الفصل 75 | من 89 فصل

رواية انا لها شمس الفصل الخامس والسبعون 75 - بقلم روز امين

المشاهدات
17
كلمة
5,149
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 84%
حجم الخط: 18

ابتسمت بحنو، وعينين تنبعثان منهما حنان وطمأنة الدنيا بأكملها: -علشان خاطري متزعلش يا حبيبي، هو مش كفاية إن بوسي بقيت معاك ولا إيه؟ نطقت كلماتها الأخيرة بميل خفيف من رأسها، زاد من الدلال لينطق بابتسامة تسللت من بين حزنه: -أنت بالنسبة لي الدنيا كلها يا بوسي. نطقت وهي تتمسك بيده: -طب يلا بقى اعزمني على تشيز كيك.

لم تكن تريد أكل الحلوى بالتأكيد، وإنما احتواء حبيبها ما كان يشغلها، وأرادت أيضًا إبعاده عن افتعال المشاكل. هو يعلم هذا جيدًا، لذا تحدث كي يطمئنها: -حبيبي متقلقيش عليا، أنا رايح جامعتي علشان عندي محاضرات مهمة ولازم أحضرها، ادخلي أنت كمان علشان كده هتتأخري. وتابع بغيرة عمياء: -مش عاوز أكرر كلامي تاني، بس زي ما قولت لك، تبعدي عن أي مكان ممكن يجمعك باللي اسمه نبيل، اتفقنا؟ -أوكيه، اطمن يا بيبي...

قالتها بطاعة ودلال لينطق هو مبتسمًا: -بيبي؟ قالتها بدلال مفرط أرادت به الانخراط بعالمها ومحو ما حدث منذ قليل: -آه بيبي، أنت من النهارده هتبقى ابني، وهدلعك وأخاف عليك وهعمل لك كل اللي يريحك. ربما نطقت بكلماتها دون أن تدري مدى وقعها على قلب ذاك العاشق، الذي اكتفى بكلمة واحدة عبر من خلالها عن مكنون قلبه: -بحبك.

انتفض قلبها فرحًا وابتسمت وطل الغرام من بين العيون. تحرك تاركًا المكان بعدما شيع دخولها للجامعة تحت اشتعال روح ذاك الواقف يراقب انفعالاتهما. استقل سيارته وبغضب ضغط زر الاتصال وتحدث بعدما أتاه صوت ذاك الذي نطق متلهفًا بأمل جديد: -ازيك يا حبيبي، عامل إيه؟ قبض على كفه بقوة مفرطة حتى ابيضت يده وخرجت كلماته جادة بالكاد سيطر على حاله: -أنت فين؟ -في البيت. أجابه عمرو لينطق هو بصرامة: -استناني، نص ساعة وأبقى عندك.

سأله عمرو متعجبًا حدة صوته: -فيه حاجة ولا إيه يا يوسف؟ أنت وأختك كويسين؟ -لما أجي هتعرف كل حاجة. أغلق الهاتف فاستغرب عمرو الجالس بين العائلة يتناول طعام الإفطار. سألته إجلال الجالسة بجواره: -عاوز إيه ابن إيثار؟ احتدت ملامحه ليصيح بحدة أرعبت الأطفال: -مية مرة قولت لحضرتك ابني اسمه حضرة الظابط يوسف، ابن إيثار دي مش عاوز أسمعها تاني. هتفت نائلة بحدة وصرامة: -شو بك يا زلمة، رعبت الزغار بصريخك، هدي لي صوتك شوي.

احتدت ملامح إجلال وتحدثت بحدة مبالغ بها: -والله عال، مبقاش إلا الحريم اللي هتخرس الرجالة في بيوتها. أشارت بكفها وهي تقول: -دخيلك يا ستهم، ما بدي فوت معك بخناق من أول الصبح، والله بشتي شي يوم أتروق وأشرب قهوتي ع رواق من غير نق وطق حنك فاضي. همست الصغيرة تشتكي إلى أبيها: -بابي، فيك تخلي تيتا التخينة تهدي حالها شوي، كتير عم يزعجني صوتها. تنهد عمرو وتحدث بنبرة مستسلمة: -حاضر يا حبيبتي.

كانت "رولا" الحاضر الغائب بتلك الطاولة، فقد باتت تراقب الجميع في صمت على غير العادة. بعد قليل حضر يوسف ليجد والده وإجلال بانتظاره، بينما صعدتا نائلة و"رولا" بصحبة الصغار. وقف عمرو يستقبله فصاح الشاب بوجهه قائلًا بنظرات مليئة بالاحتقار: -هو أنا مش هخلص من لعنتك دي أبدًا، لحد امتى هفضل متحمل قرفك وقذارتك يا أخي، لحد امتى قولي؟! أشارت إجلال بعصاها التي تستند عليها إلى يوسف وتحدثت إلى عمرو مستنكرة:

-عشان تبقى تصدقني لما قولت لك ده تربية مُرة ومفيش منه رجا. لم يعر كلاهما لحديث تلك الشمطاء. سأل عمرو نجله: -فيه إيه يا ابني؟ هو كل ما أمك وجوزها يحرضوك عليا تيجي تصرخ في وشي وتدخل عليا بزعابيبك دي؟! هتف ساخرًا: -المرة دي مش جاي لك من طرف أمي وجوزها يا عمرو بيه، جاي لك من طرف شريكك. ضيق عمرو جبينه فتابع يوسف بصوت مختنق: -شريكك اللي اتفقت معاه على كسر ابنك وخسارته قدامه. انتفض قلب عمرو وارتبك ليسترسل يوسف وقد تجمع

خذلان العالم أجمع بعينيه: -جاي لك من طرف نبيل اللي اتفقت معاه عليا، يا اللي المفروض إنك أبويا. كانت إجلال تعلم ما حدث من عمرو فتحدثت بلامبالاة وصوت عال: -أبوك مغلطش يا واد، ده كان بيبعدك عن الناس السوء اللي دافن نفسك في حضنهم. وتابعت بتفاخر تحت اشتعال قلب عمرو منها فقد كان ينوي الإنكار وكالعادة أفسدت خطته:

-طب ده كان حاطط لك عينه على حتة بت هيخطبها لك، تحل من على حبل المشننقة، بس أنت اللي فقري زي أمك وملكش في الطيب نصيب. كان يتبادل النظرات بينهما بذهول وعدم استيعاب: -انتوا إيه عصابة؟! مفيش في قلوبكم ذرة رحمة؟! نطق عمرو معترفًا: -أنا كنت بدافع عن حقي فيك، قولت أبعدك عنهم علشان أقدر أقربك مني وترجع تعيش في حضن أبوك وخيره. صاح يوسف بجنون بعدما أفقداه اتزانه بحديثهما: -أنهي حق وأنهي حضن وأنهي خير؟!

الحضن اللي كان بيبدل الستات زي تبديل الشرابات؟! في الوقت اللي كنت حارم ولادك منه؟! وتابع متجاوزًا رغمه عنه: -ولا المال الحرام اللي جايبه من سرقة ونهب ثروات البلد. -تجارة الآثار مش حرام... قالتها إجلال لتتابع بلامبالاة: -جدك نصر الله يرحمه سأل شيخ وقاله مش حرام طالما بتخرج لها الزكاة كل سنة. -وهو مهرب الآثار هيعرف إيه غير شيخ بالأخلاق دي؟ ... وتابع محذرًا:

-اسمع يا عمرو يا بنهاوي، باللي عملته ده أنت قطعت بإيدك آخر أمل بإن ممكن يكون فيه علاقة بينا في يوم من الأيام. واسترسل مجنبًا أخلاقه التي تربى عليها: -ومن النهارده مش عاوز أشوف وشك في أي مكان أنا فيه، وقسمًا برب العزة، ما تحاول تدخل في أي شيء يخصني أو يخص أختي. وصاح متوعدًا:

-وحياة أمي، اللي ما فيه أغلى منها عندي، لأكون مبلغ عنك المخابرات، وهراقبك بنفسي لحد ما أكشف ألاعيبك وكل شغلك الشمال، وساعتها وحياة أمي مرة تانية ما هخليك تلمح نور السما بعيونك تاني. تابع تهديده وكل ذرة بجسده تنتفض غضبًا: -لآخر مرة هقولها لك وده علشان خاطر ربنا، ابعد عن طريقي يا عمرو يا بنهاوي. أنهى كلماته واندفع مغادرًا كـ ثور هائج لا يرى أمامه من شدة الغضب، بينما صرخت إجلال وهي تشيع رحيله:

-اتفوا عليك عيل ناقص رباية. وكأنه فاق من صدمته على صوتها، اعتدل يطالعها ثم انفجر بها لائمًا: -هو أنت كان لازم يعني تنسحبي من لسانك وتأكدي له إني فعلاً اتفقت مع الزفت اللي اسمه نبيل ده؟! أشاحت بكفها بلامبالاة لينطق هو بغل من بين أسنانه: -وأنت كمان يا ابن الـ...... سبه بلفظ نابٍ ليتابع متوعدًا بشر: -وحياة أمي لأخليك تندم على الدقيقة اللي فكرت تلعب معايا فيها. -لك شو ما أحقرك يا زلمة...

قالتها رولا التي كانت تتسمع على حديثهما من فوق الدرج لتقرر التدخل فور رحيل الشاب، وتابعت وهي ترمقه باحتقار: -من كل عقلك رايح تتفق عا ابنك مع غريمه؟! يا الله يا يوسف، أديشك معتر وبلا حظ، والله هالشاب مرتب وما بيستاهل يكون إله بي متلك. وتابعت بذهول: -كيف طاوعك قلبك تعمل هيك بابنك يا زلمة؟

-رولا، اطلعي من نفوخي علشان أنا على آخري، دنيتي كلها بتتهد فوق دماغي، يعني من الآخر كده مش ناقص تقطيع، عندك كلمة حلوة قوليها، معندكيش يبقى تسمعيني سكاتك. رمقته بازدراء استفزه فقرر مهاجمتها قائلًا بهجوم حاد: -بلاش تبصي لي البصة دي وتحسسيني إنك ملاك وتفرقي عني، أنت كمان مش بريئة. وتابع مهاجمًا: -ولا نسيتي اللي عملتيه في إيثار واتفاقك مع بنت عم الحقير جوزها. -ما في تشابه بين اللي عملته أنا واللي عملته أنت... قالتها بحدة

لتتابع بما زلزل كيانه: -أنا حيالله اتفقت على مرة كانت بتشاركني بيوم من الأيام في جوزي، يعني بتكون عدوتي. وسألته باشمئزاز: -بس أنت شو عملت؟ أذيته لابنك، اللي من دمك ولحمك، وقفت تطلع عليه وهو بيفرفر قدام عيونك، وبالأخير طلعت أنت اللي طاعنته بخنجر خيانتك له، يا الله أديشني مصدومة فيك. نطقت متأثرة: -يا عيب الشوم عليك يا عمرو، يا عيب الشوم عليك، قل لي عاشي؟ طالعها منتظرًا لتسترسل برهبة: -بلشت أخاف على سليم ونور منك.

صعدت الدرج لتتركه بصدمة من حديثها وتغيرها الكلي معه. ليلاً بإحدى النوادي الخاصة المتواجدة على شاطئ النيل، يجلس يوسف يقابله فؤاد الذي هاتف الفتى وحدد موعدًا للقاء بعدما أخبرته بيسان بما جرى خوفًا منها عليه، فحضر لمؤازرته والتحدث معه للتخفيف عنه وأيضًا تحجيم غضبه. رفع فؤاد قدح قهوته وارتشف منه القليل ثم تحدث بعينين تجوب المكان بلامبالاة مفتعلة كي يحث الشاب على تخطي الأمر:

-أنا مش عارف إنتَ متضايق ليه، هي دي أول مرة يحزلك يا ابني؟ -أنا عارف إنها مش أول مرة وإنه إنسان بشع، بس عمري ما اتخيلت إن درجة حقارته توصل للدرجة دي. قال كلماته بعدم استيعاب ليتابع بعقل يرفض الاستيعاب: -ده وجع قلبي وحسسني بالعجز والذل يا بابا، إنتَ متخيل أنا كنت حاسس بإيه وأنا شايف البنت اللي بنيت كل أحلامي على إنها مراتي، بتسبني وتروح ترمي نفسها لأكتر واحد بيكرهني. تنفس بعمق قبل أن ينطق بجدية:

-بمناسبة البنت يا بيه، تقدر تقول لي إيه اللي إنتَ هببته في مزرعة الخيل ده؟! ضيق بين عينيه وسأله مدعيًا عدم الإدراك: -حضرتك بتتكلم عن إيه بالظبط؟! -يوسف. قالها بتحذير ليتابع ببعض الحدة: -مبحبش اللف والدوران وإنتَ عارف كده كويس. زفر بهدوء كي يستطيع مجابهة ذاك الداهي وتحدث بجدية: -أنا تربيتك يا باشا، يعني أنا كمان لا ليا في اللف ولا الدوران. -يبقى تتكلم على طول يا يوسف. وتابع لائمًا:

-ينفع تركب إنتَ وبوسي على نفس الحصان؟! وقدام الرجالة اللي شغالة في الاسطبل يا يوسف؟! هي دي الرجولة اللي علمتها لك؟! ارتبك من حدة فؤاد وتوعد بسريرته لذاك الوغد الذي وشى عليه "سلامة"، لملم شتاته وتحدث مبررًا: -أنا معملتش حاجة حرام، دي مراتي حضرتك. نطق يقاطعها: -على الورق يا حبيبي. -لا يا بابا، مراتي شرعًا وقانونًا، وأي حاجة بتحصل بينا فهي حلال. بنبرة صارمة هتف فؤاد وهو يرمقه بحدة:

-أنا مش بجادل معاك ولا جاي أتناقش في الحلال والحرام، أنا بتكلم في عُرف وأصول. وتابع شارحًا: -والأصول بتقول إن طالما محصلش زفة وأبوها سلمها لك بفستان فرحها ووصلها لحد بيتك، فمش من حقك تتجاوز حدودك معاها. نطق مدافعًا عن حاله: -بس أنا متجاوزتش يا بابا. رفع حاجبه الأيسر بتهكم، وتلك الابتسامة الساخرة على ثغره:

-ولا، متستعبطش، هو لما تقعدها على حجرك وأخوك يفتح عليك الباب ويلاقيك سايح معاها، ولا لما تركبوا سوى على نفس الحصان وتلف بيها المزرعة ده مش تجاوز؟! مالك فضحك قدام البيت كله وحكى اللي شافه يا غشيم. قالها موبخًا ثم تابع بإبانة: -أنا فوت بمزاجي اللي حصل في البيت وقولت عريس وفرحان بكتب كتابه على البنت اللي بيحبها. وتابع بتهديد مفتعل:

-إنما بعد اللي حصل في المزرعة أنا بنفسي هكلم ماجد وأخلي المقابلات في البيت وتحت عيون ماجد شخصيًا. ازدرد ريقه وخشي تنفيذ تهديده فتحدث بهدوء لإرضائه: -خلاص يا بابا حقك عليا، وصدقني اللي حصل ده مش هيتكرر تاني، بس بلاش تكلم دكتور ماجد في الموضوع ده. ناظره بقوة وثبات: -إمشي عدل واتظبط وأنا مكلموش. -حاضر يا باشا. قالها بطاعة لينطق الآخر بممازحة لكسر تلك الأجواء المشدودة: -مش هتعشينا ولا إيه في أم الليلة دي؟

ابتسم بسعادة وتحدث متلهفًا: -أؤمر سعادتك، تحب تاكل إيه؟ وأشار إلى النادل الذي حضر ليملي عليه كلاهما ما استقرا عليه من اختيار الطعام ويرحل لتجهيزه. تناول الطعام في جو ملئ بالأحاديث الودودة وبعد الانتهاء من العشاء تحدث فؤاد قاصدًا: -حاسب إنتَ المرة دي، إنتَ مش بقيت ظابط مخابراتي والفلوس بقت على قلبك قد كده. ضحك وتحدث وهو يخرج البطاقة البنكية الخاصة به: -وماله يا باشا، هحاسب بس متتعودش على كده. مساء اليوم التالي مباشرةً

داخل منزل "ماجد عليوة"، يجلس بصحبة والداه ببهو المنزل يحتسون مشروبًا باردًا وهم ينتظرون قدوم يوسف وشقيقته، تحدثت نوال إلى نجلها: -معزمتش إيثار وسيادة المستشار ليه مع يوسف وأخته يا ماجد؟ -الهانم رفضت يا ماما. قالها ماجد ليرتشف بعضًا من المشروب ثم استرسل ساخطًا: -فريال عزمتها وهي بكل جليطة رفضت. استمعت لحديث زوجها وهي مقبلةً عليهم فتحدثت بدفاع عن زوجة شقيقها: -أنا مقولتش إنها رفضت يا ماجد، بلاش تكبر الموضوع.

ارتبك قليلًا فلم يكن بحسبانه استماع زوجته للحديث، لملم شتاته وتحدث بثبات مفتعل: -أمال إيه اللي حصل يا فريال؟ نطقت بهدوء وسكينة: -مفيش يا ماجد، الست قالت إن دي أول زيارة ليوسف في بيتنا بعد كتب الكتاب، وشافت إنه يُستحسن يكون لوحده علشان يبقى فيه جو من الألفة بينا وبينه. احتوت نوال فكها وتحدثت بنبرة حادة متهكمة: -قصدك إيه إنتِ ومرات أخوكِ بالكلام ده يا فريال، يعني أنا وجوزي اللي حاشرين نفسنا في حياتكم؟!

نطقت متعجبة من حدة السيدة: -العفو يا طنط، أنا مقصدتش أي حاجة من اللي حضرتك فهمتيه. وتابعت باحترام واتباعًا للأصول التي تربت عليها: -وبعدين هو حضرتك وعمو حد غريب؟! إنتوا أصحاب بيت وطبيعي جدًا تكونوا موجودين في يوم زي ده. هدأت نوال بعدما تطلع عليها ماجد وطالبها بالهدوء، بينما تحدث عليوة بنبرة ودودة: -ربنا يكرم أصلك يا بنتي، نوال متقصدش طبعًا، مش كده ولا إيه يا نوال؟ تنفست بعمق للتخلص مما أصابها من حدة جراء حديث

زوجة نجلها وتحدثت بنفاق: -آه طبعًا يا أبو ماجد، دي فريال وإيثار سيد من يفهموا في الأصول، وبعدين إحنا خلاص بقينا أهل. وتابعت بزهو وحبور صادق لأجل حفيدتها: -دي مهما كان أم حضرة الظابط يوسف، جوز بنت إبني الغالية. ابتسمت لها فريال بمجاملة وتحدثت منسحبة: -هدخل أشوف البنات خلصوا الأكل ولا لسه، وطبعًا مش محتاجة أقول إن البيت بيتكم. نزلت بيسان الدرج بهرولة وسعادة وهي تنطق متلهفة: -يوسف جه يا بابي.

-بالراحة وإنتِ نازلة لتقعي من على السِلم. قالها عليوة بقلب حنون، فأجابته بحبور وهي تقبل خده: -متخافش عليا يا جدو. وهرولت إلى الحديقة تستقبل حبيبها تحت نظرات ماجد الذي تنهد باستكانة بعدما رأى بعينيه سعادة ابنته التي رُدّت إليها. كان يتحرك هو وشقيقته حاملين باقة من الزهور الرائعة وعلبة من الشوكولاتة الفاخرة. وقفت أمامه وبدون خجل ارتمت داخل أحضانه وهي تقول بحفاوة: -وحشتني يا چو.

ابتعد قليلًا للخلف وبات يتلفت من حوله، باحثًا بعينيه عن أعين فؤاد التي تشبه جهاز الرادار. تعجبت لأمره ثم تجاهلت الأمر وقامت بالترحيب بالجميلة زينة: -وحشتيني يا زينة. نطقت بهدوء: -أنتِ كمان وحشتيني قوي يا بوسي. ولجا للداخل، قابلتهما إحدى العاملات وتناولت منهما الهدايا. قابلتهما فريال التي احتضنت يوسف وهي تقول لائمة: -إيه يا حبيبي اللي أنتَ جايبه معاك ده، هو أنتَ غريب يا يوسف؟ أجابها بهدوء: -دي حاجة بسيطة يا عمتي.

احتضنت أيضًا الفتاة وربتت على ظهرها قائلة: -نورتي يا زينة. أجابت بخجل: -متشكرة يا أفندم. أشارت لهما للداخل ليقف الجميع لاستقبالهما. تحرك يوسف إلى عليوة وتحدث بنبرة ودودة لذاك الرجل طيب القلب: -إزاي حضرتك يا أفندم؟ قابله الرجل بترحاب عالي فتابع وهو يصافح المرأة: -إزاي حضرتك؟ ابتسمت لتجذبه لأحضانها مقارنةً بفريال وتحدثت وهي تربت على ظهره تحت تعجب الشاب:

-إيه حضرتك وحضرتك دي يا يوسف، أنتَ خلاص يا حبيبي بقيت واحد من العيلة، وبقيت عندنا زيك زي بيسان وفؤاد بالظبط، يعني من النهاردة تقول لي يا تيتا ولجدك عليوة يا جدو. ابتسم يجيبها بتقدير: -ده شرف كبير ليا يا أفندم. أقبل عليه ماجد وحاوط كتفه متحدثًا: -تعالى ارتاح يا يوسف. وأشار له على المقعد ثم رحب بالفتاة: -نورتي يا زينة، اتفضلي اقعدي يا حبيبتي. بادلته الابتسامة وجلست ليتفاجأ الجميع بصوت ذاك المشاكس الذي حضر مهرولًا:

-حضرة الظابط چو. فتح يوسف ذراعيه وتحدث بوجه أنير برؤية ذاك الحبيب: -أهلًا أهلًا بمالك باشا. ألقى بجسده في أحضان شقيقه الذي احتواه بحنان. تحدثت عزة التي تابعت حضوره: -مساء الخير عليكو. ردد الجميع تحيتها وتحدثت نوال: -إزيك يا عزة؟ -إن شاء الله تسلمي يا هانم. وتابعت وهي تتحدث إلى يوسف: -فؤاد باشا بيقول لك خلي بالك كويس من مالك.

فهم الرسالة الموجهة، فلم يكن حضور الصغير إلا رسالة تحذيرية من فؤاد إلى يوسف، أراد إخباره أن ذاك المشاكس هو رادار التسجيل الذي سيسجل له تجاوزاته إن حدثت. ابتسم ساخرًا، تحدثت فريال بلطف: -اقعدي اتعشي معانا يا عزة. -تسلمي يا بنت الأصول، أنا هروح علشان ده ميعاد قهوة فؤاد باشا... وتابعت بفخر: -حاكم الباشا ميعرفش يشربها غير من إيدي، أمال. وتابعت قاصدة بحديثها يوسف:

-الباشا الكبير بيقول لك إبقى عدي عليه علشان عاوزك في موضوع. -حاضر يا عزة... صاح الصغير وهو يشيع رحيلها: -باي باي يا زوزة. أشاحت بكفها دون أن تلتفت: -باي باي يا أخويا. نطق ذاك المشاغب بملاطفة: -عمتو، هو انتوا عاملين أكل إيه النهارده؟ أجابته بحنو: -كل اللي ملوك بيحبه. -يعني عاملين بيتزا؟! أجابته بابتسامة: -لا يا لمض، مش عاملين بيتزا. مط شفتيه ليقبله يوسف وهو يسأله: -أطلب لك بيتزا يا حبيبي؟ نطق بعبوس:

-خلاص بقى هاكل معاكم أي حاجة. نطقت نوال وهي تشير إلى فريال وكأنها سيدة المنزل: -قومي يا فريال خلي البنات تجهز السفرة. أخرج يوسف علبة من جيب بدلته ليفتحها وإذ بها إسوارة من الألماس الحر تفاجأت بها بيسان التي اشتدت سعادتها حتى وصلت عنان السماء، بينما اتسعت أعين نوال وسعد قلبها كثيرًا. جلس الجميع يتناولون الطعام في جو مليء بالألفة والمحبة السائدة بين الجميع. تحدث فؤاد الصغير إلى يوسف:

-يوسف، هو إنتوا فعلًا هتعيشوا معانا هنا في الكمبوند؟ -آه يا حبيبي، أخدنا الفيلا اللي بعد قصر الباشا. -وزينة هتقعد معاكم يا چو؟ ... قالها الصغير ليهلل مصفقًا بعدما أكد يوسف ونطق بسعادة بالغة: -أنا بحب زينة قوي، عشان هي جميلة وبتحكي لي حكايات حلوة كل ما تيجي عندنا. نطقت بسعادة مماثلة: -بس كده يا مالك، لما أعيش هنا كل يوم هحكي لك حكاية. -وعد يا زينة؟ -وعد يا ملوك.

لوت نوال فاها اعتراضًا، بينما وضعت بيسان مزيدًا من اللحوم المشوية داخل صحن حبيبها وهي تقول بنعومة: -كل اسكالوب يا يوسف. أجابها بابتسامة حنون: -ما أنا باكل أهو يا بوسي. كل كمان...

قالتها بحنو ونظرات متشوقة للحبيب. ابتسم لها وأبعد نظره عنها احترامًا لدكتور ماجد وكامل الحضور. انتهى الجميع من العشاء وانتقلوا إلى الحديقة ليكملوا سهرة جميلة مليئة بجو مليء بالود والحميمية بين الجميع. بعد مدة ذهب ليجلس مع علام وأشقائه لمدة ساعة وبعدها عاد لمنزله هو وشقيقته الحزينة. بنفس التوقيت

كان يقود سيارته في طريق هادئ عائدًا إلى منزله بعد أن تناول العشاء مع صديقه نادر. قطع طريقه سيارتان ليتوقف مضطرًا. أشار بكفه من نافذة السيارة قائلًا بحدة: -مش تفتح يا حمار منك ليه. لم يكمل جملته ليجد ذراعًا لرجل ضخم يهاجمه من نافذة السيارة ويخرجه بعدما فتح الباب عنوة عنه. نطق برعب ظهر بين عينيه: -إنتوا مين وعاوزين مني إيه؟ -عمرو باشا البنهاوي باعت لك معانا هدية صغيرة...

قالها الرجل الضخم ليتبعها بلكمة قوية جعلت عنقه يلتوي للجهة الأخرى. بات يلكمه واحدة تلو الأخرى حتى وقع أرضًا ليهجم عليه ثلاثة رجال وكل منهم يركله ببطنه وظهره وجميع جسده حتى أصبح كجثة هامدة لا يحرك ساكنًا. مال أحدهم عليه لينطق بكلمات تهديدية: -لو جبت سيرة عمرو باشا واتهمته، هنجيبك ولو كنت جوه حضن أمك، وساعتها مش هنسيبك غير وإنتَ قاطع النفس ومقابل وجه كريم. هز رأسه نافيًا وبرغم عدم قدرته على نطق حرف إلا أنه جاهد وهمس:

-والله ما هجيب سيرته، بس سبوني. استقل الرجال سيارتهما وظل هو ملقى على الأرض حتى اكتشفه بعض المارة وطلبوا له سيارة الإسعاف. فجر اليوم التالي كانت تغط في سبات عميق داخل أحضان زوجها، تمللت على صوت هاتف فؤاد الذي فتح عينيه بصعوبة ليتناول هاتفه بتملل. رأى اسم "وجدي الجوهري" فتعجب وعلم أن هناك خبرًا سيئًا بالتأكيد، فما زال الوقت مبكرًا. أخذ هاتفه وخرج كي لا يزعج خليلة الروح، أجاب بهدوء: -السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رد وجدي التحية فسأله الآخر سريعًا: -خير يا وجدي، فيه إيه؟ أجاب بصوت مختنق باكي: -أمي في ذمة الله، ياريت تبلغ إيثار لأني ما حبتش أقولها الخبر وهي نايمة. وتابع بشهقة خرجت عنوة عنه: -الدفنة هتكون الساعة سابعة الصبح إن شاء الله، ياريت جنابك تجيبها حالًا علشان تودعها وتقف على غُسلها. -لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، البقاء لله يا وجدي، وأنا هبلغ إيثار وهنتحرك حالًا.

أغلق معه وأطبق عينيه بقوة، ثم أخذ نفسًا عميقًا استعدادًا لإلقاء ذاك الخبر المشؤوم على زوجته. تحرك للداخل فوجدها تجلس على الفراش والذعر يملأ ملامحها. حركت رأسها يمينًا ويسارًا وسألته: -أوعى تنطقها يا فؤاد، ما تقولهاش أرجوك. تصنم بوقفته لتتابع هي بحالة من الإنكار: -هي أكيد تعبانة شوية وهجيبها هنا لدكتور أحمد وهتبقى كويسة. تحرك إليها بحذر ثم جاورها الجلوس، أمسك كفيها وتحدث متأثرًا:

-هوني على نفسك يا حبيبتي، وقومي البسي علشان تلحقي تودعيها. -لاااااااا... قالتها بتأوه مكتوم مع إنكارها الشديد بتحريك رأسها لتتابع بعدما سال شلال دموعها المتألمة: -أمي بخير، لسه بدري يا فؤاد، أنا ما لحقتش أعوض معاها سنين الحرمان اللي عيشتها أنا وهي. وتابعت بدموع وانهيار:

-أنا وعدتها إننا هنروح الحج السنة دي كمان مع بعض، هي قالت لي إنها كانت مبسوطة قوي لما روحنا مع بعض من سنتين، وأنا وعدتها إني هحجز لينا السنة دي كمان، وفرحت قوي، وقالت لي إنها مشتاقة لزيارة بيت الله. ضمها لأحضانه بعدما لاحظ هزيانها وتحدث وهو يملس على شعرها بحنان واحتواء: -الله يرحمها يا حبيبتي، وحدي الله يا إيثار ويلا قومي علشان تلبسي.

اشتد بكائها ثم وبدون وعي أطلقت صرخة تعبيرًا عن آلام قلبها المبرح، فاق جميع من بالبيت على إثر الصرخة. شدد من ضمتها وتحدث بألم ينخر بعمق قلبه لأجلها: -اهدي يا بابا، علشان خاطري اهدي وحاولي تتماسكي، حقك عليا، والله حقك عليا.

بعد قليل ساعدتها عصمت وعزة على ارتداء ثوب أسود وتجهز الجميع للذهاب معها ومساندتها في تلك المصيبة التي حلت عليها، وما من أعظمها مصيبة. ذهبت بصحبة زوجها وعصمت وفريال وماجد وأيضًا بيسان التي أصرت على مرافقة والدة زوجها للمؤازرة والوقوف معها. يوسف حضر أيضًا وترك زينة في منزل عمه خوفًا على تأثر الفتاة إذا ذهبت إلى القرية ومسها أحدهم بالحديث عن سمعة والدتها السيئة، ففضل بقاءها بصحبة بنات عمه حيث ذهبت زوجة عمه بصحبة حسين لأداء الواجب.

توقف أسطول من السيارات تابع لسيادة المستشار فؤاد علام الذي ترجل من السيارة ليتجه للجهة الأخرى لمساندة زوجته المنهارة. تحركت بجواره بتشتت وعقل ناكر لكل ما يحدث، تحت احتراق روح عمرو الواقف بجوار عزيز ووجدي وأيهم وجميع رجال القرية الذين حضروا لتشييع جثمان الفقيدة حسب العرف والتقاليد والأصول. هرول الجميع إلى إيثار للمواساة واحتضنها أشقائها الثلاث، ثم تحركت للداخل بمساندة عصمت وفريال وبيسان. قابلتها نوارة بدموعها وتحدثت:

-البقية في حياتك يا إيثار، الله يرحمها آخر اسم نطقته كان اسمك، كان نفسها تشوفك بس ما لحقتش يا نضري، سبحان الله موتتها كانت سهلة وروحها طلعت بسلام. لم تستمع لحديثها بل كانت تتطلع على وجوه الجميع بذهن شارد لم يستوعب بعد حجم الكارثة. تحدثت عصمت بوقار: -دخليها يا حبيبتي لمامتها خليها تودعها. نطقت زوجة عزيز بهدوء: -حاضر يا ست الدكتورة. وتابعت وهي تتجه بإيثار نحو الغرفة بينما وقفت عصمت وفريال وبيسان تنتظرن بالخارج:

-تعالي يا أختي معايا.

ولجت بساقين مرتجفتين للداخل، توقفت لدقيقة تحاول إدراك ما يحدث ثم تحركت إلى تلك الممدة فوق الفراش. جلست بجوارها وبيد مرتعشة رفعت الغطاء لينكشف وجهها المنير. سبحان من أبدع برسم ملامحها الحسناء، فقد زادها الموت نورًا تجلى بملامح وجهها وسنها الضاحك. تبتسم وكأنها تستقبل الموت بترحاب ورضى. مررت كفها على جبهتها مرورًا بوجنتيها وباتت تتلمس جميع ملامحها. مالت بشفتيها تتلمس بهما وجنتيها وبدأت بسحب أكبر قدر من رائحتها لتحبسها برئتيها علها تحتفظ بها الباقي من العمر.

نطقت بدموعها الأليمة: -ماما، أنا جيت، قومي يا حبيبتي علشان تقعدي معايا، طب أنا جعانة، قومي اعملي لي برام الرز المعمر من إيدك، تعرفي إن نفسي فيه بقى شهر بحاله، وكنت هاجي لك الأسبوع ده علشان آكله من إيدك. شهقت لتنطق بحرقة ووجع: -يا ماما قومي حرام عليكِ ده أنا ما صدقت. شهقت وهي تتابع بقهر وقلب ينزف دم:

-أنا لسه ما شبعتش منك ولا لحقنا نعوض اللي فات، قومي ما توجعيش قلبي، كفاية عليا وجعي على أبويا اللي لحد الوقت لسه ما تنساش. وإلى هنا بدأت تدرك الوضع، فصاحت بشهقات تقطع أنياط القلوب: -آاااااه يا وجع قلبي عليكِ يا منيرة. اقتربت منها المرأة المسؤولة عن تجهيز الموتى لمثواهم الأخير وتحدثت: -وحدي الله يا بنتي وقومي علشان نجهزها للدفن، الوقت بيمر والرجالة مستنية.

بعد مرور بعض الوقت تجهزت منيرة لمثواها الأخير تحت نزيف قلب إيثار وهي تساعد في تجهيز والدتها الأخير. ذهب الرجال لدفنها وجلسن السيدات بالمنزل لاستقبال المعزيات. حضرن جميع سيدات القرية وبالأخص أصحاب الطبقة الغنية، فقد أتوا للتملق لزوجة سيادة المستشار الجليل وليس لابنة قريتهم. حضرت أيضًا "إجلال" وزوجة شقيقها السيدة "شريفة" كما حضرت "أزهار" التي بدا على وجهها الإرهاق والإعياء الشديد. جلست بيسان بجوار والدة زوجها وتحدثت:

-كفاية عياط يا طنط، كده ممكن تتعبي، ادعي لها يا حبيبتي، وإن شاء الله هي في مكان أحسن. تبعها صوت عصمت التي نطقت وهي تربت على كف الأخرى باحتواء: -هوني على نفسك واصبري على الابتلاء يا إيثار، قولي اللهم آجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها. كررت كلمات عصمت بدموعها والشهقات: -اللهم آجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها. نطقت إجلال الجالسة بأريحية: -البقية في حياتك. وتابعت بكبرياء:

-الله يرحمها، كانت ولية غلبانة وشربت المر والفقر مع أبوكِ. لم تكن بحال يسمح لها بمجابهة تلك المرأة الجبروت والرد عليها بما يليق بوقاحتها، بل كان صوتها بغيضًا للدرجة التي جعلت إيثار تريد الصراخ وصم أذنيها، بينما تحدثت عصمت بدفاع عن زوجة ابنها بالرغم من جهلها بشخصية إجلال: -كلنا فقراء إلى الله يا مدام. ابتسمت ساخرة لتنطق وهي تشملها من أعلى الرأس إلى أخمص قدميها: -أنتِ بقى حماتها الجديدة؟ تطلعت عصمت على تلك المرأة

البغيضة وأجابتها بهدوء: -أنا مامت جوزها، وتقدري تقولي إني مامت إيثار التانية. -أنعم وأكرم، أنا بقى الست إجلال بنت الحاج ناصف، وشهرتي في البلد ستهم... قالتها بتكبر لتتابع بكبرياء أكبر: -بس ده مش اسم شهرة وبس، دي صفة طلعها عليا أبويا الحاج ناصف الله يرحمه، أبويا طول عمره وهو شايفني ست الناس كلها، والبلد كلها وافقته عليه بعد ما حسوا إني فعلًا ستهم.

لم تعر عصمت أي اهتمام لحديثها واكتفت بالتطلع عليها باستنكار، بينما مالت شريفة بجزعها وتحدثت متهكمة إلى أزهار: -مش هنخلص من قصة أبو زيد الهلالي اللي عاشت عمرها كله تحكي وتزيد فيها. -ربنا على الفاجر والمفتري يا "شريفة"... جملة نطقت بها أزهار بصوت واهن لتنطق شريفة وهي تتفحص وجهها: -مالك يا أزهار؟ نطقت المرأة بإرهاق شديد:

-مش عارفة يا شريفة، بقى لي مدة تعبانة قوي وصحتي كل يوم في النازل، وروحت يا أختي لدكتور المركز، قال لي ده إرهاق وتعب من السكر والضغط اللي عندي، وكتب لي على علاج وباخده ومفيش فايدة. _بالخارج عند الرجال، في سرادق عزاء مهيب قام على تجهيزه "أيهم" إكرامًا لوالدته الحبيبة. وقف يوسف بجوار أخواله يتلقى العزاء في جدته. جاوره فؤاد مؤازرًا له، وأثناء همسهما قاطعهما صوت بغيض يحفظه كلاهما عن ظهر قلب: -تسمح يا باشا؟

تطلع كلاهما عليه ليشير بكفه مسترسلًا بعداء: -عاوز أقف جنب ابني وآخذ معاه عزا جدته. أشار على الرجال المصطفين بنظام وتابع قاصدًا استفزاز فؤاد وخروجه عن شعوره: -زي ما أنتَ شايف، كل اللي واقف في الصف عيلة واحدة، ولادها وأحفادها، وأنا واحد من عيالها حتى اسأل إيثار وهي تقول لك إن حماتي كانت بتحبني زي عيالها ويمكن أكتر. احتدم داخل يوسف وكاد أن يرد فأجبره فؤاد على الصمت حين قال:

-أنا هقف في آخر الصف يا حبيبي، ومتقلقش أنا جنبك، وقت ما تحتاجني هتلاقيني. قبل أن يجيبه الفتى هتف عمرو بحدة وغضب عارم أظهر نار قلبه: -يوسف مش محتاج لا ليك ولا لغيرك، فلوس أبوه وعزه يكفوه العمر كله. لم يعر حديثه اهتمام فؤاد الذي تعامل معه بتجاهل تام أشعل نار عمرو الذي كان يتيقن من ثورة فؤاد ليقف أمام الجميع ويتهمه بافتعال المشاكل والتعمد لإفساد ليلة المرأة.

أشار فؤاد بعينيه إلى ذاك النبيه يوسف حيث فهم إشارة أبيه الروحي والتزم الصمت كي تمر الليلة بسلام. خرج فؤاد من الصف ليعود لمقاعد المعزيين فرآه عزيز فلحق به سريعًا وتحدث: -رايح فين يا باشا؟ نطق برزانة: -هقف آخر الصف يا عزيز. تحدث بإصرار: -والله ما يحصل أبدًا، ده أنتَ تقف مكاني أول الصف. تحدث فؤاد بعقلانية: -ما فيش داعي، خلي الليلة تعدي على خير.

أصر عزيز فقبل فؤاد تحت إصراره لكن رفض تخطي أبنائها فوقف بالترتيب الرابع بعد عزيز ووجدي وأيهم وتلاه أحفاد الرجال الثلاثة ثم يوسف وعمرو بآخر الصف مما أشعل نار حقده أكثر وأكثر على ذاك الـ"فؤاد" الذي جاء وانتزع منه كل شيء كان ملكًا له بالماضي.

حضر وفد من رجال الجهاز المخابراتي المصري تقديرًا إلى الضابط يوسف البنهاوي مما جعل أعين الجميع تنظر إليه نظرة فخر وكأنه ابن القرية بأكملها. تنفس فؤاد بسكينة وهو يرى شأن نجله يرتفع يومًا بعد الآخر. من جانبه نظر الشاب إلى فؤاد وشمله بنظرات شاكرة ممتنة لكل ما وصل إليه ونسب الفضل إليه.

بعد قليل، ولَج يوسف لمساندة والدته والاطمئنان عليها، تهافت صوت النسوة وهن يبادرن بتقديم واجب العزاء له، فجميعهن بات يحترمنه بعدما رأى جميع ساكني القرية ذاك المؤتمر وإلى أين وصل الشاب من علو شأن. ابتعدت بيسان ووقفت بجانب زوجها كي تفسح له المجال لمشاطرة والدته الحزن. احتضنها وقبّل رأسها وهو يقول بصوت حزين لأجل والدته المنهارة: -البقاء لله يا حبيبتي. -لا إله إلا الله... قالتها بقلب يحترق على فقيدة قلبها الغالي.

مال على رأس عصمت وقبّلها مما أشعل قلب إجلال فقررت الانتقام الفوري: -أصيل ومتربي يا يوسف، وارث الرجولة والجدعنة من جدك نصر يا حبيبي. لوت أزهار فاها متهكمة، بينما رمقتها إيثار باشمئزاز، فمجرد الاستماع إلى نبرات صوتها البغيض يذكرها بما عانته على أيادي تلك المرأة المتجبرة. تابعت كي تزرع الفتنة بين الأم وابنها: -على طول بييجي يسأل على أبوه وأخواته ويتغدى معاهم كل فترة.

اتسعت أعين إيثار ذهولًا ودهشة لتزيد الأخرى النار حطبًا كي يزيد لهيبها ويشتعل أكثر: -ويا سلام لو تشوفيه مع مرات أبوه، بيعزها زي عنيه. ارتجف الفتى لتتوجه نظرات إيثار إليه كسيوف مسنونة لتكمل تلك الحية الرقطاء: -ولا أخواته، سليم ونور، اليوم اللي بييجي فيه عندنا ما بينزلش نور من على حجره، ما بتاكلش غير من إيده.

شعر كأن جدران المنزل بأكملها انهارت فوقه بينما صرخ قلب إيثار معلنًا عدم تحمله لكل ما يجري. الكل في حالة من الذهول، إيثار، فريال، عصمت، بيسان التي تطلعت على وجه حبيبها الشاحب في حين تابعت تلك الحرباء: -وارث الأصل من جده. إلى هنا لم تتحمل أزهار أرملة هارون حديث تلك المستفزة لتهتف بحدة وغضب ظهر بصوتها رغم وهنها الشديد: -أنهي أصل اللي بتتكلمي عنه ده يا إجلال، هو نصر ده كان حد يعرف له أصل من فصل؟

الله يسامحه أبوك هو اللي بلانا بيه وزرعه وسطينا. صاحت إجلال بصوت غاضب زلزل جدران المنزل: -اخرسي يا ولية يا معيوبة يا خاطية، الحاج نصر كان سيدك وسيد بلدك بحالها. ساد الهرج والمرج المكان وتعالت همهمات نسوة القرية لتهتف أزهار بابتسامة شامتة: -سيد مين يا مرة، ما بقاش إلا رد السجون ده كمان، دي آخرته كانت على إيد عيل ما يسواش ثلاثة مليم. وتابعت بتشفٍ: -بخمس تلاف جنيه ادبح واترمى في حمام السجن زي الخروف.

كان يوسف وعصمت وفريال وبيسان يتابعون ما يحدث بأعين متسعة وأفواه مشدوهة، بينما تهز إيثار رأسها مستنكرة، على صوت إجلال التي فجرت قنبلتها الموقوتة حيث هتفت بعدم خوف من الله: -غريبة، مع إني سمعت إنه قتله من غير ولا مليم، قتله قصاد ليلة قضاها معاكي يا ولية يا ناقصة يا بتاعت الرجالة. اتسعت أعين الجميع من تدني مستوى الحوار لتهتف أزهار بغضب في دفاع عن شرفها:

-اخرسي قطع لسانك يا حرباية، ده أنا أشرف منك ومن بلدك بحالها، أنا مرة حرة وشعري ما اتفردش غير على كتف جوزي. قررت "شريفة" زوجة الحاج "محمد ناصف" التدخل بعدما هاج المكان وتحدثت بملامة: -عيب يا حاجة إجلال، الكلام ده تطير فيه رقاب. -مش مصدقاني يا شريفة، أنا عارفة حقيقتها الـ... من زمان وحطاه في قلبي وساكتة. وتابعت وهي تتناقل نظرها بين نسوة القرية: -فكركم هي قتلت الحاج نصر لأجل ما تاخد تار هارون زي ما قالت؟

تطلعن الجميع إلى بعضهن فتابعت بكذب وافتراء: -ده علشان الحاج الله يرحمه كان شاهد على فضيحتها في المركز، كان ماشي بعربيته هو وعلي السواق وشافوها طالعة مع واحد في عمارة، الله يرحمه كان نبيه وشك فيها، قام طلع وراها وخلى السواق يخبط، ولما الراجل فتح له هجم الحاج نصر ولقى الخاطية دي في قلب السرير. صرخت أزهار دفاعًا عن نفسها وهي تقول بانهيار: -يا كذابة يا بنت الـ... ، والله لأوريكي.

هجمت عليها لتبعدها زوجة طلعت وبعض النسوة اللواتي لُمن على إجلال قائلين: -اتقي الله يا ستهم، ده قصف محصنات وإنت مش قد حسابه عند الله. وقفت إجلال وهي تقول: -أنا واحدة بتتقي الله، ولولا معايا الدليل على كلامي ما كنتش نطقت وكنت فضلت مكملة وسترت عليها. وأشارت على أزهار: -الولية الخاطية دي عندها الإيدز، ومش قايلة لحد علشان سترها ما يتفضحش. ابتعدن الجميع عن أزهار حتى شريفة وبدأن بالنظر عليها برهبة وذعر لتتابع

تلك الحية الرقطاء بمسكنة: -وأنا خلاني أتكلم غير خوفي من ربنا وعليكم، الناس ذنبها إيه يتعدوا بسبب واحدة زانية زي دي، ولو مش مصدقين كلامي ودوها لدكتور الوحدة يعمل لها تحليل الإيدز، ولو ما طلعش عندها، حياتي تبقى التمن.

تفاجأ الجميع بصرخات إيثار التي انفجرت بعدما فاض بها ولم تعد تتحمل كل ما يحدث من مهاترات. تلك الصرخات والاتهامات والأصوات الصائحة الصادرة عن الجميع ذكرتها بما حدث لها في ثالث أيام وفاة والدها، وكأن تلك الليلة تحولت إلى شريط سينمائي لتدور عجلة الأحداث صوب أعينها. تذكرت إذلالها والعجز الذي شعرت به حينها. هبت واقفة وصرخت بانهيار حاد: -اطلعوا بره، اطلعوااااااا. هرول يوسف يتمسك بذراعها لتدفعه بكفيها وقد أصابها

الجنون فصرخت بأعين غاضبة: -ابعد عني، أوعى تلمسني، إنت كمان اطلع بره. اتسعت أعين يوسف بينما تحدثت فريال: -اهدي يا إيثار وفوقي لنفسك. دفعت يدها وصرخت وهي تتناقل النظرات بين الجميع: -اطلعوا كلكم، مش عاوزة أشوف ولا واحدة منكم هنا، اطلعوااااااا.

انتهت من كلماتها لتسقط أرضًا مغشيًا عليها. حملها يوسف واتجه مهرولًا لإحدى الغرف وسط ارتعاب عصمت وفريال وبيسان ونوارة اللواتي لحقن به، بينما أمسكت النسوة في بعضهن، وتهجمت أزهار وزوجة نجلها على إجلال حيث خلعت أزهار نعلها وقامت بضرب إجلال به وسط ذهول جميع النسوة وهلعهن من لمس أزهار لإحداهن.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...