-حاضر يا باشا. نطقتها باحترام وتحركت لتختفي داخل المطبخ، وانصرف فؤاد بالصغير. تنهد يوسف بحزن وهو يقول بصوت يقطر ألمًا: -اطلعي عند زينة. أخرجت صوتها بصعوبة، تعود لحرجها الشديد: -وإنت مش هتطلع معايا؟! -هخرج بعدك، ما يصحش نخرج من هنا مع بعض.
خرجت دون أن تنبس ببنت شفة، وتوجه هو إلى أقرب مقعد ليرتمي بجسده عليه. مال للأمام واستند بمرفقيه على حافتي المقعد، وبدأ يمرر كفه بحزن على وجهه. أغمض عينيه بقوة وتمنى لو أن ما حدث منذ القليل كان كابوسًا ينتهي بفتح أهدابه من جديد.
تذكر ما حدث منذ أكثر من عشرة دقائق من دخول مالك إلى الغرفة. كان يقف بصحبة والدته جانبًا يتحدثا بخصوص ما حدث داخل منزل عمرو، وأخبرها عن استقبال رولا وتغييرها الكبير تحت لامبالاة الأخرى مما يحدث بمنزل ذاك البغيض. أقبلت عليهما بيسان وشاركتهما الحديث، ثم انسحبت إيثار للاهتمام بالضيوف وتركت العاشقين. ظلا يتبادلان نظرات الوله والغرام مما حرك مشاعر كلاهما نحو الآخر. تحمحم يجلي حنجرته قبل أن ينطق بهروب من تلك المشاعر الجياشة التي اقتحمت صدره وهو يرى أعين تلك الهائمة وسطو سحرهما على قلبه. لطالما كان لعينيها السحر الأكبر
والكلمة الأخيرة عليه: -أنا هدخل جوه أخلي عزة تعملي فنجان قهوة، ما شربتش غير فنجان من أول اليوم وحاسس ببداية صداع. نطقت بصوت طغى عليه غرامها: -أنا جاية معاك.
لطالما كان هذا هو حالها معه منذ الصغر، فقد تعودت على ألا يفترقا أبدًا، وأن تتبعه كظله، وما حدث مؤخرًا من ابتعاد سافر جعلها تخشى تكرار تلك الفترة الملعونة من حياتها. لذا فهي الآن تعوض حالها وتعوضه بالاقتراب. ولجا للداخل وجد عزة تنزل من فوق الدرج. على الفور سألت من تربى على يدها واتخذت منه حفيدًا لم ينعم الله عليها به على أرض الواقع، فأتى بذاك الخلوق كعوض لها: -إيه يا حبيبي، سايب الناس ليه، عاوز حاجة أعملها لك؟!
نطق بوجه بشوش كعادته معها: -آه يا حبيبتي عاوز شوية قهوة من إيدك، وياريت لو قرص مُسكن علشان الصداع. -بس كده، عيني. قالتها وهي تشير بين عينيها، ثم سألت الفتاة باهتمام: -وإنتِ يا ست البنات، مش عايزة النسكافيه بتاعك؟ حركت رأسها بنفي: -ميرسي يا عزة، لسه شاربة عصير حالًا. ثم اقتربت من يوسف ونطقت بدلال وهي تحرك أناملها على حلة بدلته: -هبقى آخد حبة قهوة من فنجان يوسف.
طار قلبه وعلى من دلالها الأنثوي تحت تلك التي لوت فاهها تبرمًا وهي تقول: -محن البنات مين قده. وانسحبت لداخل المطبخ. وقفت بجواره ينتظران القهوة. سقط على سهوة سلسالها لتشهق بعدما رأته يستقر على الأرض، ومالت سريعًا تلتقطه وهي تقول بحزن كسى ملامحها: -السلسلة اللي إنت جايبها لي بعد ما رجعنا لبعض انكسرت يا چو. امتلأت عيونها بلمعات الدموع وذلك لمكانة السلسال لديها. هدأها بقوله وهو يتناولها منها:
-ما تزعليش يا حبيبتي هصلحها لك. تمعن بالنظر عليها فوجد خللًا بسيطًا بالقفل الخاص بها. ضغط عليه بأسنانه وعاد لمكانه. اشتدت سعادتها، وبلحظة كانت تواليه ظهرها وترفع الحجاب مما أظهر جزءًا كبيرًا من مؤخرة العنق. استشاط غضبًا وأمسك كفها ينزله بعنف وهو يعنفها بسخط: -إنتِ اتجننتي يا بيسان، معرية رقبتك والبيت مليان رجالة غريبة؟! ارتبكت وتحدثت بنبرة متلبكة: -ما أخدتش بالي، نسيت. رمقها بنظرات حارقة أرعبتها فتابعت متأسفة:
-خلاص بقى، حقك عليا. تابعت وهي تشير إلى تلك الغرفة: -تعالى لبسها لي جوه هنا. طالعها بهدوء قبل أن يجيبها متهربًا: -حبيبتي الخطوبة خلصت خلاص، شيليها في شنطتك لحد ما آخدها لك للجواهرجي يأكد على القفل. مطت شفتيها بحزن ثم نطقت بوجه عابس: -الشنطة اديتها لمامي وبعتتها البيت عندنا مع ماجدة، وبعدين السلسلة دي مش بتفارق رقبتي من يوم ما جبتها لي، دي عليها اسمك يا چو.
تبسم لبرائتها وانسحب بجوارها إلى الغرفة وتوقف بالمنتصف. رفعت الحجاب وكشفت عن عنقها المرمري ليبتلع الشاب ريقه. لفها حول العنق وبدأ بغلق القفل جيدًا بأياد مرتبكة وصدر يعلو ويهبط من شدة اشتياقه لتلك الحبيبة. اعتدلت وباتت تتطلع داخل عيناها وبجرأة لفت ذراعيها حول عنقه تتعلق به وقامت بوضع قُبلة حنون فوق وجنتها وهي تقول: -ميرسي يا حبيبي.
لم يشعر بحاله سوى وهو ينساق لنداء قلبه ويميل يلتقط شفتيها ويذوب معها داخل قُبلة فاق منها سريعًا حين وجد الباب مفتوحًا. لا يعلم ما حدث لعقله حين رأى عينيها وهي تطالبه بالمزيد من القبلات لتروي عطش روحها. بدون إرادة منه وكأن شيئًا خفيًا يقوده رَغمًا عنه. انسحب إلى زر الإنارة وقام بغلقه ليعود سريعًا إلى تلك الجميلة وبات يزيد من قبلاته النهمة لها مع ضمتها للقرب من قلبه. توقف سريعًا ثم همس بأذنها بنبرة زلزلت كيان الفتاة:
-يلا يا حبيبتي نخرج علشان محدش ياخد باله من غيابنا، كمان علشان زينة. وافقته الرأي ولن يخفي عن حاله شعوره بالخجل الذي تملك منه، لكنه قدم الأعذار لحاله، فمنذ أن أعطى وعدًا إلى فؤاد لم يقترب عليها. والآن هو معها ولحالهما وثالثهما الشيطان. كاد أن يتحرك فباغتهما الصغير بالوقوف عند الباب وشاهد خيالهما من خلال إسقاط ضوء بسيط من الخارج عليهما.
زفر بقوة وهو يتذكر ما حدث. خرج من الغرفة بأياد مهدولة ليجد عزة تنتظره بأعين لائمة. أقبلت عليه وتحدثت بخوف الأم على نجلها: -أنا عارفة إنك بتحبها، والبت حلوة وتستاهل، ومراتك ما قولناش حاجة. وتابعت بلوم وعتاب: -بس أبوها مأمنك عليها، وإنت طول عمرك قد كلمتك من وإنت عَيّل صغير، تقوم تخيب على كُبر؟! نطق متأثرًا بصوت حزين: -أنا مكسوف من نفسي قوي يا عزة، مش عارف هحط عيني في عين بابا إزاي بعد ما خليت بوعدي ليه وكسرت كلمته.
مررت كفها على رسغ الشاب وهي تقول بنبرة تقطر حنانًا للتخفيف عنه: -الباشا بيحبك وروحه متعلقة فيك، غلاوتك عنده من غلاوة أمك، اطلع اتكلم معاه وقول له مش هعمل كده تاني. أمسك كفها وقام بتقبيله ثم طالعها بنظرات حنون: -ربنا يخليكِ ليا يا عزة. -ابعد عن البت بيسان وخليك في مذاكرتك، أنا بقول لك أهو.
قالتها بتحذير جعله يدخل بنوبة من الضحك المهموم. خرج يتلفت بعينيه عن فؤاد فوجده يقف بجوار السور يتحدث إلى أحدهم عبر الهاتف. أقبل عليه وتوقف بعيدًا حتى انتهى من مكالمته واقترب ينطق بخزي: -أنا عارف إنك زعلان مني وليك حق حتى ما تبصش في وشي، وبرغم كده أنا جاي أتأسف لك وهتحمل أي كلام تقوله لأن معاك كل الحق. -على أساس إن عندك دم وهيأثر فيك الكلام؟! قالها ساخرًا تعجب له يوسف فقد توقع ثورة غاضبة تنفجر بوجهه لينطق الآخر بحدة:
-عارف إنها زفت مراتك وعارف إن غصب عنك بتتشد لها، بس ده غلط وعيب يا يوسف. وتابع بحذر مُحب: -خاف على أختك ليترد لك فيها يا حمار، وبعدين مستعجل على إيه كتك خيبة؟! وتابع وهو يرمقه بازدراء: -ده أنا أول مرة أخدت أمك في حضني كان بعد جوازنا بشهرين. أجابه ساخرًا كي يلطف الأجواء بينهما: -طب ده إخفاق من جنابك، أنا ذنب أمي فيه إيه؟! -ما تتلم يالا وتفهم الكلام. اقترب عليه ثم مال يقبل كتفه وهو يقول باحترام:
-حقك عليا، وأوعدك مش هتتكرر تاني. تحدث مستسلمًا: -وحياة أمك إيثار لو قعدت تحلف لي من هنا للسنة الجاية ما هصدقك، ما إنت وعدتني يا حبيبي ولسه قافشك من قفاك، ولولا ستر ربنا عليك كان زمان مالك مطلعك مسرح قدام الضيوف وفاضحك فضيحة السياسي لما يخرج من منصبه. ارتفعت قهقهاته بسعادة لمرور الموقف على خير. أقبلت عليهما إيثار وتحدثت بابتسامة: -ما تضحكوني معاكم.
احتوى فؤاد كتفها وبات يغمرها بكلماته المعبرة عن غرامه لينسحب يوسف وسأل فريال عن بيسان أبلغته أنها شعرت بدوار فعادت للمنزل. حزن لأجلها وعلم أنها فضلت الهروب من أمام فؤاد. انتهت السهرة وانصرف الضيوف، وتحرك يوسف وزينة عائدين إلى منزلهما.
داخل منزل ذاك الصيدلي معدوم الضمير، دكتور فريد، يجلس بجوار صغيره الوحيد صاحب السبعة أعوام، المسطح فوق الفراش بجسد هزيل مريض من غير حول منه ولا قوة. فبعد ما فعله فريد بتلك المسكينة أزهار وخلط المرض بدواء الفيتامين وحقنها به، انقلبت حياته رأسًا على عقب. حيث بدأ نجله يشعر بهزلان وفقدان وزن وارتفاع حرارة دائمة. فبدأ بعرضه على طبيب الوحدة المحلية، وعندما فشل في التشخيص ذهب لأكثر من طبيب حتى وصل لاستشاري كبير في القاهرة.
وهنا اكتشف الكارثة الكبرى، الصغير مصاب بسرطان الدم، والصدمة الكبرى أن المرض بالمرحلة الرابعة، أي الأخيرة، ولا أمل من الشفاء، هكذا أخبره الطبيب. كان ينظر لجسد نجله الذي أصبح نحيلًا هزيلًا بفترة قصيرة، نزلت دموعه تسري على وجنتيه وحل بقلبه الحسرة والألم والندم. رفع رأسه وتحدث هامسًا إلى الله
باعتراض وعدم أدب مع الله: -ليه يارب تختار لي العقاب الصعب ده؟ طب أنا اللي غلطت، كنت عاقبني أنا وسيب ابني. حضرت والدته من منزلها للاطمئنان على الصغير فوجدت نجلها يبكي، وضعت كفها تحتوي كتفه وهي تقول بأسى وحزن يشق قلبها على حفيدها الوحيد: -اجمد امال يا فريد واذكر الله، متعملش كده قدام الواد، صدقني هيصحى ويبقى كويس.
حرك رأسه بيأس لتيقنه من عدم صحة حديثها، فقد وصل الصغير لأواخر المرحلة وهو الآن في مرحلة الاحتضار، وفي انتظار عودة الأمانة إلى بارئها. خرجت والدة الزوج واتجهت للأم المتواجدة بغرفة صنع الطعام، حيث تصنع حساءً ساخنًا للصغير بدموعها المنهمرة التي تحاكي حال قلبها المتمزق. هتفت المرأة لائمة زوجة الابن بنحيب وتبكيت:
-ياما قولت لك تشوفي نفسك وتجري على الخلفة علشان تخاوي الواد مسمعتيش كلامي، أهو حتة الواد اللي حيلتكم بيروح منكم واحنا واقفين متكتفين. شهقت الأم وتحدثت بدموعها الأليمة: -الله يخليك يا خالتي أنا مش متحملة، كفاية عليا اللي أنا فيه الله لا يسيئك. وتابعت تذكرها: -وبعدين أنت بتكلميني كأن أنا اللي فيا عيب الخلفة وهجري عليه، أنت ناسيه إن فريد هو اللي عنده المشكلة علشان كده الدكتور قالنا إن مستحيل يحصل حمل طبيعي. نطقت المرأة
وهي تشيح بكفها بحدة وآمر: -خلاص، يبقى تحجزوا كشف عند الدكتور بكرة وتروحي علشان يشوف لكم موضوع الحقن المجهري زي ما حصل مع علي. اتسعت عينيها ذهولًا من قسوة تلك المرأة والآلية التي تتحدث بها دون الالتفات للمشاعر الإنسانية وما تشعر به تلك المكلومة من حسرة على صغيرها: -أنت بتقولي إيه يا خالتي، دكاترة إيه وحقن مجهري إيه اللي عاوزاني أعمله وابني في الظروف دي؟! وتابعت بإبانة تذكرها بما حدث بالماضي:
-أنت ناسيه لما عملت الحقن في علي قعدت شهور الحمل كلها راقدة على ظهري علشان الحمل يثبت. ثم صمتت وتذكرت قبل عام حين ذهبت لزيارة الطبيب بصحبة زوجها فريد لتكرار تجربة الحمل مرة أخرى، وحديث الطبيب بعدما أجرى لهما جميع الفحوصات اللازمة، فقد أخبرهما بأسف أن فريد لم يعد باستطاعته الإنجاب مرة أخرى بسبب تشوه الأجنة والإصابة ببعض الالتهابات والمشاكل الأخرى التي فرضت استحالة الإنجاب لديه مرة أخرى. داخل شركة الزين.
تم ضبط مخالفات خطيرة من قبل محاسبين ومحامين الشركة مما يضر بالشركة ويعرضها لخسارة مالية فادحة، وإثبات تورط سميحة بالتعمد لجلب الضرر. وعندما وصل الأمر إلى إيثار على الفور أبلغت فؤاد وأودعت بين يديه التصرف بذاك الملف الحساس. اتصل فؤاد بعمه أحمد وطلب عقد اجتماع عاجل ومصغر يختصر على أفراد العائلة فقط لحساسية الأمر وخصوصيته. اجتمع فؤاد وأحمد وإيثار وبسام وأيضًا سميحة التي صرخت بعدما عرض فؤاد التهم الموجهة إليها من قبل المحاسبين والمحامين المعينين بالشركة والمعنيين بدراسة ومراجعة أي أوراق أو اتفاقات مبرمة خاصة بالشركة،
هتفت بصياح وجنون رافض: -أنا لا يمكن أقبل أسلوب التشكيك اللي بتكلمني بيه ده يا فؤاد. وتابعت محذرة وهي تشير بسبابتها: -أنت كده بتوجه لي اتهام صريح بالتواطؤ والرشوة، وده اتهام لا يمكن أقبله منك أو من غيرك. نطقت إيثار في دفاع عن زوجها الغالي: -سيادة المستشار ما وجهلكيش أي اتهام يا دكتورة، إحنا مجتمعين النهارده علشان نسمع تفسيرك على بنود الصفقة اللي تمت عن طريقك وبموافقتك وإمضائك. هتفت بتهديد ووعيد تحت استغراب الجميع
وهم يرون اشتعال عينيها: -أنت متتكلميش خالص ولا صوتك يطلع. وتابعت بإهانة: -المفروض إن ده اجتماع عائلي يعني سيادتك ملكيش مكان بينا. -عندك يا سميحة... قالها ذاك الأسد بإشارة من كفه وهو يدافع عن أنثاه ليتابع بشراسة وحدة ظهرت بنبرات صوته الخشن:
-يا ريت تلتزمي بالهدوء وآداب الحوار بينا ده أولًا، أما بقى بالنسبة لتفسير أستاذة إيثار فهو نابع من حرصها على عدم تفكك أعضاء مجلس الإدارة والوصول لحل عن طريق المناقشة بهدوء وإيضاح كل النقاط أمام الجميع. واسترسل بصرامة وحدة ظهرت بعينيه المحتدمة: -أما بقى بالنسبة لعيلة الزين وخصوصية الاجتماع فأحب أفكرك إن اللي بتوجهي لها الكلام دي تبقى مراتي، وأم أحفاد عيلة الزين، يعني عضو مؤصل وليه جذور ثابتة في العيلة.
كانت تستمع إليه وعروق جسدها بالكامل تتنافر غضبًا، بينما والدها وشقيقها لا يجدان ما يدافعان به عن تلك المندفعة التي تحركها كراهيتها وحقدها الظاهر للأعمى على تلك الإيثار. لقد عانى أحمد كثيرًا من رؤيته عشق ابنته لابن عمها الذي يعتبرها شقيقه ثانية له، بينما هي ما زال عشقه يجري بشريانها كالدماء إلى الآن. أمسك بسام الملف وقلب بأوراقه بين يديه، بات يتمعن بالإمضاء وسألها وهو يعرض أمام ناظريها أحد الأوراق: -دي إمضتك يا سميحة؟
نطقت متلعثمة: -أيوة فعلًا إمضتي، وأنا فعلًا اللي مررت الصفقة وخلصت كل الأوراق بتاعتها، بس ده كان تحت إشراف المحامي. قطع حديثها فؤاد الذي نطق بجدية: -المحامي نفسه هو اللي اتصل بيا وبلغني بعد ما وصل الملف لأستاذة إيثار وشاف فيه مخالفات تخسر الشركة فلوس كتير جدًا، وممكن تعرضها للإفلاس لو ملحقناش الوضع قبل ما يتفاقم يا دكتورة. سألته بتلعثم: -قصدك إيه يا فؤاد، إن أنا بلعب لحسابي وباخد رشاوي من العملاء علشان أمرر الصفقات؟!
-أنا مقولتش كده... نطقها نافيًا لتقاطعه سريعًا بمهاجمة: -كلامك ملهوش معنى تاني؟ أجابها بجدية: -وليه ما افترضتيش خيار الإهمال وعدم تحملّك للمسؤولية؟!
ازدردت لعابها لأن هذا ما حدث بالفعل، هي لم تعطِ للعمل حقه ولم تقرأ بتمعن وجدية بنود العقد وتدرسها كما يجب أن يحدث، بينما قامت بوضع توقيعها استنادًا لرأي المحامي، في حين أبدل أيهم نسخة العقد المخالف الذي أعطاه له فؤاد في وقت سابق وهو بطريقه إلى مكتب سميحة لوضع التوقيع الأخير عليه عن طريق السكرتيرة التي أخذت أوامرها من فؤاد علام مباشرة. بعد المناقشات والمداولات التي كشفت عن تقصير سميحة بالعمل ووضعها في خانة الشك للجميع، قرر أحمد إبعادها عن الشركة نهائيًا وأن عليها تقديم استقالتها غير المسببة الآن، مما جعلها تدخل
في حالة من الهياج المعترض: -حضرتك كده بتظلمني يا بابا، وبتديهم الفرصة يتكلموا عني ويشكوا فيا وفي ذمتي وضميري؟! -سميحة... قالها الرجل بحزم ليتابع بشراسة وحسم لقراره حرصًا على إنقاذ حياة ابنته الزوجية: -أنت هتنفذي الأوامر ومن غير نقاش، ويكون في علمك، أنت مش بس هتسيبي الشركة، أنت هتسيبي مصر كلها وترجعي على دبي مع جوزك وأولادك. اتسعت عينيها لتنطق بذهول: -ده حضرتك عاوز تخلص مني بقى؟! نطق بصرامة ليحثها على
الصمت والعودة إلى العقل: -اعقلي وسيبك من شغل المراهقين والعند بتاعك ده، حياتك ومستقبلك هناك في دبي، ارجعي استأنفي شغلك هناك وخلي جوزك يرجع لشغله، عيالك نفسهم مش مرتاحين هنا، يبقى إيه اللي يجبرك على القعدة في مصر؟!
تطلعت إلى فؤاد بنظرات متألمة متأملة ولو لنظرة من عينيه يخبرها من خلالها أنها خطرت ولو لمرة على باله ولام حاله على خسارتها، استشاطت داخل تلك الأنثى الشرسة وهي تشاهد نظرات الوله والغرام تقفزان من مقلتي تلك الوقحة عديمة التربية إلى زوجها، بينما فؤاد منشغلًا بقراءة أوراق العقد وبنوده ولا يبالي لنظراتها ولا لوجودها من الأساس. لاحظ أحمد تعدي نجلته حدود الأدب فهتف بقوة وغضب ظهر بعينيه المستشاطة:
-الاجتماع انتهى، قومي لمي حاجتك وروحي. صمت مريب من الثلاثة تحت احتدام قلبها، فقررت الصراخ وهي تتشبث بفرصة أخيرة: -بس قرارك ده فيه ظلم ليا وتعنت يا بابا. وتابعت تشير على شقيقها المستمع الصامت منذ بداية الاجتماع: -حضرتك ليه مأخدتش موقف زي ده ضد بسام لما غلط بدل المرة اتنين وكان هيضيع الشركة خالص؟!
-أولًا، لأن بسام معملش كارثة خسرت الشركة ملايين زي ما إنتِ عملتي، وثانيًا وده الأهم هو إن ده شغل بسام الأساسي وشركة عيلته وأولاده من بعده، ولازم يدير نصيبه لنفسه ويتعلم ويكبر فيه، لكن إنتِ من أول يوم مسكتي فيه هنا وإنتِ دخيلة على الشركة لأن ببساطة ده مش مجالك ولا بتفهمي فيه. وتابع الرجل مستشهدًا: -والدليل على كلامي هي النتيجة الكارثية اللي وصلنا لها. وقف فؤاد وتحدث وهو يميل على رأس عمه ليضع فوقه قبلة احترام:
-بعد إذن حضرتك يا عمي، أنا هروح مكتب إيثار أنا وبسام علشان نقابل المحامي ونشوف هنقدر نحجم خسارتنا إزاي، ونشوف الإجراءات والتدابير اللي ممكن نتخذها علشان نحمي بيها الشركة بعد الثغرات الكارثية اللي اتذكرت في العقد. وقف أحمد وتحدث بحسم وقوة وهو يطالع ابنته: -خليك هنا أنت وبسام وإيثار وشوفوا شغلكم. وتابع: -سميحة هتروح على مكتبها لآخر مرة علشان تلم حاجتها الشخصية وتكتب استقالتها علشان تقدمها لإيثار وتمضي عليها.
نزلت دموعها وتطلعت على الجميع قبل أن تلقي بنظرات ساخطة وتنطلق بحدة بطريقها إلى الخارج. لملمت أشيائها وقامت بتقديم استقالتها اتباعًا لأوامر والدها، وانتهى الاجتماع على خير وخسارة الشركة بعض الخسائر المالية، أصر فؤاد بتحملها جميعًا تحت اعتراض أحمد لكنه بالنهاية رضخ بعد إصرار فؤاد العجيب الذي يعود لتحمله نتيجة ما حدث بتخطيط منه. بعد قليل خرج فؤاد وتوقف داخل الممر مع أيهم ليقول له باستحسان وثناء على ما قام
به من خطة محكمة الدهاء: -برافو عليك يا أيهم، الخطة اتعملت بذكاء لدرجة إن مفيش مخلوق شك ولا سميحة نفسها. تحدث أيهم بعملية: -هتشك إزاي يا باشا وهي مقصرة وعاملة كارثة فعلًا، ده لولا إهمالها واعتماديتها على المحامي وغيره من الموظفين في مراجعة البنود كانت كشفتنا ومكنتش الخطة تمت بالسلاسة دي، صدقني لو ده محصلش بتدبير منك كانت فعلًا الشركة اتعرضت لكارثة على إيد الدكتورة، لأن للأسف كل الشركة عارفة عدم مهنيتها في الشغل.
نطق فؤاد بإيضاح: -متنساش إني عامل حساب للنقطة دي كويس وعلشان كده مسلمتهاش منصب إداري إلا آخر شهرين لما قررنا نرخي لها الحبل اللي هتلفه حوالين نفسها، خصوصًا إن من غبائها هي اللي طلبت ده وألحت علينا نسلمها بعض المهام الإدارية علشان تتساوى بإيثار. واسترسل ضاحكًا: -بعد ما أنت تعمدت تضايقها وترمي لها في وسط الكلام أهمية دور إيثار القيادي. ضحك وتذكر تنفيذه للخطة ثم تحدث بثناء:
-الله أكبر عليك يا سيادة المستشار، دماغك توزن بلد، رسمت لها خطة ورخيت لها الحبل لحد ما شنقت نفسها بيه. همس فؤاد بحرص عندما وجد إقبال زوجته عليهما: -اسكت علشان إيثار جاية بدل ما تشك فينا ودي حنبلية، يعني ممكن تقلب لنا الدنيا. نطقت بابتسامة لغالياها: -واقفين بره ليه؟! -مفيش، كنت بسأل أيهم عن أحوال عزيز ووجدي. أومأت بتفهم وتحدثت إليه: -طب يلا يا حبيبي علشان نروح للأولاد. وتابعت لشقيقها: -عاوز حاجة يا أيهم؟
-سلامتك يا حبيبتي. قالها وانصرفت بجانب حبيبها الذي أصبح مطمئنًا على أمانها بعدما أبعد تلك الغبية عن الشركة بل البلد بأكملها وذلك عقابًا لها على التواطؤ في أذيتها مع تلك الـ رولا. **** عودة من جديد إلى محافظة كفر الشيخ. تحديدًا داخل منزل أزهار، فتح نجلها الباب ليجدها متسطحة باستسلام فوق السرير، تطلع على صينية الطعام ليجد الصحون كما هي لم تُمس، زفر بضيق واستسلام وهو يقول: -برضه مش عاوزة تأكلي.
لم ير منها سوى عينين مفتوحتين ويد تُحرك حبات سبحة بين أناملها بتسلسل مع حركة خفيفة لشفاه زرقاويتان من شدة المرض الذي بدا عليها بشدة مع تزامن انقطاعها عن الطعام. زفر بحدة ليتابع والدموع تحجرت بمقلتيه لأجلها: -إنتِ بتعملي في نفسك وفينا كده ليه، كلي وخدي علاجك علشان تقدري تصلبي حتى طولك، ولا عاجبك رميتك دي على السرير زي الجثة؟!
خرج منها صوتًا ضعيفًا مستسلمًا لم يعد يريد أن يحيا بين هؤلاء من يدعون أنهم بشر، وما هم أكثر من مجموعة من الذئاب لا تملك من الرحمة ولا الإنسانية مثقال ذرة: -المفروض تفرح إني بعجل بموتي علشان أدفن وتدفن معايا فضيحتي، وتقدر ساعتها تعيش حياتك إنتِ وإخواتك براحتكم. صرخ بانهيار وقد شعر بعدم قدرته على التحمل أكثر:
-كفاية بقى، كفاية حرام عليكِ، إنتِ ليه مش حاسة بيا ولا بالنار اللي جوايا، أنا اتنفيت وانكتب عليا الحبس زيي زيك بالظبط، الفرق بينا إنك محبوسة في أوضتك وإرادتك، لكن أنا محبوس جوه نفسي وبالغصب كمان. وضعت كفيها تغلق بهما أذنيها مما زاد من غضبه وانشقاق قلبه عليها، خرج مندفعًا لتقابله زوجته وهي تسأله: -مكلتش برضه؟ هز رأسه بنفي وظهر الأسى فوق محياه فسأله شقيقه الصغير: -طب والعمل، هتسيبها كده كتير، دي كده بتنتحر. تنفس قبل
أن ينطق بعدما عزم الأمر: -أنا رايح الصيدلية أجيب البنت اللي شغالة مع الدكتور فريد تعلق لها محلول يغذي جسمها، وبالمرة أجيب منه حقنة الفيتامين اللي بتاخدها عنده كل شهر. **** بعد قليل كان يقف داخل الصيدلية لتستقبله الفتاة وهي تقول: -أومر يا أستاذ. دار بعينيه ونظر على ذاك الصيدلي يتطلع عليه وهو يضع رأسه بين كفيه والهم والحزن يقفزان من منظر تنكيس رأسه. نطق قاصدًا إياه كي ينتبه: -السلام عليكم يا دكتور فريد.
رفع رأسه بإرهاق يتطلع على صاحب الصوت وما أن رآه حتى انتفض جسده وأصابته الرعشة، تمالك من حالة جلد الذات وتحدث: -وعليكم السلام. نطق الرجل: -كنت عاوز أستأذنك تديني جلوكوز للحاجة أمي لأنها مانعة الأكل. وتابع وهو يشير إلى الفتاة: -والأنسة مهجة تيجي معايا تركبه لها.
ارتعب جسد الفتاة ونظرت للطبيب تحرك رأسها بإشارة رافضة ونظرات زائغة مرتعبة، شعر الرجل بطعنة خنجر مدبب في وسط قلبه وأصابته خيبة الأمل من رد فعل الفتاة، ولما سيلوم عليها وجميع أهل البلدة أصبحوا يتعاملون معهم على أنهم وباء يجب الابتعاد عنه. تنهد الطبيب وتحدث ببقايا ضميره الذي استيقظ بعدما ابتلي نجله الوحيد بذاك المرض القاتل: -أنا هاجي أركب لها المحلول بنفسي. وكأنه أحيا روحه فهتف بلهفة وحماس ظهر بصوته:
-ربنا يسترك دنيا وآخرة يا دكتور، ومعلش ليا طلب كمان، ياريت تجهز حقنة الفيتامين اللي أمي كانت بتاخدها عندك كل شهر.
بمجرد الاستماع إلى حديث الشاب ذكره بقذارة ما قام بفعله في تلك المسكينة، شعور يلح عليه بأن يصرخ معترضًا ويقوم بتكسير كل شيء من حوله، ليت الزمان يعود به ما كان سمح لنفسه باتباع "شر البلية" "عمرو" و"إجلال" والانجراف وراء خطتهما الحقيرة، ربما لو تخلى عن المال الحرام وكف عن أذية المرأة لكان نجله الآن بصحة تامة كما كان.
بعد قليل توجه فريد وخطى بساقيه إلى حجرة أزهار، شعور بالمرارة أصابه وبات ضميره يصرخ وهو يرى حالة المرأة، حمل نفسه كامل الذنب فيما وصلت إليه تلك المسكينة من حالة صحية بجانب فضيحة لم يسبق وتعرضت لها حتى من هُن يسلكن طريق الشيطان كـ سمية وغيرهما من الزانيات الخاسرات لدينهن ودنياهن وآخرتهن إن لم يتوبن لله توبة نصوحة قبل أن توافيهن المنية. اقترب عليها وارتدى قفازات اليد لحمايته ثم تحدث وهو يجهز المحلول: -إزيك يا ست أزهار.
لم تجبه لحالتها المزرية وزهدها لجميع مظاهر الحياة فتابع بقلب يصرخ لأجلها: -ناوليني إيدك علشان أعلق لك الكانيولا. بعد قليل كان يقف داخل الصيدلية لتستقبله الفتاة وهي تقول: -اؤمر يا أستاذ. دار بعينيه ونظر على ذاك الصيدلي يتطلع عليه وهو يضع رأسه بين كفيه، والهم والحزن يقفزان من منظر تنكيس رأسه، نطق قاصدًا إياه كي ينتبه: -السلام عليكم يا دكتور فريد.
رفع رأسه بإرهاق، يتطلع على صاحب الصوت وما أن رآه حتى انتفض جسده وأصابته الرعشة، تمالك من حالة جلد الذات وتحدث: -وعليكم السلام. نطق الرجل: -كنت عاوز استأذنك تديني كلكوز للحاجة أمي لأنها مانعة الأكل. وتابع وهو يشير إلى الفتاة: -والآنسة مهجة تيجي معايا تركبه لها.
ارتعب جسد الفتاة ونظرت للطبيب تحرك رأسها بإشارة رافضة ونظرات زائغة مرتعبة، شعر الرجل بطعنة خنجر مدبب في وسط قلبه وأصابته خيبة الأمل من رد فعل الفتاة، ولماذا سيلوم عليها وجميع أهل البلدة أصبحوا يتعاملون معهم على أنهم وباء يجب الابتعاد عنه. تنهد الطبيب وتحدث ببقايا ضميره الذي استيقظ بعدما ابتلي نجله الوحيد بذاك المرض القاتل: -أنا هاجي أركب لها المحلول بنفسي. وكأنه أحيا روحه فهتف بلهفة وحماس ظهر بصوته:
-ربنا يسترك دنيا وآخرة يا دكتور، ومعلش ليا طلب كمان، ياريت تجهز حقنة الفيتامين اللي أمي كانت بتاخدها عندك كل شهر.
بمجرد الاستماع إلى حديث الشاب ذكره بقذارة ما قام بفعله في تلك المسكينة، شعور يلح عليه بأن يصرخ معترضًا ويقوم بتكسير كل شيء من حوله، ليت الزمان يعود به ما كان سمح لنفسه باتباع "شر البلية" "عمرو" و"إجلال" والانجراف وراء خطتهما الحقيرة، ربما لو تخلى عن المال الحرام وكف عن أذية المرأة لكان نجله الآن بصحة تامة كما كان.
بعد قليل توجه فريد وخطى بساقيه إلى حجرة أزهار، شعور بالمرارة أصابه وبات ضميره يصرخ وهو يرى حالة المرأة، حمل نفسه كامل الذنب فيما وصلت إليه تلك المسكينة من حالة صحية بجانب فضيحة لم يسبق وتعرضت لها حتى من هن يسلكن طريق الشيطان كـ سمية وغيرها من الزانيات الخاسرات لدينهن ودنياهن وآخرتهن إن لم يتوبن لله توبة نصوحة قبل أن توافيهن المنية. اقترب عليها وارتدى قفازات اليد لحمايته ثم تحدث وهو يجهز المحلول: -إزيك يا ست أزهار.
لم تجبه لحالتها المزرية وزهدها لجميع مظاهر الحياة فتابع بقلب يصرخ لأجلها: -ناوليني إيدك علشان أعلق لك الكانيولا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!