على الشاب بسبب هروبه، حيث أبلغه أحد أعضاء اتحاد الطلبة بالجامعة بعدما شعر بريبة من سؤال "رامي" لأحدهم عن عنوان الآخر، وكان الشاب على صلة قرابة من المدعو مازن فعلى الفور أبلغه عبر الهاتف ليسارع الآخر بالاختباء فور تيقنه السبب.
أجرى "عمرو" بعض الاتصالات ببعض معارفه وفعل كل ما بوسعه للعثور على الفتى دون فائدة، وكأن الأرض انشقت وابتلعت الشاب، صدح صوت هاتف الفتاة وكان المتصل "يوسف" الذي سألها بجدية: -أنتِ فين يا "زينة"، وإيه اللي أخرك لحد الوقت؟ ازدردت ريقها لتجيبه بصوت مختنق بالدموع: -أنا شوية وهاجي. سألها متوجسًا بعدما شعر بخنقتها: -مالك يا زينة، أنتِ فيه حاجة مزعلاكِ؟ انفجرت بالبكاء لتنتحب مستنجدة بشقيقها: -يوسف، أنا في مصيبة.
انتفض من مقعده ليهرول باتجاه الشرفة لا يدري لما وهو يسألها بلهفة: -فيه إيه، انطقي، طب أنتِ فين؟ وأثناء ما كان عمرو يجري اتصالًا آخر محاولًا إيجاد حل للمشكلة التي قرر استغلالها للتقرب من نجله والفتاة وتقديم نفسه إليهما بشكل جديد، والظهور بصورة الأب حامي الحمى لأولاده، لاحظ بكاء الفتاة وانتحابها أثناء محادثتها لأحدهم، على الفور تيقن من أنه نجله الحبيب، أنهى المكالمة سريعًا ليقترب منها متسائلًا: -ده يوسف؟
أومأت بدموعها ليزفر بحدة لاعنًا غبائها بسريرته ثم انتزع الهاتف منها لينطق بصوت حنون محاولًا طمأنة عزيز الفؤاد: -ما تقلقش يا يوسف، دي مشكلة بسيطة وأنا هحلها من غير شوشرة. -مشكلة إيه؟ قالها بحدة ليتابع بغضب متعجبًا تواجده بصحبة شقيقته: -ثم أنت مين أصلًا علشان تكون موجود مع أختي، لا وبتحل لها مشاكلها كمان! -أنا أبوها يا يوسف لو نسيت، قالها بجدية مصحوبة بلوم ليصيح الآخر متهكمًا بغضب: -سلامات يا أبوها، ده من إمتى يا بيه؟!
وتابع ساخرًا: -ومشاكل إيه دي اللي جاي تحلها لأختي، إذا كنت أنت أصلًا أكبر مشكلة في حياتها. أغمض عينيه ليزفر محاولًا السيطرة على غضبه كي لا ينفجر بوجه نجله، فهو في حاجة إلى قربه ورضاه لا غضبه وابتعاده، تحدث بهدوء عكس ما يدور داخله من براكين خامدة: -إهدى يا يوسف وخليني أشرح لك الموضوع. -مش عاوزك تشرح لي حاجة، اديني زينة علشان أعرف مكانها وأجي آخدها. -طب ممكن تهدى وتسمعني، قالها بصوت جاهد ليخرج هادئًا وتابع متسائلًا:
-أنت في البيت؟ بنفاذ صبر أجابه بنعم ليخبره: -طب خليك مكانك، وأنا ربع ساعة بالكتير هبقى عندك أنا وزينة. أغلق معه ليقف منتظرًا، بات يجوب المكان بغضب حاد، مجبرًا هو على تحمل ذاك الدخيل على حياتهما والذي ما بغض بكامل حياته مثله. *****
كان يجلس بحجرة المكتب المتواجدة بالمنزل، منشغلًا بتخليص بعض الأوراق الموضوعة فوق سطح المكتب الخشبي، وأثناء اندماجه استمع لبعض الطرقات الخفيفة فوق الباب ليصدح صوته الحاد آمرًا الطارق بالدخول، فتح الباب لتطل تلك الفتاة اللعوب "هند" تتحرك بغنج نحوه في تمايل بجسدها وهي تحمل بين كفيها قهوته، اقتربت من المكتب لتضع الصينية وتقول بصوت ناعم وحروف مثيرة مقصودة: -القهوة يا باشا.
وتابعت وضع كأس المياه الباردة لتميل بجسدها متعمدة إغرائه، لينطق وهو يتمعن النظر بملامحها كصقر يراقب فريسته بدهاء ما قبل الانقضاض: -أنتِ مين سمح لك تدخلي عليّ وأنا بشتغل؟ وتابع بحدة: -ثم أنا مبلغهم في التليفون إن وداد تحديدًا هي اللي تجيب لي القهوة؟ ارتبكت بوقفتها وتحدثت: -وداد مش موجودة يا باشا. وتابعت بدلال رغم سوء موقفها: -راحت تودي بنتها لدكتورة أمراض النسا. رفع حاجبه قبل أن ينطق بحزم مخيف:
-طب اسمعيني وافهمي كلامي كويس لأني ما بأعيدش الكلمة مرتين، أي حاجة خاصة بي ما تجيش ناحيتها نهائي، وطول ما أنا موجود في البيت، ما أشوفش خلقتك دي قدامي، مفهوم؟
انتفض قلبها رعبًا من أسلوب التهديد الذي اتبعه معها وقبل أن يقوم بطردها من المكتب دخلت تلك التي حضرت للتو من الشركة حيث تأخرت عن موعد العودة بفضل اجتماع هام، ومن سوء حظه أرادت رؤيته أولًا قبل الصعود للطابق العلوي، اتسعت عينيها ذهولًا لتنطلق عليهما بخطوات واسعة وأعين تشع نارًا موقدة، من يرى تجهم وجهها يجزم أنها على مشارف ارتكاب جريمة قتل أحدهم، واجهت وقوف الفتاة لتنهرها قائلة: -أنتِ إيه اللي مدخلك هنا؟
-أنا مش قلت لك... اقتطم جملتها وهو يقول بإشارة من يده تابعتها نظرة أجبرتها على الصمت: -خلاص يا بابا إهدي، الموضوع ما يستاهلش. حول بصره إلى العاملة وتابع بنظرة شرسة: -اطلعي برة، وزي ما قلت لك، طول ما أنا موجود في القصر مش عاوز أشوف خلقتك قدامي. ازدردت ريقها وتحركت للخارج مهرولة بساقين تتخبط ببعضهما من شدة التوتر والهلع، أغلقت الباب خلفها وهرولت إلى حجرة تحضير الطعام لتصيح تلك الحانقة بحدة بعدما فقدت السيطرة على نفسها
من شدة الغيرة على رجلها: -البت دي لازم تمشي من البيت حالًا. وقف يستدير حول المكتب لحتى وصل أمامها واحتوى وجنتيها قائلًا بذات مغزى: -إهدي، وكل اللي أنتِ عاوزاه هيحصل. ارتجف جسدها من شدة الاشتعال ونطقت بإصرار متجاهلة طمأنته: -مشيها حالًا يا فؤاد. أومأ بعينيه ليجيبها بهدوء عجيب: -هتمشي صدقيني، بس اصبري. طالعته بنظرة مستفهمة ليكمل مستطردًا بإبهام: -همشيها بكرة. صاحت بصراخ وقلب مشتعل: -وليه مش النهارده، وليه مش حالًا؟!
اقترب من وجهها ليميل مستندًا بجبينه على خاصتها: -بتثقي في حبيبك ولا لأ؟ ابتلعت ريقها متأثرة بهالة حضوره واقترابه الطاغي لتهز رأسها بنعم فمال على كريزتيها مقتطفًا قبلة سريعة ليبتعد مسترسلًا بذات مغزى: -بكرة هعمل لك اللي أنتِ عاوزاه كله، وبالمناسبة، العيلة كلها متجمعة هنا بعد بكرة. قطبت جبينها تسأله: -تقصد مين بالعيلة؟ أخذ نفسًا مطولًا ليجيب: -إحنا، وعيلة عمي أحمد بالكامل، وعيلة فريال. -ليه، فيه إيه يا فؤاد؟!
قالتها باستغراب وريبة ليجيبها بغمزة: -هتعرفي بعدين. بنفاذ صبر تحدثت ببعض من الحدة تعود لريبتها: -فؤاد، أنا ما بأحبش جو المفاجآت وأنت عارف كده كويس. وتابعت بأسلوب جاد: -فيا ريت تقول لي فيه إيه؟ اضطر تغيير استراتيجيته معها لعدم إفساد ليلة الفتاة وتضييع عنصر المفاجأة عليها: -ما فيش يا حبيبي. وتابع بمراوغة: -من زمان ما اتجمعناش، قلت نعمل عشا لطيف ونتجمع كلنا في سهرة حلوة. واسترسل ليقطع عنها حبل الأفكار
قبل أن تداهمه بأسئلة أخرى: -يلا علشان نتغدى، أنا جوعت. سألته باهتمام: -أنت ما أكلتش معاهم؟ -تؤ، قالها متابعًا مع غمزة: -ما أنتِ عارفة، فؤاد ما بيعرفش يستطعم الأكل غير في حضرة حبيبة حبيبها. ألصقت حالها به أكثر لتنطق بهمس وأنوثة بعدما احتل غرامه كيانها: -يخلي لي فؤاد، وعيون فؤاد، وقلب فؤاد، وكل فؤاد. داعب أنفها بخاصته لينطق هامسًا بنعومة: -طب يلا يا نور عين فؤاد غيري هدومك بسرعة، علشان فؤاد ميت من الجوع.
هرولت للخارج ولكن قبل صعودها للدرج ولجت للمطبخ تستدعي عزة قائلة بنبرة جادة: -حصليني على فوق. وتحركت دون النظر للفتاة التي ابتلعت ريقها لتهرول لداخل الحمام تحدث إحداهن عبر الجوال: -أيوه يا مدام، الوضع هنا بقى صعب، فؤاد باشا ده طلع شراني قوي، ونظراته ليا مش مريحاني. وتابعت تبتلع لعابها وهي تتذكر نظراته المخيفة: -ده زي ما يكون فاهم الليلة كلها، نظراته ليا النهار ده كانت مرعبة. على الطرف الآخر نطقت بنفاذ صبر:
-ما تتعبينيش معاكِ بقي، ده أنتِ طلعتي زنانة قوي. وتابعت ناهرة: -أمال لو كنتي عملتي حاجة من اللي اتفقنا عليها، ده أنتِ حتى ما عرفتيش تشديه ناحيتك وتزرعي الفتنة والشك بينهم. لوت هند فاهها وتحدث ساخرة: -أشد مين يا هانم، ده مش شايف ست غيرها في الدنيا كلها، ده ما بيطقش تبات ليلة واحدة وهي زعلانة منه. هتفت المرأة بتهكم:
-أوف، كفاية بقى صدعتيني، خليكِ ماشية زي ما أنتِ، وأهم حاجة تنقلي لي كل حاجة بتحصل جوة القصر بالتفصيل، وخصوصًا بين فؤاد والزفتة مراته. _بالأعلى، ولجت لغرفتها، فكت حجابها بحدة وألقت به فوق المقعد، خلعت عنها البليزر لتنطق تلك التي ولجت لتتحرك إليها متسائلة بارتياب: -مالك مش على بعضك كده ليه؟ بدون سابق إنذار انفجرت بها: -قاعدة لي أنتِ مرتاحة في المطبخ، وسايبة البت الحقيرة دايرة تحوم ورا جوزي. وتابعت بوجه مشتعل:
-البنت بتستغل غيابي وتخلق أي فرصة تقرب فيها من فؤاد يا عزة. اقتربت منها في محاولة لكظم غيظها: -طب إهدي ما تعمليش في نفسك كده، كل مشكلة وليها حل. وتابعت بما اعتقدته نصحًا ولم يكن سوى قنبلة موقوتة انفجرت بقلب الأخرى: -هو أنتِ فاكرة نفسك لسه عيلة صغيرة للعصبية دي يا إيثار، إهدي لتجي لك جلطة بعد الشر.
فغر فاهها واتسعت عينيها على مصراعيهما بصدمة من حديث تلك البلهاء حيث أشعل النار بداخلها وجعلها تقارن بين عمرها الذي تعدى الأربعين، وعمر تلك العاملة التي بريعان شبابها، لتهتف بأعين مشتعلة: -اطلعي برة يا عزة، ولو خايفة على نفسك، ما تخلينيش ألمح طيفك النهارده. تراجعت للخلف خشية غضبها لتنطق بحروف متقطعة: -الله أكبر، بسم الله الرحمن الرحيم، مالك اتحولتي كده ليه، هو أنا قلت لك حاجة غلط لا سمح الله، ده أنا خايفة عليكِ.
-امشي يا عزة من قدامي، صرخت بها لتهرول الأخرى صوب الباب وفتحته ليباغتها دخول ذاك المشاغب حيث صاح بمشاغبة: -يلا يا مامي علشان تتغدي. تحرك مهرولًا إليها لتجذبه عزة من رسغه وهي تهمس بترقب لملامح تلك الشرسة: -تعالى هنا رايح فين. وهمست له: -ابعد عنها الساعة دي، حكم دي مش طايقة نفسها واللي هيقرب منها هتاكله بسنانها زي أمنا الغولة. أفلت ذراعه لينطق وهو يتأمل وجه غاليته: -أوعي، هحضن مامي، مش شوفتها لما جت. رمقتها بحدة:
-سيبيه وانزلي جهزي الغدا وباشري عليه بنفسك. وتابعت متوعدة بكفها: -وإياك أنزل ألاقيكِ هربانة ومستخبية في المطبخ يا عزة. أسرعت هاربة من أمام تلك الغاضبة ليهرول الصغير على والدته التي احتضنته وقبلت كل إنش بوجهه. بعد قليل كانت تجاور زوجها والصغير حول طاولة الطعام استعدادًا لتناوله، أقبلت عليهم عزة تحمل دورق المشروب، تهربت بنظراتها بعيدًا ثم نطقت بصوت يكاد يسمع: -العصير يا باشا.
رفع عينيه لأعلى يتأملها مبتسمًا فحقًا اشتاق لرؤياها، نطق في محاولة لملاطفة تلك العزيزة التي استطاعت بعفويتها أن تحصل على مكانة داخل قلبه: -كفارة يا عزة. ابتسمت خجلًا ليتابع مداعبًا تحت نظرات إيثار القاتلة لها: -أخيرًا حنيتي علينا وقررتي تتعطفي وتورينا طلعتك البهية. بادلته المداعبة قائلة: -أنا قلت أريحك شوية من خلقتي وأشوف هوحشك ولا لأ. ابتسم وقرر بث الرعب بأوصالها قليلًا لمعاقبتها:
-أوعى تكوني فاكرة إني نسيت عملتك السودة إياها، ولا هفوتها لك كده بسهولة. بعفوية تحدثت لإلهائه: -أنهي عملة فيهم بالظبط يا باشا؟ قام بحمل بعض من الأرز المطهي ورفعه باتجاه فمه وقبل إدخاله تحدث بمشاكسة: -لكِ حق تتوهي، ما أنتِ بلاويكِ كتير وسجلك مليان. وتابع بمراوغة: -بس ما أبقاش فؤاد علام إن ما توبتك يا عزة. تحمحمت وتحدثت إلى إيثار لمراضاتها: -أصب لك عصير يا ست الستات؟ ردت باقتضاب متجاهلة نظراتها: -مش عاوزة منك حاجة.
-طب بالإذن أنا بقى، قالتها وهي تضع الدورق استعدادًا للهروب ليقطع لحظتها ذاك الذي صدح مشاغبًا: -هو أنتِ مش شيفاني يا زوزة؟ طالعته بغل وهي تسأله: -يا غلبك يا عزة، عاوز إيه أنت كمان؟
رمقها فؤاد بنصف عين اعتراضًا على أسلوبها الغير لائق مع الفتى، لكن ماذا بيده ليفعله مع تلك التي عاش يوجهها مرارًا لسنوات ولم تستجب، وأخيرًا استسلم بالأمر الواقع وتقبلها كما هي إكرامًا لما عانته مع زوجته وحمايتها لها ولصغيرها طيلة سنوات وما زالت، أما الصغير فاستند للخلف ليقول بكبرياء: -صبي لي كاس عصير زي بابي. -حاضر يا آخرة صبري، نطقتها من بين أسنانها لتطلق بعدها العنان لساقيها هاربة، تطلع فؤاد لحبيبة الروح سائلًا
ليطمئن: -مالك يا حبيبي؟ -سلامتك يا فؤاد. -مالك بجد، فيه حاجة حصلت بينك وبين عزة؟ تدخل ذاك المشاكس بالحديث: -لما طلعت أنده لمامي، عزة شدتني ومش كانت عاوزاني أقرب. ونطق واشيًا: -وقالت لي، ما تقربش من أمك، دي عاملة زي أمنا الغولة وهتاكلك. احتدت ملامحها وتحولت لتهب واقفة وهي تصرخ بعلو صوتها في طريقها للمطبخ: -عزة، تعالي لي هنا حالًا! نطق فؤاد لنجله بعدما شعر باقتراب العاصفة: -شديت الفتيل يا ملوك، برافو عليك يا حبيب بابا.
رفع كتفيه للأعلى ناطقًا بعدم استيعاب الجملة: -فطير إيه يا بابي اللي شديته؟ -فطير إيه يا عم الحلواني أنت كمان، وتابع مداعبًا: -قوم ناخد لنا ساتر تحت السفرة قبل ما حرب الحلل والطاسات تبدأ. ***** بنفس التوقيت تقريبًا، داخل مسكن يوسف البنهاوي، حضر هو وزينة وأيضًا "رامي" حيث طلب منه عمرو الذهاب معهما للاستعانة بالمعلومات التي بحوزته عن ذاك الحقير، جن جنون يوسف بعدما استمع من جميع الأطراف، ليصرخ في وجه شقيقته بحدة بالغة:
-أنتِ إزاي تخبي عني حاجة زي دي؟! ارتعبت من هيئته الغاضبة، فتلك هي المرة الأولى التي تراه فيها بهذا الشكل الجنوني، نطقت وهي تنكمش أكثر: -خوفت، خوفت يا يوسف. هتف متغاضيًا عن نظراتها المرتعبة: -من إيه، خوفتي من إيه يا زينة؟! تابعت بنفس الرجفة وأعين زائغة تحت غضب رامي من أسلوب الشاب الخالي من الرحمة مع شقيقته: -خوفت أقول لك تعمل معاهم مشكلة، ويتكاتروا عليك ويضربوك.
زفر حانقًا ومرر أصابع يده بخصلات شعره الفحمي يشدد عليه بقوة زائدة قبل أن يصيح من جديد متجاهلًا ولأول مرة حالتها النفسية: -تمام قوي يا زينة، اتفضلي بقى شوفي نتيجة خوفك وصلتنا لإيه. قرر رامي التدخل بعدما اشتعل داخله من غضب الشاب وعدم مراعاته لهلع الفتاة، فتحدث بجدية وخشونة: -أستاذ يوسف حاول تهدى، صراخك على أختك مش هيحل المشكلة.
تطلع إليه بحدة لكنه استطاع السيطرة على حالة الغضب التي تملكته نتيجة هلعه على شقيقته وشعوره بالإخفاق في حمايتها، وأيضًا تعرضها لتلك المشكلة الكبيرة التي ستؤثر حتمًا في حياتها وتعيدها لنقطة الصفر، نطق بهدوء استدعاه بصعوبة: -أنا متشكر جدًا يا أستاذ رامي على مواقفك النبيلة مع أختي. وأشار بكفه باتجاه الباب: -واتفضل حضرتك وما تعطلش نفسك أكثر من كده. واسترسل متذكرًا:
-يا ريت بس قبل ما تمشي تسيب لي اسم الواد الحقير وصاحبه وعناوين بيوتهم وأرقام تليفوناتهم. أجاب الشاب برجولة: -أنا تحت أمرك في كل المعلومات اللي أنت محتاجها. وتابع برجاء: -بس يا ريت بعد إذنك تخليني معاكم لحد الموضوع ما يتحل، أنا عندي معلومات كتير وأكيد هفيدك. وقبل أن يرد عليه انطلق صوت عمرو الذي ما زال يتابع اتصالاته: -اقعد وإهدى يا يوسف وأنا هحل الموضوع بعلاقاتي. لم يتحمل كلماته وانفجر صارخًا به:
-متشكرين لأفضال جنابك، اتفضل حضرتك روح لمراتك وولادك وسيبنا في حالنا. وتابع ببسالة: -أنا كفيل بمشكلة أختي ومحدش هيحلها غيري. امتلأت ملامح عمرو غضبًا ليصيح بقلب مشتعل: -طبعًا هتجري على اللي اسمه فؤاد وتستنجد بيه؟ وتابع مسترسلًا بتحذير شديد اللهجة نابعًا من غيرته: -بس أنا مش هسمح لك تقلل مني قدامه وتحسسه إنكم ما لكوش أب يا يوسف.
برغم ما يشعر به الشاب من آلام شديدة تنخر بعمق قلبه، إلا أن ما قاله ذاك الرجل أدخله في نوبة من الضحكات الساخرة لينطق وهو يتحرك بدائرية داخل فناء المسكن بجنون: -أب، وأنت إمتى كنت أب ولا اتحملت مسئوليتك ناحيتنا؟! توقف فجأة ليرمقه بنظرات غاضبة متسائلًا بلوم: -أنت مصدق نفسك فعلًا؟! نطق الرجل بنبرة انهزامية وكأنه يترجاه:
-جربني المرة دي يا يوسف وسيبني أقف جنبكم، المشكلة بسيطة، ولو هتوصل لأني أراقب أهله وأخلي رجالتي تخطف حد منهم علشان الواد يظهر هعمل كده. دقق النظر نحوه لتحتد ملامحه بغضب عارم تجلى على محياه ليصيح محذرًا بصرامة: -أنا بحذرك، أوعى تتدخل بأي شكل من الأشكال، وإلا قسمًا بالله هزعلك. جحظت عيني الرجل ليتابع الآخر تهديده المباشر:
-أوعى يغرك صغر سني وتستقل بي، أنا عامل زي موج البحر، قلبتي غدارة وممكن تندمك وتخطف عمرك كله في لحظة. وتابع بحصافة ورثها من خلال عشرته بالراقي "علام": -حق أختي هييجي بالقانون، أمور البلطجة وشغل عصابات حواري شيكاغو ده ما يمشيش معي.
تألم قلب "عمرو" من عدم لين قلب نجله الغالي له، بينما نزف قلب "رامي" على تلك المنكمشة تشاهد بنظرات صارخة ودموع منهمرة ما يحدث بين أبيها وشقيقها وعلاقتهما المشوهة، لم يستطع فهم ما يدور من حوله لكنه استنبط من الحديث أن الوالد والأبناء ليسوا على وفاق، وبأن تلك العائلة منفرط عقدها، تحرك إلى المنضدة وأفرغ من الدورق كأسًا من المياه وتقدم به نحو تلك المسكينة التي لا يشعر بمعاناتها أحد، حيث الجميع منشغلًا بخوض معاركه الخاصة:
-اشربي يا زينة. تمسكت بالكأس بكلتا يديها ليرتجف من شدة انتفاضة جسدها وتناثرت منه بعض القطرات وهي ترتشف ليقع البعض على ملابسها، احترق فؤاده عليها ليهمس قائلًا بحميمية ممتزجة بنظرات حنونة إشفاقًا على حالتها: -ما تخافيش، كل حاجة هتبقى كويسة. نطقت بشفاه مرتجفة وأعين نادمة: -أنا آسفة، تعبتك معي ودخلت بسببي في حوار ما لكش علاقة بيه. همس بنفس الهدوء لبث الطمأنينة بداخلها:
-أوعي تقولي كده، أنا مش هسيبك غير لما نلاقي الحيوان ده والبوليس يقبض عليه، ونحذف كل صورك اللي عنده. حركت رأسها مرارًا لتنطق متنصلة بدموع حارة: -والله العظيم ما هي صوري يا "رامي"، وحياة ربنا مش صوري. أجابها بيقين ونظرات هادئة: -أنا متأكد من ده.
غاصت عينيها بخاصتيه وشعور غريب اقتحم قلبها ليهزه بعنف، هدأت دقات القلب قليلًا لتصمت ويتحرك هو باتجاه يوسف بعدما اطمئن عليها نسبيًا، أمسك يوسف هاتفه الجوال وقرر يهاتف اللواء التابع لجهاز المخابرات يستعين به، استبعد اللجوء إلى فؤاد كي لا يتسبب لحاله الحرج أمامه أكثر، يكفيه ما يشعر به دومًا بالتقزم تجاه تلك العائلة العريقة، كان داخل عمرو مشتعلًا وخصوصًا أنه لم يتوصل إلى حل، فكل الشخصيات التي لجأ لها تهربوا لعدم صلتهم بشخوص ذو مناصب مهمة في الدولة يستطيعون التدخل، استمع إلى
يوسف وهو يقول بكل جدية: -السلام عليكم، إزيك حضرتك يا سيادة اللواء، كنت محتاج تدخل حضرتك في حل مشكلة حصلت لأختي. هدأت نار قلب عمرو وتابع يوسف حديثه مع الرجل وقام بإمداده بكل المعلومات اللازمة التي حصل عليها من خلال ذاك الشاب الخلوق "رامي"، وعده اللواء أنه سيعمل بجدية والعثور على هذا الحقير في خلال ساعات، اتجه يجلس بجوار شقيقته، حاوط كفيها المرتجفتين وضغط عليهما باحتواء وهو يعتذر: -أنا آسف، اتنرفزت عليكِ غصب عني.
وتابع بتبكيت: -بس أنتِ السبب يا زينة، لو من الأول خالص صارحتيني، كنا قدرنا نحل الموضوع وما كناش وصلنا للي وصلنا له ده. -أنا آسفة يا يوسف، أنا سكت من خوفي عليكِ، وتابعت بقلب يتمزق ونظرات صادقة: -ما كنتش عاوزة أخسرك بعد ما لقيتك. رفع كفه يجفف دموعها ثم نطق بكلمات شملت روحها لتمدها على الفور بالسكينة: -من أول يوم شوفتك فيه وجبتك هنا، قلت لك أنا مش بس أخوكِ، أنا أبوكِ وسندك وكل عيلتك.
وبات يذكرها بحديثهما الفائت تحت رجفة قلب رامي واستحسانه لتلك العلاقة الصحية: -قلت لك أي حاجة تحتاجيها اطلبيها مني من غير ما تترددي، وأي مشكلة تواجهك أنا في ظهرك. مال برأسه ليسألها بأعين عاتبة: -مش أنا قلت لك كده يا حبيبتي؟ أومأت بدموعها لترتمي داخل أحضانه وتبكي متمسكة بتلابيب قميصه تحت صرخات قلبه النازف لأجل ضعفها، استغل عمرو الوضع واقترب يجاور الفتاة متحدثًا: -إهدي يا حبيبتي، كل حاجة هتبقى زي الفل.
أغمض يوسف عينيه زافرًا لتخرج الفتاة من أحضان يوسف منساقة إلى ذاك الأب الذي نجح بجذب تلك المسكينة، مستغلًا حالتها للحنان ووجود العائلة والاهتمام التي حرمت منه طيلة حياتها.
_بعد مرور حوالي ساعة على تلك الأحداث، هاتف اللواء "يوسف" وأخبره أن رجال المخابرات استطاعت العثور على ذاك الفأر المختبئ، وتم العثور عليه داخل منزل أحد زملائه بأحد المناطق الشعبية المكتظة بالناس ليتوه بينهم، ولكن لم يخفَ هذا عن جهاز المخابرات العتيق، طلب منه اللواء الحضور إلى قسم الشرطة حيث تم القبض عليه والتحقيق الفوري معه بناءً على توصيات هائلة من رجال المخابرات، أمسك يوسف هاتفه الجوال وبعد طول ابتعاد قرر الاقتراب من
حبيبته والاستعانة بها للوقوف بجانب شقيقته في هذا الظرف الصعب، قرر أن يستعين بها لتجلس مع شقيقته هنا بالمنزل وتحتويها حتى ينتهي هو ويعود إليهما، اتخذ قراره هذا لقرب موعد تحقيق حلمه وبأنه أخيرًا سيكون جديرًا بها، كاد أن يضغط فوق زر الاتصال بتلك التي كانت تجلس داخل غرفتها، تنتحب ودموعها تنساب من مقلتيها كشلالات، حزنًا وقهرًا على من خالف العهد وخان الوعد وتخلى عن الحب، قبل أن يضغط فوق زر الاتصال أتاه اتصالًا من اللواء
يطالبه بالتعجل والتوجه فورًا إلى قسم الشرطة وذلك لوجود أحد رجالهم بانتظاره هناك، وطلب أيضًا حضور زينة لأخذ أقوالها، أغلق معه ليهرول مسرعًا متناسي أمر بيسان وكأن الكون بظروفه تحالف ضد تجمع الحبيبين.
حضر يوسف مصطحبًا شقيقته وعمرو ورامي أيضًا الذي حضر التحقيق وقام ضابط الشرطة بأخذ أقواله باعتباره شاهدًا على الواقعة الأولى، وقد عثر الضابط أثناء تفتيش هاتف المجرم على مجموعة من الصور لأكثر من فتاة، كان ذاك الحقير يتبع معهم ما قام به مع زينة، صرخ ذاك الـ "مازن" وهو يترجى زينة: -أنا كنت بهزر معاكِ. وتابع كذبًا بدموعه المنهمرة كالنساء: -ما كانش قصدي أأذيكِ، أبوس إيدك يا زينة تتنازلي، مستقبلي هيضيع.
رمقته باشمئزاز ليصرخ صديقه إياد مترجيًا ضابط الشرطة: -أنا ما عملتش حاجة، والله يا باشا ما عملت حاجة، مازن هو اللي بعت صور للبنات وهددهم لو ما سمعوش كلامه هيفضحهم، أنا اتاخدت في الرجلين ليه يا باشا. لينطق رامي مذكرًا كلاهما: -أنتوا الاتنين ضيعتوا مستقبلكم بغبائكم وقذارتكم، أنا حذرتكم من أول مرة ضايقتوا البنت فيها، بس أنتوا مشيتوا ورا شيطانكم، احصدوا بقى نتيجة حقارتكم. رمق يوسف ذاك الحقير المنكمش
كالفأر ونطق من بين أسنانه: -احمد ربنا إني متربي في بيت بيحترم القانون، وإلا كان زمان البوليس بيدور على جثتك وبيجمعوها من كل صندوق زبالة جزء. تحدث الضابط بنبرة حكيمة: -يا ريت يا آنسة تشيلي صورك من على الفيس بوك وما تنزليش أي صور تاني، أديكي شايفة التكنولوجيا وقرفها. -أنا عمري ما نزلت صور لي على الفيس بوك، قالتها بانهيار ليسألها الضابط بحيرة: -أمال الـ ... ده جاب الصور منين؟ تابعت بدموع: -والله العظيم ما أعرف.
نظر الضابط لذاك الحقير لينطق بارتياب: -أنا صورتها في الجامعة بكاميرا الفون بتاعي، من غير ما تاخد بالها يا باشا. الله يخربيتك لبيت التكنولوجيا اللي هتعجل بنهاية العالم دي. ***** ليلًا، داخل منزل علام زين الدين، وبانضمام فريال وبيسان إلى العائلة بناءً على طلب الأولى لعقد اجتماع عائلي عاجل لنقاش أمر ذاك المتقدم لخطبة ابنتها، تحدثت فريال بنبرة خائبة ظنًا منها استطاعة تأثير العائلة عليها لتتراجع عن ذاك القرار الذي
سيدمر مستقبلها بالكامل: -بيسان متقدم لها عريس من الجامعة بتاعتها، وهي موافقة. وقع الخبر على الجميع كصاعقة كهربائية خاصة إيثار التي فغر فاهها بدهشة بينما وقفت الفتاة لتهتف مخاطبة والدتها بصوت متهدج من شدة الغضب: -هو حضرتك جايباني هنا علشان تنصبي لي محكمة؟! نطق فؤاد متمالكًا حاله: -إهدي يا بوسي واقعدي علشان نشوف المصيبة اللي عاوزة تعمليها في نفسك دي كمان. -دي مش مصيبة يا خالو، وتابعت بشموخ وعناد:
-ده تحديد مستقبلي، وأظن إني حرة في اختيار الراجل اللي هكمل معاه باقي حياتي. ثم رمقت والدتها لتتابع بحدة ولوم: -المفروض إني جاية معاكِ علشان أشوف جدو التعبان، مش ده كلام حضرتك ليّ؟ سألها علام بنبرة هادئة متخطيًا غضبها: -مين العريس ده، وعرفتيه منين وإزاي؟ بلامبالاة أجابته: -واحد زميلي في الجامعة، وبابا حدد له ميعاد لزيارتنا بكرة خلاص. -نعم؟! قالها فؤاد متهكمًا بحدة ليتابع بأعين تطلق شررًا:
-هو ماجد اتجنن ولا إيه يا فريال، إزاي يحدد ميعاد لعريس جاي لبنتنا من غير ما يبلغنا ويأخذ رأينا؟ وضعت رأسها بين كفيها بألم واستسلام بعدما اتخذت من الصمت مسلكًا لتنطق الفتاة بصوت واثق: -دي مجرد قعدة تعارف يا خالو، وأكيد بعدها بابا هيعزمه هنا علشان يعرفه على جدو وعلى حضرتك. -ويوسف يا بيسان؟ كلمتان نطقت بهما إيثار بخفوت وقلب ينزف دمًا على نجلها الغالي، لتجيب الأخرى بقوة متجاهلة نبرة الأم الحزينة:
-أنا ويوسف مش مناسبين لبعض يا طنط. وتابعت بتعالٍ طارئًا على شخصيتها، وكأنها تحفظ بتلك الطريقة الانتقامية ماء وجهها: -بعد ما فكرت اكتشفت إن مستوانا العلمي والاجتماعي مختلف. رفعت قامتها لأعلى مسترسلة: -أنا هبقى جناب السفيرة يا طنط، وخطيبي كمان سفير، وعيلته... اتسعت حدقتا عينيها ليهتف فؤاد معترضًا بحدة مقاطعًا حديثها المفتقر لأدنى حدود الأدب: -بيسان، أنتِ اتجننتي ولا إيه؟! وقفت إيثار لتشير بكفها إلى فؤاد وهي تقول بهدوء:
-كفاية يا فؤاد، لحد هنا والموضوع بالنسبة لي انتهى. التفتت تطالعها وهي تقول بحسرة: -ربنا يوفقك مع الراجل اللي من مستواكِ هو وعيلته يا سيادة السفيرة. وتابعت برأس مرفوع: -وبالنسبة لابني الباشمهندس يوسف، فألف واحدة تتمناه. وتابعت مسترسلة: -وأكيد ربنا هيرزقه باللي تستاهله بجد، وتبقى جديرة بيه وبنضافة قلبه وأخلاقه. -بعد إذنك يا بابا، بعد إذنكم... انطلقت مهرولة للأعلى تحت حزن عميق خيم على الجميع، نطق
علام بألم استوطن من قلبه: -خسرتي راجل، رجالة الدنيا كلها مش هتعوضك ضفره يا بنت ماجد. طالعت الجميع بحدة وقوة مزيفة لتنطق بكبرياء وصرامة غير قابلة للنقاش: -مش أنا اللي هخسر يا جدو، وبكرة هتشوفوا كلكم أنا هبقى إيه وهوصل لفين. وتابعت بتحدي: -والنيابة اللي خسرتها علشانه وقهرت قلب بابا بسببه، هحقق قد اللي كنت هحققه فيها عشرات المرات، وهرفع اسمي واسم أبويا للسما.
رمت بكلماتها الأشبه بسهام نارية لتنطلق للخارج كثور هائج لا يرى من شدة غضبه، تاركة الجميع خلفها يتطلعون بقلوب نازفة وعقول مشتتة. *****
كان يقف بغرفته، يتابع تجهيزاته لاحتفال الغد بروح قتالية، فبرغم ما حدث باليوم وبشاعته، إلا أنه طرد جميع المشاعر السلبية ليستدعي طاقة هائلة من الإيجابية يستقبل بها أسعد لحظات حياته، علق بدلته الجديدة حيث سيرتديها بالمؤتمر، وتحرك إلى مرآة زينته يهذب بكفه ذقنه بابتسامة هادئة، رتب كل شيء، اتفق مع والده الروحي بجمع العائلة، وشقيقته ستذهب لعائلة عمه حسين وتنتظر المفاجأة حيث أبلغها بذلك، فكر بأن يهاتف حب العمر ويقوم بإخبارها بنفسه، لكنه تراجع وفضل تفاجأها مع الجميع، استمع إلى هاتفه فتحرك إلى المنضدة ينظر لشاشته ليبتسم تلقائيًا حين وجد اسم والدته، على الفور أجاب بصوت حماسي استدعاه لينسى من خلاله
ما مر به من أحداث مروعة: -إيه يا حبيبتي، تعرفي إنك كنتي لسه على بالي. كانت تجلس على طرف الفراش وبدون مقدمات قررت إبلاغه: -بيسان اتخطبت يا يوسف. نزل الخبر عليه كالصاعقة الكهربائية ليزلزل كيانه ويشل معه حركة جسده بالكامل، تابعت بهدوء تحت صرخات قلب الفتى: -اتقدم لها واحد معاها من الجامعة وهي وباباها وافقوا عليه، والعريس هيزورهم بكرة هو وأهله. وتابعت بتأكيد أنهى على ما تبقى له من أمل:
-هي بنفسها اللي بلغتنا تحت من شوية، وشكلها موافقة ومقتنعة جدًا بالعريس. ابتلعت ريقها لتتابع وقلبها يتمزق لكنها أرادت إخباره بجل ما دار كي يحفظ ماء وجهه ويظل محتفظًا بما تبقى من كرامته التي دهست قبلًا تحت قدمي أبيها والآن قد أتى دور ابنته: -بيسان قالت لي في وشي إنها اختارت الراجل المناسب واللي هيبقى سفير زيها، وإن عيلته تشرف وتناسب عيلتها. لم ينبس ببنت شفة فتنهدت وعادت تسأله بنبرة محبطة: -ساكت ليه؟ بصوت خالٍ
من المشاعر أجابها: -عاوزاني أقول إيه؟ -أي حاجة. بصوت قوي عكس ما يدور بداخله أجابها: -ما بقاش فيه حاجة تتقال خلاص يا ماما، هي اختارت بكامل إرادتها اللي يناسبها، ربنا يوفقها. وتابع: -ماما. بقلب يئن ألمًا وحروف مرتجفة من شدة التأثر نطقت: -نعم يا نور عيني.
-ادعي لي، قالها بصوت مهزوم لم يستطع الصمود لتنهمر دمعات تلك الحزينة قهرًا عليه، استمع لشهقاتها المرتفعة فأنهى المكالمة قبل أن ينهار هو الآخر ويصدح صوت صرخاته بدلًا من الشهقات، تطلع على انعكاس صورته وعلى حين غرة ضحك وضحك لتعلو قهقهاته أكثر وأكثر سخرية من حاله، امتزجت دموعه بالضحكات المتهكمة وبات كالفاقد لعقله، سخر على حاله وسعادته الناقصة دومًا، لما تعامله الحياة معاملة الزوجة لعشيقة زوجها، يا الله، كم بات يشتهي فرحة كاملة يعيشها، دائمًا سعادته منتقصة، وقف يتطلع في المرأة وهو يتخيلها أمامه، ليحدثها بدموعه الأبية التي تنزل بغزارة على حب العمر.
"أتدرين، أكثر ما أوجعني من الرحيل ذاته، هو وقوعه من دون وداع، رحلتي دون إبداء حجة لاتخاذك منفردة هذا القرار المصيري، لتتركيني في حيرة من أمري واقفًا على رفات أحلامي، أتأمل بعمق وحال عقلي هو الذهول محاولًا استيعاب حجم الدمار، وأتساءل، ما الذي حدث؟ ومتى؟ وكيف؟ بالله، أخبريني ماذا سأفعل بقلب ما زال بلهفة حبك نابضًا؟ كيف سأسكت صدى صوتك المرافق لي بصحوتي ومنامي؟
ذكرياتنا والضحكات التي يصدح صوتها في ثنايا مسامعي، أمنياتنا أفكرتِ بها؟ أتذكرين أسماء أطفالنا التي اخترناها معًا بعد عناء من التفكير؟ ماذا سنفعل بها؟ هل سنتقاسمها بيننا؟ بالله لا تتركيني لحيرتي بلا إجابات. أليس من العدل أن تخبريني ما وراء تبديد آمالنا وضياع الأحلام؟ أواعية أنتِ لما فعلتِ؟
لقد حولتِ رونق أحلامي إلى كوابيس مفزعة، لا عليكِ عزيزتي، دعكِ من كل مهاتراتي، ولتلقي بكل ما هزيتُ به الآن في جب النسيان، ولتستمعي جيدًا إلى حزمة قراراتي، سأنتصر على هزيمتي الساحقة في معركة غرامك، سأجاهد لسحق آلامي وآهاتي وإخراج عشقك من الوجدان، وسأستطيع هزيمة طغيانك بقوة الإيمان، سأتابع طريقي كفارس امتطى جواد الرحيل بصمت دون الالتفات لما فات."
أخرج هاتفه وجاء بصورها الخاصة معه وبدأ بحذفها صورة تلو الأخرى ليكمل متوعدًا بحدة وعينين تشتعل نارًا: -وداعًا أبديًا يا من احتلتني عشقًا وشيدتِ معها قصورًا لأكتشف بنهاية المطاف، كم كانت واهية هي ومصنوعة من الرمال." *****
مساء اليوم التالي، ارتدى تلك البذلة الفخمة وقام بهندمة حاله على أكمل وجه، ليبدو كعريس بليلة زفافه، ارتدى أيضًا ساعة يد تحمل اسم ماركة عالمية شهيرة، نثر عطره الرجولي وتوقف يلقي نظرة أخيرة على صورته المنمقة، ابتسم برضى وتحرك برتابة إلى موعده بعدما ذهبت شقيقته إلى منزل عمه، أبلغ عمه أيضًا إبلاغ عمرو وجدته إجلال وجميع العائلة بأن ينتظروا شيئًا هامًا بشاشة التلفاز، يبدو أنه قد أعلن الحرب على الجميع.
حاول فؤاد أن يقنع ابنة شقيقته تأجيل زيارة المتقدم فرفضت رفضًا باتًا، فاحترم قرارها وها هم الآن على مشارف الوصول إلى منزل ماجد، أمر فؤاد بتجهيز عشاء ضخم يكفي الجميع، حضر أحمد الزين وجميع عائلته ليرحب بهم الجميع بحفاوة، جلست نجوى لتضع ساقًا فوق الأخرى متسائلة باستغراب: -أنا مش فاهمة بجد إيه مناسبة العزومة دي. وتابعت معللة تحت استغراب عصمت وإيثار والجميع أيضًا: -إحنا لسه من كام يوم كنا بنتغدى مع بعض في المزرعة.
زفرت عصمت برغم تضامنها مع رأيها لتنطق سميحة باستفزاز لإيثار: -أكيد مدام إيثار هي اللي ورا العزومة دي يا مامي. وتابعت بابتسامة مستفزة: -شكلي بأوحشها لدرجة إنها مش قادرة على بعدي حتى في الويك إند. همس زوجها خالد: -بطلي تستفزي الست يا سو، هي أصلًا قاعدة مش طايقانا لوحدها. -لا يا حبيبي ده العادي بتاع تركيبة وشها، قالتها ساخرة لينطق أحمد باطمئنان بعدما لاحظ شرود وحزن زوجة ابن شقيقه: -مالك يا إيثار، أنتِ تعبانة ولا إيه؟
ابتسمت لتجيب ذاك الخلوق بوهن: -مرهقة شوية من قلة النوم يا عمو. -أوه، لازم تنامي كويس قوي، النوم ضروري للستات اللي في سنك، قالتها سميحة في محاولة من ضمن محاولات عديدة قامت بها منذ حضورها باللحظة الأولى لاستفزازها، لتتجاهلها الأخرى لسببين، الأول احترامها كضيفة على منزل الراقي علام، والثاني لعدم سماح حالتها المزاجية بالرد على تلك الحمقاء، ففضلت الصمت تحت تحذير أحمد لابنته ورمقها بنظرات نارية كي تلتزم الصمت.
نزل فؤاد من الطابق العلوي ليتحرك واقفًا أمام الجميع، ويقول مستأذنًا من والده: -بعد إذنك يا باشا، أنا رايح بنفسي أعزم ضيوف دكتور ماجد علشان ييجوا يحضروا معانا العشا. نطقت عصمت باعتراض وهي تنظر لزوجة نجلها في إشارة يفهمها اللبيب: -مش هينفع يا فؤاد، بعدين.
تبادل علام النظرات بين نجله وإيثار شاملًا إياه بنظرات لائمة ليطمئنه الآخر بنظراته التي يثق بها مما جعل علام يصمت منتظرًا، تحرك إلى زوجته ومال بطوله مقبلًا جبينها ليهمس تحت اشتعال قلب سميحة بالغيرة: -عاوزك تتأكدي إني بأعمل كده علشانك. رفعت عينيها الذابلة من بكاء ليلة أمس لتلتقي بلوم خاصتيه لينطق بابتسامة رائعة: -جهزي قلبك لاستقبال فرحة عمرك كله يا نور عيوني.
غامت بعينيه متلهفة لكلماته ليبتسم مع إيماءة تأكيد من عينيه جعلتها مستبشرة خيرًا، تحرك إلى منزل ماجد الذي كان يستقبل الضيوف داخل الحديقة ليقوم بدعوتهم تحت استغراب ماجد، خرجت الفتاة وهي ترتدي ثوبًا رائعًا وكأنها تتحدى الجميع لتسأل خالها بقوة: -ممكن أعرف حضرتك بتخطط لإيه بالظبط يا خالو؟ -ولا أي حاجة، قالها فؤاد ليتابع بتحدي ظهر بعينيه:
-تأكدي إن موضوع العزومة ده ما يخصكش لا من بعيد ولا من قريب، أنتِ اخترتي طريقك خلاص، ربنا يوفقك فيه. ابتسم نبيل ليقبل عليها مرتديًا حلته الرسمية: -إيه الجمال والشياكة دي كلها يا حبيبتي. أخذت نفسًا مطولًا كي تستطيع تقبل ذاك الثقيل على قلبها لتنطق بجدية: -ميرسي يا نبيل، يلا بينا نكمل تعارفنا في قصر جدو.
بالفعل تحرك الجميع ليدخل عاطف السرجاوي مرتديًا بدلة ذو ماركة عالمية قد انتقاها له نجله بعناية ليرتديها رغمًا عنه، وأيضًا والدته ناهد التي بدت وكأنها سيدة مجتمع من الدرجة الأولى، رحب بهم الجميع ليتحدث عاطف بنبرة نهمة ظهرت على محياه: -اتشرفت بمعرفتك يا باشا، أنا من زمان وأنا نفسي أشوفك وأتعرف عليك. وتابع بأعين لامعة تحت استغراب وذهول الجميع بما فيهم بيسان بذاتها:
-أنا شوفتك في التلفزيون كتير قبل كده، وما كنتش مصدق لما نبيل ابني قال لي إنه هيخطب بنت بنتك. كان يتحدث بلكنة أظهرت مستواه البسيط ليسأله بسام بعدما لاحظ هذا: -أنت بتشتغل إيه يا عاطف بيه؟ قبل أن ينطق خرج صوت نبيل القوي حادًا بعض الشيء لغضبه من أسلوب والده الذي وضعه في موقف لا يحسد عليه: -بابا رجل أعمال كبير، عندنا مجموعة شركات مقاولات.
خاب أمل ماجد بنجلته ورمقها بحدة عاتبًا لتدني اختيارها بشريك العمر، كان منتظرًا قدوم شخصًا من عائلة مرموقة، حتى بيسان بذاتها خاب أملها بنبيل، لكن لا يهم، كل ما يشغلها حاليًا هو الثأر من يوسف وفقط، وليذهب كل شيء بعد الانتقام إلى الجحيم، وقفت عصمت تتحدث بحدة تعود لعدم تقبلها لتلك المهزلة التي تحدث في حضرة تلك النجوى التي رمقتها بضحكة شامتة: -بعد إذنكم، هأبلغ المطبخ علشان يجهزوا لنا العشا. وقف فؤاد ليتحدث بنبرة قاطعة:
-بعدين يا دكتورة لو سمحتي. ونظر بساعة يده لينطق وهو ينظر لزوجته بابتسامة تعجبت لها: -فيه حاجة مهمة جدًا هتتذاع بعد عشر دقايق في التلفزيون، وإحنا كلنا متجمعين النهارده علشان نشوفها مع بعض. وقفت تقترب منه وسألته متوجسة: -فيه إيه يا فؤاد، فهمني إيه اللي بيحصل بالظبط؟ -هتفهمي حالًا، وعلى صوته مناديًا: -عزة، هاتي الأولاد وحصليني على الليفنج روم. قطب الجميع أجبانهم وتوقفوا منساقين خلف ذاك الفؤاد دون اعتراض. *****
داخل منزل عمرو أيضًا، كان يجلس بجوار والدته فوق الأريكة، بينما تجلس رولا بالمقعد المقابل لهما، حيث تمكنت تلك المتجبرة من السيطرة على عمرو طيلة مكوثه بالمنزل مما جعل الأخرى تشتعل نارًا من تواجدها بالمنزل، سألتها بنبرة مستفزة: -شو يا ستهم، ما قلتِ لي، إيمتى رح ترجعي لبيتك؟ رمقتها بحدة قبل أن تنطق باستفزاز وجبروت: -أما يجيني مزاجي يا مرات ابني، عندك اعتراض ولا حاجة؟! ردت بابتسامة مصطنعة:
-اعتراض على شو حياتي، وجودك منور البيت يا تؤبريني. مالت على أذنه تهمس متسائلة: -بتقول إيه البت دي يا عمرو، أنا ما بأفهمش من كلامها الملخفن ده حاجة. أجابها بهدوء وهو يتناول إحدى حبات البندق: -بترحب بيكِ يا ستهم. -يا الله بدي أفهم، ليش قاعدين هيك ومفتحين عيونا بالشاشة، مين رح نشوف بربك يا عمرو؟ بالكاد أنهت حديثها ليبدأ المؤتمر وبعد التقديم يظهر ذاك اللواء ويتحدث بحكمة ورتابة:
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!