الفصل 70 | من 89 فصل

رواية انا لها شمس الفصل السبعون 70 - بقلم روز امين

المشاهدات
16
كلمة
9,055
وقت القراءة
46 د
التقدم في الرواية 79%
حجم الخط: 18

إلى تلك التي أهدتني الكذب والخداع، وقررت بين ليلة وضحاها أن تتركني فريسة للحيرة والضياع. إلى من ظننتها امرأة العمر وأسميتها نبض الغرام. من أسكنتها تجاويف قلبي وتوجتها ملكة على عرش الوجدان، لأكتوي بنار غدرها وبدون مقدمات. إليك يا من ناقضت العهد، وبمنتهى التخلي تركت الوعد. أتيت إليك اليوم لأشهد تدوينك لعهدك الجديد لبديل عني. جئتك لأتعمق بعيناك للمرة الأخيرة وأنا أمزق أمامك تلك الدفاتر التي دونت بها قصائد غرامك على مر الزمان بأحرف من دمي. وليشهد الجميع مرارة النهاية كما شهدوا روعة البداية. واليوم، فلننتهي.

يوسف البنهاوي بقلمي روز أمين حالة من التأهب التام تحدث داخل حديقة قصر الموقر "علام زين الدين"، حيث تتم أقصى الاستعدادات لاستقبال حفل الخطبة من قِبل الشركة المنظمة المتفق معها من قِبل فؤاد وعلى نفقة علام الذي تكفل بكامل الحفل كهدية لحفيدته الغالية، برغم حزنه على ذاك النسب غير الملائم للجميع. تحركت نوال بجوار ماجد لتفقد أصناف الطعام الذي سيقدم بالحفل لتقول بجشعٍ وهي تتطلع عليه:

-هي الناس دي بتجيب الفلوس دي كلها منين يا ماجد؟ دي الحفلة دي مصروف عليها ملايين. زفر ماجد بضيقٍ يعود لعدم رضاه على تلك الخطبة برمتها لتسترسل نوال حديثها: -اهدى بقى وروق يا حبيبي، محدش عارف الخير فين، والولد مش وحش بردو، ده هيبقى سفير وأبوه عنده شركات وفلوس تسد عين الشمس. -القصة مش قصة فلوس بس يا ماما، الناس دي لا تناسبنا اجتماعيًا ولا علميًا. -أهم حاجة في الزمن ده هي الفلوس...

جملة نطقتها نوال عن اقتناعٍ لتقطع حديثهما اقتراب عصمت منهما وهي تسألها من باب الواجب: -إيه رأيك في البوفيه يا مدام "نوال"؟ بابتسامة هادئة أجابتها: -حلو قوي يا حبيبتي، عقبال ما تعملوا لها بوفيه الفرح. بكل ثقة وأريحية أجابتها "عصمت": -إن شاء الله، وأنا بنفسي اللي هشرف على تجهيزه، وعلى مزاجي. نطقت كلماتها لتنسحب تتابع باقي التجهيزات، لوت نوال فاهها لتسأل نجلها باستنكارٍ: -هي حماتك بتتكلم كده ليه يا ماجد؟ نطق بتمللٍ

وحدة نابعة من داخله: -سيبني في حالي يا ماما، أنا مش طايق نفسي. _بالأعلى

فتح باب الجناح كي يرى ساكنة الروح ويطمئن على حالها، فمنذ الصباح لم يلمح طيفها بالمنزل، فقد عزلت حالها بغرفة ابنتها كي تتجنب التحضيرات التي تتم داخل القصر وبحديقته لإتمام خطبة حبيبة نجلها الغالي على غيره، لم تتحمل الوضع فابتعدت كي لا يتأذى قلبها أكثر، حتى أنها لم تقترب من غرفة الفتاة والتمست فريال لها عذرًا. وجدها تقف أمام الفراش تساعد الصغير على إتمام ارتداء ملابسه بالكامل، صاح الصغير حين رأى غالي قلبه ليقول بسعادة

وهو يشير لثياب أبيه: -شوفت يا بابي البدلة بتاعتي زي بتاعتك إزاي. ارتسمت ابتسامة مصطنعة على وجهه لينطق بودٍ للصغير: -جميلة يا حبيبي، حلوة قوي. تحدث الصغير وهو يقفز بحبورٍ بَين على ملامحه: -جدو علام حبيبي هو اللي جابها لي مع بدلته. وتابع بثرثرةٍ اتخذها نهجًا عن عزة: -أنا قولت له عاوز بدلة لونها أبيض زي كريم صاحبي، بس هو قال لي هجيب لك لونها أسود علشان نلبس كلنا شبه بعض أنا وإنت وبابي والعبقري "زينو" حبيبي.

رفع كتفيه لأعلى ليتابع: -بس أنا مش عارف يوسف هيلبس زينا ولا لاء. حاولت تثبيته لتتمكن من إغلاق أزرار قميصه الأبيض ثم نطقت بصوتٍ يكاد يستمع من شدة حزنها: -اثبت يا مالك علشان أعرف أقفل لك زراير القميص.

تطلع لوجهها وتمزق قلبه لحالها، فبرغم أنهما مازالا متشاحنان إلا أن قلبه يتألم بشدة لأجل حالها وحزنها على فلذة الكبد، اقترب من طاولة الزينة وبدأ يعبث بأدراجها متعللًا بالبحث عن ساعة يده حيث تعمد نسيانها ليصعد مرة أخرى ويرى فاتنته العنيدة. انتهى الفتى من ارتداء ملابسه لتتحدث إليه بانكسارٍ ظهر بصوتها: -روح لأخوك أوضته زمانه خلص لبس هو كمان وانزلوا عند جدوا. وتابعت محذرة: -إوعى تسيب إيد أخوك أو تتشاقى يا مالك.

خرج صوته وهو يمسك بقنينة عطره وينثر منها على عنقه وذقنه: -استنى يا حبيبي أنا هاخدك معايا وأنا نازل. وتابع بصوتٍ حاد متحاشيًا النظر لوجه تلك التي مازالت بثياب المنزل: -لما تجهزي ابقي رني عليا علشان أطلع أخدك وننزل الحفلة مع بعض. قالها متحججًا باتباع الأصول لتمتنع هي عن الرد وتتحرك منسحبة تختفي خلف باب الحمام وتترك قلبه للغليان حيث همس من بين أسنانه: -ماشي يا إيثار، تقلي في حسابك معايا كمان وكمان.

-إنت بتكلم نفسك زي زوزة يا بابي؟! ... قالها ذاك المراقب لملامحه ليصيح به الآخر بحنقٍ: -ملقتش غير عزة وتشبهني بيها يا سرسجي العيلة. وتابع وهو يشير إلى الباب تحت ضحكات الصغير: -يلا قدامي. هتف معترضًا وهو يهرول إليه: -حط لي برفيوم من بتاعك الأول. -تعالي يا أبو لسانين... نثر عليه من العطر ثم اصطحبه وتحركا إلى حجرة زين لينطق للفتى:

-خلي أخوك معاك يا زين واستنوني هنا في الأوضة، هروح أشوف عمتك وبوسي وأرجع لكم علشان ننزل الحفلة مع بعض. -أوكِ يا بابي... قالها الفتى باحترام لينسحب فؤاد إلى الحجرة التي خُصصت لنجلة شقيقته كي تتجهز بها لاستقبال حفل خطبتها، دق الباب لتفتح له فريال التي طالعته بأعين يكاد الدمع ينفجر من داخلهما. شعر بحزنها فملس بكفه على شعرها الناعم وتحدث قائلًا بهدوء: -بوسي خلصت؟ -آه يا حبيبي... وأشارت بكفها: -ادخل.

اعتدلت الفتاة حين رأته وتحركت إليه تطالعه بجمودٍ يخبئ خلفه دمارًا شاملًا لروحها، تنهد بأسى قبل أن يسألها بهدوءٍ كأنه يقدم لها الفرصة الأخيرة للتراجع والفرار: -جاهزة؟ استمدت قوتها من ثورة مشاعر الغضب الكامنة بداخلها من خيانة ذاك الحبيب الذي تخلى وتحدثت: -جاهزة يا خالو. وكأنه مُصرٌ على إفاقتها قبل فوات الأوان لتنأى بحالها: -أكيد يا بنتي؟ بثقة ظاهرية أجابته: -أكيد يا خالو. رفع كتفيه لأعلى وأهدلهما باستسلامٍ وهو يقول:

-ربنا يسعدك يا بوسي. أومأت له بأسى فاحتضنها بقوة قابلتها بتشديدٍ من ذراعيها عليه وكأنها تترجاه أن يتدخل جبرًا ويردعها، تركها وتحرك مع فريال خارج الغرفة لتتحرك إليها صديقتها عالية وهي تقول بشفاهٍ مرتجفة من شدة التأثر: -بلاش تعملي في نفسك كده يا بوسي. وتابعت بأعين متسعة من الاستغراب: -إيه اللي يجبرك تتجوزي واحد إنتِ مبتحبهوش؟! -السؤال ده متأخر قوي يا عالية... جملة نطقتها باستسلام لتتابع بكبرياءٍ:

-ويعني أنا أخدت كنت إيه من اللي بحبه غير الغدر والخيانة. ازدردت الفتاة ريقها ثم همست لها بارتيابٍ يرجع لجبنها وتحذير والدتها بالنأي بحالها خارج ذاك الموضوع: -مش يمكن تكوني ظالمة يوسف واللي إحنا شوفناه ده اتفسر غلط، أو... وصمتت لتتابع وهي تفرك كفيها بتوتر بالغ: -أو حد قصد إن إحنا نشوف المشهد ده.

قطبت جبينها وكادت أن تسألها عن مصدر حديثها، لكن صوت هاتفها أوقفها عندما ارتفع رنينه. جلبه لها العاملة وناولتها إياه لتجيب الفتاة على والدها الذي سألها بصوت حاد يعود لعدم رضاه على تلك الخطبة: -عريس الهنا وصل هو وعيلته، إنجزي، ربع ساعة بالكتير وهطلع أجيبك. كانت كلماته تنزل على قلبها تشقه لنصفين. يا لقسوة قلبه! ألا يكفيه ما تعانيه روحها من ويلات؟

هو أبيها ومن المفترض أن يكون لها السند ويكون داعمًا لقراراتها أيًا كانت. نطقت بقلب ينزف دمًا: -حاضر. أغلقت معه لترفع رأسها للأعلى تحاول تنظيم أنفاسها كي تتحكم بدموع عينيها التي تقف متأهبة تنتظر السماح. تراجعت عالية عن خطوتها بالاعتراف حين رأت سوء حال صديقتها. بالخارج تحدثت فريال تشتكي إلى شقيقها والدموع تملأ مقلتيها: -بنتي بتضيع قدام عنيا وأنا واقفة متكتفة ومش قادرة أعمل لها حاجة يا فؤاد.

تنهد بحزن على حال شقيقته، لم يكن شعوره ببعيدًا عنها، فهو أيضًا يحتله شعور العجز لينطق بصوت استسلامي على غير عادته: -بنتك كتفتنا كلنا بقرارها يا فريال، أول مرة أشوف واحدة بتعادي الكل وبتحارب بكل قوتها علشان تدمر نفسها. نطقت تجيب حيرته: -أنا متأكدة إن كل ده كيد في يوسف، لو بس أعرف عمل فيها إيه ووصلها من قمة الحب لقمة الانتقام. جذبها لتسكن أحضانه وتحدث للتخفيف من ثقل ما تحمل بقلبها:

-هوني على نفسك يا حبيبتي، دي لسه مجرد خطوبة، محدش عارف بكرة مخبي إيه. هدأ من روعها وتحرك ليصطحب نجليه وتحرك بهما للأسفل. وجد عزة تخرج من غرفة إعداد الطعام لينطق بجدية: -إيثار بتلبس فوق، أول ما تكون جاهزة تتصلي بيا علشان أخدها وندخل الحفلة سوا. -عيني يا باشا... قالتها وهي تشير على عينيها، ليقترب عليها كي لا يصل حديثه لصغيراه ونطق يعيد حديثه مؤكدًا:

-لو عاندت وخرجت من غيري، حسابي هيكون معاكِ أنتِ، وصدقيني الحساب المرة دي هيفوق توقعاتك. هتفت باعتراض بأعين متسعة: -اللاه، طب وأنا مالي يا باشا؟ أشار نحو فمه وقام بحركة يحثها من خلالها وبنظرة مرعبة على الصمت فالتزمته دون أن تنبس ببنت شفة. تحرك بصغيراه للخارج لتشهق هي بسخرية معترضة: -هو إيه أصله ده كمان، هو مش قادر على عِند بنت منيرة، وجاي يطلع غلبه فيا أنا، رجالة إيه دي.

خرج فؤاد ليجد نبيل وعائلته قد حضروا واستقبلهم سيادة المستشار علام ودكتورة عصمت ودكتور ماجد ووالديه. تزينت الحديقة على أكمل وجه، حيث استدعى فؤاد شركة خاصة بتجهيز الحفلات تحت استيائه وقلبه المتألم لأجل غاليته الحزينة ونجله الروحي، لكنه كان يفعله مجبرًا لأجل واجبه تجاه شقيقته لا أكثر. أفلت الصغير كفه من والده وتحرك مهرولًا قاصدًا طاولة جديه ليستقبله علام بابتسامة مرحبًا وحضن دافئ حنون:

-إيه الوجاهة والشياكة دي كلها يا سعادة المستشار "مالك" باشا؟ ضحك الصغير وتحدث بحبور وهو يشير على زيه: -شوفتني يا جدو وأنا لابس زيك أنتَ وبابي؟ أجابه علام: -باشا صغير يا حبيب جدو. لتنطق عصمت بحبور ظهر بعيناها: -الله أكبر يا حبيبي، زي القمر يا ملوكي، ربنا يحميك من العين ويحفظك أنتَ وأخواتك يا حبيبي. تدلل وذهب ليرتمي بأحضانها ليعنفه صوت فؤاد الذي أقبل عليهم ليرمق الصغير بنظرات غاضبة:

-أنتَ مبتسمعش الكلام ليه يا ولد، أنا مش قايل لك متسيبش إيد أخوك ولا تبعد عنه طول الحفلة؟ وتابع بأعين غاضبة: -يعني بغبائك بتكسر كلامي وبكل بجاحة بتسيب إيدي وتجري من غير حتى ما تستأذن! وتابع بحدة: -أنتَ بقيت بجح قوي. نطقت "عصمت" وهي تتلفت حولها تراقب نظرات من حولهم: -فيه إيه يا فؤاد، ما تهدي يا ابني مش كده، الناس حوالينا. ابتسامة ساخرة ارتسمت بجانب فاه علام سبقت جملته المتهكمة:

-سيادة المستشار بيخرج غضبه المكتوم في العيل الصغير. ابتلع لعابه من نظرات والده المتفحصة لقسمات وجهه ليتابع علام بحزم بعدما تعلق الصغير ببطال جده يتحامى به من ذاك الشرس: -روح استقبل أهل العريس ورحب بيهم يا سيادة المستشار، وخد معاك زين الدين. أومأ ناطقًا باحترام: -أوامرك يا باشا. تحدث الفتى بلباقة منسحبًا بجوار والده: -بعد إذنكم. تطلع علام على وجه زوجته لتسأله باستغراب لغرابة نظراته: -مالك يا باشا، فيه حاجة مضايقاك؟

-مفيش يا دكتورة... قالها بجدية. ازدردت لعابها بعدما تذكرت جلوس تلك الحية الرقطاء "سميحة" منذ القليل على طاولته، أما علام فتذكر حديثه مع ابنة شقيقه منذ القليل. عودة لما قبل النصف ساعة من الآن

ولجت سميحة مع عائلتها وزوجها لتجلس قليلًا وبعد مدة حضرت عائلة العريس ليقف علام باستقبالهم كما جرت العادة. انتهزت سميحة وجود علام بمفرده بعدما تحرك ماجد وعائلته وعصمت باصطحاب عائلة العريس ليرافقوهم إلى الطاولات المحجوزة لهم. ساعدته إلى أقرب طاولة ليسألها بعدما جلس: -عاملة إيه في شغلك يا سميحة؟ عبست ملامحها وتحدثت مستغلة الوضع:

-مش عارفة أقول لحضرتك إيه يا عمو، أقول لك كل حاجة تمام وإني مرتاحة ومبسوطة في الشغل وأبقى بكذب عليك. وتابعت بنظرات حزينة اصطنعتها بجدارة: -ولا أقول لك الحقيقة وأضايق حضرتك. بدى الانزعاج على وجه علام ليسألها بحنو: -فيه إيه يا بنتي، انطقي؟

انتهزت تعاطفه وقصت عليه ما حدث منذ لقائها مع "رولا" إلى تعدي إيثار عليها بالسب وإلصاق تهمة عشقها لفؤاد. كل هذا لم يشغل بال علام لعلمه به مسبقًا من فؤاد بذاته، ما أشعل صدره وجعله مستعرًا هو ما أخبرته به لاحقًا وهي تقول بعدم تقبل لما حدث: -يعني إيه سعادة المستشار فؤاد علام يروح يتهجم على واحد في بيت ابنه وقدام الحرس بتوعه بسبب غيرته على الهانم، حضرتك شايف هي وصلته لفين؟ وتابعت مبررة:

-أنا مبكرههاش صدقني، بس أنا خايفة على مستقبل ابن عمي السياسي وده حقي. ضيق بين عينيه يسألها بعدم استيعاب: -هو مين اللي اتهجم على مين يا سميحة؟ أنا مش فاهم أنتِ بتتكلمي عن إيه! قطبت جبينها تسأله متعجبة: -هو حضرتك متعرفش إن فؤاد اتهجم على طليق إيثار في شقة ابنها وضربه وربطه بالحبل في الكرسي؟ واتصل بمراته علشان تروح تفكه بنفسها وتاخده. احتدم داخله وسألها بحدة: -وأنتِ مين اللي قالك الكلام الغريب ده؟! نطقت بحدة أظهرت

كرهها الأعمى إلى إيثار: -مرات طليق الهانم اللبنانية، كلمتني وقتها وحكت لي على اللي حصل لجوزها وضربه من "فؤاد"، وحلفت لتنتقم منه وأنا هددتها وقولت لها لو مسيتي شعره واحدة منه أنا اللي همحيكِ من على وش الأرض، فهديت وقتها. كانت كلماتها تنزل عليه كسوط يجلد جسده دون رحمة، لتتابع بخبث مستغلة حالة ذهول الرجل الواضحة:

-صدقني يا عمو، أنا مش بقول لك كده بقصد الغيرة من اللي اسمها إيثار علشان أخدت المكان اللي المفروض يكون بتاعي أنا في شركة عيلتي، خالص، أنا ببلغ حضرتك علشان تاخد بالك وتعرف إن الست دي هتكون سبب دمار مستقبل فؤاد. احتدت ملامح علام وامتلأ قلبه غضبًا، شعر بأن نجله لم يعد يحترمه كقبل. عودة للوقت الحاضر.

حضر الدكتور أحمد الأباصيري، نجل أيمن الأباصيري مالك الشركة التي كانت تعمل بها إيثار في الماضي. تحرك فؤاد للترحاب به وبزوجته سالي وابنته الشابة ابنة التاسعة عشر سنة "ليان"، لينطق فؤاد باحتفاءٍ كبير: -أهلًا وسهلًا يا دكتور، شرفتنا بحضورك. نطق الآخر بوقارٍ وهو يصافحه بحفاوة: -الشرف ليا أنا يا سيادة المستشار. التفت إلى تلك المتعالية لينطق بابتسامة زائفة ترجع لعدم ارتياحه لشخصها ولأنها تكن البغضاء داخل

قلبها إلى حبيبة القلب: -أهلًا يا هانم، شرفتينا. قابلت ترحابه بابتسامة واسعة لتسأله من باب الذوق: -هي مدام إيثار مش مع حضرتك ليه؟ أجابها بافتخارٍ قاصدًا تعزيز زوجته أمام تلك المرأة: -الهانم لسه في جناحها فوق، أول ما تجهز هطلع أجيبها بنفسي. برغم مرور كل تلك السنوات لكنها ما زالت تحمل بقلبها حقدًا على من اتخذت منها عدوة دون وجود أية أسباب منطقية. ابتسم للفتاة ليتحدث إلى أحمد متسائلًا: -دي بنتك يا دكتور؟

أكد له وهو يشير بكفه: -"ليان" بنتي. وتابع ممازحًا: -دي صديقة عزيزة لإيثار هانم. تحدث فؤاد إليها بابتسامة سعيدة: -نورتي يا "ليان"، جدك الله يرحمه كان من أعز أصدقائي برغم فارق السن اللي كان بينا. ابتسمت الفتاة وأجابته برقة: -ميرسي لحضرتك. أشار بكفه ليتقدمهم حتى وصلوا إلى إحدى الطاولات واطمأن على جلوسهم.

_بالأعلى، تجهزت وقبل أن تهبط للأسفل أمسكت بهاتفها لتخاطب نجلها في محاولة للتأثير عليه للعدول عن فكرة حضوره الحفل ليصدمها باقتراب وصوله. تنهدت وقالت بحدة: -طول عمرك عنيدي وبتعمل اللي في دماغك وبس. أجابها وهو يقود برصانة: -أنا مش فاهم حضرتك زعلانة من حضوري ليه؟! المفروض حاجة زي دي تفرحك وتحسسك بقوة ابنك. اقتحمت عزة الغرفة وهي تقول: -الضيوف كلهم وصلوا، ما فضلش غير العروسة، يلا اتأخرتي قوي.

أغلقت مع ذاك العنيد لتهتف الأخرى بانبهارٍ: -اللهم صلِّ على النبي، زي القمر يا حبيبتي، اللي يشوفك يديكي تلاتين سنة بالكتير. وتابعت وهي تهز رأسها بافتخار: -واللون الأزرق هياكل منك حتة، بس ما لبستيش فستان نبيتي علشان مزاج الباشا ليه؟ تحدثت بحدة أظهرت مدى انزعاجها: -عزة، أنا مش فايقة لك، دماغي فيها ألف حاجة منكدة عليا عيشتي. لوت فاهها لتنطق مستنكرة: -وتتنكدي ليه إن شاء الله، اوعي تقولي لي علشان خطوبة بنت ماجد.

لتتابع بحدة واستنكار: -يا اختي في ستين سلامة هي وأبوها، إن شاء الله نصيبه هيوقعه في ست ستها، وبكرة تقولي عزة قالت. وتابعت بعدما لوت فاهها عدة مرات متبرمة: -انزلي بنفسك شوفي عيلة الندامة اللي مناسبينهم، وحياتك ما فيهم حد يشرف غير المنيل العريس، والباقي كلهم رجالة قرع وبكروش زي بتوع المدبح. لم تعلق بل اتخذت من الصمت ملاذًا وتحركت نحو الباب لتهتف الأخرى بصياحٍ عندما تذكرت: -استني عندك، أنتِ رايحة فين؟!

-هكون رايحة فين يعني يا عزة، نازلة الحفلة. تحدثت وهي تتمسك بكفها لتمنعها من الحركة: -استني هنا لحد ما أنزل أجيب تليفوني من المطبخ أصلي نسيته على الرخامة، وهتصل بالباشا ييجي ياخدك على طول. جذبت كفها بحدة وتحدثت بصرامة: -شايفاني عيلة صغيرة علشان الباشا بتاعك ييجي ياخدني. فتحت الباب وخرجت بعدما عقدت النية على إعلان الحرب عليه وليكن البقاء لصاحب النفس الطويل. لهثت الأخرى خلفها وهي تقول برجاء:

-ارجعي استني جوزك في الأوضة الله يهديكي، بلاش تخلقي النكد بإيديكي، كفاية الهم والغم اللي غرقانين فيهم من يوم اللي عمله الشيطان ابن إجلال. نزلت الدرج ضاربة بحديث الأخرى عرض الحائط وهي تقول: -بجملة النكد يا عزة. -الباشا هيبهدلني، ده مأكد عليا لو خرجتي من غير ما أبلغه هيسود عيشتي، اصبري عليا لما الحفلة تخلص. -ابقي قولي له إني خطفت منك التليفون ومنعتك تتصلي بيه...

قالتها إيثار وهي تتجه لباب المنزل لتقابلها نجلتها التي صاحت بانبهار من مظهر والدتها: -واو يا مامي، إيه الجمال والشياكة دي كلها. تحدثت "عزة" وكأنها عثرت على طوق النجاة: -جيتي في وقتك يا "تاج"، خليكي واقفة معاها لحد ما أكلم الباشا أبوكي. هرولت إلى المطبخ لتحتوي إيثار وجنة نجلتها وتحدثت بفخرٍ: -أنتِ اللي زي القمر يا تاجي.

أمسكت بكفها وتحركتا للخارج تحت انتباه الحضور لتلك الجميلة التي خرجت من بوابة القصر الداخلي. أما فؤاد فكان ظهره للباب ليرن هاتفه فأجاب: -الهانم جهزت؟ -آه يا باشا، ومستنياك عند الباب تعالى بسرعة. استدار ليجدها تتحرك برشاقة وجسدٍ متناسق وكأنها ابنة الثامنة والعشرين. استشاط غضبًا من عنادها ليهتف إلى تلك التي تهاتفه: -المدام في وسط الحفلة يا عزة هانم، ده أنتِ وقعتك سودة معايا النهاردة، اصبري عليا لما الحفلة تخلص.

تحرك ليقابلها لتهتف عزة بعدما فاض الكيل بها: -والله أنا عملت اللي عليا ومراتك هي اللي ما سمعتش الكلام، أهي عندك، اعمل فيها اللي أنتَ عاوزه بعيد عني، أهي عندية وتستاهل، وأنا خرجوني من بينكم آه، أنا ست كبرت ومش حمل فرهدة، وابقى اضربني بجزمتك لو اتدخلت لكم في أيتوها حاجة تاني. -اقفلي يا عزة... قالها بعدما وصل للأخرى، تشابك ذراعها وتحركت بجواره كملكة في طريقها للتتويج. مال بجزعه قائلًا بهسيسٍ مخيف:

-أنا مش منبه عليكِ ما تتحركيش من جوه غير لما أجي لك.

تحلت بالصمت كي لا تزيد من اشتعال ناره إذا تحدثت. تنهد بألم لأجلها، يعلم أن الأمر شديد الصعوبة بالنسبة لها، لكنه صعبٌ عليه هو الآخر ولا يوجد بيده ما يفعله تحت قرار الفتاة وإصرارها العجيب. تحركت بجواره إلى طاولة "علام" و"عصمت" وقدمت لهما التهنئة تحت نظرات سميحة المتفحصة لتعبيرات تقاسيم وجه علام والعجيب أنه قابلها بابتسامة مطمئنة ليستشيط غضب سميحة وهي تشعر بخيبة أمل من ضياع مخططها. تحركت بجواره إلى ماجد ووالديه، لتصافح

السيدة بيدها قائلة بتعالي: -مبروك لحفيدتك يا مدام "نوال". -الله يبارك فيكِ... نطقت بها "نوال" بابتسامة لتتابع بلطافة عكس عادتها وكأنها تبدلت لامرأة أخرى: -عقبال ما تفرحي بحبيبك، سمعت إنه بقى ظابط. رفعت إيثار حاجبها الأيسر متعجبة وأجابتها بلامبالاة: -الحمد لله. تخطتها وتابعت موجهة حديثها للرجل بابتسامة صافية تعود لحسن أخلاقه معها: -إزيك يا أستاذ "عليوة". -في نعمة يا هانم الحمد لله. -مبروك يا دكتور...

قالتها إلى ماجد بجمودٍ وملامح حادة. -متشكر يا مدام... قالها مقتضبًا ليتحدث فؤاد إلى ماجد: -الناس كلها وصلت يا ماجد، اطلع هات البنت علشان نبدأ فقرات الحفلة. -خلينا نخلص...

قال كلمته الأخيرة باستياءٍ ليومي له الآخر ويصعد. حضر بعض وكلاء النيابة بصحبة زوجاتهم فتحركت بجوار فؤاد لاستقبالهم. انتهزت فرصة تحرك فؤاد معهم لإيصالهم للطاولات المعدة لهم مسبقًا، لتنسحب من قبضته، وأثناء التفاتتها وجدت الدكتور أحمد فابتسمت تلقائيًا وتحركت إليه للترحاب بابن أكبر صاحب فضل عليها بعد الله. ما إن وصلت إلى طاولتهم حتى وقف أحمد ليقابلها باحترامٍ، لتهلل هي بابتسامة مرحبة:

-أهلًا أهلًا أهلًا يا دكتور، نورت الحفلة ونورت بيتنا. -إزيك يا أستاذة، والله ليكي وحشة... قالها بابتسامة ودودة لتردها إليه قائلة: -وأنتَ كمان والله يا دكتور. وتابعت وهي تبسط يدها لتلك المتعالية التي لم تكلف حالها عناء الوقوف واكتفت بمد يدها بترفعٍ: -إزيك يا مدام "سالي". -أهلًا يا مدام، مبروك... قالتها بتعالي لتجيبها الأخرى بنفس التعالي: -ميرسي، عقبال "ليان".

وتحركت نحو الفتاة التي وقفت لها احترامًا وقبلتها لتقول لها إيثار باستحسانٍ لجمالها البارع: -إيه الجمال والشياكة دي كلها يا "ليا". -ميرسي يا طنط، عمتو "لارا" ونانا بيسلموا عليكِ كتير. -بوسي لي نانا وبلغيها سلامي، وقولي لها إني هزورها قريب إن شاء الله. وتابعت بابتسامة لطيفة: -طمني على صحة "نيللي" هانم يا دكتور. أجابها بحزنٍ:

-بخير الحمد لله، بس أنتِ عارفة، هي اتأثرت جدًا بعد وفاة بابا، وللأسف، من وقتها مش قادرة ترجع زي الأول. بدى الحزن على ملامحها وهي تقول متأثرة: -ومين فينا رجع زي الأول يا دكتور، أيمن بيه سايب علامة في روح كل واحد فينا، الله يرحمه. تابعت مسترسلة لتغيير الحديث: -طمني، "لارا" عاملة إيه هي وجوزها في إدارة الشركة؟

-ماشي الحال، هي مسافرة حاليًا لندن بتخلص شغل هناك وجوزها متابع هنا شغل الشركة، هو ده اللي منعها إنها تحضر الخطوبة. أجابته بابتسامة ودودة تحت احتراق قلب سالي من تودد زوجها مع تلك المرأة: -أه هي قالت لي في التليفون واعتذرت لي.

وأثناء حديثها ذاك كان هناك من يجوب الحفل بعينيه باحثًا عنها حتى تنهد براحة حين عثر عليها. ثار قلبه قليلًا عندما رأى ابتسامتها اللطيفة وملامح وجهها الضاحكة وهي تتحدث إلى أحمد، يعلم جيدًا ما تشعر به من امتنان لهذا الرجل ولأبيه لكنه بالنهاية رجل يغار على امرأة حياته. وصل إلى عندهم وبدون مقدمات حاوط كتفها بذراعه وقربها إلى صدره بتملك واحتواء لينطق بابتسامة هادئة عكس ما بداخله من غيرة: -شرفتنا إنت وعيلتك يا دكتور.

-الشرف لينا إحنا يا سيادة المستشار. ليتابع فؤاد بمجاملة: -إنتوا لازم تشرفونا قريب نقضي يوم مع بعض في مزرعة الخيول. وتابع وهو ينظر للفتاة: -ليكِ في الخيل يا "ليان"؟ بابتسامة صافية أجابته: -بحب أتفرج عليه من بعيد، لكن أقرب منه وأكله بإيدي وكده. لتتابع بارتياب ظهر على وجهها: -مستحيل، بخاف منه جدًا. قرب حبيبته ليلصقها به أكثر تحت انتفاضة جسدها وتحدث وهو ينظر إليها بسعادة:

-طنط إيثار كانت زيك كده في الأول، لحد ما أنا جرأتها وخليتها تقرب منهم وتحبهم. وتابع متفاخرًا: -الوقت بتركب الحصان وتجري بيه أحسن مني أنا شخصيًا. -مش كده يا حبيبي؟ قالها بنعومة بالغة اقشعر لها بدنها وانتفض قلبها من تقربه هذا، ناهيك عن رائحة عطره التي تغلغلت داخل أنفها لتسكرها كالعادة. ابتسمت لتجيبه: -ده حقيقي، لولا وجودك معايا مكنش فيه حاجات كتير عملتها واتعلمتها. تعجب من صدق كلماتها التي نطقت بها الجملة برغم خلافهما.

التفت جميع الأنظار على تلك الجميلة التي خرجت من بوابة القصر الداخلية ليعلو تصفيق الجميع وتهليل أصدقائها هي ونبيل الذي تحرك إليها تحت صرخات قلب إيثار وهي تشاهد حبيبة نجلها وهي تتم خطبتها على غيره. أما حال تلك البائسة فلا توجد كلمات لوصفه وهي ترى إقبال أكثر شخص تبغضه بحياتها يقترب ليستلم يدها من والدها الغاضب من تلك الخطبة التي لا تروق له. انتفض قلبها وثار مطالبًا إياها بالتخلي عن تلك الخطوة المدمرة له ولها، لكنه العند لا سامحه الله. عبست ملامح ماجد عندما صافحه ذاك

الثقيل على قلبه وهو يقول: -مبروك يا عمو. اكتفى ماجد بحركة من رأسه، فحقًا لم يستطع إخراج حرف واحد ولو على سبيل المجاملة. ازدرد لعاب "بيسان" عندما اقترب "نبيل" منها وهو يقول بسعادة مبالغ بها: -مبروك يا حبيبتي، ألف مبروك.

حركت رأسها بتيهة وشرود وكأنها مغيبة. ارتعبت حين سحب ماجد يده من ذراعها، طالعته برعب سكن عينيها وكأنها تتوسل إليه بألا يتركها ويتخلى عنها لهذا الغريب. تنهد ماجد وقلبه يغلي كالبركان من أفعال ابنته الغبية، قلبه يغلي غضبًا منها وبالوقت ذاته حزنًا على ما فعلته بحالها. جنب مشاعره وسلم زمام الأمور إلى العقل ثم زفر بهدوء وتحدث إليها بكلمات خرجت عنوة عنه: -مبروك يا قلبي. بصوت مختنق وعينين حزينة أجابته: -ميرسي يا بابي.

تحركت بجوار الآخر كأنها شاة مساقة لذبحها. أما فريال فقد وقفت عند آخر سلمة بالدرج الداخلي لمنزل والدها ولم تستطع الخروج معها لهطول دمعاتها الحزينة. اقتربت عليها عزة وباتت تواسيها لتنطق بلوم واستنكار: -أنا مش عارفة كانت لازمتها إيه الخطوبة الهم دي، البت طالعة بتجر في رجليها زي ما تكون واخدينها على حبل المشنقة، وأبوها مادد بوزه شبرين وهو جاررها في إيديه، وإنتِ قلبتيها لنا مناحة هنا. وتابعت بسخرية:

-يكونش يختي العريس ده ماسك عليكم ذلة؟ ارتفعت شهقات فريال لتتنهد الأخرى بأسى وهي تربت على كتفها: -صلي على النبي كده واطلعي اقفي جنب بنتك ما تسبيهاش لوحدها، وأهي ليلة وتعدي، أما نشوف أخرتها إيه مع أم دماغ عاوزة كسرها. وتابعت وهي تناولها محرمة ورقية: -إمسحي دموعك واطلعي لبنتك يا حبيبتي. نطقت من بين دموعها الغزيرة: -حاضر يا عزة، حاضر.

وصلت بيسان للمكان المخصص لجلوس العروسين تحت تصفيق الجميع لتجلس بجوار ذاك الثقيل. انهالت عليهما التهاني من الحضور لتتحدث "ناهد" والدة "نبيل" إلى العروس: -زي القمر يا حبيبتي، إنتِ وبلبل لايقين قوي على بعض. -ميرسي لحضرتِك. قالتها بيسان بهدوء لينطق عاطف الذي توخى الحذر في نطق كلماته حرصًا من تكرار ما حدث بلقاء التعارف وغضب نجله ومقاطعته لفترة ليست بالقليلة: -مبروك يا بنتي، عقبال التمام. -ميرسي لحضرتك يا أفندم.

لم يستطع لسانها نطق كلمات ودودة لشعورها بغربة الروح بين هؤلاء الناس. ابتعد الجميع عنهما فاحتضن كفها بقوة وتملك ليصيب جسدها باشمئزاز من لمسته وبلحظة سحبتها متعللة بتعديل إحدى خصلات شعرها. برغم ما يشعر به من مشاعر سلبية منها ونفور تجاهه إلا أنه تغاضى وتحدث بابتسامة جذابة: -أنا أسعد راجل في الكون النهاردة. اكتفت بابتسامة متصنعة زادت من حنقه عليها ليقسم بداخله أن يذيقها كل ما شعر به على يدها أضعافًا بعد أن يتملك منها.

كانت تتطلع على البوابة الخارجية بترقب شديد، تتسائل لما تأخر لهذا الوقت، وهل سيأتي أم أنها لم تعد تعني له شيئًا فبات حضوره لخطبتها من عدمه سواءً بالنسبة له. بالخارج، صف يوسف سيارته ووقف يعدل من وضع بدلته ثم تحرك للجهة الأخرى وقام بفتح الباب ومساعدة نزول شقيقته. تأبطت زينة ذراع شقيقها وتحركا نحو البوابة ليتوقف عندما استمع لحروف اسمه من إحداهن، التفت ليضيق عينيه وهو يرى "ساندي" تخرج من سيارتها الفارهة

وتهرول إليه بسعادة: -استنى يا يوسف علشان أدخل معاك. -"ساندي"! قالها متعجبًا ليتابع مستفسرًا: -إنتِ هنا بتعملي إيه؟! -العريس قريب مرات خالو. وتابعت باستفاضة: -كنت عند خالو ومامته جت تعزمهم، وعزمتني وانكسفت أرفض. وهتفت بسعادة وحبور ظهر بملامحها الرقيقة: -ومن حظي الحلو لقيتك وأنا داخلة. وتابعت لتشتيته: -وإنت جاي تبع العريس ولا العروسة؟ اخترق سؤالها قلبه وكأنها غرست خنجرًا مدببًا بعمقه، لملم شتاته وأجابها:

-العروسة قربتي. تطلعت على زينة بتشتت وضياع ليجيب تساؤلها الحائر بعينيها: -زينة أختي. وكأن بجوابه هذا قد رد إليها روحها ليتهلل وجهها وتقترب على الفتاة تحتضنها رغم عدم سابق المعرفة مما جعل الفتاة تتعجب. تحرك ثلاثتهم للداخل لتتعمد ساندي مجاورة يوسف والتقرب منه، سألها متعجبًا: -وإنتِ جاية لوحدك ليه يا ساندي؟ طالعته بجبين مقطب ليسترسل مفسرًا: -ما جيتيش مع خالك ومراته ليه؟ ارتبكت وتحدثت سريعًا:

-مرات خالو تعبت في آخر لحظة وخالو اضطر يوديها المستشفى علشان يطمن عليها. وتابعت: -وأنا انكسفت أعتذر.

أومأ بلا اهتمام وولجا من البوابة لينتفض قلب تلك العاشقة عند رؤية الحبيب، طالعته باشتياق مرير، كم كان جذابًا ملفت النظر بتلك البذلة السوداء الفخمة وذاك الـ "بابيون" بلونه الأسود الذي ظهر سواده بقوة من شدة بياض القميص، باتت تتطلع على تقاسيم وجهه مرورًا بشعره الفحمي الناعم، تنهدت بحالمية من هالة ذاك الحبيب التي تحاوطه لتجذب الأنظار إليه، استفاقت من حلمها الوردي بصفعة قوية نزلت على قلبها حين رأت تلك الفتاة بذاتها تجاوره الدخول، نارًا مستعرة اشتعلت بجميع شرايين جسدها حتى وجهها زاد احمرارًا من شدة الغضب والانفعال.

تحرك للداخل أيضًا تحت نظرات إيثار المتوجعة على حبيبها الغالي التي تحركت لتقابله هي وأشقائه الثلاث بحفاوة شديدة حيث صرخ الصغير باسمه وهو يقفز لأعلى ليثبته الآخر بين أحضانه، وتحدثت تاج بدلال وهي تتمسح بصدر شقيقها: -وحشتني يا حضرة الظابط. -وإنتِ أكتر يا "تاجي". احتضن أيضًا ذاك الرزين "زين الدين" وتحدث: -بروفيسور العيلة اللي مشرفنا.

ابتسم الفتى خجلًا، حاوطت إيثار رأس نجلها من الخلف بكف يدها لتميل برأسها والدموع ساكنة بعينيها، ضمها بقوة وبات يملس بكفه على ظهرها بحنو كي يهدأ من ورعها، تحدثت بصوت متأثر: -إنت كويس يا حبيبي؟ ابتعد ليجيبها وهو ينظر وبداخل عينيه تحدي وقوة أراد من خلالهما أن يوصل لها رسالة: -طمني قلبك عليا يا ماما، ده أنا تربية إيثار الجوهري. ابتسمت وهي تتحسس وجنتيه بكفيها ثم تحدثت: -أنا لسه مباركتلهاش، مستنياك نروح لها وإيدي في إيدك.

قالت كلماتها بتحدي ليبتسم يطمئن قلبها. انشغل هو بأشقائه واحتضنت إيثار زينة وهي تسألها عن حالها فأجابت الفتاة: -الحمد لله يا خالتي، أنا كويسة. توقفت عيني إيثار وثبتتهما على تلك الغريبة لتسأل زينة بابتسامة مجاملة: -دي صاحبتك يا زينة؟ قبل أن تجيبها نطقت الأخرى بحماس مفرط ظهر بعينيها: -هاي يا طنط، أنا ساندي صديقة يوسف في الجامعة. قطبت إيثار جبينها لتحول أنظارها على يوسف الذي رفع حاجبه بترفع، فابتسمت

للفتاة ومدت كفها للمصافحة: -نورتينا يا حبيبتي، اتفضلوا. أشارت بكفها للداخل. هتف نبيل بحدة أظهرت حقده على يوسف وهو يراه مقبلًا للداخل: -إيه اللي جاب الزفت ده حفلة خطوبتنا؟! برغم سخطها عليه إلا أن جسدها اشتعل غضبًا لما استمعته من إهانة ذاك الوغد لساكن الروح لتهتف بحدة خرجت دون تفكير: -اسمه الباشمهندس يوسف. طالعها بعينين متسعتين لتتابع بقوة: -وأنا اللي عزمته بنفسي.

كاد أن يعنفها لكنه تراجع في آخر لحظة متبعًا خطته التي وضعها لحين إتمام زواجهما وبعدها يظهر تملُّكه وشراسته عليها، تحدث بلين وابتسامة مصطنعة: -كويس يا حبيبتي إنك عزمتيه. احتضن كفها بتملّك ثم أدار رأسه يتطلع عليه وهو يسترسل بحقد أظهر كم الضغينة التي يكنها له بقلبه: -علشان يتقهر وهو شايفك جنبي وإيدينا شابكة في بعض. لم تستمع لكلماته تلك ولا تشعر بوجوده من الأساس لشدة غضبها وغيرتها وهي تراه يصطحب تلك الفتاة ذاتها،

حدثت حالها بألم: -يا لمدى حقارتك أيها الكاذب، أوصلت معك درجة الحقارة إلى أن تأتي بتلك التي تخليت عني لأجلها وتجلبها لحفل خطبتي، كم بِتُّ أكرهك يا يوسف، كم بِتُّ أكرهك. اقترب يوسف من طاولة علام فلم ينتظر الآخر حضوره ليقف مستندًا على عصاه واحتضنته عينيه قبل ذراعيه وهو يربت على كتفه قائلًا: -وحشتني يا يوسف. -وإنت أكتر يا باشا...

قالها مغمض العينين وهو يتنفس بعمق وكأنه يحتفظ بأكبر قدر من رائحة ذاك الجد العزيز بين رئتيه، ابتعد علام ليحتوي وجنة الفتى بكفه وهو يقول بفخر: -مش قولت لك متغبش على جدك يا يوسف. بابتسامة صافية تحدث بهدوء: -وأنا قولت لك أنا تحت الأمر يا حبيبي، يوم ما تحتاجني هتلاقيني تحت رجليك. أجابه علام بنظرات تقطر حنانًا: -أنا طول الوقت محتاج لك يا حبيبي. اقترب من عصمت ليقبل رأسها بوقار مغلفًا بالحنان: -وحشتيني يا دكتور.

أجابته بملاطفة لكسر حالة الحزن المسيطرة على الأجواء: -إنت بكاش يا حضرة الظابط، لو وحشاك بجد مكنتش تبعد عننا الوقت ده كله. -أنا بكاش يا دكتور؟! ... قالها بلوم مصطنع ليتابع بخفة وهو ينظر إلى علام: -اتفضل إنت يا باشا رد عليها، هو أنا مش تربية سعادتك ولا إيه؟ كانت ضحكاتهم تصل لجميع الحضور مما أشعل قلب ماجد وأحزن بيسان. تحرك يوسف إلى فؤاد الواقف جانبًا وتحدث بجدية وهو يصافحه باليد عن بُعد كبير تحت صرخات قلب إيثار

التي تتابعهما عن كثب: -إزي حضرتك يا باشا. -ازيك إنت يا يوسف... قالها فؤاد بعينين حزينتين ليتابع متأثرًا: -طمني عليك؟ -الحمدلله... قالها يوسف بجمود ليتابع وهو ينسحب سريعًا لينهي ذاك اللقاء المزعزع لثبات قلبه: -بعد إذنك. ابتعد كالهارب من عدو، تاركًا خلفه قلب فؤاد الصارخ والذنب والندم يأكلاه ويضنيا روحه. اقتربت منه ساندي وهي تبتسم لتقبل عليه أيضًا إيثار وهي تقول:

-حبيبي إنده لـ"زينة" ويلا علشان نبارك للعرسان ونتصور معاهم. عكس فوران فوهة بركان قلبه قابل حديثها بابتسامة باردة وهو يشير إلى زينة لتنطق ساندي بنظرات متوسلة: -ممكن تاخدي أسلم عليهم معاك يا يوسف؟ ضيق بين عينيه متعجبًا من أفعال تلك الفتاة وغرابتها لتتابع باستعطاف: -أصلي مكسوفة أطلع لهم لوحدي. -أنا شايف إن فيه عامل مشترك بين كل أحداث حياتك المرتبطة بالحفلة دي يا ساندي. ضيقت عينيها ليجيبها قبل أن تسأله: -الكسوف.

وتابع بابتسامة أذابت قلب تلك المغرمة: -انكسفتي ترفضي عزومة قريبة خالك، وانكسفتي متحضريش برغم إن صاحبة الأمر نفسها محضرتش، ومكسوفة تدخلي لوحدك وتطلعي لهم لوحدك. ابتسمت بدلال ليجيبها بابتسامة جذابة تحت احتراق قلب بيسان المراقبة لكلاهما: -بتعملي ليه كده في نفسك؟ وتابع ناصحًا: -إوعي مرة تانية توافقي على حاجة إنتِ مش حباها لمجرد إنك ترضي غيرك. بنبرة صوت هائمة نطقت بأعين من الغرام تفيض:

-برغم كل المواقف السخيفة اللي قابلتني في حضوري للحفلة دي، بس أنا حقيقي ممتنة جدًا لكل الظروف اللي خلتني أجي النهاردة وأشوفك يا يوسف.

تحمحم وهو يرى اقتراب إيثار عليه بعدما جمعت أشقائه ليصعدوا كعائلة تحت صرخات قلب فؤاد الذي شعر بأنه منبوذ من تلك الحبيبة وذاك العزيز، وحتى زينة التي طالعته بنظرات مرتابة مخيبة للآمال، شعر بالندم الشديد وتمنى لو بيده محو ما حدث من ذاكرة ثلاثتهم، تحرك الجميع صوب جلوس العروسين تحت استنفار بيسان التي شددت من تمسكها بكف نبيل كتأكيد منها لذاك الخائن على نسيانه، همست إيثار بأذن نجلها: -إيه حكاية ساندي دي كمان؟

أجابها بلامبالاة جعلت قلبها يطمئن: -لا حكاية ولا رواية، طمني قلبك يا بيسو. -أما أنا محضرة لك حتة مفاجأة، بعد ما نبارك للعرسان هعرفك عليها... قالت كلماتها بحماس زائد ليتطلع عليها يوسف باستغراب فتابعت بابتسامة سعيدة: -اصبر يا حضرة الظابط. تقدمتهم إيثار لتمد يدها بمصافحة الفتاة بقوة: -مبروك يا بيسان، ألف مبروك.

لم تستطع إخراج حرف واحد واكتفت بإيماءة بسيطة ونظرة ندم يصاحبها اعتذار توجهت بها إليها على ما بدر منها بالسابق، ولكن هل يفيد البكاء على اللبن المسكوب؟! أما يوسف فاحتضن فريال المجاورة لابنتها وتحدث بابتسامة هادئة: -مبروك لبيسان يا عمتو، عقبال فؤاد يا حبيبتي. ابتسمت ساخرة وسألته: -من قلبك يا يوسف؟! -أكيد يا حبيبتي، بيسان زي زينة واتمنى لها كل خير...

قالها بقناع قوة زائفة لتنظر على ساندي ونظراتها العاشقة له ثم تعود إليه ترمقه بازدراء وهي تقول بحدة غاضبة: -الوقت بس عرفت سبب قرار بنتي المفاجئ. -قصدك إيه؟ ... سألها متعجبًا لتجيبه بسخرية: -ولا حاجة يا حضرة الظابط، وعقبالك إنت كمان. قطع حديثهما جذب تاج له وهي تقول: -تعالى سلم على العرسان يا حضرة الظابط. وقف أمام نبيل بقامة مرفوعة وتحدث وهو يصافحه بقوة: -مبروك. -الله يبارك فيك...

قالها نبيل بابتسامة شامتة ليقترب عليه ويتابع هامسًا بغرور تحت احتراق قلب بيسان: -مش قولت لك، نبيل مبيخسرش، ولو حط حاجة في دماغه بيوصل لها غصب عن أي حد. بملامح وجه جادة تحدث بثقة: -العبرة بالنهايات يا صديقي. انسحب ليقف مقابل تلك التي ناظرته بأعين تطلق شزرًا لينطق دون مصافحة: -مبروك يا بيسان، أخيرًا فوزتي بالشخص اللي يستحقك. طالعته بنظرات حادة كنظرات الصقر لتنطق بقوة وهي تفرق نظراتها بينه وبين تلك الفتاة: -عقبالك.

وتابعت بحدة وهي تشير لتلك التي جاورته: -مش تعرفنا؟ -ساندي... قالها بإشارة من يده لتلك الجميلة التي بسطت كفها لتجيبها بحفاوة: -ألف مبروك. شعرت بنار تتغلغل بخلايا جسدها بالكامل حين شاهدت نظرات يوسف الحنون وهي تشمل الفتاة والتي قصدها عن عمد لإشعال قلب الأخرى، وتابعت الفتاة وهي تصافح نبيل: -مبروك. -متشكر جدًا...

قالها نبيل لينتبه على نظرات عالية الغاضبة وهي ترمقه باحتقار ليبتعد سريعًا عن ساندي. وقف يوسف لينطق بثقة وهو يطالع كلاهما بابتسامة مستفزة: -بصراحة اختياركم لبعض هايل، لايقين جدًا على بعض. وتابع بازدراء قاصدًا الإهانة: -وأحلى حاجة في الموضوع إن بينكم صفات كتيرة مشتركة. اشتعل قلبها لتنطق تاج وهي تستدعي شقيقها وساندي للاصطفاف بجوارهم: -قربوا علشان ناخد سيلفي مع بعض.

انتهزت ساندي الفرصة والتصقت بيوسف بحجة التقاط الصور ليعلو ويهبط صدر بيسان اللاهث بقوة من فرط الانفعال، ودت لو بإمكانها أن تصرخ للتعبير عن رفضها لكل ما يجري من حولها، لكنها من فعلت هذا بنفسها وبهذا قد أسقطت عنها أحقية الاعتراض. ابتعد الجميع عن العروسين ليتركوا لهما المجال. وأثناء تحرك ساندي بجوار يوسف، قطعت طريقهما ناهد والدة "نبيل" التي تبسمت بوجه الفتاة وهي تقول بترحاب:

-نورتي الخطوبة يا حبيبتي، كنت هزعل قوي لو مكنتيش جيتي. تنهدت ساندي بهدوء لتجيبها: -حضرتك قدرتيني وعزمتيني فكان لازم أجي. أجابتها المرأة بسعادة: -عقبال ما أحضر خطوبتك أنا كمان قريب يا ساندي. شكرتها ساندي وتحركت بجوار يوسف الذي سألها: -دي مامت العريس؟ -أه، طنط ناهد.

ما أن وصل لمنتصف الحديقة حتى تجمعت من حوله بعض الشخصيات الهامة من معارف علام وعصمت وفؤاد، وبدأوا بالإشادة بما قام به من دور هام لخدمة الوطن. ومنهم من طلب اتخاذ بعض الصور التذكارية معه وكأنه نجم سينمائي. أيضًا التفّت حوله بعض الفتيات الجميلات لالتقاط الصور الفوتوغرافية عبر الكاميرات وأيضًا الهواتف المحمولة.

وبلحظة تحولت الساحة لمباركات وتقديم التهاني التي انهالت على يوسف الذي وقف ثابتًا وبدأ يتحدث بلباقة وابتسامته الجذابة لا تفارق ملامحه الجميلة. لم تتحمل بيسان ما جرى لتهرول مسرعة إلى داخل القصر وأوصدت على نفسها باب الحمام. وقفت أمام المرآة لتهطل دموعها بغزارة وصوت شهقاتها يُسمع فريال وعالية اللتان لحقتا بها، لتصيح فريال وهي تقرع الباب بقوة: -إفتحي يا بيسان، إفتحي الباب. صرخت الفتاة بانهيار وهي تشيح بكفيها:

-سبوني لوحدي، مش عاوزة أشوف ولا أتكلم مع حد، سبوني حرام عليكم. أما بالخارج، هدأت الأجواء وانفض الجمع من حول يوسف الذي تحرك ليقف بجوار والدته جانبًا، ليقطع خلوتهما فؤاد الذي أقبل ليقابل الفتى وبدون مقدمات حاوط خلف رأسه ليجذبه لأحضانه بقوة تحت تصلب جسد الفتى. لم يستسلم فؤاد وضمه أكثر ليربت بقوة فوق ظهره وهو يقول عاتبًا بصوت متأثر: -زعلان من أبوك يا يوسف، جالك قلب تقاطعني يا ابن عمري؟

ابتعد الفتى قليلًا ليقول بأعين متأثرة وصوت عاتب عتاب مُحب: -قسيت عليا قوي يا باشا. ابتلع لعابه وأجابه متأثرًا: -اتنرفزت وفشيت غضبي في ابني، متستحملنيش؟ فرّت دمعة هاربة من عين يوسف ليمد فؤاد يده سريعًا يجففها ويجذبه يخبئ وجهه داخل صدره وهو يقول: -إوعى أشوف دموعك دي تاني. وتابع تحت دموع إيثار المتدفقة: -إنتَ ابن فؤاد علام وتربية الباشا، وابن فؤاد راجل ومفيش حاجة بتكسره، فاهم يا يوسف.

مدت يدها الحنون تتلمس بها على ظهر يوسف حتى يهدأ. كان مشهدًا مؤثرًا لجميعهم ليخرج يوسف من أحضانه ويتابع فؤاد مسترسلًا: -أنا آسف يا حبيبي، كانت لحظة شيطان والغضب عماني. نطق الفتى للتخفيف عن قلب فؤاد: -خلاص يا بابا، اعتبر الموضوع محصلش من الأساس. سعد قلبه لعودة مناداته بكلمة أبي. بعد دقائق تحرك يوسف إلى أشقائه الأربعة ليقف هو متطلعًا على تلك الواقفة. لف ساعده حول كتفها وتحدث: -وإحنا إيه، هنفضل كده كتير؟! تطلعت

عليه وبنظرات متألمة تحدثت: -إنتَ اللي وصلتنا لكده. نطق بهدوء: -ما إنتِ عرفاني كويس، الغيرة عليكِ بتقتلني، وخصوصًا الماضي الملعون، المفروض تبعدي عن أي حاجة بتثير جنون غيرتي عليكِ. صمتت لتنظر أمامها بملامح حادة ليخترق سمعها كلمة لم ينطق بها سوى مرات تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة: -أنا آسف. ابتلعت لعابها ليضم خصرها مع مراعاته أنهم بالحديقة. نعم يقفا بعيدًا بجوار السور لكن هذا لا يمنع. تابع بصوت هائم بعشقها: -وحشتيني.

طالعته بحنان ليتابع هو بهيام: -أنا بحبك قوي يا إيثار، ومن غير حُضنك بضيع. ابتسمت لتتمسك بكفه برعاية. سألها بمشاكسة للخروج من تلك المشاعر المتأثرة: -هي حبيبة حبيبها، ممكن ترضى على حبيبها النهاردة وتدلعه شوية في أوضة الجاكوزي؟ ابتسامة واسعة خرجت من ثغرها لينطق بنظرات تفيض من الغرام ما يكفي مدينة بأكملها: -وحشتيني يا بابا، كل حاجة فيكِ وحشتني.

أسندت رأسها على ذراعه وتنهدت ليتنفس هو بعمق واسترخاء اخترق روحه وتخلل بكيانه شعورًا هائلًا بالطمأنينة. أما نبيل، كان يتحدث بغل مع صديقه المُقرب: -شايف المسخرة اللي حصلت يا نادر، الناس بتعامله زي ما يكون هو نجم الليلة مش أنا. زفر نادر ليهتف متذمرًا من شكوى صديقه: -إنت عاوز إيه تاني يا نبيل، مش كفاية إنك أخذت منه حبيبته وحرمتهم من بعض؟ سيبه في حاله بقى يا أخي. نطق وهو يرمق يوسف بحقد:

-ولسه، لما الهانم تخرج من جوه هوريك أنا هقهر قلبه إزاي. ابتسم وهو يرى تلك الـ"ساندي" تتحرك وتختفي في الحديقة الخلفية بعيدًا عن الزحام. ترك صديقه وانسحب خلفها ليصل إليها بعد قليل وهو يقول مبتسمًا: -برافو عليكِ، مثلتي المشهد ببراعة. تنهدت بارتياح ثم أجابته: -كويس إنك فهمت مامتك على الموضوع، أنا كنت مرعوبة ليكون يوسف شك في كلامي اللي قولتهوله، بس كلام مامتك قفل كل بيبان الشك قدامه. ابتسم بشر ليجيبها:

-عيب عليكِ ده أنا نبيل السرجاوي، أنا قولت لك في أول يوم جيت لك علشان نتفق، ثقي فيا. عودة لما قبل الشهرين... طالعته مستغربة وجففت جبينها مرة أخرى وهي تقول بصوت لاهث نتيجة التدريب: -ميرسي. تحركت بطريقها لينطق هو من خلفها بصوت واثق: -هستناكِ قدام حمام السباحة نشرب حاجة مع بعض علشان محتاجين نتكلم. استفزتها طريقة كلامه الآمرة فالتفتت إليه وبنظرات ساخرة شملته لتنطق بكبرياء: -ده إيه الثقة اللي إنتَ جاي تكلمني بيها دي.

وتابعت بحدة: -اسمع يا... صمتت ليجيبها بابتسامة متهكمة: -نبيل، نبيل السرجاوي. بلامبالاة أشارت بكفها: -أيًا كان اسمك فهو ميهمنيش، اللي محتاجة إنك تعرفه هو إن طريقتك للتعارف بيا مستفزة جدًا، وحتى لو كانت طريقتك واو ومحصلتش فأنا رافضاها. وتابعت بغرور يعود لجمالها وحسبها ولمحاولات الجميع التقرب إليها والفوز بها تحت رفض تام منها:

-كتير قبلك حاولوا يتعرفوا عليا بكل الطرق، ولا واحد وافقت أكلمه، لأني ببساطة مش بصاحب ولا بتعرف على شباب، فياريت توفر على نفسك تعب المحاولة. انتهت من كلماتها واندفعت للأمام لتتسمر ساقيها عندما استمعت لكلماته: -حتى لو كنت جاي لك بخصوص "يوسف عمرو البنهاوي". ازدردت ريقها وبدون شعور منها التفتت تناظره ودقات قلبها تتزايد بشكل كبير. ابتسم بجانب فمه وتحدث آمرًا بعدما نجح بإصابة الهدف:

-قدامك ربع ساعة تغيري فيهم هدومك وتحصليني، لو اتأخرتي همشي، بس وقتها تنسي إن يوسف البنهاوي يكون من نصيبك. زادت دقات قلبها لتسأله بحيرة: -إنتَ تعرف يوسف منين، وإزاي عرفت... قاطع حديثها بذكاء: -إنك بتحبيه، إزاي عرفت إنك بتحبيه؟ ابتلعت لعابها ليتابع هو بغرور وكبرياء: -غيري هدومك وحصليني، متتأخريش. بعد وقت قياسي كانت تقابله الجلوس. ثواني واتسعت عينيها حين حضر النادل ووضع أمامها مشروبها المفضل من القهوة السريعة

لينطق بغموض أرعبها: -اشربي الموكا بتاعتك قبل ما تبرد. سألته بارتياب: -إنتَ مين، وعرفت كل ده عني إزاي؟! -أنا مراقبك كويس قوي، وعارف كل تفاصيل حياتك. -ليه؟! أجابها بثقة: -فيه بينا حاجة مشتركة، هنفذ خطة بسيطة مع بعض وكل واحد ياخد اللي ليه ويكمل طريقه بعيد عن التاني. سألته بتيهة: -مش فاهمة؟ أجابها باقتضاب: -ما أنا هنا علشان أفهمك. وتابع باستفاضة:

-بصي يا ستي، إنتِ بتحبي "يوسف"، ويوسف عمره ما هيفكر فيكِ ولا هيشوفك قدامه لأنه ببساطة بيحب "بيسان"، وأنا بحب "بيسان"، وهي كمان عمرها ما هتفكر فيا لنفس سبب "يوسف". تنهدت بألم ويأس ليتابع مجددًا الأمل بداخل قلبها العاشق: -بس فيه حاجة لو حصلت إنتِ هتتجوزي يوسف وتعيشي باقية حياتك سعيدة معاه، وأنا كمان هفوز بـ"بيسان". قطبت جبينها ليسترسل مفسرًا:

-الحل إننا نفرق بينهم، خطة بسيطة هنفذها مع بعض، ندخل الشك بينهم ونفرقهم، وكل واحد فينا ياخد حبيبه ويكمل طريقه. هزت رأسها لتجيبه برفض تام: -أنا لا يمكن أعمل حاجة زي كده، لا أخلاقي ولا تربيتي ولا حتى كرامتي هيسمحوا لي إني أرخص من نفسي بالشكل ده، ده غير إني إزاي هبني حياتي على كذبة وخدعة. وتابعت بشرود: -وذنبها إيه البنت تتحرم من حبيبها علشان إحنا نكون مبسوطين؟! أجابها بوجه خالٍ من التعبير:

-"الخدعة مشروعة في الحب والحرب"، كل الوسائل مشروعة لتحقيق النصر. كررت كلمته باستنكار: -نصر؟! أجابها بثقة: -أيوه نصر. وتابع مبينًا ومفسرًا الوضع: -كده كده هما مستحيل يكملوا مع بعض، بابا بيسان رافض جوازها من يوسف. وتابع متذكرًا حديث تلك الـ"عالية" له بعدما استدرجها بالحديث بمنتهى الدهاء وجعلها تقص عليه جميع أسرار صديقتها بمنتهى السذاجة والغباء، ويرجع هذا لعفويتها الزائدة وعدم إدراكها لمعنى الصداقة الحقيقي:

-يوسف يبقى ابن مرات خال بيسان، ودكتور ماجد باباها بيكره أم يوسف جدًا لأسباب كتير متخصناش، وهو اتقدم أكتر من مرة والراجل مصمم على الرفض. فتح ذراعيه بطريقة مسرحية ليتحدث: -يعني إحنا هنا مبنخدعش حد، إحنا هنسرّع انفصالهم مش أكتر. بعد محاولات عدة استطاع إقناع تلك العاشقة وبدأ بتنفيذ خطتهما معًا واستدراج "عالية" معه بمنتهى السهولة والسذاجة. تحدث نبيل مع ساندي في ذاك اليوم قائلًا:

-عاوزك تركزي كويس قوي، مش عاوز غلطة واحدة يا ساندي، اللي هتعمليه النهارده هو ده اللي هينهي الموضوع ويقفله للأبد. أومأت بقلق: -تمام، اتفضل قولي المطلوب مني وأنا هحاول أنفذه بشكل كويس. هتف معنفًا بقوة وصرامة: -مش هتحاولي يا ساندي، أنتِ هتنفذي وهتنجحي. أومأت والتشتت يملأ عينيها، نطق هو بجدية:

-أنتِ هتروحي مع يوسف على الكافيه اللي فاتح جديد، وهتقعدوا تشتغلوا الأول ولازم تقنعيه بجدية مشروعك، هيكون قاعد هناك "نادر" صاحبي، هيقعد قصاد عيونك وهتاخدي منه الإشارات، عينك لازم تكون معاه طول الوقت، أنا هكون معاه على التليفون وأول ما بيسان تقرب تدخل على الكافيه هو هيبلغك بإشارة، لازم تتصرفي وتخلي يوسف يأكلك في بقك من المولتن كيك. نطقت بحيرة:

-أنا مش فاهمة أنتَ جايب منين الثقة اللي بتتكلم بيها دي، ومنين واثق إن يوسف هيطلب مولتن كيك وفي الوقت ده تحديدًا؟! نطق مفسرًا: -أنا ليا ست شهور عيني على ابن البنهاوي ليل ونهار، ليا عيون عليه منين ما يروح، وبصراحة شخصيته المنظمة الروتينية ساعدتني كتير، هو كل يوم بيروح يشرب قهوة في كافيه معين، وبياخد مع القهوة مولتن كيك شيكولاتة. سألته بتيهة: -طب ولما هو متعود مكان معين، إزاي هقدر أقنعه يروح معايا الكافيه الجديد؟

هتف بصرامة: -لازم يروح الكافيه الجديد يا ساندي، وإلا خطتنا كلها هتفشل، الكافيه اللي كان بيروحه يعتبر ليه ذكريات كتير مرتبطة بـ بيسان، ده غير إنها بتروحه دائمًا وساعات بيتقابلوا هناك بالصدفة، فمن الطبيعي إنه لما يخونها ويحب غيرها، مش هيودي حبيبته الجديدة نفس المكان اللي كان بيقابل فيه حبيبته القديمة. راق لها ذكاؤه الخارق في التخطيط، حيث إنه لم يترك أية تفصيلة للظروف، بل خطط ودبر بكل حرفية ليبدو الأمر طبيعيًا.

وفي اليوم المتفق عليه لتنفيذ المخطط، كان يوسف يخرج من باب الجامعة لتوقفه "ساندي" بحديثها كثير الأهمية بالنسبة إلى يوسف: -ازيك يا باشمهندس، كنت محتاجة لك جدًا في حاجة ضرورية وأتمنى تقف جنبي وتساعدني، لإن أنتَ الوحيد اللي ممكن تفيدني. سألها باستغراب وجدية: -خير يا آنسة ساندي؟ تحدثت بطلاقة: -أنا بعمل مشروع خاص بالتكنولوجيا. وتابعت كي تستقطب اهتمامه لعلمها أهمية ذاك المجال لديه:

-تقدر تقول اختراع هيفرق للبشرية كلها لو اكتمل صح وخرج للنور. رفع حاجبه يسألها باستفسار: -ياه للدرجة المشروع مهم؟! أجابته بثقة: -هتتأكد من ده بنفسك لما أشرحهولك، ها، قولت إيه؟ وتابعت بأعين راجية: -هتساعدني؟ ابتسم وعلى الفور وافق لحبه لمجال الإلكترونيات ولفضوله الكبير لمعرفة نوعية الاختراع، لتتابع هي برجاء: -طب يلا بينا، أنا عارفة مكان مريح وبيقدم قهوة حلوة جدًا.

أومأ بموافقة وذهبا لأحد الأماكن العامة المتفق عليه، وجلسا يتناقشان وبالفعل كان لديها مشروع أعجبه للغاية لدرجة أنه اندمج كثيرًا معها ونال عقلها وتفكيرها استحسانه لدرجة كبيرة، بعد مرور بعضًا من الوقت، طلب لنفسه قدحًا من القهوة مع قطعة من كعكة الشيكولاتة "مولتن كيك" كنوعًا من مكافأة حاله بعد يومًا شاق، ثم سألها باهتمام: -مش هتاخدي حاجة حلوة مع الموكا؟ حركت رأسها بنفي وأجابته بابتسامة جذابة:

-أنتَ شكلك مصمم تبوظ لي الرجيم بتاعي. ابتسم بهدوء وانتظر حتى أتى النادل ورص ما طلبه كلاهما فوق الطاولة وذهب، جلسا يتحدثان وهما يحتسيان مشروبهما إلى أن حانت اللحظة الموعودة وأشار لها نادر باقتراب دخول بيسان فتحدثت بابتسامة حرجة بعدما تخلت عن حيائها وكبريائها المعروف عنها لأجل الحب: -هو أنا ممكن أطلب منك طلب تاني؟ بابتسامة هادئة أجابها: -شكلك داخلة على طمع ومش هتكتفي بمساعدتي ليكِ في المشروع.

ضحكت بدلال وسعادة داخلية بعدما رأت طيف بيسان الواقفة بجوار صديقتها يشاهدان جلوسهما معًا، تحدثت منتهزة الفرصة: -بصراحة شكل المولتن كيك يجنن، وحابة أدوقه لأني مجربتوش في المكان ده قبل كده، ده لو ينفع طبعًا. أجابها بجدية: -حالًا هطلب لك. نطقت سريعًا قبل أن يلتفت إلى النادل ويرى بيسان: -مش لدرجة إنك تطلب لي، أنا عاوزة بس حتة صغيرة جدًا. وتابعت بحرج: -لو ممكن تدوقني من طبقك. نطق يخبرها: -ثواني هطلب لك شوكة نضيفة.

على الفور رفضت: -مش مستاهلة، أنا هاكل بشوكتك عادي، ومتخافش، مش هلمسها ببقي.

شعر بإحراج كبير من طلبها الغريب، منعه حياؤه من رفض طلبها فقام بقطع قطعة صغيرة وبسط كفه لمناولتها لتباغته هي بمسك كفه بخاصتها وتقريب الشوكة من فمها لتغمض عينيها ويبدو على ملامحها الاستمتاع بمذاقها، ظهرت الصورة وكأنها لحبيب يطعم حبيبته العاشقة والمستمتعة لأبعد حد، كل هذا حدث تحت احتراق قلب بيسان التي نزلت دموعها وعلى الفور غادرت المكان ليسحب يوسف كفه بخجل ولومًا لحاله وشعورًا بالذنب يراوده ويتملك منه ليؤنبه عقله قائلًا:

-كيف تسمح لحالك بارتكاب تلك المعصية وخيانة حبيبتك. ليقف سريعًا وهو يعتذر: -أنا مضطر أمشي لأني اتأخرت قوي، وكده أنا ساعدتك في بعض النقط اللي كانت واقفة قدامك، كملي أنتِ بقى وربنا يوفقك.

نطق كلماته كوداع وقطع الأمل على أي فرصة لتجمعهما في المستقبل، وبالفعل عاد يعاملها برسمية وجدية بعدما لاحظ محاولات التقرب منه، ناهيك عن نظرات الوله التي كانت تقطر من عينيها وتدل على عشق هائل يسكن بقلبها تجاهه، لكنها لم تستسلم وظلت تحاول إلى الآن باستماتة ظنًا منها أنه أصبح حقًا مشروع بعدما تمت خطبة نبيل وبيسان. عودة للوقت الحالي، ابتسمت ساندي وتحدثت بإطراء:

-بصراحة يا نبيل، أرفع لك القبعة على الخطة اللي رسمتها بمنتهى البراعة، ودخلت على يوسف وبيسان لدرجة إن محدش منهم شك ولا حاول يسأل التاني. -منكرش إن غباء وعند الاتنين ساعدني كتير في نجاح الخطة... قالها بابتسامة شامتة ليتابع مسترسلًا بجدية: -كل واحد فيهم كرامته كانت أغلى عنده من حبيبه، وكل واحد اتمسك بكبريائه ومن هنا نجحت الخطة. ابتسمت وتحدثت بتوتر: -أنا لازم أرجع الحفلة قبل ما يوسف يحس بغيابي ويشك فيا.

-بالتوفيق يا شريكتي العزيزة... قالها وهو يصافحها واسترسل: -أحب أبشرك، قريب جدًا الفار هيقع في مصيدة حبك، مهو خلاص، مبقاش قدامه غيرك. برغم عشقها الهائل ليوسف إلا أن كلماته أشعرتها بالدونية. -فؤاد... قالتها إيثار التي تجاور حبيبها الوقوف. -إيه يا حبيبي... قالها بنعومة وكأنه يتغنى حروفها، لتتخطى جمال اللحظة وتسأله بجدية: -إيه رأيك في ليان بنت دكتور أحمد؟ سألها: -من حيث إيه بالضبط؟ -كل حاجة، أدبها ذوقها جمالها ورقتها.

أجابها وهو يتطلع على الفتاة: -باين عليها محترمة، مش شبه أمها في حاجة، طالعة طيبة وأصيلة لجدتها وعمتها. نطقت باستحسان: -ده حقيقي، وده اللي خلاني أفكر فيها عروسة لـ"يوسف". طالعها بحزن وتحدث: -يوسف مش هيوافق، لأن قلبه مع غيرها. نطقت بلامبالاة: -وغيرها باعته واشترت الرخيص. نطق بثقة عالية: -هترجع له، وبكره هفكرك. بحدة أجابته: -وابني مش ترانزيت لقلب بنت ماجد يا فؤاد، تسيبه وترجع له وقت ما مزاجها يسمح لها. نطق بجدية ويقين:

-الموضوع أكبر من كده يا إيثار، العيال دي فيه حاجة كبيرة حصلت ما بينهم، وأنا مش هسكت غير لما أعرفها. نطقت بخيبة أمل وانكسار: -الحاجة الكبيرة اللي حصلت هي إن بنت أختك اقتنعت بكلام أبوها. طالعها لينطق متأثراً: -ما تبقيش قاسية قوي كده على البنت، روحي بصي في عينيها وأنتِ تعرفي إنها بتفرفر من جواها. -ما بقتش بهتم بمشاعر حد غير ابني وبس... وتابعت وهي تترجاه بعينيها:

-فؤاد، علشان خاطري خلي بالك من معاملتك مع يوسف أكتر من كده. وتابعت بأعين تلألأت بداخلهما حبّات الدموع: -يوسف مش بس ابني، ده شريك مشواري وداق معايا المُر قبل الحلو فيه، علشان كده قلبي بيوجعني لما أي حاجة تمسه. وتابعت بشعورٍ نابعٍ من عمق القلب: -لو بإيدي آخده وأخبيه جوة عيوني وأقفل عليه برموش عينيا علشان أمنع عنه أي شعور مؤذي ممكن يوصل له، كنت عملتها من غير تفكير. أجابها بمشاعر نابعة من القلب:

-يوسف ابني زي ما هو ابنك يا إيثار، ده أول طفل أحس معاه بمشاعر الأبوة، ابني اللي ما خلفتهوش، أول ولد آخده وأنزل معاه الملاهي وأسيب هيبتي وكبريائي قبل ما أتحرك بيه، نام في حضني وشميت ريحته قبل ما ألمس ولادي منك، يمكن ما خدش مني اسمي بس خد كل طباعي لدرجة إن كتير من الناس كانوا فاكرينه ابني من كتر ما هو شبهي. وتابع بأعين متوسلة: -فبلاش تطلبي مني حاجة تفكريني بيها إنه مش ابني وإني ماليش حق عليه.

ابتسمت وشددت من احتضان كفها لخاصته وكأنها تعتذر منه بتلك الطريقة وتحدثت بإبانة: -عمري ما فكرت بالشكل ده، وطول الوقت بتعامل أنا وهو على إنك أبوه الحقيقي، بس يمكن اللي ما تعرفهوش إني بلوم نفسي وبحتقرها ألف مرة لو جيت في يوم وزعلته، يوسف مكانته في قلبي غير يا فؤاد. أخرجت تنهيدة حارة وتابعت وهي تنظر إلى الأمام بحزنٍ سيطر على ملامحها وملأ صوتها:

-طول الوقت شعور الذنب بيقتلني على الظروف اللي اتخلق جواها، حاسة إني السبب في اللي شافه ولسه بيشوفه بسبب أبوه وعيلته. أخذت نفساً عميقاً وتابعت بلومٍ قاتل: -أنا جبته للدنيا علشان يحاسب لوحده على "أذناب الماضي"، ذيول الماضي وذنوبه الكتير اللي ماشية تلاحقه زي ظله، ده الشعور اللي دايماً مسيطر عليا طول الوقت. حولت بصرها إليه وتابعت: -يوسف نقطة ضعفي يا فؤاد، كسرة ظهري اللي عشت بيها طول عمري. احتوى كتفها ليحدثها بالعقل:

-أولاً لازم تستغفري ربنا لأن هو اللي بيخلقنا وبيجيبنا للدنيا مش إحنا، أنتِ ما جبتيش يوسف يا إيثار، ربنا خلقه في وسط الظروف دي لحكمة لا يعلمها إلا سبحانه وتعالى، فبلاش تجلدي ذاتك على حاجة أنتِ ما لكيش ذنب فيها. _تحركت إيثار نحو علام الجالس بصحبة شقيقه أحمد ومالت بجزعها تسأله بحميمية: -أنتَ كويس يا بابا؟ أومأ لها بابتسامة فتابعت تسأله بودٍّ: -ناقصك حاجة يا حبيبي، أجيب لك حاجة مسكرة تاكلها على ما يفتحوا البوفيه؟

أجابها بهدوء يعود لحزنه منها بسبب عدم إخباره بما جرى بمسكن يوسف: -أنا تمام، ركزي أنتِ مع ولادك وخصوصاً "مالك"، خلي عينك عليه. ربطت على كفه الممسكة بعصاه وتحدثت: -ما تقلقش يا حبيبي، عزة معاه طول الوقت، خلي بالك أنتَ من صحتك. ابتسم لها مع هزة بسيطة من رأسه، استقامت لتتحدث إلى عم زوجها الحنون: -منور الحفلة يا باشا. -أنتِ اللي منورة الدنيا كلها يا إيثار... قالها بتودد وابتسامة حنون لتنطق بابتسامة سعيدة

تحت نظرات نجوى المستنكرة: -حبيبي يا عمو. وتابعت بعدما تطلعت على نجوى: -منورة يا نجوى هانم. -ميرسي... قالتها وهي تشملها بكبرياء لتقترب عصمت التي حضرت للتو: -أنتِ فين يا إيثار، تعالي رحبي معايا بالضيوف، ظهري وجعني من اللف لوحدي على الترابيزات، وفريال مختفية هي وبنتها، ما أعرفش راحوا فين. -حاضر يا ماما، ارتاحي شوية جنب الباشا وأنا هرحب بالضيوف وأشوف لو الترابيزات ناقصها حاجة.

تحركت تحت غضب سميحة التي تراقبها عن كثب لينطق زوجها المرافق لها بطاولتهما الخاصة: -أنا مش عارف أنتِ شاغلة نفسك بالست دي ليه. زفرت بقوة ليتابع زوجها للتقليل من الأخرى بغرض نيل استحسانها: -دي حتى مش من مقامك علشان تعملي لها حساب وتضايقي. بغرور أجابته بعدما أرجعت ظهرها للخلف: -هو أنتَ فاكرني عاملة لها هي حساب؟! أنا على عيلتي اللي كل شوية ينفخوا فيها لحد ما صدقت نفسها ونسيت أصلها. وتابعت بزفرة حادة:

-الله يسامحك يا فؤاد، هو السبب في إننا نعرف الأشكال دي. نطق زوجها ذات الشخصية الضعيفة لإرضائها: -ولا يهمك يا حبيبتي، تعالي نرقص سوا علشان تفرفشي. نطقت مستنكرة: -نرقص إيه في أم الليلة الغريبة دي، الحفلة بادئة بقى لها أكتر من ساعتين والعريس والعروسة لسه ما افتتحوش الرقصة الأولى. وتابعت وهي تتلفت من حولها بتمعّنٍ: -وبعدين هي بيسان سايبة عريسها وراحت فين؟!

_تحركت إيثار بجوار نجلها ليرحب بـ دكتور أحمد وعائلته، وبعد مدة كانت تقف جانباً هي و"يوسف" و"ليان"، اندمج يوسف مع الفتاة وتبادلا الأحاديث والمناقشات المثمرة ولا سيما من إطلاق الضحكات على بعض المزحات التي تعمدت إيثار طرحها لتلطيف الأجواء بينهما بعدما اتخذت قراراً باقتراحها كـ خطيبة على ابنها.

خرجت مرةً أخرى تلك البائسة بصحبة والدتها بعدما استدعت لها الأخيرة خبيرة التجميل التي ما زالت موجودة بالحفل لتفادي بعض الطوارئ، رفعت رأسها لأعلى وباتت تجول المكان تبحث عن ذاك الخائن إلى أن اهتدت لمكان وقوفه، اشتعل قلبها من جديد حين رأت سعادته وضحكاته المتتالية وما زاد من احتقان قلبها هو وقوفه مع تلك الجميلة بمفرديهما بعدما اعتذرت إيثار وانسحبت بحجّة متابعة الحفل والحضور، لتعطي لهما فرصة للتقرب.

تحركت بغضبٍ وقلبها يغلي كالبركان نحو نبيل الذي استقبلها ببرودٍ اصطنعه بإعجوبة ليخبأ خلفه بركانه الثائر بقلبه وتحدث: -أنتِ فين يا حبيبتي، منظم الحفلة عاوز يفتتح بينا الرقصة الأولى. -تمام...

قالتها بحدة وتحدي ليعلن المسؤول عن الموسيقى عن انطلاق الرقصة الأولى الخاصة بالعروسين، تحركت لتتراقص معه على أنغام موسيقى هادئة، وبرغم إغداقها من ذاك اللزج نبيل بكلماتٍ غرامية إلا أنها لم تكن تسمعه من الأساس، فكل تركيزها صبته على ذاك الخائن لتراقبه عيناها وهو يقف مع تلك الفتاة الجميلة تحت احتراق روحها وروح ساندي أيضاً.

أما هو فمنذ أن استمع لإعلان العامل عن بدء رقصة العروسين وجسده يغلي كبركانٍ ثائر، كيف لها أن تفعل بهِ هذا وتضعه بذاك الاختبار اللعين، لم يستطع النظر عليهما كي لا يفقد أعصابه ويفعل شيئاً يندم عليه لاحقاً، عقله يصرّح رافضاً تصديق ما فعلته به، كيف تسمح لحالها بأن يقترب منها ذاك الوغد، أسمحت له بأن يمسك كفها ويلف ذراعه حول خصرها كما المتعارف عليه بتلك الرقصة اللعينة؟!

أم أنها حافظت على نفسها، الفضول يكاد يفتك به ويطالبه قلبه بالالتفات عليها ليرى ما يحدث، والعقل رافضاً بقوة بأن يذل حاله ويراها بذاك المشهد المهين لرجولته، عدة مشاعر مختلطة انتابته جعلت من عقله يتشتت ليفيق على سؤال تلك الجميلة: -يظهر إن حضرة الظابط سرحان في حاجة مهمة. نطق يسألها باعتذار: -سوري، كنت بتقولي حاجة؟! ضحكت برقة وهي تؤكد: -كنت بقول إنك سرحان بس إتأكدت بعد جوابك ده.

-أنا آسف جدًا، غصب عني سرحت شوية في حاجة شغلاني... ليتابع بطريقة مهذبة: -إتفضلي قولي سؤالك، أنا سامعك. نطقت بهدوء: -كنت بسألك إيه أفضل لقب لقلبك، حضرة الظابط، ولا الباشمهندس؟ أجاب بثقة: -اللقبين بيمثلوني ويكملوني. بجبين مقطب سألته: -إزاي؟! أجاب بمهارة: -الباشمهندس هو صاحب الاختراع اللي وصلني للقب الظابط، يبقى الاتنين أنا، والاتنين بيمثلوني. نطقت بإعجاب بدا على ملامحها: -عجباني دماغك وردودك، حساك مختلفة عن شباب جيلك.

-إنتِ كمان مختلفة. ابتسمت لتسأله بمراوغة: -مختلفة دي حاجة حلوة ولا وحشة؟ ضحك يجيبها تحت استمرار اشتعال قلبه: -حاجة حلوة جدًا. انطلقت ضحكاتهما تحت سعادة قلب إيثار التي تراقب ردود أفعالهما وسالي أيضًا التي أعجبها ذاك التقرب برغم كرهها لإيثار لكن لا يمنع أن الشاب يمتلك مقومات الرجل الناجح والتي تتمناها كل امرأة عاقلة لابنتها.

انتهت الرقصة تحت احتراق قلب بيسان من التجاهل الكامل والمتعمد من يوسف، ناهيك عن انقلاب السحر على الساحر، فبدلًا من رؤيتها لاحتراق روحه كما خططت وهي تبعث له الدعوة، حدث العكس، وهي من احترقت بنار الغيرة وتدمرت روحها وانهارت، وقف نبيل بجانبها وتحدث إلى الجميع من خلال الميكرفون: -ممكن أخد دقيقة من وقتكم لو سمحتم. انتبه الجميع حتى يوسف الذي التفت بجنبه مرغمًا كي لا يثير تساؤلات البعض فتابع نبيل بابتسامة متقنة الصنع:

-أولًا حابب أشكركم كلكم على حضوركم وتشريفكم لينا، علشان تحتفلوا معايا أنا وبيسان باليوم العظيم ده. تعمق بعينَي يوسف وتحدث كذبًا قاصدًا إشعال النيران بروحه: -يوم تتويج حبنا الكبير، وحياتنا اللي هتكون رائعة واللي بدأنا تأسيسها النهاردة بالخطوبة، وعاوزكم كلكم تشوفوا اللحظة التاريخية وأنا بلبس حبيبتي الخاتم اللي هيربطنا ببعض العمر كله. قطع حديثه ذاك الصوت المرتفع الذي انطلق بصياح مع اقتراب صاحبه لمكان العروسين: -......

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...